فللموت تغدو الوالدات سخالها... كما لخراب الدور تبنى المساكن
ومثله: لا أرى حصناً سينجي أهله... كل حي لفناء ونفد
وموافقة "في" (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)، (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ)، وقال مسكين الدرامي: أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم... كما قد مضى لقمان عاد وتبع
[و]: وكل أب وابن وإن عمرا معاً... مقيمين مفقود لوقت وفاقد
وموافقة "عند" كقراءة الجحدري: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ)، قال أبو الفتح: "أي عند مجيئه إياهم، كقولك: كتب لخمس خلون".
وأنشد غير المصنف للعجاج:
تسمع للجرع إذا استحيرا... للماء في أجوافها خريرا
/أي: عند الجرع، والاستحارة: الجرع، والخرير: صوت الماء.
وموافقة "إلى" (سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ)، (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى).
وموافقة (بعد) (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)، أي: بعد زوالها، وقال: فلما تفرقنا كأني ومالكا... لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً
أي: بعد طول اجتماع.
وموافقة "علي" (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا)، و (دَعَانَا لِجَنْبِهِ)، (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)، وقال الشاعر:
تناوله بالرمح، ثم أنني له... فخر صريعاً لليدين للفم
وموافقة "من" كقول جرير: لنا الفضل في الدنيا، وأنفك راغم... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي: ونحن منكم.
ومثله ما أنشده ثعلب:
وإن قرين السوء لست بواجد... له راحة ما عشت حتى تفارقه
أي: بواجد منه راحة.
وقال:
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل... عليك بروق جمة ورواعد
انتهت مثل معاني لام الجر، وهي منقولة من شرح المصنف باختصار.
فأما أن اللام تكون للاستحقاق فهي عبارة س. وعبر عن هذا المعنى الفارسي بالتحقيق، ويريد به أن الشيء حق لهذا، فقولهم: سرج للدابة، أي: حق للدابة أن يكون لها سرج.
وقال المبرد: "معنى اللام جعل الأول لاصقاً بالثاني".
وأبطل ذلك بأنها لو كانت للإلصاق لكانت بمعنى الباء؛ لأنها تجعل الأول لاصقاً بالثاني في نحو: أمسكت بزيد، وسطوت بعمرو، وللزم أن تستعمل حيث استعملت الباء، فتقول: سطوت لزيد، ولا يقال ذلك، فدل على بطلانه.
قال بعض أصحابنا: والصحيح ما قاله س من أنها للاستحقاق، وهو معناها العام؛ لأنه لا يفارقها، وإنما جعلت للملك لأنه ضرب من الاستحقاق، وقد تدخلها مع ذلك معان أخر.
وأما كونها للصيرورة - ويعبر عنها أيضاً بالعاقبة والمآل - فأورد ذلك أصحابنا على أنه مذهب مردود، وهو منسوب للأخفش.
وتقرير مذهبه أن الالتقاط لم يكن لكونه عدواً لهم وحزناً، بل الالتقاط كان ليكون حبيباً وولداً، فآل أمره إلى أن كان لهم عدواً، فاللام للصيرورة.
ورد بأنه حذف السبب وأقيم المسبب مقامه.
وأما كونها بمعنى "على"، وبمعنى "مع"، وبمعنى التعليل، وبمعنى "بعد"، وبمعنى "من"، وبمعنى "في"، وبمعنى "إلى" - فهو مذهب الكوفيين، وتبعهم القتبي.
وأما كونها بمعنى "على"، وبمعنى "مع"، وبمعنى التعليل، وبمعنى "بعد"، وبمعنى "من"، وبمعنى "في"، وبمعنى "إلى" - فهو مذهب الكوفيين، وتبعهم القتبي.
وأرادوا من كونها بمعنى "على" قوله تعالى (لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا)، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا)، (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ)، (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ)، وفي الحديث: (واشترطي لهم الولاء).
ومن كونها بمعنى "بعد" (صوموا لرؤيته).
وبمعنى "إلى": أوحى له، أي: إليه.
وتأول ما استدلوا به بعض شيوخنا، فأما:
................................. فخر صريعاً لليدين وللفم
وما أنشده القتبي من قول الشاعر:
كأن مخواها على ثفناتها... معرس خمس، وقعت للجناجن
فلما كانت اليدان تتقدمان سائر البدن صار ذلك شبيهاً بما يسقط بسقوط غيره؛ فدخلت اللام لملاحظة ذلك الشبه.
وبهذا يتأول - والله أعلم - (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ).
وأما "لطول اجتماع" واستدلالهم بأن المعنى: بعد طول اجتماع - فإنما يريد: كأني ومالكاً لم نجتمع، وأوجب له هذا القول وهذا الشبه طول اجتماعهم قبل ذلك، ولولا الاجتماع قبل لما صح أن يقول: كأني ومالكاً لم نبت ليلة معاً، فكأنه قال: أشبهت من لم يجتمع لأجل ما كان منا من طول اجتماع، ولولا ذلك لم يقل أشبهت.
وأما كونها للتعليل في نحو: فعلت ذلك لك، أي: من أجلك، وقول العجاج:
تسمع للجرع إذا استحيرا... للماء في أجوافها خريرا
ففيها معنى الملك؛ لأن الشيء إذا وقع بسبب الشيء ومن أجله فهو له.
وأما: كتبته لثلاث خلون، وقول الراعي:
حتى وردن لتم خمس بائص... جداً، تعاوره الرياح، وبيلا
وقوله: خط هذا الكتاب في يوم سبت... لثلاث خلون من رمضان
فلأنها لم تخل من معناها؛ لأن الكتب صار متصلاً بالثلاث، و"بعد" لا يفهم ذلك؛ لأنك إذا قلت كتبت بعد كذا لم تقتض الاتصال، وكتبت لثلاث معناه الاتصال بالثلاث، فلما كان لمضي الثلاث وقع الكتب، فكأنها أوجبت الكتب من حيث إنه وجد عندها، فصار شبيهاً بما وجد بوجود غيره، وهذا من طريق الاستعارة لما بينهما من الشبه.
وقال بعض شيوخنا: "اختلف الناس في زيادتها، فأما س فلم يذكر ذلك، وتابعه عليه أبو علي.
وذهب أبو العباس إلى زيادتها، واستدل بقوله تعالى: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ)، المعنى: ردفكم، وبقوله: (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)؛ لأنك تقول: عبرت الرؤيا، ولا تقول: عبرت للرؤيا، كما لا تقول: ضربت لزيد.
ثم تأوله على تضمين ردف معنى تهيأ" انتهى.
قال: وفي كتاب البخاري: ردف بمعنى قرب.
وهذا يدل على أن مأخذه فيه التضمين.
وأما (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) فهو مقو لوصول الفعل إلى الاسم لتقدمه، فإذا تأخر /عنه الفعل ضعف، فاحتيج إلى حرف يصل به.
ويدلك على أن الفعل إذا تأخر ضعف قولهم: زيد ضربت، ولا تقول: ضربت زيد.
قال بعض أصحابنا: إنما معناها العام الاستحقاق، وإنما جعلها النحويون للملك لأنه ضرب من الاستحقاق، والتي تداخلها مع الملك والاستحقاق معان أخر، فإن الداخل منها على الاسم الصريح خمسة أنواع:
أن تكون للسبب؛ ألا ترى أن المسبب مستحق بسببه.
وللقسم إذا كان في الكلام معنى التعجب، نحو: لله لا يبقى أحد؛ ألا ترى أن اسم الله - تبارك وتعالى - مستحق لأن يقسم به.
والاستغاثة أو ما يجري مجراها - وهو التعجب - ألا ترى أنه مستحق لأن يستغاث به ولأن يتعجب منه.
ولتقوية عمل العامل، وهي الداخلة على المفعول إذا تقدم على العامل فيه.
وزائدة في باب "لا"، وباب النداء، [نحو]: لا أبا لك، ويا بؤس لزيد، وفي نحو: ضربت لزيد، ونحو قوله:
وملكن ما بين العراق ويثرب... ملكاً أجار لمسلم ومعاهد
وأنشد الفراء: يذمون للدنيا وهم يرضعونها... أفاويق حتى ما يدر لها ثعل
وقول الآخر: فلما أن تواقفنا قليلاً... أنخنا للكلاكل، فارتمينا
وقد يجيء ذلك في الكلام إلا أنه قليل لا يقاس عليه، قال تعالى (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ).
ومما استدل به الكوفيون على أن اللام تكون بمعنى "إلى" قوله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)، وقال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)، وبقول العرب: أوحى له، وأوحى إليه، بمعنى واحد، وبقولهم: هداه لكذا، وهداه إلى كذا.
وتأول على أنه إذا عدي بإلى أوحى كان بمعنى: أشار، ومنه:
فأوحت إلينا، والأنامل رسلها..............................................
أي: أشارت.
وبمعنى: أرسل، يقال: أوحى إليه بكذا، أي: أرسل إليه.
وبمعنى: ألهم، قال تعالى (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)، أي: ألهمها؛ لأن الإلهام إشارة في المعنى.
ويكون أوحى بمعنى: أمر، فيتعدى إذ ذاك باللام، ومنه (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)، أي: أمرها.
وإنما تعدت باللام إذا كانت بمعنى أمر لأن أمر الله - تعالى - للأرض قول في المعنى، قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، فكأنه قال: بأن ربك قال لها: حدثي أخبارك.
وكذلك هدى، تكون بمعنى: وفق، فتتعدى إذ ذاك تعديها باللام، فيقال: هداه الله للدين، المعنى: وفقه الله للدين.
وبمعنى: بين، فتتعدى تعديها، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ)، قال أبو عمرو بن العلاء: معناه أولم يبين لهم.
وقد تكون بمعنى: عرف، فتتعدى إذ ذاك إلى مفعولين بنفسها، فتقول: هديته /الطريق، أي:
عرفته الطريق، قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).
ولا يعديها إلى مفعولين بنفسها إلا أهل الحجاز، وغيرهم من العرب يقول: هديتهم للطريق، يجعلونها بمعنى أرشدتهم.
ولا ينكر اختلاف تعدي الفعل بسبب ما يشرب من المعاني؛ ألا ترى أنهم يستعملون "بكيت" غير متعد إذا أشربوه معنى "نحت"؛ لأن البكاء نوح في المعنى، وقد يقال: بكيت زيداً، فيتعدى إلى مفعول واحد إذا أشرب معنى رثيت، وإلى مفعولين، فيقال: بكيت زيداً دماً، يضمنونه معنى: أتبعت زيداً دماً.
والدليل على أن دماً مفعول به قوله:
ولو شئت أن أبكي دماً لبكيته... عليك، ولكن ساحة الصبر أوسع
فإضماره يدل على أنه ليس من جنس التمييز.
وتأول "فخر صريعاً لليدين وللفم"، و"وقعت للجناجن" على أن اللام تتعلق بمحذوف، أي: مقدماً لليدين، ووقعت مقدمة للجناجن.
وأما بيت متمم فتقديره: لفقد طول اجتماعنا، أو لانقطاع طول اجتماعنا.
وأما كتبته لثلاث خلون فهو على تقدير: لانقضاء ثلاث، ولانقضاء تم خمس.
وقوله وتزاد مع مفعول ذي الواحد قياساً قال المصنف في الشرح: "ومن لامات الجر الزائدة، ولا تزاد إلا مع مفعول به بشرط أن يكون عامله متعدياً إلى واحد، فإن كانت زيادتها لتقوية عامل ضعف بالتأخر، نحو (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)، أو بكونه فرعاً في العمل، نحو (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) - جاز
القياس على ما سمع منها.
وإن كانت بخلاف ذلك قصرت على السماع، نحو (رَدِفَ لَكُمْ)، ومنه قول الشاعر:
ومن يك ذا عود صليب رجا به... ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره"
انتهى.
وقد تقدم الكلام على كونها تكون زائدة والخلاف في ذلك بين س وأبي العباس.
وقوله وفتح اللام مع المضمر لغة غير خزاعة يعني أن لغة العرب غير خزاعة فتح اللام مع المضمر، نحو: لنا، ولكم، ولها، وله.
وأما خزاعة فلام الجر عندهم مكسورة كما هي إذا دخلت على المظهر، تقول: لنا، ولكم، ولها وله.
وكان ينبغي للمصنف أن يستثني من صور المضمر ياء المتكلم، فإن اللغتين اتفقتا على كسر اللام معها، فيقولون: لي.
ودل كلام المصنف بالمفهوم من نصه هذا أن المظهر متفق على كسر اللام إذا دخلت عليه؛ وقد نص هو في الشرح على ذلك، قال فيه: "وكل العرب يفتحون لام الجر الداخلة على مضمر إلا خزاعة، فإنها تكسرها مع المضمر كما تكسر مع غيره في اللغات كلها" انتهى.
وليس كذلك، بل الكسر مشهور كلام العرب إلا مع المستغاث به غير المعطوف على غيره بغير تكرير ياء فالفتح.
وحكى أبو عمرو ويونس وأبو عبيدة
وأبو الحسن أنهم سمعوا العرب تفتحها مع الظاهر على الإطلاق، فيقولون: المل لزيد، بفتح الام.
/وما حكاه المصنف عن خزاعة أنها تكسر مع المضمر حكاه اللحياني عن بعض العرب، يقولون: المال له، كما يقولون: به، وذلك قليل جداً.
وقوله ومع الفعل لغة عكل وبلعنبر قال أبو زيد: سمعت من يقول: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ) بفتح اللام، وقرأ سعيد بن جبير فيما حكى عنه المبرد (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)، وفتحها، حكاه مكي بن أبي طالب عن بني العنبر، كما حكاه المصنف، وأنشدوا:
وتأمرني ربيعة كل يوم... لأشريها وأقتني الدجاجا
الرواية بفتح لام لأشريها.
ص: وتساوي لام التعليل معنى وعملاً "كي" مع "أن"، و"ما" أختها والاستفهامية.
ش: قال المصنف في لاشرح: "كي على ضربين: مصدرية تذكر في إعراب الفعل، وجارة تساوي لام التعليل، ولا تدخل إلا على "أن"، كقوله: فقالت: أكل الناس أصبحت مانحاً... لسانك كيما أن تغر وتخدعا
أو على "ما" المصدرية، كقوله: إذا أنت لم تنفع فضر، فإنما... يراد الفتى كيما يضر وينفع
أو على "ما" الاستفهامية، كقولك سائلاً عن العلة: كي مَ فعلته؟ وفي الوقف: كيمة؟ كما تقول: لم فعلت؟ ولمة؟ انتهى".
فقوله "إن كي تساوي لام التعليل معنى"، أي: تجيء للتعليل كما تجيء اللام للتعليل.
وقوله وعملاً يعني أنها تكون جارة كما أن اللام جارة، إلا أن اللام تجر الاسم الصريح، وتدخل على المضارع مقدراً أن بينها وبينه، فينصب بإضمار أن، وتكون أن المقدرة والفعل ينسبك منهما مصدر، هو في موضع جر بكي، ولا يجوز أن يصرح به بعد كي.
وما ذكره المصنف من أنها تكون "كي" في أحد قسميها جارة هو مذهب البصريين، إلا أن ظاهر كلامه يدل على أنها لا تكون جارة إلا إذا دخلت على أن لفظاً، وعليه أنشد "كيما أن تغر وتخدعا"، وهذا ليس مذهب البصريين، بل مذهبهم أنها إذا كانت جارة كانت أن مضمرة بعدها وجوباً، وأن العرب التزمت إضمار أن بعدها، فأما "كيما أن تغر" فإنما أظهرت على سبيل الشذوذ ومنبهة على الأصل.
وظاهر كلامه أيضاً أنها تكون جارة إذا دخلت على "ما" المصدرية، وعليه أنشد "كيما يضر وينفع"، فـ"ما" عنده مصدرية، ينسبك منها ومن الفعل بعدها مصدر، يكون في موضع جر بـ"كي"، ولما كانت "أن" عاملة نصبت تغر، و"ما" غير عاملة فارتفع الفعل بعدها، وهو: يضر وينفع.
وما ذهب إليه المصنف من أن "ما" مصدرية في هذا البيتت غير موافق عليه؛ بل ذهب أصحابنا إلى أن "ما" كافة لـ"كي" عن العمل، وأن "كي" في البيت هي الناصبة بنفسها لا الجارة، وأن "ما" كفتها عن العمل كـ"ما" اللاحقة لـ"رب" في قوله: (رُبَمَا يَوَدُّ)، فيكون الفعل الواقع بعدها مرفوعاً، وعليه أنشدوا "كيما يضر وينفع".
وأما إذا انتصب الفعل بعد "كي" المتصل بها "ما" فـ"ما" عندهم زائدة، كما زيدت "ما" بين الخافش ومخفوضه زادوا "ما" بين الناصب ومنصوبه، وكما فصلوا بينهما بـ"لا" النافية، قال تعالى: (لِكَيْ لَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)، وقال الشاعر:
أردت لكيما يعلم الناس أنها... سراويل قيس، والوفود شهود
وقال آخر:
حبسنا، ولم نسرح لكي لا يلومنا،... على حكمه صبراً معودة الحبس
وقال الآخر: أردت لكيما تجمعيني وصاحبي... ألا لا، أحبي صاحبي، وذريني
وقد يفصل بهما معاً، قال: أردت لكيما لا ترى لي عثرة... ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل
وذهب الكوفيون إلى أن "كي" لا تكون حرف جر، لا إذا دخلت على الفعل ولا إذا دخلت على "ما" الاستفهامية، بل هي حرف نصب على كل حال.
وقالوا: إضمار أن وهي مخفوضة قبيح شاذ، ولا يحسن أن تقول: أمرت زيداً بيحسن، فلما جاء الفعل منتصباً بعدها في فصيح الكلام دل على أنها ليست حرف جر.
وأما زعم البصريين أنها تجر اسم الاستفهام في قولهم: كيمه؟ واستدلالهم بذلك على أنها حرف جر - فلا حجة في ذلك؛ لأن "مه" ليست مخفوضة، وإنما هي منصوبة على مذهب المصدر، يقول القائل: أقوم كي تقوم، فيسمعه المخاطب، ولا يفهم تقوم، فيقول: كيمه؟ يريد: كي ماذا؟ أي: كي تفعل ماذا؟ فموضع "مه" نصب بفعل مضمر على جهة المصدر والتشبيه به، وليس لـ"كي" فيه عمل، وقد أجمعنا على أن "كي" هي الناصبة للمضارع في قولك: جئت لكي تغضب، فيلزم على ما ذهبتم إليه من أنها تكون جارة أن تكون من عوامل الأسماء والأفعال؛ وهذا فاسد لأن عوامل كل واحد من صنفي الأسماء والأفعال مختصة به لا تعمل في غيره.
وأما البصريون فاستدلوا على أن "كي" جارة في قولهم "كيمه" بحذف ألف "ما" الاستفهامية، ولا تحذف إلا مع حروف الجر، نحو (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)، (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا)، (فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ): علام تقول الرمح يثقل عاتقي............................................
فأما قول الشاعر: ألا مَ تقول الناعيات، ألا مه... ألا فانعيا بيت الندى والكرامه
فحذف ألف "ما" الاستفهامية بعد ألا، وليست حرف جر، فإن ذلك على سبيل الضرورة، بخلاف حذف ألفها بعد "كي"، فإنه في فصيح الكلام، ولا يحذف في فصيح الكلام إلا مع حروف الجر.
وأيضاً ما ادعاه الكوفيون من إضمار الفعل بعد "كي" في قولهم "كيمه" دعوى.
وأيضاً فيلزم من ذلك تقديم الفعل على "ما" الاستفهامية وحذف ألفها بعد غير حرف /الجر، ولا يجوز حذف معمول الحرف الناصب للفعل وإبقاء الناصب، كما لا يجوز حذف معمول الحرف الجار للاسم وإبقاء الحرف.
-[ص: ومنها الباء للإلصاق، وللتعدية، وللسببية، وللتعليل، وللمصاحبة، وللظرفية، وللبدل، وللمقابلة، ولموافقة "عن" و"على" ومن" التبعيضية. وتزاد مع فاعل ومفعول وغيرهما.]-
ش: ظاهر كلام المصنف في معاني هذه الحروف أنها وضعت مشتركة بين ما نذكر أنها وردت له؛ وأصحابنا لا يثبتون ذلك، بل يأتون في أكثرها بأنها يجيء
الحرف منها لمعنى، ثم إنه قد يستعمل لذلك المعنى، وينجر معه معنى آخر، فليس الحرف موضوعاً لتلك المعاني بجهة الاشتراك.
قال أصحابنا: الباء غير الزائدة لا تكون إلا بمعنى الإلزاق والاختلاط حقيقة أو مجازاً، فقد تتجرد لهذا المعنى، وقد تدخلها مع ذلك معان أخر.
وحركة الباء الكسر، وربما فتحت مع الظاهر، فقالوا: بزيد، حكاه أبو الفتح عن بعضهم.
وقوله للإلصاق مثل ذلك المصنف في الشرح، وقال: "هي الواقعة في نحو: وصلت هذا بهذا".
وقال أصحابنا: التي لمجرد الإلزاق والاختلاط نوعان:
أحدهما: الباء التي لا يصل الفعل إلى المفعول إلا بها، نحو: سطوت بعمرو، ومررت بزيد.
والإلزاق في مررت بزيد مجاز، لما التزق المرور بمكان بقرب زيد جعل كأنه ملتزق بزيد.
والآخر: الباء التي تدخل على المفعول المنتصب بفعله إذا كانت تفيد مباشرة الفعل للمفعول؛ وذلك نحو: أمسكت بزيد، الأصل: أمسكت زيداً، فأدخلوا الباء ليعلموا أن إمساكك إياه كان بمباشرة منك له، وذلك أنك تقول أمسكت زيداً إذا منعته من التصرف بوجه ما، ولم تكن مباشراً لذلك، فإذا قلت أمسكت بزيد أفدت بالباء أنك باشرت إمساكه.
ولم يذكر س للباء معنى غير الإلصاق، وذكر أصحابنا المتأخرون وغيرهم لها معاني غير الإلصاق، ونسرد ما ذكروا منجرا مع كلام المصنف.
وقوله وللتعدية قال المصنف في الشرح: "هي القائمة مقام همزة النقل في إيصال الفعل اللازم إلى مفعول به، كالتي في (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)، و (لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) ".
وذكر أصحابنا أن التي تدخلها مع معنى الإلزاق والاختلاط معان أخر ستة أنواع:
أحدها: أن تكون للنقل.
قال بعضهم: "وأعني بذلك أن تدخل على الفاعل، فيصير مفعولاً".
قال بعض شيوخنا: "وإذا نظرت إلى هذه الباء التي بمعنى الهمزة وجدت فيها الإلصاق والاختلاط؛ لأنك إذا جعلته يدخل فقد ألصقت الدخول به، فالإلصاق عام فيها حيث ما وقعت، وتلك المعاني تصاحب في موضع، وتفارق في آخر، فينبغي أن يدعى أنها وضعت بإزاء المعنى المصاحب في كل حال، لا بإزاء المعنى الذي يكون بحكم الانجرار لا بحكم الوضع" /انتهى.
وقول المصنف في التي للتعدية "إنها هي القائمة مقام همزة النقل في إيصال الفعل اللازم إلى مفعول به" ليست مختصة بالفعل اللازم؛ فقد وجدت في المتعدي، تقول: دفع بعض الناس بعضاً، وصك الحجر الحجرن ثم تقول: دفعت بعض الناس ببعض، وصككت الحجر بالحجر، فتقول من قال "هي الداخلة على الفاعل، فيصير مفعولاً" أسد؛ لأنها وجدت مع الفعل المتعدي كما وجدت مع اللازم.
وقوله وللسببية قال المصنف في الشرح: "هي الداخلة على صالح للاستغناء به عن فاعل معداها مجازاً، نحو (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا)،
و (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ)، فلو قصد إسناد الإخراج إلى الهاء من قوله (فَأَخْرَجَ بِهِ)، وإسناد الإرهاب إلى الهاء من قوله (تُرْهِبُونَ بِهِ)، فقيل: أنزل ما أخرج من الثمرات رزقاً، وما استطعتم من قوة ترهب عدو الله - لصح وحسن، لكنه مجاز، والآخر حقيقة.
ومنه: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين، فإنه يصح أن يقال: كتب القلم، وقطع السكين.
والنحويون يعبرون عن هذه الباء بباء الاستعانة.
وآثرت على ذلك التعبير بالسببية من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى، فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة فيها لا يجوز" انتهى.
وقال أصحابنا: هي الباء التي تدخل على سبب الفعل، وهو أحد المعاني الست التي تنجر مع الإلصاق، قالوا: نحو عنفت زيداً بذنبه، فالتعنيف اتصل بزيد بسبب ذنبه، ومنه قول لبيد:
غلبت تشذر بالذحول، كأنها... جن البدي رواسياً أقدامها
أي: تشذر بسبب الذحول.
قال بعض شيوخنا: ذكر القتيبي أن الباء تكون بمعنى: من أجل، وأنشد بيت لبيد.
قال: والإلصاق لا يفارقها؛ لأنها إذا تشذرت - أي: تصعبت - بسبب الذحول فبلا شك أن الذحول هيجها، وجعلها تشذر، فقد صارت الباء هنا بمنزلتها في: تحركت بكذا، وسكنت بكلامك، فكما لا خفاء في هذا أن الإلصاق بها كذلك في البيت.
وما ذهب إليه المصنف من أن ما ذكره النحويون من أن الباء تكون للاستعانة مدرج في باء السببية قول انفرد به؛ وأصحابنا فرقوا بين باء السببية وباء الاستعانة، وجعلوا الاستعانة من المعاني الستة التي انجرت مع الإلصاق، فقالوا في باء السبب ما تقدم من أنها التي تدخل على سبب الفعل، وقالوا في باء الاستعانة: إنها التي تدخل على الاسم المتوسط بين الفعل ومفعوله الذي هو آلة، وذلك: كتبت الكتاب بالقلم، وعمل النجار الباب بالقدوم، وبريت القلم بالسكين، وخضت الماء برجلي، ولا يمكن أن يقال إن سبب كتابة الكتاب هو القلم، ولا سبب عمل النجار الباب هو القدوم، ولا سبب بري القلم هو السكين، ولا سبب /خوض الماء هو الرجل، بل السبب غير هذا، فجعل هذا سبباً ليس بواضح.
ومثل أصحابنا باء السبب بقولك: مات الرجل بالغيظ وبالجوع، وحججت بتوفيق الله، وأصبت الغرض بفلان.
وقوله وللتعليل قال المصنف في الشرح: "هي التي تحسن غالباً في موضع اللام، نحو قوله تعالى: (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ)، و (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا)، و (إِنَّ الْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ)، وكقول الشاعر:
ولكن الرزية فقد قرم... يموت بموته بشر كثير
واحترزت بقولي غالباً من قول العرب: غضبت لفلان، إذا غضبت من أجله وهو حي، وغضبت به، إذا غضبت من أجله وهو ميت" انتهى.
ولم يذكر أصحابنا أنها تكون للتعليل، وكأن التعليل والسبب عندهم شيء واحد، ويدل على ذلك أن المعنى الذي سمى المصنف به باء السبب هو موجود في باء التعليل؛ ألا ترى أنه يصلح أن ينسب الفعل لما دخلت عليه باء التعليل كما يصح ذلك في باء السبب؛ ألا ترى أنه يصح: ظلم أنفسكم اتخاذكم العجل، وحرم على اليهود طيبات ظلمهم.
وأما قوله تعالى (يَاتَمِرُونَ بِكَ) فليست باء التعليل، بل التعليل هو قوله: (لِيَقْتُلُوكَ)، والباء ظرفية، أي: يأتمرون فيك، أي: يتشاورون في أمرك لأجل القتل، ولا يكون للائتمار علتان.
وأما قوله "يموت بموته" فلا شك أن الباء هنا لسبب، ويعكر على ما قعد المصنف من أن هذه الباء يصح أن ينسب الفعل إلى ما دخلت عليه مجازاً؛ لأنه لا يصح ذلك هنا.
وقوله وللمصاحبة قال المصنف في الشرح: "هي التي تحسن في موضعها (مع)، وتغني عنها وعن مصحوبها الحال، كقوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ)، أي: مع الحق، ومحقاً، وكقوله: (اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا)، أي: مع سلام، ومسلماً.
ولمساواة هذه الباء (مع) قد يعبر س عن المفعول معه بالمفعول به" انتهى.
وهذا المعنى قد ذكره أصحابنا، وهو أحد الستة المعاني التي تنجر مع الإلصاق.
وقوله وللظرفية هي التي تحسن مكانها "في"، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ)، (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا)، (نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ).
وهذا أحد المعاني الستة التي تنجز مع الإلصاق.
وبقي من المعاني الستة التي ذكرها أصحابنا باء القسم، نحو: بالله لأقومن فهذه الباء ألزقت فعل القسم المحذوف بالمقسم به؛ ألا ترى أن الأصل: أقسم بالله لأقومن، إلا أن فعل القسم لما حذف وقام المجرور مقامه أفادت الباء ما كان يفيده الفعل لو ظهر.
وقوله وللبدل قال المصنف في الشرح: "هي التي يحسن في موضعها (بدل)، كقول رافع بن خديج: (ما يسرني أني شهدت بدراً بالعقبة)، ومثله قول الشاعر:
فليت لي بهم قوماً، إذا ركبوا... شنوا الإغارة فرساناً وركباناً
/ومثله قول الآخر: يلقى غريمكم من غير عسرتكم... بالبذل بخلا، وبالإحسان حرماناً"
انتهى.
قال بعض أصحابنا: "وزاد بعض المتأخرين في معاني الباء أن تكون بمعنى البدل والعوض، نحو قولك: هذا بذاك، أي: هذا بدل من ذاك وعوض منه".
قال: "والصحيح عندي أن معناها السبب؛ ألا ترى أن التقدير: هذا مستحق بذلك، أي: بسببه".
وقوله وللمقابلة قال المصنف في الشرح: "هي الداخلة على الأثمان والأعواض، كقولك: اشتريت الفرس بألف، وكافأت الإحسان بضعف.
وقد تسمى باء العوض".
وقوله ولموافقة "عن"، و"على"، و"من" التبعيضية أما كونها بمعنى "عن" فمنقول عن الكوفيين، وذلك بعد السؤال، ولم يقيد المصنف ذلك بالسؤال.
واستدل الكوفيون على ذلك بقوله تعالى (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا)، وبقول علقمة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني... بصير بأدواء النساء طبيب
وبقول مالك بن خريم: ولا يسأل الضيف الغريب إذا شتا... بما زخرت قدري له حين ودعا
وبقول الآخر: دع المغمر، لا تسأل بمصرعه... واسأل بمصقلة البكري: ما فعلا
واستدل القتبي بقول ابن أحمر: تسائل بابن أحمر: من رآه؟... أعارت عينه، أم لم تعارا
واستدل المصنف في الشرح بقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ).
وبقوله: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ)، [كذا] قال الأخفش.
ومثله (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا).
ومثله قول الشاعر:
هلا سألت بنا فوارس وائل... فلنحن أسرعها إلى أعدائها
وكان الأستاذ أبو علي يتأول، فيقول: اسأل بسببه خبيراً، وبسبب النساء، أي: لتعلموا حالهن، وكذلك بيت ابن أحمر.
قال بعض أصحابنا: ولو كانت الباء بمعنى (عن) لجاز: أطعمته بجوع، وسقيته بعيمة، تريد: عن جوع، وعن عيمة، وتعدية السؤال بالباء على سبيل التضمين، أي: فاعتن به، أو اهتم به؛ لأن السؤال عن الشيء اعتناء به واهتمام.
وأما كونها بمعنى "على" فمنقول عن الكوفيين أيضاً، واستدلوا بقول الشاعر:
بودك ما قومي على أن تركتهم... سليمى إذا هبت شمال وريحها
"ما" عندهم زائدة، والمعنى: على ودك قومي على أن تركتهم.
واستدل المصنف في الشرح على ذلك بقوله تعالى: (مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنْطَارٍ)، (مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ)، أي: على قنطار، وعلى دينار.
قال: "كذا قال الأخفش، وجعل مثله قولهم: مررت به، أي: عليه، قال تعالى: (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ)، قال تعالى: (يَمُرُّونَ عَلَيْهَا)، (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ)، (هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ) ". وبقول الشاعر:
أرب يبول الثعلبان برأسه... لقد هان من بالت عليه الثعالب
وقال بعض أصحابنا: فأما (بودك ما قومي) البيت فليست (ما) فيه زائدة كما ذهبوا إليه؛ ألا ترى أنه لو أراد: على ودك قومي سليمى على أن تركتهم - لم يكن لقوله (إذا هبت شمال وريحها) وجه، وإنما الود والود هنا الصنم، وما: استفهامية، والتقدير: أسألك بودك - أي: بصنمك - ما قومي؟ أي: أي شيء قومي إذا هبت شمال وريحها في وقت اشتداد الزمان، وعنى بريح الشمال النكباء، كما قال: ...................................... إذا النكباء ناوحت الشمالا
وقوله "على أن تركتهم" أي: على أن فارقتهم؛ لأن هذا الشاعر يخاطب سليمى، وكانت امرأته، ونشزت عنه، فطلقها، فارتحلت إلى قومها، فسألها بصنمها أن تخبر بما شاهدته من قومه في وقت هبوب الشمال ومناوحة النكباء، وهو وقت اشتداد الزمان.
وأما كونها بمعنى "من" التبعيضية فمذهب كوفي أيضاً، وهو قول القتبي.
واستدلوا بقوله تعالى: (يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)، وبقول الشاعر:
شربن بماء البحر، ثم ترفعت... متى لجج خضر، لهن نئيج
ويقول عنترة: شربت بماء الدحرضين، فأصبحت... زوراء، تنفر عن حياض الديلم
واستدل المصنف في الشرح بقوله: فلثمت فاها آخذاً بقرونها... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
وقال: "ذكر ذلك أبو علي الفارسي في (التذكرة)، وروى مثل ذلك عن الأصمعي في قول الشاعر: شربن بماء البحر.
البيت".
قال المصنف في الشرح: "والأجود أن يضمن شربن معنى روين، كما ضمن يحمى معنى يوقد، فعومل معاملته في (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ)؛ لأن المستعمل أحميت الشيء في النار" انتهى.
وقال بعض أصحابنا ما ملخصه: "لو كانت الباء للتبعيض لقلت: زيد بالقوم، تريد: من القوم، وقبضت بالدراهم، أي: من الدراهم، والباء في (يَشْرَبُ بِهَا) ونظيره بمعنى (في)، وهو أولى من قول من جعلها زائدة؛ لأن زيادة الباء في المفعول لا تنقاس" انتهى.
وفي البسيط: "ولم يذكر أحد من النحويين أن الباء للتبعيض.
وقيل: تكون له، نحو قولك: مسحت بالمنديل، ومسحت المنديل، و"أخذت زمام الناقة، وأخذت بزمامها" انتهى.
وزعم بعض النحويين - ومنهم ابن هشام - أن الباء تدخل على الاسم حيث يراد التشبيه، نحو: لقيت بزيد الأسد، ورأيت به القمر، أي: لقيت بلقائي إياه الأسد، أي: شبهه.
والصحيح أنها للسبب /أي: بسبب لقائه، وبسبب رؤيته.
وزعم أيضاً أنها تدخل على ما ظاهره أن المراد به غير ذات الفاعل أو ما أضيف إلى ذات الفاعل، نحو قوله:
........................................ ولم يشهد الهيجا بألوث معصم
وقوله: يا خير من يركب المطي، ولا... يشرب كأساً بكف من بخلا
فظاهره أن "بألوث معصم" غير فاعل يشهد، وأن ما أضيف إليه الكف - وهو: من بخل - غير فاعل يشرب، والمراد في الحقيقة أن فاعل يشهد هو: ألوث معصم، وفاعل يشرب هو: من بخل، كأنه قال: ولا يشرب من نفسه كأساً بكف من بخل، أي: يشرب كأسه بكفه، وليس ببخيل.
والصحيح أنها باء الاستعانة في: بكف من بخل؛ لأنها توسطت بين لفعل ومفعوله كما هي في قولك: شربت بكفي.
وكذلك في: بألوث معصم.
وقوله وتزاد مع فاعل ومفعول وغيرهما مثالها مع الفاعل: أحسن بزيد! و (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)،:
...... وحب بها مقتولة وقول الشاعر: ألم يأتيك- والأنباء تنمي-... بما لاقت لبون بني زياد ألا هل أتاها- والحوادث جمعة-... بأن امرأ القيس بمن تملك بيقرأ و: ........... أودى بنعلي وسرباناليه وزيادتها مع المفعول ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ و ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، و ﴿يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ في قراءة أبي جعفر، وقول الشاعر: شهيدي سويد، والفوارس حوله... وما ينبغي بعد ابن قيس بشاهد ومثله:
فلما رجت بالشرب هز لها العصا... شحيح، له عند الإناء نهيم
ومثله:
فكفى بنا فضلا على من غيرنا... حب النبي محمد إيانا
أي: كفانا
وكثرت زيادتها في مفعول عرف وشبهه، وقلت زيادتها في مفعول ذي مفعولين، كقول حسان:
تبلت فؤادك في المنام خريدة... تسقى الضجيع ببارد بسام
ومثال زيادتها في غيرهما: بحسبك، وفيما ذكر في باب "باب كان".
وهذا ملخص من كلام المصنف في الشرح.
وقال الفراء: "تقول العرب: هزه، وهز به، وخذ الخطاك وبالخطام، ورأسه وبرأسه، ومده ومد به، ومنه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ " انتهى.
فأما ما ذكره المصنف من أن الباء ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ في زائدة فهو مذهب ش. وأجاز ابن السراج، وأجاز وجها آخر، وهو أن تكون غير
زائدة، وفاعل كفى ضمير مستتر عائد على الاكتفاء المفهوم من كفى، كأنه قال: كفى هو بالله.
وهذا فاسد لأنه لا يكون للباء ما تتعلق به إلا/ الضمير، والضمير لا يجوز إعماله.
ورد ذلك ابن جنى من جهة أن معمول المصدر من كماله، فهو ومعمول كذلك بمنزلة اسم واحد، فلو أضمرت المصدر، وجعلت المجرور متعلقا بضميره- لأدى ذلك إلى أن يكون بعض الاسم مظهرا، وذلك غير جائز.
قال بعض أصحابنا: "وهذا الاستدلال فاسد؛ لأن الموصولات كلها صلاتها تمام لها، فكان يلزم على هذا ألا يكون في صلة الموصول ضمير يعود عليه؛ لئلا يؤدي إلى أن يكون بعض الاسم مضمرا وبعضه مظهرا، فلما وجدنا الموصول لابد له في صلته من ضمير يعود عليه دل ذلك على بطلان ما استدل به" انتهى
وقد منع س من إعمال المصدر مضمرا، وإعماله مذهب البغداديين وبعض البصريين.
وما ذكره المصنف من زيادة الباء في فاعل "كفى" فقد قيد ذلك أستاذنا أبو جعفر بن الزبير، فقال: "لا تزاد الباء في فاعل كفى إلا إذا كانت بمعنى حسب، وأما إذا كانت بمعنى وقى فلا تزاد، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ انتهى
وأما سياق المصنف الأبيات التي فيها "بما لاقت"، و"بأن امرأ القيس" و"أودى بنعلي" مساق ﴿وَكَفَى اللَّهُ﴾، وأحسن بزيد؛ و"حب بها" فذلك عند أصحابنا لا سواء؛ لأن زيادة الباء في الأبيات مخصوص عندهم بالضرورة.
وقد خرج بعض شيوخنا "ألم يأتيك" البيت على الإعمال، فيكون "ربما لاقت" متعلقا ب"تنمي" - أي: ترتفع- ويكون قد أضمر في يأتيك ضميرا يفسره قوله: بما لاقت.
قال بعض أصحابنا: ولا تحفظ زيادتها في المبتدأ إلا في: بحسبك زيد، أي حسبك، وفي قول الراجز:
أضرب بالسيف على نطابه... أتى به الدهر بما أتى به
ف "ما" مبتدأ، والباء زائدة، بدليل عودة الضمير عليها من الجملة التي قبلها، فدل على أن النية بها التأخير؛ إذ لو لم يكن منويا بها التأخير لم تجز عوجة الضمير منها على ما بعدها؛ لأن الضمير لا يتقدم على ما يعود عليه لفظا ونية إلا في أبواب معلومة، ليس هذا منها؛ وإذا كانت النية بها التأخير كانت ما مبتدأة، والجملة في موضع خبرها، والتقدير: ما أتى به الدهر أتى به.
وزعم بعض النحويين أن الباء في ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ زائدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون.
ولا ينبغي حمله على ذلك لقتله.
ويخرج على أن يكون المفتون مصدرا مبتدأ، والخبر في المجرور، والتقدير: بأيكم الفتون، أو صفة، والباء بمعنى في، والتقدير: في أيكم الفريق المفتون.
وأما:
فكفى بنا فضلا على من غيرنا...........
فأكثر أصحابنا خرجوه على زيادة الباء في المفعول.
وخرجه بعض شيوخنا على أنه من زيادة الباء في الفاعل، وجعل "حب النبي" بدل استمال من المجرور بالباء، والتقدير: فكفينا حب النبي.
وذكروا أيضا من زيادة الباء: قرأت/ بالسورة، وقول الشاعر:
هن الحرائر، لا ربات أحمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسور
وقوله:
نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
وقوله:
ضمنت برزق عالينا أرماحنا..........
وخرج الأستاذ أبو علي "قرأت بالسورة" على أن الباء للإلصاق، أي: ألزقت قراءتي بالسورة.
وخرج غيره "ونرجو بالفرج" على تضمين: ونطمع بالفرج؛ لأن طمع يتعدى بالباء، قال:
طمعت بليلى أن تريع، وإنما... تقطع أعناق الرجال المطامع
وضمنت برزق: تكفلت برزق.
وزعم الأخفش أنها زائدة في خبر المبتدأ في قوله تعالى ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾، أي: مثلها.
وأستدل بقوله في الآية الأخرى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
وخرج على أن التقدير: حاصل بمثلها أو يعلق ﴿بِمِثْلِهَا﴾ بقوله ﴿جَزَاءُ﴾، والخبر محذوف، التقدير: ثابت لهم.
ومن زيادة الباء في خبر المبتدأ قول الشاعر:
فلا تطمع- أبيت اللعن- فيها... فمنعكها بشيء يستطاع
أي: شيء يستطاع.
وذكر صاحب "البديع" أنها تزاد في المجرور، وقال: "وأما المجرور فقد جاء في الشعر شاذا، أنشد الفارسي:
فأصبحن لا يسألنني عن ما به.........
البيت.
وعلى زيادتها خرجه ابن جنى، وسيأتي الكلام فيه
-[ص: ومنها "في" للظرفية حقيقة أو مجازا، وللمصاحبة، وللتعليل، وللمقايسة، ولموافقة "على" والباء.]-
ش: مثال كونها حقيقة: زيد في البيت، والمال في الكيس.
ومثال كونها مجازا: زيد ينظر في العلم، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾.
وقوله وللمصاحبة هذا مذهب الكوفيين، وتبعهم الفتبي والمصنف.
ومذهب س والمحققين أنها لا تكون إلا للوعاء حقيقة أو مجازا.
وأستدل الكوفيون والقتبي على أنها للمصاحبة بمعنى "مع" بقول الآخر:
ولوح ذراعين في بركة... إلى جؤجؤ رهل المنكب
أي: مع بركة.
وقول خراشة بن عمرو العبسي.
كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت... من سكر قد بناه النحل في النيق
أو طعم عادية في جوف ذى حدب... من ساكن المزن، يجري في الغرانيق
أي مع الغرانيق، وساكن المزن: المطر، والغرانيق: طير الماء؛ لفرحها به تجرى معه، شبه بقولهم: يمشي في أصحابه.
وقد يكون من المقلوب، أي: تجري الغرانيق فيه.
وقال/ القتبي: "يقال: فلان عاقل في حلم".
وقال المصنف في الشرح: "، اي: مع أمم، ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾، ﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾، ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾، ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ومنه قول الشاعر:
كحلاء في برج، صفراء في نعج... كأنها فضة، قد مسها ذهب
ومثله:
شموس ودو في حياء وعفة... رخيمة رجع الصوت، طيبة النشر"
وتأولوا "في بركة" و"في الغرانيق" على حذف مضاف، أي: في جاني بركة، وفي مجرى الغرانيق.
قال بعض شيوخنا: "أما قوله فلان عاقل في حلم ف (في) تفيد هنا ما لا تفيده (مع)؛ لأنك إذا قلت فلان ذو عقل مع حلم لم يقتض أن عقله كان له في
حال اتصافه بالحلم؛ إذ قد يقال هذا لمن حلم في وقت، وظهر فيه عقل في وقت آخر، وإذا قلت فلان عاقل في حلم فالمعنى أن حلمه تصرف بالعقل على حسب مقتضاه، فكأنه دخل فيه.
وأما قول الجعدي (ولوح ذراعين في بركة) فكأنه قال: داخلان في بركة؛ ألا ترى أنه لا يقال في كلام العرب: ولوح ذراعين في كفل؛ لأن الذراعين لا يكونان في الكفل، و (مع) تصلح هنا، لو قلت له ذراعان مع كفل لكان ذلك صحيحا، وتقول: له رجلان في كفل، ولا تقول: رجلان في بركة، ويصلح أن تقول: مع بركة" انتهى.
وأما استدل به المصنف فكله محمول على الظرفية المجازية، ويحتمل أن يكون ﴿فِي أُمَمٍ﴾ على حذف مضاف، أي: في عذاب أمم، ويكون ﴿فِي النَّارِ﴾ بدلا.
وقوله للتعليل قال المصنف في الشرح: "كقوله تعالى، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾، ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾، ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (عذبت امرأة في هرة جبستها)، ومنه قوله الشاعر:
فليت رجالا فيك قد نذورا دمي... وهموا بقتلي- يا بثين- لقوني
ومثله: لوى رأسه عني، ومال بوده... أغانيج خود، كان فينا يزورها ومثله: أفي قملي من كليب هجوته... أبو جهضم تغلي على علي مراجله ومثله: بكرت باللوم تلحانا... في بعير، ضل، أو حانا" وقوله وللمقايسة قال المصنف في الشرح: "هي الداخلة على تال يقصد تعظيمه وتحقير متلوه، كقوله، ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وكقوله - عليه السلام -: (ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود)، وكقول الخضر لموسى - عليه السلام -: (ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر)، ومنه قول الشاعر:/
وما جمعكم في جمعنا غير ثعلب... هوى بين لحيي أخزر العين ضيغم
ومثله:
كل قتيل في كليب حلام... حتى ينال القتل آل همام"
انتهى.
ولا تظهر لي المقايسة في هذا البيت الأخير، والحلام: الجدي.
وقوله لموافقة على هذا مذهب الكوفيين، وتبعهم الفتبي، واستدلوا بقوله تعالى ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، أي: على جذوع النخل.
وبقول امرأة من العرب:
هم صلبوا العبدي في جذع نخلة... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
أي: على جذع نخلة.
وببقوله عنترة:
بطل، كأن ثيابه في سرحة... يحذي نعال السبت، ليس بتوءم
أي: على سرحة.
وبما حكي يونس عن العرب من أنها تقول: نزلت في أبيك، يريدون: على أبيك.
وقال القتبي: "تقول: لا يدخل الخاتم في إصبعي، أي: على إصبعي" وقال المصنف: "ومنه قول حسان:
بنو الأوس الغطارات، أزرتها... بنو النجار في الدين الصليب
قال بعض أصحابنا: ولو كانت (في) بمعنى (علي) لجاز أن تقول: في زيد دين، أي: على زيد دين، فأما الآية والأبيات فإن جذع النخلة بمنزلة المكان والمحل للمصلوب لاستقراره فيها، فصلح لذلك دخولها عليه كما تدخل على الأمكنة.
وأما ما حكاه يونس فعلى حذف مضاف، والتقدير: نزلت في كنف أبيك أو في ذرا أبيك ف "في" للوعاء، ولم تخرج عن بابها.
وأما (أدخلت الخاتم في إصبعي) فقال بعض شيوخنا: إذا دخل على الأصبع فهو بلا شك.
وقوله والباء هذا أيضا مذهب كوفي، وتبعهم القتبي وهذا المصنف.
واستدلوا على ذلك بقول زيد الخيل:
ويركب يوم الروع فيها فوارس... بصيرون في طعن الأباهر والكلى
أي: بطعن الأباهر.
وبقول الآخر:
وخضخضن فينا البحر حتى قطعنه... على كل جال من غمار ومن وحل
أي: بنا البحر.
وبقول الآخر، وهو أحد طيئ:
نلوذ في أم لنا ما تغتضب... من السحاب ترتدي وتنتقب
أي: بأم يعني: بأم سلمى أحد جبي طيئ.
وبقول أعشى بني بكر:
ربي كريم، مما يكدر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
/أي: بالمهارق.
تنوشد: حلف له، والمهارق: صحف الأنبياء.
واستدل المصنف في الشرح بقوله تعالى ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾، أي: به وبقول الأفوه الأودي:
أعطوا غواتهم جهلا مقادتهم... فكلهم في جبال الغي منقاد
ومثله:
وأرغب فيها عن لقيط ورهطه... ولكنني عن سنبس لست أرغب
أي: بحبال، وأرغب بها، وحكى يونس، عن بعض العرب: ضربته في السيف، أي: بالسيف.
فأما "بصيرون في طعن" فقال بعض أصحابنا: ضمن معنى ما يصل ب "في" والتقدير: ماهرون أو متقدمون على غيرهم في طعن الأباهر والكلى؛ لأن البصير بالشيء ماهر فيه ومتقدم فيه على غيره.
وقال بعض شيوخنا: إذا كانوا عارفين بذلك، وأنه أحسن الطعن وأثبته كما قال الأفوه:
تخلى الجماجم والأكف سيوفنا... ورماحنا بالطعن تنتظم الكلى
فهم لا شك ناظرون فيه في وقت الطعن؛ لأنهم يعلمون أن ذلك الطعن أثبت.
وفي جعل (في) في هذا الموضع فائدة ليست للباء لو ذكرت؛ لأنه لو قال بصيرون بطعن لم يقتضى أكثر من العلم به، وقد يكون بصيرا به، فإذا كان وقته ذهل خاطره عن ذلك لما هنالك من الشدة، فيصفهم مع معرفتهم بأن الطعن في الأباهر أعظم الطعن بأنهم ثابتو الخواطر عند الطعن، و (في) تقتضي ثبوت خواطرهم.
انتهى.
وقال لنا الأستاذ أبو جعفر: ضمن بصيرون معنى متحكمون؛ لأن من كان له بصر بالشيء كان له فيه تحكم، فكأنه قال: متحكمون في طعن الأباهر والكلى.
وأما قوله "وخضخضن فينا البحر" فحمله بعض أصحابنا على تقدير مضاف، أي: في سيرنا البحر، ف "في" للوعاء على بابها.
وكذا تأوله ابن جنى، قال: "في سيرهن بنا"