التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 62-101

الضارب" و "رأيت الضارب", ولا موضع لـ "أل" من الإعراب, ولا يكون اسم في الكلام إلا وله موضع من الإعراب.
وأيضا لو كانت من الأسماء لكانت من الأسماء الظاهر, ولا يكون اسم ظاهر علي حرفين أحدهما ألف وصل, فيكون الاسم في الحقيقة حرفا واحدا.
وأيضا فهمزة الوصل في "الضارب" مفتوحة إذا ابتدأت, ولا تكون همزة وصل في الاسم إلا مكسورة إلا ما شذ من قولهم "ايمن الله", وإذا كانت حرفا كانت مفتوحة فيه كحالها في الرجل والغلام.
وأيضا لو كانت اسما لجاز أن يفصل بينها وبين صلتها بمعمول الصلة, فتقول: جاءني ال زيدا ضارب, كما يجوز ذلك في الذي إذا قلت: جاءني الذي زيدا ضرب.
وقال الأستاذ أبو علي: الدليل علي أن "أل" حرف قولك: جاء القائم, فلو كانت اسما كانت فاعلا, واستحق "قائم" البناء لأنه علي هذا التقدير مهمل لأنه صلة, والصلة لا يسلط عليها عامل الموصول.
والجواب عما قاله المازني علي ما ذكروه أنها جعلت مع الاسم كالشيء الواحد لأن الصلة والموصول كالشيء الواحد, فإذا كانت الصلة اسما مفردا كانت أشد اتصالا بالموصول وافتقارا إليه, فجعل الفاعل بجملته "الضارب" في قولك "قام الضارب" كما إذا قلت "هذه بعلبك" صار الاسم المجموع, فكذلك "الضارب" بمنزلة اسم واحد.

وأما كون الاسم الظاهر لا يكون علي حرف واحد فباطل, حكي من كلامهم "ام الله", وهمزته همزة وصل مع أنه معرب, فالأحرى أن يجيء علي ذلك الاسم المبني.
وقد أجاز س بالقياس إذا سميت بالباء من اضرب أن تقول "إب" فتلحق همزة الوصل وتعرب, فأجاز أن يكون الاسم المعرب علي حرف واحد إذا وصلت, فإذا ابتدأت كان علي حرفين أحدهما همزة وصل, وقاس ذلك علي "أب"؛ ألا تري أنه علي حرفين ابتداء, فإذا وصلت في مثل "من أب لك" علي لغة من نقل الحركة وحذف الهمزة صار علي حرف واحد, بل يبقي الاسم المعرب علي حرف واحد وصلا وابتداء, حكي ابن مقسم عن ثعلب "شربت ما".
وأما فتح همزة الوصل فتشبيها بـ "أل" التي للتعريف, وإذا كانوا قد فتحوا همزة "ايمن" تشبيها بالحرف فالأحرى تشبيه "أل" الموصولة بأل المعرفة.
وأما عدم الفصل / بالمعمول فلشدة اتصال "أل" بصلتها وجعلهما كشيء واحد؛ إذا كانت الصلة مفردة؛ بخلاف صلة "الذي", فإنه جملة, بل ذلك يلزم المازني في مذهبه لأنهما عنده حرف, والموصول إذا كان حرفا غير عامل يجوز أن يفصل بينه وبين صلته, نحو ما تقول: يعجبك ما اليوم تصنع, تريد: صنعك اليوم, فكذلك ينبغي أن يجوز في مذهبه في قولك "الضارب".
وأما من يجعلها اسما, ويجعلها مع صلتها كشيء واحد, فلا

يجوز الفصل كما لا يجوز الفصل بين جزأي بعلبك.
والجواب عما قاله الأستاذ أبو علي أن يقال: مقتضي الدليل أن يظهر عمل الموصولات في آخر الصلة لأن نسبتها منه نسبة عجز المركب منه, لكن منع من ذلك كون الصلة جملة, والجملة لا تتأثر بالعوامل, فلما كانت صلة الألف واللام في اللفظ مفردا جيء بالإعراب فيه علي مقتضي الدليل لعدم المانع.
قاله المصنف.
وقال المصنف في الشرح: "وزعم المازني أن الألف واللام للتعريف, وأن الضمائر عائدة علي موصوفات محذوفة" انتهي.
وهذا الذي حكاه عن المازني هو الذي حكيناه نحن عن الأخفش من أن الألف واللام للتعريف.
وحكينا عن المازني أن "أل" موصول حرفي.
والجمع بين الحكايتين أن "أل" معرفة في مذهب الأخفش ومذهب المازني, إلا أن المازني هي عنده موصول حرفي, وعند الأخفش هي معرفة, وليست موصولة, فقد اشترك المذهبان في التعريف, واختص مذهب المازني بالوصل.
وقد ضعف المصنف مذهب المازني بأنه لو جاز حذف الموصوف مع "أل" المعرفة لجاز مع التنكير؛ إذ لا فرق بين تقدير الموصوف منكرا أو معرفا, بل يكون في التنكير أولي لأن حذف المنكر أولي من حذف المعرف.
وبأنه لو كانت معرفة لقدح لحاقها في إعمال اسم الفاعل بمعني الحال والاستقبال, والأمر بخلاف ذلك, فإن لحاقها يسوغ لما لا يجوز أن يعمل دونها أن يعمل, وهو الماضي, فعلم أنها غير المعرفة وأنها موصولة

بالصفة لأن الصفة يجب تأولها بفعل لتكون في حكم الجملة المصرح بجزأيها, ولذا وجب العمل مطلقا, وحسن العطف علي اسم الفاعل الموصول به فعل صريح كقوله تعالي: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا.
فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾, ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا﴾.
وقوله وتوصل بصفة محضة قال: "نعني بالمحضة أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين والصفات المشبهة بأسماء الفاعلين" قاله المصنف.
قال: "واحترز بالمحضة مما يوصف به وليس بصفة محضة كالأسد, فإن "أل" فيه معرفة, وليست موصولة بأسد, وإن كان يوصف به".
وفي البسيط: "وأما الصفة المشبهة فلا تدخل - يعني أل - عليها لضعفها وقربها من الأسماء؛ إذ ليس معناها: الذي فعل, فإذا أدخلت عليها فعلي حذف الموصوف, والعائد إنما يكون عليه / في قوله: مررت بالحسن وجه ابنه, ولا يقال: إن اسم الفاعل كذلك, أعني علي حذف الموصوف, والضمير يعود عليه؛ لأنا نقول: إن إجماعهم علي العمل معها كيف كان اسم الفاعل, ومنعهم الماضي دونها, وكلاهما وصف, يدل علي زيادة معناها هناك بحيث يقوي معني الفعل, وليس ذلك إلا معني "الذي" لأنه قد دخلها حين دخلت علي الفعل وعلي الجملة الابتدائية, فعلم أنها تكون لهذا المعني".
وقوله وقد توصل بمضارع اختيارا لا خلاف نعلمه أن وصل "أل" بالمضارع يختص بالشعر, وقد ذهب هو في بعض تصانيفه إلى أن وصل

"أل" بالمضارع قليل, وهنا أجاز ذلك في الاختيار.
وأنشدوا علي ذلك: ما أنت بالحكم الترضي حكومته... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل وقوله: يقول الخنا, وأبغض العجم ناطقا إلي ربه صوت الحمار اليجدع وقوله: ما كاليروح ويغدو لاهيا فرحا مشمر يستديم الحزم ذا رشد وقوله: ويستخرج اليربوع من نافقائه ومن حجره بالشيحة اليتقصع وقوله: لا تعبثن الحرب, إني لك الينـ ـذر من نيرانها فاتق وقوله: فذو المال يؤتي ماله دون عرضه لما نابه والطارق اليتعمد

وأنشد الفراء رحمه الله تعالي: أحين اصطباني أن سكت, وإنني لفي شغل عن دخلي اليتتبع وقال ابن خالويه: "وليس في كلامهم فعل دخله الألف واللام إلا اليجدع, واليتقصع, واليتتبع, واليسع: اسم نبي, واليحمد: قبيلة, ولو سميت بالفعل نحو يزيد لم تدخله الألف واللام, فأما قوله: رأيت الوليد بن اليزيد................................ فهو بمنزلة "الغدايا والعشايا" للازدواج" انتهي.
وحصر ابن خالويه ليس بصحيح, وقد ذكرنا في الأبيات السابقة ما ينقض حصره, وكثيرا ما يقول في كتاب ليس: "ليس كذا" ثم يوجد في كلام العرب, فدل علي أن استقراءه ليس بتام.
قال المصنف في الشرح: "وعندي أن مثل هذا غير مخصوص بالشعر لتمكن قائل الأول أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته؛ ولتمكن قائل الثاني/ أن يقول: إلي ربنا صوت حمار يجدع, ولتمكن الثالث من أن يقول: ما من يروح, فإدخال "أل" يدل علي الاختيار لا الاضطرار.
وأيضا فمقتضي النظر يدل علي أنها من حيث هي اسم موصول يجوز وصلها بما يوصل به الاسم الموصول من الجمل الاسمية والفعلية والظروف, فمنعت ذلك حملا علي المعرفة لأنها مثلها في اللفظ, وجعلوا

صلتها ما هو جملة في المعني ومفرد في اللفظ صالح لدخول "أل" المعرفة عليه, وهو اسم الفاعل وشبهه من الصفات, ثم كان في التزام ذلك إيهام أن "أل" معرفة لا اسم موصول, فقصدوا التنصيص علي مغايرة المعرفة, فأدخلوها علي الفعل المشابه لاسم الفاعل, وهو المضارع, ولكون ذلك جائزا في الاختيار لم يقل في أشعارهم كما قل الوصل بالجملة الاسمية" انتي كلامه, وفيه بعض تلخيص واقتصار.
وقوله ومبتدأ وخبر أو ظرف اضطرارا مثاله وصلها بمبتدأ وخبر قوله: من القوم الرسول الله منهم لهم دانت رقاب بني معد يريد: الذين رسول الله منهم.
ومن النحويين من جعل "أل" زائدة في قوله "الرسول" لا موصولة, ولا نعلم ورود "أل" داخلة علي الجملة الاسمية إلا في هذا البيت.
وفي البسيط: "ولا تكون بغير اسم الفاعل إلا في ضرورة كقوله: من القوم الرسول الله منهم......................... البيت, وأجازه بعض الكوفيين" انتهي.
ومثال وصلها بظرف قوله:

من لا يزال شاكرا علي المعه فهو حر بعيشة ذات سعه يريد: علي الذي معه.
وقد انتهي ذكر ما ذكره المصنف من الموصولات.
وزعم الكوفيون أن الأسماء المعرفة بأل كلها يجوز أن تستعمل موصولة, واستدلوا علي جواز ذلك بقول الشاعر: لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل فـ "البيت" خبر أنت, و "أكرم" صلة لـ "البيت", كأنه قال: لأنت الذي أكرم أهله, أي: البيت الذي أكرم أهله.
وزعموا أن النكرة توصل نحو: هذا رجل ضربته, فـ "ضربته" - عندهم - صلة "رجل".
وكذلك إذا أضفت نكرة إلي نكرة يجوز أن تصلهما وأن تصل أيهما شئت, فتقول "هذه دار رجل دخلت" إن وصلت الأولي, و "هذه دار رجل أكرمت" إن وصلت الثانية, و "هذه دار رجل أكرمت دخلت" إن وصلتهما.
وفي البسيط: "وقد جعلوا - يعني الكوفيين - النكرة موصولة كالمعرفة, لكن صلتها تجري صفة عليها, فتقول: أنت رجل يأكل طعامنا.
وخالفوا هذا, فجوزوا فيه تقديم معمول الصلة, فتقول "أنت طعامنا رجل يأكل" لاستقلال النكرة بنفسها" انتهي.
وكذلك أجازوا وصل النكرة إذا أضيفت/ إلي معرفة, نحو قولك: هذه

دار زيد بالبصرة, فـ "بالبصرة" صلة "دار" إذا كانت له دار بالبصرة ودار بغيرها.
وجعلوا من ذلك قول الشاعر: يا دار مية بالعلياء فالسند........................ وهذا كله لا يجوز عند البصريين.
وهذه المواضع التي استدلوا بها حملها البصريون علي غير ذلك.
أما "لأنت البيت أكرم أهله" فخرج علي حذف صفة, وجعل "أكرم" خبرا ثانيا, التقدير: لأنت البيت المحبوب عندي أكرم أهله.
وأما ما جاء بعد النكرة فهو عند البصريين صفة لا صلة.
وأما "هذه دار زيد بالبصرة" فـ "بالبصرة" في موضع الحال.
وكذلك "يا دار مية بالعلياء" بالعلياء: في موضع حال من المنادي علي مذهب من يجيز الحال من المنادي.
وأما علي مذهب من لا يجيزه فمتعلق بإضمار فعل علي وجهة البيان, التقدير: أعني بالعلياء.
كما كان "لك" بعد "سقيا" من قولهم "سقيا لك" متعلقا بإضمار فعل تقديره: لك أعني.
ص: ويجوز حذف عائد غير الألف واللام إن كان متصلا منصوباً بفعل

أو وصف, أو مجرورا بإضافة صفة ناصبة له تقديرا, أو بحرف جر بمثله معني ومتعلقا الموصول أو موصوف به, وقد يحذف منصوب صلة الألف واللام والمجرور بحرف وإن لم يكمل شرط الحذف.
ش: الضمير العائد ينبغي أن يكون مما للجملة به تعلق كالفاعل, والمفعول علي أصنافه, والمبتدأ والخبر, وأما إن كان مما يتعلق هو بالجملة كالتوابع فإن كان الذي له الموصول ظاهرا في الصلة فلا يجوز, نحو: بعت الذي أكلت الرغيف ثلثه, وأكرمت الذي سرق زيد ثوبه؛ لأن الموصول لا يكون لغير مذكور في الصلة ظاهرًا, وإن لم يكن ظاهرًا فإن كان مضافًا فيجوز, نحو: رأيت الذي ضرب زيد غلامه, وإن كان معطوفًا, نحو: رأيت الذي قام زيد وأخوه, والهاء عائدة علي "الذي" لا علي "زيد", فيجوز.
وفصل السهيلي, فقال: "إن كانت الواو جامعة جاز, وإن كانت عاطفة لم يجز.
فإن صرح بالفعل فلا يجوز إجماعًا نحو: رأيت الذي قام زيد وقعد أخوه.
وكذلك من يقدر في المعطوف فعلًا آخر لأن الصلة لا يعطف عليها إلا بعد تمامها".
ولما فرغ المصنف من عد الموصولات وذكر صلاتها, وكان قد ذكر أن الصلة تشتمل علي عائد أو خلفه, أخذ يذكر حكم ذلك العائد, وهو الضمير

الذي يعود على الموصول الرابط للصلة به بالنسبة إلي الحذف والإثبات, وذلك الضمير مرفوع الموضع ومنصوبه ومجروره, فبدأ أولا بذكر المنصوب, فقال: الضمير إما أن يكون عائد غير الألف واللام أو عائد صلة الألف واللام: إن كان عائد صلة الألف واللام فسيأتي حكمه, وإن كان عائد غير الألف واللام فإما أن يكون متصلا أو منفصلا؛ فإن كان منفصلا لم يجز حذفه, مثاله: جاءني الذي لم أضرب إلا إياه, وجاءني الذي إياه لم أضرب, أو إياه أضرب/.
وإن كان متصلا فإما أن يكون نصبه بفعل أو بوصف أو بغير فعل ولا وصف: إن كان نصبه بغير فعل ولا وصف لم يجز حذفه, مثاله: جاءني الذي إنه فاضل, وجاءني الذي كأنه قمر, فلا يجوز حذف اسم إن ولا اسم كأن.
ومثال نصبه بفعل: جاءني الذي ضربته, فيجوز حذف هذه الهاء, فتقول: جاءني الذي ضربت, قال تعالي: ﴿أَهَاذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾, التقدير: بعثه الله رسولًا.
ومثال نصبه بوصف: الذي معطيكه زيد درهم, فالهاء منصوبة بـ "معطيك", وهي عائدة علي الذي, فيجوز حذفها, فتقول: الذي معطيك زيد درهم.
وأنشد المصنف علي حذف الضمير المنصوب بالفعل قول الشاعر: كأنك لم تسبق من الدهر ساعة إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب وقول الآخر:

وحاجةٍ دون أخرى قد سنحت بها جعلتها للتي أخفيت عنوانا ومثل أيضا بقوله تعالي: ﴿وَءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا﴾ و ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّرونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
وذكر مما جاء فيه الحذف والإثبات ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الأنفُسُ﴾, ﴿وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ﴾, وقرئ (ما تشتهيه) (وما عملته), والحكم متى كان كثيرا جدا فيكفي فيه مثال واحد.
وأنشد علي حذف الضمير المنصوب بالوصف قول الشاعر: ما الله موليك فضل فاحمدنه به فما لدي غيره نفع ولا ضرر وقول الآخر: وليس من الراجي يخيب بماجد إذا عجزه لم يستبن بدليل التقدير: موليكه, ومن الراجيه.
وفي كون هذه الهاء في "الراجيه"

منصوبة خلاف, سيذكر إن شاء الله.
وقد سوي المصنف في جواز الحذف في الضمير المنصوب بالفعل والوصف, وليسا بسيين, هو في الفعل كثير جدا وفي الوصف نزر جدا.
وأغفل المصنف شرطين في جواز حذف الضمير المنصوب بالفعل: أحدهما أن يكون الضمير متعين الربط به, نحو: جاءني الذي ضربته.
فإن لم يتعين للربط لم يجز حذفه, نحو: جاءني الذي ضربته في داره, لا يجوز أن تقول: جاءني الذي ضربت في داره؛ لأنه لا يدري أهو المضروب أم غيره.
الثاني أن يكون الفعل تامًا, فإن كان ناقصا لم يجز حذف الضمير المنصوب, تقول: جاءني الذي ليسه زيد, ولا يجوز: ليس زيد, وكلما طالت الصلة كان الحذف أحسن, نحو: جاءني الذي ظننت قائما, وجاءني الذي أعلمت بكرا منطلقا, أي: ظنته قائما, وأعلمته بكرا منطلقا.
وإذا حذفت هذا الضمير المنصوب بشرطه ففي توكيده والنسق عليه خلاف, مثاله: جاءني الذي ضربت نفسه, / وجاءني الذي ضربت وعمرا, تريد: ضربته نفسه, وضربته وعمرا, فأجاز ذلك الأخفش والكسائي, ومنعه ابن السراج وأكثر أصحابه, واختلف عن الفراء في ذلك.
واتفقوا علي جواز مجيء الحال من الراجع المحذوف إذا كانت مؤخرة عنه في التقدير, واختلفوا إذا كانت في التقدير مقدمة عليه, فأجازها ثعلب, ومنعها هشام.

وقوله أو مجرورًا بإضافة صفة احتراز من أن يكون مجرورا بإضافة غير صفة, مثاله: جاءني الذي وجهه حسن, فالهاء لا يجوز حذفها لأنها مجرورة بإضافة "وجه" إليها, و "وجه" ليس صفة.
وقوله ناصبة له تقديرا احتراز من أن يجر بإضافة صفة ليست ناصبة له في التقدير, ومثال ذلك: جاءني الذي زيد ضاربه أمس, فالهاء مجرورة بإضافة صفة - وهي "ضارب" - إليه, إلا أن ضاربا ليس ناصبا للهاء في التقدير لأنه اسم فاعل ماض, وليست فيه الألف واللام, فليس بعامل, بل الإضافة فيه كالإضافة في "وجهه".
ومثال ما الصفة ناصبة له في التقدير, وجاء الضمير محذوفا, قوله تعالي: ﴿فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضِ﴾, التقدير: ما أنت قاضيه.
وقال الشاعر: ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا وقال الآخر: لعمرك ما تدري الضوارب بالحصي ولا زاجرات الطير ما الله صانع وقال الآخر: سأغسل عني العار بالسيف جالبا علي قضاء الله ما كان جالبا التقدير: طالبه وصانعه وجالبه.
ومثله قول طرفة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا........................ أي: جاهله.
وأورد شيوخنا هذا الحذف علي أنه جائز فصيح.
وزعم الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أن الأفصح فيه أن لا يحذف, قال: "وحذفه ضعيف جدا".
ثم ذكر الاستدلال علي الحذف بقوله تعالي ﴿فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾.
ولا يسوغ ذلك لأن ما كثر في لسان العرب مجيئه, وجاء في القرآن, لا يقال فيه إنه ضعيف جدا.
ثم له وجه قوي من القياس لأنه منصوب من حيث المعني, فكما يجوز حذفه لو نصبه الفعل كذلك يجوز حذفه إذا نصبه من حيث التقدير الوصف.
علي أن من النحويين من يزعم أن / هذا الضمير ليس مجرورا بالإضافة, بل هو منصوب, وحذف التنوين من الوصف لاتصال الضمير به لا للإضافة.
وزعم الكسائي أنه يجوز حذف الضمير المجرور بغير وصف, فينحذف معه المضاف إليه, فأجاز أن تقول: اركب سفينة الذي تعمل, التقدير: تعمل سفينته, فحذف الضمير, وانحذف بحذفه ما أضيف إليه.
واستدل علي ذلك بقول الشاعر: أعوذ بالله وآياته من باب من يغلق من خارج

تقديره: من باب من يغلق بابه من خارج, فحذف "بابه".
ومنع من ذلك الجمهور.
وتأول بعضهم هذا البيت علي أن التقدير: يغلق بابه, فحذف "باب", وأقيم الضمير مقامه, فصار ضميرا مرفوعا, فاستتر في الفعل, أي: يغلق هو, أي: بابه.
ولا يجوز حذف "بابه" كما ذكر الكسائي لأنه مفعول لم يسم فاعله, والمفعول الذي لم يسم فاعله بمنزله الفاعل, فلا يجوز أن يحذف كما لا يجوز أن يحذف الفاعل.
وقوله أو بحرف جر بمثله معني ومتعلقا الموصول أو موصوف به معناه: أو بحرف جر الضمير العائد علي الموصول بمثل ذلك الحرف معني ومتعلقا, أي: المتعلق به حرف الجر الداخل علي الموصول هو مثل المتعلق به الحرف الذي جر الضمير.
مثال ذلك: مررت بالذي مررت به, ومررت بالرجل الذي مررت به, فهنا يجوز حذف حرف الجر والضمير, فتقول: مررت بالذي مررت, ومررت بالرجل الذي مررت, قال تعالي: ﴿يَاكُلُ مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ يريد: مما تشربون منه.
وقال الشاعر: نصلي للذي صلت قريش ونعبده, وإن جحد العموم

وقال الشاعر: إن تعن نفسك بالأمر الذي عنيت نفوس قوم سموا تظفر بما ظفروا يريد: للذي صلت قريش له, والذي عنيت به.
واندرج تحت قوله "بمثله معني" أن يكون أحد المتعلقين فعلا والآخر صفة بمعناه, نحو قوله: وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة فبح لان منها بالذي أنت بائح يريد: أنت بائح به.
فلو كان المضمر مجرورا بما جر الموصول, ولم يكن حرفا, لم يجز الحذف, نحو: جاء غلام الذي أنت غلامه.
فإن لم يدخل علي الموصول ولا علي الموصوف بالموصول حرف جر فلا يجوز حذف الضمير وحرف الجر, نحو: جاءني الذي مررت به, لا يجوز حذف "به".
وقال المصنف: لا يحذف إلا قليلا, نحو قول حاتم: ومن حسد يجوز علي قومي وأي الدهر ذو لم يحسدوني يريد: يحسدوني فيه.
وقول الفرزدق:

/لعل الذي أصعدتني أن يردني إلي الأرض إن لم يقدر الخير قادرة يريد: أصعدتني به.
وإن دخل علي الموصول حرف لا يماثل ما دخل علي الضمير لم يجز حذفه إلا ضرورة, نحو قوله: فأصبح من أسماء قيس كقابض علي الماء لا يدري بما هو قابض يريد: قابض عليه.
فهذا قد اختلف فيه حرف الجر والمتعلق.
وكذلك أنشدوا علي ذلك قول الشاعر: فقلت لها: لا والذي حج حاتم أخونك عهدا, إنني غير خوان قالوا: يريد: حج حاتم إليه.
فهنا جر الموصول الواو, وجر الضمير إلي, فاخلف الحر, واختلف المتعلق, لأن حرف القسم يتعلق بفعل القسم, و "إليه" يتعلق بـ "حج".
ولا يتعين حمل البيت علي هذا إذ يحتمل أن يكون المقسم به هو الله تعالي, فيجيء ذلك التأويل.
ويحتمل أن يكون المقسم به هو البيت, فيكون الضمير المحذوف منصوبا, تقديره: لا والبيت الذي حجه حاتم.
فإن تماثل الحرفان معني, واختلفا لفظا, فلا يجوز الحذف, نحو: حللت في الذي حللت به, لا يجوز حذف "به", والباء ظرفية, فالباء مماثلة لـ "في" معني لا لفظا, ولا يجوز حذف الضمير و "به" لأنه لا يدري ما المحذوف, أهو "فيه" أو هو "به", والذي يتبادر إلي الذهن أنه "فيه" لتقدم ذكره.

وإن تماثل الحرفان لفظا ومعني, واختلف المتعلق, لم يجز الحذف, نحو: مررت بالذي سررت به, فلا يجوز الحذف, فأما قوله ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فلا ينبغي أن يقدر "بما تؤمر به" لئلا يختلف المتعلق, ولكن "أمر" تتعدي تارة بحرف جر وتارة بنفسها, فيكون التقدير: بما تؤمره, فيكون الضمير المحذوف منصوبا.
وفي حذفه شروط جواز الحذف.
وأما قول الشاعر: وإن لساني شهدة يشتفي بها وهو علي من صبه الله علقم وقول الآخر: فأبلغن خالد بن نضلة والـ مرء معني بلوم من يثق فضرورة, والتقدير: وهو علي من صبه الله عليه, ومعني بلوم من يثق به.
ولم يستوف المصنف ما يجوز حذف حرف الجر والضمير منه إذ ذكر الموصول والموصوف بالموصول, وترك قسما آخر, وهو أن يكون الحرف دخل علي المضاف للموصول, فإن حكمه حكم الموصول والموصوف بالموصول, مثاله: مررت بغلام الذي مررت به, فيجوز حذف "به" في هذه المسألة.
ونقصه شروط أخر في المسألة: أحدهما/ أن لا يكون الضمير وحرف الجر في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله, فإنه إذ ذاك لا يجوز الحذف وإن استوفي الشروط التي ذكرها

المصنف، مثاله: مررت بالذي مر به، وغضبت على الذي غضب عليه، لا يجوز حذف "به" ولا حذف "عليه" لأنه في موضع رفع.
الثاني: أن لا يكون ثم ضمير آخر يصلح للربط، نحو: مررت بالذي مررت به في داره، فلا يجوز حذفه.
الثالث: أن لا يكون الضمير محصوراً ولا في معنى المحصور، نحو: مررت بالذي ما مررت إلا به، ومررت بالذي إنما مررت به.
قال المصنف في الشرح: "وقد يحذف العائد المجرور لوجود مثله بعد الصلة، كقوله: لو أن ما عالجت لين فؤادها فقسا استلين به للأن الجندل أراد: لو أن ما عالجت به لين فؤادها فقسا، فحذف "به" المتصل بـ "عالجت" استغناء عنه بالمتصل باستلين" انتهى.
وهذا عند أصحابنا ضرورة إذ عري من شروط جواز الحذف.
وثبت في بعض النسخ: "أو بحرف متعين، أو مجرور بمثله معنى متعلقاً الموصول أو موصوف به".
وشرح ذلك المصنف، فقال: "مثال المجرور بحرف متعين: الذي سرت يوم الجمعة، والذي رطل بدرهم لحم، أي: الذي سرت فيه، والذي رطل منه، فحسن الحذف تعين المحذوف كما حسنه في الخبر والصفة، والموصول بذلك أولى لاستطالته بالصلة، ومن ذلك قول الشاعر: وإن الذي ترنو العيون محسداً جدير بشكر يستديم به الفضلا

ويمكن أن يكون منه قوله تعالى ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾، وكذا قول الشاعر: فقلت له: لا والذي حج حاتم........................... انتهى.
وهذا الذي ذكره في صلة الموصول ذكره أصحابنا في خبر المبتدأ، ولم يذكروه في صلة الموصول، ولا ينبغي أن يقاس على ذلك، ولا أن يذهب إليه إلا بسماع ثابت عن العرب، وإلا فكل ما ذكر أنه جاء الحذف فيه ضرورة يمكن تخريجه على ما ذكر هذا المصنف من أنه حذف لأجل التعين، ألا ترى إلى قوله: ............................... وأي الدهر ذو لم يحسدوني و: لعل الذي أصعدتني................................ و: ........................................... بما هو قابض و: ................................. على من صبه الله علقم

و: ..................................... بلوم من يثق كيف تعين حرف الجر والضمير في هذا كله.
وهذا الذي ذكره هدم للقواعد التي ذكرها النحويون، فلا يلتفت إليه.
وقوله وقد يحذف منصوب صلة الألف واللام مثال ذلك: الضاربها زيد هند، والجمهور على منع حذف هذا الضمير، وأجاز حذفه بعضهم، فتقول: الضارب زيد هند.
وقد اختلف عن الكسائي في ذلك.
وهذا على خلاف في هذا الضمير أهو/ منصوب أو مجرور: فمذهب الأخفش أنه منصوب، ومذهب الجرمي والمازني أنه مجرور، ومذهب الفراء أنه يجوز أن يكون منصوباً وأن يكون مجروراً، ومذهب س اعتباره بالظاهر، فحيث جاز في الظاهر النصب والخفض جاز في الضمير مثل ذلك، نحو: جاء الضاربا زيداً، ويجوز: الضاربا زيد، فإذا قلت "الضارباهما غلامك الزيدان" حاز أن يكون "هما" في موضع نصب وفي موضع جر، وجيث وجب في الظاهر النصب وجب في الضمير، نحو: جاء الضارب زيداً، فإذا قلت "الضاربة زيد غلامك" فالضمير في موضع نصب.

وأنشد المصنف دليلاً على حذف منصوب صلة الألف واللام قول الشاعر: ما المستفز الهوى محمود عاقبة ولو أتيح له صفو بلا كدر يريد: ما المستفزة الهوى.
وقال بعض أصحابنا ممن جوز حذف الضمير في صلة الألف واللام: "إن كان الاسم الواقع في صلتها مأخوذاً من فعل يتعدى إلى واحد فالإثبات فصيح، والحذف قليل، نحو: جاءني الضاربة زيد، و"الضارب زيد" قليل، وإن كان مأخوذاً من فعل يتعدى إلى اثنين أو ثلاثة حسن الحذف لاجل الطول، والحذف في معتد إلى ثلاثة أحسن منه فيما يتعدى إلى اثنين، نحو: جاءني الظانة زيد منطلقاً، والمعطية زيد درهماً، والمعلمه بكر عمراً منطلقاً، وإن شئت قلت: الظان زيد منطلقاً، والمعطي زيد درهماً، والمعلم بكر عمراً منطلقاً".
وقال أيضاً بعض أصحابنا: إن لم يكن على حذفه دليل لم يجز حذفه، لم يجز حذفه، لا يجوز أن تقول: جاءني الضارب زيد، لأنه لا يعلم هل هذا الضمير المحذوف مفرد أو غير مفرد، ولا هل هو مذكر أو مؤنث.
فإن كان عليه دليل كان حذفه قبيحاً، نحو: جاءني الرجل الضاربه زيد، وهو على قبحه في اسم الفاعل المأخوذ من متعد إلى ثلاثة أحسن منه في المأخوذ من متعد إلى اثنين، وفي المتعدى إلى اثنين أحسن منه في المتعدى إلى واحد.
وما علل به القبح من أنه لا يعلم الضمير مفرد أو غير مفرد، ولا مذكر أو مؤنث، يلزمه في: جاءني من ضربت، فعلى تعليله يكون حذفه من هذا قبيحاً، ولم يقل بذلك أحد.

وقال المازني: لا تكاد تسمع حذفه من العرب إلا أنه ربما جاء في الشعر.
وقوله والمجرور بحرف وإن لم يكمل الشرط قد ذكرنا ما حذف حرف الجر منه والضمير ضرورة، وذكرنا ما فات المصنف من الشروط في ذلك.

-[ص: ولا يحذف المرفوع إلا مبتدأ ليس خبره جملة ولا ظرفاً بلا شرط آخر عند الكوفيين، وعند البصريين بشرط الاستطالة في صلة غير أي غالباً، وبلا شرط في صلتها، وهي حينئذ على موصليتها مبنية على الضم غالباً، خلافاً للخليل ويونس، وإن حذف ما تضاف إليه أعربت مطلقاً، وإن أنثت بالتاء حينئذ لم تمنه الصرف، خلافاً لأبي عمرو.]-

ش: الضمير إذا عاد على الموصول وكان مرفوعاً فإما أن يكون مبتدأ أو غير مبتدأ، أو غير مبتدأ، إن كان غير مبتدأ - كأن يكون فاعلاً أو مفعولاً لم يسم فاعله أو خبر مبتدأ أو خبر إن وأخواتها أو غير ذلك - فلا يجوز حذفه، مثاله: جاء اللذان قاما، أو ضربا، أو جاءني الذي الفاضل هو، أو جاءني الذي إن الفاضل هو.
وإن كان مبتدأ فإما أن يكون ما بعده جمله أو ظرفاً أو لا.
إن كان ما بعده جملة، نحو قوله تعالى ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾، أو ظرفاً نحو "جاءني الذي هو في الدار"، فلا يجوز حذف هذا المبتدأ لأنه لو حذف لم يدر أحذف من الكلام شيء أم لا، لأن ما بعده من الجملة والظرف يصلح أن يقع صلة للموصول.
وإن لم يكن بعده جملة ولا ظرف جاز حذفه بلا شرط عند الكوفيين،

نحو: جاءني الذي هو فاضل، فيجيزون حذف "هو" في فصيح الكلام.
وفصل البصريون بين "أي" وغيرها، فجوزوا ذلك في "أي" سواء أطالت الصلة أم لم تطل، فتقول: يعجبني أيهم هو قائم، ويجوز حذف "هو"، هذا ما لم يكن في الصلة ما يستدعى ثبوته كالعطف عليه، نحو: أضرب أي الرجلين هو والعدم سواء.
وإن كان الموصول غير "أي" فلا يجوز ذلك عند البصريين إلا بشرط الاستطالة في الصلة، نحو ما روي عن العرب: "ما أنا بالذي قائل لك شيئاً"، يريد الذي هو قائل لك شيئاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وفِي الأَرْضِ إلَهٌ﴾ وقال الشاعر: فأنت الجواد، وأنت الذي إذا ما النفوس ملأن الصدورا جدير بطعنة يوم اللقاء تضرب منها النساء النحورا التقدير: هو في السماء إله وهو في الأرض إله، وهو جدير.
فإن لم تطل الصلة فلا يجوز حذفه إلا في ضرورة، وإن جاء في الكلام شيء منه فشاذ يحفظ، ولا يقاس عليه، نحو قال الشاعر: لم أر مثل الفتيان في غير الـ أيام ينسون ما عواقبها

وقراءة من قرأ ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾، و ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ برفع (أحسن) و (بعوضة)، أي: على الذي هو أحسن، ومثلاً ما هو بعوضة.
وإنما حسن الحذف مع "أي" لافتقارها إلى الصلة وإلى الإضافة، فكانت أطول، فحسن معها تخفيف اللفظ.
وقوله ولا ظرفاً كان ينبغي أن يقول: ولا جاراً ومجروراً.
وقوله غالباً قال المصنف في الشرح: "إن عدمت الاستطالة ضعف الحذف، ولم يمتنع، كقول الشاعر: من يعن بالحمد لا ينطق بما سفه ولا يجد عن سبيل الحلم والكرم / أراد: لا ينطق بما هو سفه".
وهذا من المصنف جنوح لمذهب الكوفيين.
وقد نقص المصنف في جواز حذف هذا المبتدأ شروط: أحدها: أن لا يكون معطوفاً على غيره، فإنه إن كان معطوفاً على غيره لم يجز حذفه، نحو: جاءني الذي زيد وهو منطلقان.
الثاني: أن لا يكون معطوفاً عليه غيره، نحو: جاءني الذي هو وزيد

فاضلان.
وفي هذا خلاف للفراء، أجاز حذفه، فتقول: جاءني الذي وزيد فاضلان، ولم يسمع من كلامهم، ولئلا يؤدي إلى وقوع حرف العطف صدراً.
الثالث: أن لا يكون محصوراً، نحو: جاءني الذي ما في الدار إلا هو.
الرابع: أن لا يكون في معنى المحصور، نحو: جاءني الذي إنما في الدار هو.
الخامس: أن لا يكون بعد حرف نفي، نحو: جاءني الذي ما هو قائم.
السادس: أن لا يكون بعد "لولا" نحو: جاءني الذي لولا هو لقمت.
ومع حصول هذه الشروط فقال بعض أصحابنا: إن حذفه في غير أي قليل.
هذا حكم الضمير المشتمل عليه الصلة إذا كان أحد جزأيها أو معمولاً لها.
فإن كان بعض معمول الصلة حذفت المعمول، فينحذف الضمير بحذفه، فتقول: أين الرجل الذي قلت؟ وأين الرجل الذي زعمت؟ تريد: أين الرجل الذي قلت إنه يأتي، أو زعمت أنه يأتي، أو نحو ذلك مما يكون المعنى عليه، قال تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم شركائي.
وقوله وهي حينئذ على موصوليتها مبنية على الضم غالباً، خلافاً للخليل ويونس مثال ذلك: يعجبني أيهم قائم، واضرب أيهم قائم، وأمرر بأيهم قائم.
ومعنى "حينئذ" أي: حين إذ حذف المبتدأ الذي هو عائد عليها بالشروط التي تقدمت.
والبناء إذ ذاك مذهب س والجمهور.

وقوله غالباً احتراز ممن أعربها إذ ذاك من العرب، وقد قرأ بعضهم (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد) بنصب (أيهم).
ودل قوله "وهي حينئذ" على أنها إذا لم يحذف الضمير لم تبن، فتقول: أضرب أيهم هو قائم، ولا يجوز البناء.
وقد أورد بعض النحويين الخلاف في هذه المسألة، فقال: أيهم إن وصلت بجملة أعربت اتفاقاً، أو بمفرد أعربت اتفاقاً، أو بمفرد بنيت عند س جوازاً، وقد حكي س أن من العرب من لا يبنيها، وذهب الكوفيون وبعض البصريين إلى أنها معربة.
حُجة الأول أن أصلها البناء شرطاً أو استفهاماً لتضمنها معنى الحرف.
أو موصولة لنقصانها، إلا أنها أعربت حملاً على نظيرها "بعض" ونقيضها "كل" بجامع عدم انفكاكهن عن الإضافة، والإضافة من أحكام الأسماء، فإذا لزمت عارضت موجب البناء، فلم يؤثر، فإذا حذف من صلتها شيء خالفت بقية أخواتها، فازدادت مخالفة، فوجب الرجوع إلى أصلها من البناء، وقوله تعالى ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾.
وحجة الآخر ما قال الجرمي، قال: خرجت من البصرة، فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحد يقول "لأضربن أيهم" بالضم، بل بنصبها، ولأن "أيهم" معربة في غير هذا الموضع فتكون معربة هنا.
قالوا: والآية محمولة على غير ما ذكرتم.

قال هذا الحاكي لهذا الخلاف.
والجواب: يجوز أن يكون ما سمعه الجرمي لغة لبعض العرب، فإن س حكي خلافها الحكايتين، ويحمل الأمر فيهما على لغتين.
والأقيس البناء، وأما قياسها عليها في الاستفهام والجزاء فلا يصح لأنها هناك تامة، وهي هنا ناقصة مخالفة لأخواتها من الموصلات.
انتهى كلامه.
فلو كان صلة "أي" ظرفاً نحو "لأضربن أيهم في الدار" فلا يجوز البناء، كما إذا كانت صلتها جملة مصرحاً بجزأيها، ووجد في بعض تصانيف النحاة ما يدل على البناء مع الظروف.
وقوله خلافا للخليل ويونس يعني أنه تبنى خلافاً لهذين، فإنهما لا يريان البناء.
وليس مذهبهما واحداً في تخريج ما ورد من ذلك مما ظاهره البناء، بل مذهب الخليل، أنها استفهامية محكية بقول محذوف، فإذا قلت "أضرب أيهم أفضل" فالتقدير عنده: أضرب من يقال فيه أيهم أفضل، وعلى التقدير حمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ أي: الجنس الذي يقال فيه أيهم أشد.
والخليل مخير بين الأعراب على أن تكون موصولة وبين الحكاية على أن تكون استفهامية.
ورد مذهب الخليل بأن الجمل التي لم تستقر أسماً لشيء فإن بابها الشعر بمنزلة القول في "شاب قرناها" و"خامري أم

عامر"، لكن إذا بنيت أسماً لشيء جاز حكايتها نحو "تأبط شراً"، و"أيهم" في الكلام الفصيح، فلا ينبغي أن يحمل على "شاب قرناها".
وفي البسيط: "وقال الخليل: هو على الحكاية.
قال أبو زيد - يعني السهيلي - على حكاية لفظ الاستفهام، ولا يريد على حكاية القول.
وقال الأخفش: من: زائدة، وكل: مفعولة، و (أيهم أشد): جملة مستأنفة.
وأما يونس فإنها عنده أيضاً استفهامية، وليست محكية بقول محذوف، ولكنها عنده في موضع المفعول بالفعل الذي قبلها، ولا يؤثر فيها لأنها عنده اسم استفهام، ولكن على سبيل التعليق لأن التعليق عنده لا يختص بأفعال القلوب".
وذهب الكوفيون إلى أن "أيهم" علق عنه "شيعة" بما فيه من معنى الفعل، وكأنه قال: لننزعن من كل من يتشيع في أيهم أشد، أي: من كل من نظر في أيهم.
وكأنهم رأوا أن (لننزعن) لا يعلق، فعدلوا إلى هذا.
وهذا

باطل لأن س نقل عن العرب "لأضربن أيهم أفضل" فهذا لا يمكن فيه تعليق حال.
وقال ابن الطراوة: "غلطوا، ولم تبن إلا لقطعها عن الإضافة، وقوله (أيهم) (هم) من (أيهم) مبتدأ،/ و (أشد) خبره، و"أي" مقطوعة من الإضافة".
انتهى.
وليس قوله بشيء لأنهم يقولون إنها لا تبنى إلا إذا أضيفت، وإن لم تضف فهي معربة، ولا تقول: جاءني أي.
وقال س: إنها بعدت عن حال أخواتها، فحذف معها أحد جزأي الجملة الابتدائية، فلما تغيرت كان من فعلهم فيها أن غيروها تغييراً ثانياً إذ قد ثبت أن التغيير يأنس بالتغيير، دليل ذلك "يا الله"، وهذا تعليل شذوذ، فلا يطلب طرده في جميع ما جاءت فيه "أي" مضافة.
والحجة لـ "س" - وهو مما يبطل مذهب الخليل ويونس - قول الشاعر: إذا ما أتيت بني مالك فسلم على أيهم أفضل وقوله: أباهل لو أن الرجال تتابعوا على أينا شر قبيلاً وألأم وما جاء نحوه، لأن حروف الجر لا تعلق عن العمل، ولا يضمر قول بينها وبين ما يليها، فتعين البناء.

وقال المصنف في الشرح: "وأعرابها حينئذ مع قلته قوي لأنها في الشرط والاستفهام تعرب قولاً واحداً لمخالفتها غيرها من أسماء الشرط والاستفهام بإضافتها، ووفاقها في المعنى لبعض إن أضيفت إلى معرفة، ولكل إن أضيفت إلى نكرة.
والموصولة أيضاً مخالفة لغيرها من الأسماء الموصولة بإضافتها، إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة، فوافقت في المعنى بعضاً دون كل، فضعف بذلك موجب إعرابها، فجعل لها حالان: حال بناء وحال إعراب، وكان أولى أحوالها بالبناء الحال التي يحذف فيها شطر صلتها مع التصريح بما تضاف إليه لأن حذف شطر صلتها لم يستحسن فيها إلا لتنزيل ما تضاف إليه منزلته، وذلك يستلزم تنزلها حينئذ منزلة غير مضاف لفظاً ولا نية، وإنما أعربت لإضافتها، فإذا صارت في تقدير ما لم يضف ضعف سبب إعرابها، فبنيت غالباً" انتهى.
وقوله وإن حذف ما تضاف إليه أعربت مطلقاً يعني سواء أحذف صدر صلتها المبتدأ أم لم يحذف، مثال: ذلك: أضرب أيا هو قائم، وأضرب أيا قائم.
ومن مذهب الخليل ويونس وقولهما أنك تقول: أضرب أي أفضل× لأن الخليل يحكي، ويونس يعلق، فسيان عندهما إضافة "أي" وعدم إضافتها.
وهذا الإعراب يدل على تمكن "أي" في الإضافة لاستغنائها بمعناها دون لفظها، وإلحاق التنوين بها عوضاً من المحذوف، فشابهت كلاً في حذف ما أضيفت إليه ودخول التنوين عوضاً منه.
وما ذكرناه من أنها تعرب إذا لم تضف لفظاً، وحذف صدر صلتها بشرطه، هو مذهب الجمهور.
وذهب بعض النحويين إلى جواز البناء قياساً على التي لم يحذف ما تضاف إليه وحذف صدر صلتها.

وقوله وإن/ أنثت بالتاء حينئذ - أي حين حذف ما تضاف إليه - لم تمنع الصرف، خلافاً لأبي عمرو، أما الصرف فظاهر لأنه ليس فيها إلا التأنيث فقط، وأما أبو عمرو فتخيل أن فيها التعريف زيادة للتأنيث، فمنعها الصرف، والتعريف المانع مع التأنيث إنما هو تعريف العلمية.
قال المصنف في الشرح: "وكان أبو عمرو يمنعها الصرف حينئذ للتأنيث والتعريف، لأن التعريف بالإضافة المنوية شبيه بالتعريف بالعملية، ولذلك منه من الصرف "جمع" المؤكد به لأن فيه عدلاً وتعريفًا بإضافة منوية، فكان كالعلم المعدول، إلا أن شبه "جمع" بالعلم أشد من شبه "أية" لأن "جمع" لا يستعمل ما يضاف إليه، بخلف أية، فإن استعمال ما تضاف إليه أكثر من عدمه، فلم تشبه العلم" انتهى.
وقد سلم المصنف أن امتناع الصرف من "جمع" هو للتأنيث والتعريف بنية الإضافة، ثم فرق بين "أية" وبين "جمع" بلزوم حذف ما أضيفت إليه "جمع" وكثرة استعماله في "أية".
وهذا مذهب قد قيل به.
وقيل: امتنع "جمع" للعدل وتعريف العلمية.
وسيقرر ذلك في باب التوكيد، إن شاء الله.
كذا أورد المصنف مسألة "أي" إذا أنثت، وحذف ما تضاف إليه.
وقال غيره: لو كانت - يعني الصلة - بمنزلة بعض الاسم حقيقة لم يعد منها ذكر إلى الموصول، وتثنى وتجمع، ولا يكون ذلك في بعض الاسم.
فإن قيل: إذا لم تكن الصلة كالجزء، بل هو كالصفة، فإذا سميت امرأة بـ "أية في الدار" فينبغي أن تمنع من الصرف للتأنيث والعلمية، وما بعدها من الصلة كالصفة، فكما لا يصرف قولهم "رأيت أحمر العاقل" - وإن كان

موصوفاً - فكذلك هذا.
قيل: قد اختلف النحويون في هذا، فكان أبو عمرو - فيما حكاه أبو عثمان عنه - يقول: رأيت أية في الدار، فلا يصرف.
وكان أبو الحسن يصرف.
فحجة أبي عمرو ما ذكرناه، وحجة أبي الحسن أن التسمية لما كان بالمجموع صار التنوين بعض الاسم لأنه وقع في الوسع، فلا يحذف كما في امرأة تسمى "خيراً منك".
قال أبو علي: وقد يفرق بينهما من جهة أن "خيراً منك" و"لا ضارباً زيداً" لا يشبه الصلة في "أية" لأن الصلة في "أية" توضح في الأصل، فهي في ذلك كالوصف، ألا ترى أنها لا بد لها من عائد كالصفة، وتثنى وتجمع مثل الموصول والموصوف، وليست توافق "خيراً منك".
قال أبو علي: والقول قول أبي الحسن، وهو أبين من قول أبي عمرو لأنهم إذا نونوا مع "خيراً منك" الذي هو يفتقر أحدهما إلى الآخر افتقار العامل إلى المعمول، فأحرى أن يثبت مع ما يفتقر إليه افتقار الجزء، لأنه لا تعمل الصلة في الموصول، فدل على شدة الاتصال وقوة التعلق.
ص: ويجوز الحضور أو الغيبة/ في ضمير المخبر به أو بموصوف عن حاضر مقدم، ما لم يقصد تشبيهه بالمخبر به، فتتعين الغيبة، ودون التشبيه يجوز الأمران إن وجد ضميران.

ش: الحضور يشمل حضور التكلم وحضور الخطاب، ثم إن المصنف لم يمثل في شرحه إلا بضمير المخاطب، فقال: "الإشارة بهذا الكلام إلى نحو: أنت الذي فعل، وأنت فلان الذي فعل، وأنت رجل فعل، ففي "فعل" الأول ضمير عائد على موصول مخبر به، وفي "فعل" الثاني ضمير عائد على موصول موصوفه مخبر به، وفي "فعل" الثالث ضمير عائد على نكرة مخبر بها، والمخبر عنه في الأمثلة الثلاثة حاضر، مقدم، وقد جيء بمضمر خبره غائباً معتبراً به حال الخبر، ولو جيء به حاضراً معتبراً به حال المخبر عنه جاز، فكنت تقول: "فعلت" في الأمثلة الثلاثة، لأن المخبر عنه والمخبر به شيء واحد في المعنى، وفي حديث محاجه موسى آدم عليهما السلام: "أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته؟ ". وفي رواية: "أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه على الناس برسالته؟ ". ومن اعتبار حال المخبر عنه قول الفرزدق: وأنت الذي تلوي الجنود رؤوسها إليك، وللأيتام أنت طعامها ومثله قول قيس العامري: وأنت التي إن شئت نعمت عيشتي وإن شئت بعد الله أنعمت باليا ومن اعتبار حال الخبر قول الفرزدق:

وأنت الذي أمست نزار تعده لدفع الأعادي والأمور الشدائد انتهى كلامه.
ومنه قول الشاعر: وأنت الذي آثاره في عدوه من البؤس والنعمى لهن ندوب وقول الآخر: نحن اللذون صبحوا الصباحا يوم النمير غارة ملحاحاً ولم يمثل بشيء من ضمير المتكلم، ولا فرق بين المخاطب والمتكلم، فتقول في المتكلم: أنا الذي ضرب زيداً، وأنا الرجل الذي ضرب زيداً، وأنا رجل ضرب زيداً، ويجوز في هذه كله "ضربت" رعياً لـ "أنا"، قال: أنا الذي فررت يوم الحرة والشيخ لا يفر إلا مره وقال: وأنا الذي قتلت عمراً بالقنا وتركت تغلب غير ذات سنام وقال

أنا الذي سمتن أمي حيدرة أضرب بالسيف رؤوس الكفرة وقال الآخر: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونني خشاشاً كرأس الحية المتوقد وقال الآخر: وأنت التي حببت كل قصيرة إلى، ولم تشعر بذاك القصائر وهذه المسائل التي ذكرها المصنف تحتاج إلى تحرير وتقييد: فمن ذلك أن شرط الموصول المخبر به أو الموصوف به أن يكون "الذي" و"التي" وتثنيتهما وجميعهما فقط، وزاد بعض أصحابنا الأخبار بـ "ذو" و "ذات" الطائيتين أو بالألف واللام.
ولا يجوز في غير ذلك إلا العود غائباً، فتقول: أنا من قام، وأنت من ضرب زيداً، ولا يجوز: أنا من قمت، ولا أنت من ضربت زيداً.
ووقع لبعض أصحابنا وهم في ذلك، فقال وقد ذكر الموصولات: "ويجوز في جميعها إذا وقعت بعد ضمير متكلم أو مخاطب أن تعيد الضمير عليها كما تعيد على الاسم الظاهر إذا وقعت بعده، أعني ضمير غيبة، وأن تعامله معاملة ضمير المتكلم أو المخاطب لأن الموصول هو المتكلم أو المخاطب في المعنى" ثم مثل هذا القائل بـ "الذي".
انتهى كلامه.
وهو ظاهر كلام المصنف لأنه لم يشترط في الموصول أن يكون "الذي" وفروعه فقط،

وهو وهم كما ذكرناه.
ومن ذلك أن من شرط مراعاة ضمير المتكلم أو المخاطب أن يتأخر الخبر، فلو تقدم لم يجز إلا مراعاة الموصول، فيعود غائباً، مثاله أن تقدم الخبر في: أنا الذي قمت، وأنت الذي قمت، فإذا قدمته وجب أن يكون الضمير غائباً، فتقول: الذي قام أنا، والذي قام أنت، هذا مذهب الفراء، وهو الصحيح، وهو الذي تقتضيه أصول البصريين لأنهم يمنعون الحمل على المعنى قبل تمام الكلام، لأنه يلزم من ذلك الحمل على المعنى قبل حصول المعنى في اللفظ، ألا ترى أن الموصول إنما يكون في المعنى ضمير متكلم أو مخاطب إذا أخبرت عنه بضمير المتكلم أو المخاطب، أو أخبر عن الضمير به، وأما قبل أن يجعل أحدهما خبراً عن الآخر فلا يكون الموصول في معنى الضمير.
وأجاز الكسائي أن يعود مطابقاً لضمير المتكلم والمخاطب كحاله لو كان متأخراً، فتقول: الذي قمت أنا، والذي قمت أنت، وتبعه على ذلك الأستاذ أبو ذر مصعب بن أبي بكر الخشني.
واحترز المصنف بقوله "عن حاضر/ مقدم" عن أن يتأخر، فإنه لا تجوز مراعاة المعنى، خلافاً للكسائي كما بيناه.
ومثال قولك "أنا رجل آمر بالمعروف" قول الشاعر: وأنا لقوم ما نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول ومثال: "أنت رجل تأمر بالمعروف" قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، وقول الشاعر:

وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي وقبلك ربتني فضعت ربوب ومثل قولك "أنا رجل يأمر بالمعروف"، و"أنت رجل يأمر بالمعروف" قول الشاعر: وأنا ابن حرب لا يزال يشبها ناراً تسعر طالباً أو أطلب وقول الآخر: .... قد وليت ولاية فكن جرذا فيها يخون ويسرق والنواسخ حكم الموصول والنكرة الواقعين خبراً للناسخ حكمهما إذا وقعاً خبراً، فيجوز أن يكون غائباً وأن يطابق الضمير، نحو قوله: ............................ فكن جرذاً فيها يخون ويسرق يروى بالتاء وبالياء.
وقال الشاعر: وكنا أناساً قبل غزو قرمل ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا وفي الحديث "إنك امرؤ فيك جاهلية".

والمحلى بالألف واللام عند الكوفيين إذا وقع خبراً للحاضر حكمه حكم النكرة في عود الضمير عليه غائباً، وفي عوده مطابقاً للضمير، قال الشاعر: لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل وقال آخر: لقد علمت عرسي مليكة أنني أنا الليث معدياً علي وعادياً ولا يجوز ذلك عندهم في مثل "الذي" إلا بالغيبة، لا يجيزون "أنت الذي ترغب فينا" بالتاء على الخطاب، بل لابد من الغيبة في الصلة لأن "الذي" ومثله لا يستقل بنفسه بخلاف الاسم النكرة وذي "أل".
وذكر أبو علي أن الحمل على اللفظ أكثر في الصلة والصفة، وقال: إذا قلت "أنت الذي قمت" لم يعد على الصلة ضمير، إنما عاد على "أنت".
وكذلك إذا قلت "أنتم كلكم بينكم درهم" لم يعد على "كل" من خبره شيء.
وكذلك الموصوف الذي مثلنا.
وهي كلها تحتاج إلى ضمائرها، فخلوها من ذلك خروج عن القياس.
قال: وهو قول أبي عثمان.
وقال أبو عثمان: "لولا أنه مسموع من العرب لرددناه لفساده".
فعلى هذا لم يعد على "كل" ضمير إذا خاطبت، لكن صح الكلام للحمل على المعنى، لأنه إذا عاد على "أنتم" - وهو "كل" في المعنى - فكأنه عاد على "كل".
هذا ذكره أبو علي في

جارٍ التحميل