التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 95-134

يا، لعنة الله والاقوام كلهم... والصالحون على سمعان من جار

في رواية من رفع "والأقوام".
وقال: هويت ثناء مستطابا مؤبداً... فلم تخل من تمهيد مجد وسؤددا

وقال: لقد عجبت، وما في الدهر من عجب... أني قتلت وأنت الحازم البطل /السالك الثغرة اليقظان سالكها... مشي الهلوك، عليها الخيعل الفضل

وقال: ما جعل امرأ لقوم سيدا... إلا اعتياد الخلق الممجدا

وفي الحديث (أمر بقتل الأبتر وذو الطفيتين).
وقال الفراء: عجبت من تساقط البيوت بعضها على بعض، الخفض على اللفظ، والرفع على المعنى.
فقوله (والملائكة) عطف على محل (الله)، و"الليانا" عطف على محل "الإفلاس"، و"القيانا" عطف على محل "الأصل"، و"المظلوم" نعت على محل "المعقب"، و"أو مصابيح" عطف على محل "اليدين"، و"أو ذو وشوم" عطف على محل "النحوص"، و"الأقوام" عطف على محل "الله"، و"سؤددا" عطف على محل "مجد"، و"الفضل" نعت على محل "الهلوك"، و"الممجدا" نعت على محل "الخلق"،

و (ذو الطفيتين) عطف على محل (الأبتر)، و"بعضها" بدل على محل "البيوت".
فظاهر ما ورد عن العرب من هذا كله يجوز الإتباع على المحل، ويحتاج مانع ذلك إلى تأويل.
وقد تؤول ذلك على إضمار فعل يفسره المصدر.
وتأول السيرافي "والليانا" على أنه معطوف على "مخافة"، على تقدير حذف مضاف، أي: ومخافة الليان، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
وتأوله ابن يسعون على أنه مفعول معه، أي: مخافة الإفلاس مع الليان.
وتأول قاسم بن ثابت السرقسطي رفع "المظلوم" على أنه فاعل بطلب، و"المعقب" مفعول بطلب، والمعقب: هو الماطل في هذا التأويل.
وتأوله أبو حاتم على أنه بدل من الضمير المستكن في المعقب.
وتأوله أبو علي في "التذكرة" على أنه فاعل بقوله: حقه، وحقه: فعل ومفعول، والمظلوم: فاعل.
وتؤول "أو مصابيح" على أنه عطف على "سناه" على التشكيك، وهو منزع عجيب، من "البديع".
وتؤول "أو ذو وشوم" على أن التقدير: أو عدوها عدو ذي وشوم، فحذف المبتدأ، وأبقى خبره، وحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
وتأول بعضهم رفع "الفضل" على أنه مرفوع على الجوار، كما خفضوا على الجوار في قولهم: هذا جحر ضب خرب.

ومن جوز الإتباع على المحل من البصريين فالاختيار عندهم الحمل على اللفظ، وأما الكوفيون فكذلك إن لم يفصل بين التابع والمتبوع بشيء، فإن فصل اعتدل عندهم الحمل على اللفظ والحمل على الموضع، نحو: يعجبني ضرب زيد عمرو وبكراً، بنصب بكر وخفضه، وقيامك في الدار نفسك ونفسك، بالجر والرفع على حد سواء في الجودة.
هذا ما لم يكن المفعول المضاف إليه المصدر ضميراً، فالعطف على الموضع، ولا يجوز على الخفض إلا في ضرورة الشعر، نحو: يعجبني إكرامك زيد وعمراً، بنصب عمرو خاصة، وكذلك: /يسرني جلوسك عندنا وأخوك.
قال ابن الأنباري: لو قيل قيامك في الدار وزيد كان مكروهاً مستقبحاً بملاصقة الكاف وبالبعد عنها؛ لقبح عطف ظاهر على مكني مخفوض، وليس بمستحيل؛ لأن بعض العرب قاله.
وقرأ قارئون: (تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)، عطف على الهاء.
وقال الفراء: عجبت من ضرب عبد الله ومحمد - مستكره، ويجوز في الشعر.
وكذا النعت والتوكيد عنده، فإن فرقت حسن عنده، فقلت: عجبت من ضرب عبد الله زيداً ومحمد.
وقال هشام نحوه، إلا أنه لم يقل: يجوز في الشعر، فكأنه جائز عنده في الشعر وفي غيره.
وقوله ما لم يمنع مانع احتراز من نحو: عرفت قربك، فإنه لابد في العطف عليه من إعادة المضاف.
وقوله فإن كان إلى قوله والجر أي: فإن كان المجرور بالإضافة مفعولاً - مثاله: عرفت تطليق المرأة - فيجوز في نعتها والعطف عليها والبدل والتوكيد الجر

على اللفظ، والنصب على تقدير المصدر بفعل الفاعل، والرفع على تقديره بفعل ما لم يسم فاعله.
وهذا الذي ذكره هو على ما اختاره من جواز الإتباع على المحل، ومن جواز اعتقاد بناء المصدر للمفعول الذي لم يسم فاعله.
وقوله ويعمل عمله اسم غير العلم أي: اسم المصدر، واسم المصدر على ضربين: علم، وغير علم: فالعلم: ما دل على معنى المصدر دلالة مغنية عن أل لتضمن الإشارة إلى حقيقته، كيسار وبرة وفجار، فهذه وأمثالها لا تعمل عمل الفعل؛ لأنها خالفت المصادر الأصلية بكونها لا يقصد بها الشياع، ولا تضاف، ولا تقبل أل، ولا توصف، ولا تقع موقع الفعل ولا موقع ما يوصل بالفعل، ولذلك لم تقم مقام المصدر الأصلي في توكيد الفعل وتبيين نوعه أو مراته.
وغير العلم: ما ساواه في المعنى والشياع وقبول أل والإضافة والوقوع موقع الفعل وموقع ما يوصل بالفعل وقوله وهو ما دل على معناه إلى قوله في فعله يعني أن اسم المصدر غير العلم هو ما دل على معنى المصدر، وخالفه في اللفظ أو في التقدير من بعض ما في الفعل، كوضوء وغسل، هما مساويان للتوضؤ والاغتسال في المعنى والشياع وجميع ما نفي عن العلم، وخالفاه بخلوهما من بعض ما في فعلهما، وهما توضأ واغتسل، وحق المصدر أن يتضمن حروف الفعل بمساواة، كتوضأ توضؤا، أو بزيادة عليه، كأعلم إعلاماً، ودحرج دحرجة.
واحترز بقوله لفظاً وتقديراً من فعال مصدر فاعل كقتال، فإنه مصدر مع خلوه عن المدة الفاصلة بين فاء فعله وعينه؛ لأنها حذفت لفظاً، واكتفي بتقديرها بعد الكسرة، وقد تثبت فيقال: قيتال.

واحترز بقوله دون عوض من عدة، فإنه مصدر وعد مع خلوه من الواو؛ لأن التاء التي في آخره عوض /منها، فكأنها باقية.
وكذا: تعليم، فإنه مصدر علم مع خلوه من التضعيف، فكأنه باق، ولذلك إذا جيء بالمصدر مضعفاً ككذب كذاباً استغني عن التاء.
ونسب التعويض إلى تاء تعليم دون يائه لأن ياءه مساوية لألف إكرام واستماع وانطلاق واستخراج ونحوها من المدات التي قصد بها ترجيح لفظ المصدر على لفظ الفعل الزائد على ثلاثة أحرف دون حاجة إلى تعويض.
ومن المحكوم بمصدريته مع خلوه من بعض حروف فعله كينونة وثواب وعطاء وطاعة وطاقة وجابة، الأصل كيونونة وإثواب وإعطاء وإطاعة وإطاقة وإجابة، فهذه وأمثالها مصادر لقرب ما بينها وبين أصلها، بخلاف ما بينه وبين الأصل بعد وتفاوت، كعون وعشرة وكبر وعمر وغرق وكلام، بالنسبة إلى: إعانة ومعاشرة وتكبر وتعمير وإغراق وتكليم، فهذه وأمثالها أسماء مصادر.
وأما ما ليس فيه إلا غرابة وزنه، كدعابة ورغباء وغلواء - فهو مصدر، وجعله اسم مصدر تحكم بغير دليل.
ومن إعمال "ثواب" قول حسان: لأن ثواب الله كل موحد... جنان من الفردوس فيها يخلد

ومن إعمال "عطاء" قول القطامي: أكفراً بعد رد الموت عني... وبعد عطائك المئة الرتاعا

وفي حديث الموطأ (من قبلة الرجل امرأته الوضوء)، ومنه قول الشاعر:

إذا صح عون الخالق المرء لم يجد... عسيراً من الآمال إلا ميسراً

وقول الآخر: بعشرتك الكرام تعد منهم... فلا ترين لغيرهم ألوفا

وقول الآخر: قالوا: كلامك دعدا وهي مصغية... يشفيك، قلت: صحيح ذاك لو كانا

انتهى الكلام على اسم المصدر، وهو من كلام المصنف في الشرح، وفي بعض ما ذكر خلاف، فنقول: اسم المصدر يقال باصطلاحين: أحدهما: ما ينقاس بناؤه من الثلاثي على مفعل، ومما زاد على صيغة اسم المفعول على ما تقرر في بابه، وهذا يعمل عمل المصدر، قال: ومغزاه قبائل غائظات... على الذهيوط في لجب لهام

وقال:

فظلت بملقى واحف جرع المعى... قياماً تفالى مصلحما أميرها

وقال: /ومجنبنا جرداً إلى أهل يثرب... عناجيج، منها متلد ونزيع

وقال: جزى الله أبناء العشيرة لامة... بمتركهم آثارنا يوم قطقط

وقال: كأن مجره الأبطال قسراً... إلى أشباله حطب رفيت

وقال: ومفحصها عنها الحصى بجرانها... ومثنى نواج، لم يخنهن مفصل

وقال: ألم تعلم مسرحي القوافي... فلا عيابهن ولا اجتلابا

وقال:

أظلوم إن مصابكم رجلاً... أهدى السلام تحية ظلم

وقال: يا دار مية من محتلها الجرعا... هاجت لي الهم والأحزان والوجعا

وقال: فأصبح في مداهن باردات... بمنطلق الجنوب على الجهام

وقال: مستعان العبد الإله يريه... كل مستصعب من الأمر هينا

ولا خلاف بين البصريين والكوفيين أن كل فعل تجاوز ثلاثة أحرف فإنه يجوز أن يأتي اسم مصدره على قياس مفعوله قياساً مطرداً.
فهذا النوع من اسم المصدر يجري مجرى المصدر في جميع أحكامه.
والاصطلاح الثاني: ما كان أصل وضعه لغير المصدر كالثواب والعطاء والدهن والخبز والكلام والكرامة والكحل والرعي والطحن ونحوها، وهي الأسماء التي أخذت من مواد الأحداث، فهذه وضعت لما يثاب به، ولما يعطى، ولما يدهن به، وللجمل المقولة، ولما يكرم به، ولما يكحل به، ولما يرعى، ولما يطحن.
فهذا النوع من اسم المصدر فيه الخلاف بين البصريين والكوفيين:

ذهب البصريون إلى أن شيئاً من هذه لا يعمل.
وذهب الكوفيون والبغداديون إلى جواز إعمالها، فأجاز الكسائي والفراء وهشام: عجبت من كرامتك زيداً، ومن طعامك طعاماً.
واستثنى الكسائي من ذلك ثلاثة ألفاظ، فلم يعملها، وهي الخبز والقوت والدهن، فلا /تقول: عجبت من خبزك الخبز، ولا عجبت من دهنك رأسك، ولا من قوتك عيالك.
وأجاز ذلك الفراء.
وقال هشام: ولا يمتنع القياس.
وقال الفراء: سمعت أبا ثروان يقول: أتيته لكرامته إياي.
وجاء أيضاً ما أنشدنا من قوله: .......................................... وبعد عطائك المئة.............

و: لأن ثواب الله كل موحد.........................................

و: قالوا: كلامك دعدا...................................................................

وقول ذي الرمة: ألا هل إلى مي سبيل وساعة... تكلمني فيها من الدهر خاليا فأشفي نفسي من تباريح ما بها... فإن كلاميها شفاء لما بيا

ولا يجوز هذا عند البصريين إلا إن اضطر شاعر، فيستعمل اسم المصدر استعمال المصدر.
وتحقيق الخلاف بين الفريقين هل ينقاس أن يطلق اسم المصدر مجازاً على المصدر ويعمل عمل المصدر أم لا؟ فقال البصريون: لا يجوز إلا إن اضطر شاعر إلى ذلك، فيطلقه عليه، ويعمله.
وقال الكوفيون والبغداديون: ينقاس ذلك.

وما ذكرناه من أن ثواباً وعطاء وكلاماً هو من اسم المصدر مخالف لما ادعاه المصنف أنها مصادر.
وكذلك دعواه أن عوناً وعشرة وكبراً وعمراً وغرقاً وكلاماً أسماء مصادر، ليس عندنا كذلك، بل هي مصادر جاءت على غير قياس، وليس كل ما خالف القياس من المصادر يقال فيه: إنه اسم مصدر، وإلا كانت أسماء المصادر أكثر من المصادر.
والذي أذهب إليه في هذا المسموع من هذا النوع أن المنصوب بعده ليس منصوباً باسم المصدر، ولا أجري مجرى المصدر في العمل، لا في ضرورة ولا في غيرها، بل هو منصوب بإضمار فعل يفسره ما قبله، كما أذهب إلى أن المصدر الذي لفعل لازم إذا جاء بعده مفعول لم يكن منصوباً بذلك المصدر؛ إذ ليس هو مصدراً للفعل المتعدي، وذلك نحو ما حكى الكسائي عن العرب: الحمد لله على غناه إياي، التقدير: أغناني، فلما حذف العامل الذي هو أغنى انفصل الضمير.
وجعل ابن عصفور "أظلوم إن مصابكم رجلاً" من اسم المصدر الذي لا يعمل إلا حيث سمع.
وذلك وهم فاحش؛ لأن مصاباً من اسم المصدر القياسي من أفعل المعتل العين؛ ألا ترى أن فعله أصاب، فهو من المقيس الذي أجمع عليه البصريون والكوفيون.
وذكر ابن المصنف في شرحه أرجوزة أبيه أن اسم المصدر هو ما أوله ميم مزيدة لغير مفاعلة، كالمضرب والمحمدة، أو كان لغير ثلاثي بوزن ما للثلاثي، كالغسل والوضوء، وهذا الثاني عندنا مصدر لا اسم مصدر.

وقوله فإن وجد إلى آخر المسألة مثال ما يفعل به: الدهن، والكحلن يطلق على ما يدهن بهن وما يكحل به.
ومثال ما يفعل فيه ما استعمل اسم مكانن نحو (كِفَاتًا) من قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا).
ونقص /المصنف أن يقول: أو من اسم ما يفعل، نحو الخبز والطعام والطحن والرعي.
وقوله فهو لمدلول به عليه أي: لفعل دل عليه باسم ما يفعل به أو فيه، وكل هذا يطلق عليه اسم مصدر، ومعناه اسم أصل وضعه ألا يكون مصدراً بل مفعولاً به أو فيه من حيث الوضع الأول، ثم أطلق ويراد به المصدر مجازاً، فهذا هو الذي وقع في إعماله الخلاف الذي تقدم ذكره، وقد روي عن العرب مثل: أعجبني دهن زيد لحيته، وكحل هند عينها، وقال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا)، فالدهن والكحل والكفات ليس مصادر؛ إذ الدهن ما يدهن به، والكحل ما يكحل به، والكفات ما تكفت فيه الأشياء، أي: تجمع وتحفظ، فهذا ونحوه محمول على إضمار فعل، أي: دهن لحيته، وكحلت عينها، وتكفت أحياء وأمواتاً.
قال المصنف في الشرح: "ولك أن تنصب أحياءً وأمواتاً على التمييز؛ لأن كفات لشيء مثل وعائه، والموعى ينتصب بعد الوعاء على التمييز" انتهى.
وأما قول النابغة:

كأن مجر الرامسات ذيولها... عليه حصير، نمقته الصوانع

فيتخرج على حذف من الأول، أو حذف العامل، فتقدره: كأن موضع مجر الرامسات ذيولها، فيكون مجر اسم مصدر، وانتصب به ذيولها.
أو يكون تقديره: تجر ذيولها، ويكون مجر اسم مكان.
وكذلك قوله: كأن مجره الأبطال..............................................

وأما قوله: فظلت بملقى واحف جرع المعى.....................................

فتقديره: بموضع لقاء واحف جرع المعى.
والمصدر الذي يجعل زماناً لا يقوى قوة المصدر، ولا يعمل عمله؛ لأنه قد انتقل معناه، نحو: أتيتك خلافة بني العباس، وخفوق النجم.

-[ص: فصل

يجيء بعد المصدر الكائن بدلاً من الفعل معمول، عامله على الأصح البدل لا المبدل منه، وفاقاً لسيبويه والأخفش.]-

ش: هذا هو المصدر الذي أشار إليه بقوله في أول الباب "إن لم يكن بدلاً من اللفظ"، ولكونه بدلاً من العامل لا يظهر معه ناصبه، ولا يتقدر معه بحرف مصدري، وتقدمت مواقعه في باب المفعول المطلق، وهنا يبين مواقعه متعدياً.
واختلف في هذا المصدر هل ينقاس أم لا على ثلاثة مذاهب: أحدها: ما ذهب إليه أكثر المتأخرين من أن مذهب س أنه لا ينقاس، وأنه يقصره كله على السماع.
والمذهب الثاني: أنه ينقاس في الأمر والدعاء والاستفهام بتوبيخ وبغيره، وفي التوبيخ بغير استفهام، وفي الخبري المقصود به الإنشاء أو الوعد، وهو اختيار المصنف في الشرح، وزعم أن في كلام س ما يدل على أنه منقاس فيما كان منها أمراً أو دعاء أو توبيخاً أو إنشاء.
والمذهب الثالث: أنه ينقاس في الأمر والاستفهام فقط، وبه قال بعض أصحابنا، وحكاه المصنف في باب ظن عن الأخفش والفراء.
فمما جاء منه أمراً قول /الشاعر، أنشده س:

على حين ألهى الناس جل أمورهم... فندلاً - زريق - المال ندل الثعالب

وقول الآخر: هجراً المظهر الإخاء إذا لم... يك في النائبات جد معين

ودعاء قول الشاعر: يا قابل التوب غفراناً مآثم، قد... أسلفتها، أنا منها مشفق وجل

وقول الآخر: إعانة العبد الضعيف على الذي... أمرت، فميقات الجزاء قريب

واستفهاماً بتوبيخ قوله: أعلاقة أم الوليد بعد ما... أفنان رأسك كالثغام المخلس

وقوله: أبغياً وظلما من علمتم مسالماً... وذلا وخوفاً من يجاهركم حربا

وقوله: أبسطاً بإضرار يميناً ومقولاً... ومدعياً مجداً تليداً وسؤددا

وتوبيخاً بغير استفهام قوله: وفاقاً بني الأهواء والغي والونى... وغيرك معني بكل جميل

على هذا أنشده المصنف في الشرح، ويحتمل أن يكون حذفت منه همزة الاستفهام، والتقدير: أوفاقاً؟

قال المصنف في الشرح: "ويكثر أيضاً وقوعه موقع فعل خبري مقصود به الإنشاء، كقول من أبصر ما يتعجب منه: عجباً، وكقول المعترف بالنعمة: حمداً وشكراً لا جحوداً وكفراً، ومنه قول الشاعر: حمداً الله ذا الجلال وشكراً... وبداراً لأمره وانقيادا

وقد يقع الخبر به وعداً، كقوله: قالت: نعم، وبلوغاً بغية ومنى... فالصادق الحب مبذول له الأمل

وهذه الأنواع عند الأخفش والفراء مطردة صالحة للقياس على ما سمع منها.
وبذلك أقول لكثرته في كلام العرب ولما في ذلك من الاختصار".
وهذه المصادر التي هي بدل من اللفظ بالفعل منصوبة بأفعل منها واجبة الإضمار؛ فإذا قلت: ضرباً زيداً، بمعنى: اضرب زيداً - فالناصب للمصدر اضرب واجبة الإضمار، وانتصابه/ على أنه مصدر.
وفي الإفصاح: "إن ما كان بمعنى الأمر، نحو: ضرباً زيداً، وشتماً عمراً - فالمعنى: اضرب زيداً، واشتم عمراً، الناصب له عند س الزم ضرباً زيداً، فهو مفعول بإضمار فعل لا يجوز إظهاره، وناصب لأنه صار عوضاً من اضرب.
وغيره يرى أن الناصب له: اضرب".
وقوله عامله على الأصح البدل إلى آخره اختلف في العامل في المعمول: فذهب س والأخفش والزجاج والفارسي إلى أن المصدر نفسه هو الناصب للمفعول، لما جعلته العرب بدلاً منه ورث العمل الذي كان للفعل.
وإلى هذا مال حذاق المتأخرين.

وذهب المبرد والسيرافي وجماعة إلى أن النصب في المفعول هو بالفعل المضمر الناصب للمصدر.
وذكرت هذين المذهبين لشيخنا الأستاذ أبي الحسن بن الضائع، فرجح مذهب س، وقال: "الدليل على أن انلعامل في المنصوب بعد المصدر هو المصدر إضافته إليه".
وانبنى على هذا الاختلاف الاختلاف في تقديم المنصوب على هذا المصدر؛ فمن رأى النصب بـ"اضرب" المضمرة أجاز التقديم، فيقول: زيداً ضرباً.
وممن يرى جواز التقديم أبو العبس وأبو بكر وعبد الدائم القيرواني، وقد تؤول ذلك على س. ومن جعل العمل للمصدر لنيابته مناب الفعل، وهو مذهب أبي الحسن والفراء، قال أبو الحسن في هذا الباب: وكل شيء كان في موضع الفعل فلا يجوز أن تأمر به لغائب، ولا تقدم فيه.
قيل: وهذا ظاهر مذهب س. ونقل ابن أصبغ عن أبي الحسن جواز التقديم، فيكون عنه القولان.
وقد أجاز بعض من رأى العمل للمصدر تقديم مفعوله عليه.
وفي "الإفصاح": "ومن يضمر الزم، ويعمل ضرباً بالنيابة - لا يرى تقديم معموله، وقد رأى بعضهم تقديمه على هذا الوجه" انتهى.

وفي البسيط: "وأما كونه نائباً عن فعله في الدعاء والأمر، نحو: ضرباً زيداً، وسقياً زيداً - فقيل: يعمل لأنه ناب عن فعله، فهو أقوى منه إذا كان غير نائب، فلا يشترط فيه أن، وإذا عملت الحروف بالنيابة فالمصادر أولى، هذا إن جعلته نائباً عن اضرب.
وأما إن جعلت المصدر منصوباً بفعل غيره، كالزم ونحوه مما ترك إظهاره - وقد نسب هذا القول إلى س في الأمر - فلا يبعد تقديره هنا بأن والفعل، فيكون التقدير: الزم أن تضرب زيداً، ولا يبعد حمل الدعاء عليه؛ لأن الدعاء بصيغة الأمر.
فإن كان العامل المصدر بالنسابة صح تقديم معموله عليه، نحو: زيداً ضرباً، وإن كان عاملاً هنا لا بالنيابة بل بأنه في تأويل أن - وهو معمول للفعل - لم يجز التقديم.
فأما قوله تعالى (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) فليس على معنى: فاضربوا الرقاب.
وقال المبرد: هو على معنى: (فاضربوا الرقاب ضرباً).
وقيل: فاضربوا ضربا مثل ضرب الرقاب.
وقال س في قوله: أعلاقة أم الوليد..........................................................

(ناب عن: أتعلق أم الوليد).
وقد قيل: لا يعمل.
/والأول أصح" انتهى.
ونص س على قبح: زيداً حذرك، وجعله في القبح مثل: زيداً عليك.
وقال الأستاذ أبو علي: منع س من تقديم منصوب حذرك لأنه لم يستعمل إلا في الأمر، ولم يفارقه، فصار بمنلة: عليك زيداً، الذي لا يجوز تقديم الاسم فيه.
والأحوط أنه لا يقدم على التقديم في نحو ضرباً زيداً إلا بسماع من العرب.

وقد جاء المصدر خبراً صرفاً عارياً مما ذكر، ومنه: وقوفاً بها صحبي على مطيهم... يقولون: لا تهلك أسى، وتجمل

تقديره: وقف وقوفاً بها صحبي.
ولا ينقاس مثل هذا لقلته.
وأما قول الشاعر: عهدي بها الحي لم تخفف نعامتهم...........................................

فجعله المصنف من المنصوب المراد به الماضي، أي: عهدت.
ويحتمل أن يكون مرفوعاً، ويكون من باب: ضربي زيداً قائماً، والجملة من قوله "لم تخفف نعامتهم" في موضع الحال.
وقد جاء نوع من هذا المصدر النائب عن الفعل مصغراً، وذلك قولك رويداً في أحد استعمالاته، فيعرب إذ ذاك، وتجوز إضافته إلى الفاعل، فتقول: رويداً زيداً، ورويدك زيداً.
وتجوز أيضاً إضافته إلى المفعول، فتقول: رويد زيد.
واختلفوا في النصب به: فذهب المبرد إلى أنه لا يجوز؛ لأن تصغيره يمنع من ذلك كما منع اسم الفاعل من العمل؛ لأن التصغير من خواس الأسماء، فالنصب بعده إنما يكون بالفعل الناصب لرويداً.
وذهب غيره إلى أنه يجوز النصب به.
واختلفوا في السبب الذي عمل لأجله وهو مصغر، ولم يعمل اسم الفاعل المصغر: فذهب الفارسي إلى أنه إنما عمل وهو مصغر حملا ًعلى رويد اسم الفعل، لما شابهه في اللفظ عمل، كقوله:

رويد عليا، جد ما ثدي أمهم... إلينا، ولكن ودهم متماين

وهذا يقتضي أن أبا علي يمنع من إعمال المصدر الموضوع موضع الفعل المصغر فيما عدا رويداً.
وزعم أبو بكر بن طاهر وابن خروف أن السبب في جواز إعماله أن عمله ليس بالشبه كاسم الفاعل، وإنما عمل لوضعه موضع الفعل، فلا يقدح التصغير في إعماله، بخلاف اسم الفاعل، فعمله لشبهه بالفعل المضارع، والتصغير يبعده عن شبه الفعل، فوجب ألا يعمل مصغراً.
قال بعض أصحابنا: وهذا هو الصحيح عندي، وسواء في ذلك رويداً وغيرها من المصادر المصغرة الموضوعة موضع الفعل.
مسألة: اختلفوا في حذف المصدر وإبقاء معموله، فمنهم من منع ذلك لأنه موصول، والموصول لا يحذف.
ومنهم من أجاز حذفه إذا كانت الدلالة عليه قوية؛ لأنه في معنى المنطوق، كما قد يحذف المضاف لدلالة الأول عليه، ويبقى عمله في المضاف إليه، قيل: ومنه قوله تعالى: (هل تستطيع ربك)، على قراءة الكسائي، التقدير: هل تستطيع سؤال ربك، حذف سؤال، وأقام ربك مقامه، فأعربه بإعرابه، و (أَنْ يُنَزِّلَ) معمول للسؤال المحذوف؛ /لأنه لا يتعلق بـ (تستطيع)؛ لأن الفعل للغير، ولا يقال: هل تستطيع أن يقوم زيد، فدل على تعلقه بالسؤال المحذوف.

-[ص:

باب حروف الجر سوى المستثنى بها

فمنها "من"، وقد يقال "منا"، وهي لابتداء الغاية مطلقاً على الأصح، وللتبعيض، ولبيان الجنس، وللتعليل، وللبدل، وللمجاوزة، وللانتهاء، وللاستعلاء، وللفصل، ولموافقة الباء، ولموافقة "في"، وتزاد لتنصيص العموم أو لمجرد التوكيد بعد نفي أو شبهه جارة نكرة مبتدأ، أو فاعلاً، أو مفعولاً به، ولا يمتنع تعريفه ولا خلوه من نفي أو شبهه، وفاقاً للأخفش.
وربما دخلت على حال.
وتنفرد "من" بجر ظروف لا تتصرف، كقبل وبعد وعند ولدى ولدن ومع، وعن وعلى اسمين.
وتختص مكسورة الميم ومضمومتها في القسم بالرب، والتاء واللام بـ"الله"، وشذ فيه: من الله، وتربي.]- ش: الحرف إن لم يختص بما يدخل عليه فالأصل ألا يعمل فيه، نحو: هل، وبل، والهمزة للاستفهام، وإن اختص وتنزل منزلة الجزء مما دخل عليه لم يعمل، كـ"أل" وحرف التنفيس، وإن لم يتنزل منزلة الجزء فإن اختص بالفعل فقياسه أن يعمل الجزم؛ لأن الجزم مختص بالفعل، وإن اختص بالاسم فقياسه أن يعمل الجر؛ لأن الجر مختص بالاسم، فعمل المختص المختص، أي: عمل الحرف المختص الإعراب المختص بما دخل عليه الحرف، وحروف الجر اختصت بالأسماء، فعملت الإعراب الذي اختص بالأسماء، وهو الجر.

ويسميها الكوفيون حروف الإضافة لأنها تضيف الفعل إلى الاسم؛ ألا تراه يربط بين الاسم والفعل، وحروف الصفات لأنها تحدث صفة في الاسم، فقولك: جلست في الدار، فـ"في" دلت على أن الدار وعاء للجلوس.
وعملت هذه الحروف لشبهها بالفعل في الاختصاص بما دخلت عليه.
وكان عملها الجر لأن ما دخلت عليه فضلة، فلم تعمل رفعاً؛ لأن الرفع من إعراب العمد، ولم تنصب لأن ما دخلت عليه موضعه نصب؛ بدليل الرجوع إليه في الضرورة، فلو نصبت لاحتمل أن يكون النصب بالفعل، ودخل الحرف لإضافة معنى الفعل إلى الاسم، كما في: ما ضربت إلا زيداً، فلما تعذر الرفع والنصب لم يبق إلا الجر.
وقوله سوى المستثنى بها تقدم ذلك في الاستثناءن وهي: خلا وحاشا وعدا إذا انجر الاسم بعدها، وأن س لا يكون حاشا عنده إلا حرفاً.
وذهب الفراء إلى أنها لا تكون إلا فعلاً، وأن الاسم الذي بعدها إذا انخفض كان على تقدير اللام، والأصل عنده: قام القوم حاشا لزيد، فحذفت اللام، وبقي الاسم مخفوضاً.
وذهب الأخفش والمبرد والزجاج إلى أنها تكون حرفاً، وقد تكون فعلاً.
وهو الصحيح لثبوت النصب بها من كلام العرب.
وأما "عدا" فـ"س" يقول: هي فعل، والأخفش يجعلها مثل خلا.
وخلا فيها خلاف، ونقل المهاباذي عن الأخفش أنها حرف، وهو نص الأخفش فيها وفي حاشا في كتابه "الوسطى"، قال الأخفش: /"اعلم أن كل ما استثنيته بحاشا وخلا وسوى وسواء فهو جر أبداً".
وقد تقدم النقل عن الأخفش أن حاشا تكون فعلاً، فيكون عنه القولان في حاشا، أحدهما موافق لمذهب س.

وذهب الجمهور إلى أن خلا تكون فعلاً وحرفاً، وقد وهم من نقل اتفاق النحويين على أن خلا يكون الاسم بعدها مخفوضاً ومنصوباً، وأن النصب أكثر من الخفض.
وكان ينبغي للمصنف أن يقول: "وسوى ما ذكر في باب الظروف"، وهما مذ ومنذ، فإنه ذكر أنهما حرفان إذا انجر ما بعدهما.
وقوله فمنها من وقد يقال منا من ثلاثية عند الكسائي، وثنائية عندنا، وزعم أن أصلها منا، فحذفت الألف لكثرة الاستعمال.
واستدل على هذه الدعوى بقول بعض بني قضاعة: بذلنا مارن الخطي فيهم... وكل مهند ذكر حسام منا أن ذر قرن الشمس حتى... أغاث شريدهم فنن الظلام

قال: فرد من إلى أصلها لما احتاج إلى ذلك لأجل الوزن؛ ألا ترى أن المعنى: من أن ذر قرن الشمس.
وقال المصنف في الشرح: "حكى الفراء أن بعض العرب يقول في من: منا، وزعم أنه الأصل، وخففت لكثرة الاستعمال" انتهى.
وأظن الفراء أخذ ذلك من هذا البيت الذي أنشده الكسائي.
وقد تأوله أبو الفتح على أن "منا" مصدر منى يمني: إذا قدر، ويكون مصدراً استعمل ظرفاً، نحو: خفوق النجم، أي: تقدير أن ذر قرن الشمس وموازنته إلى آخر النهار لا يزيد ولا ينقص.

وقوله وهي لابتداء الغاية مطلقاً على الأصح يعني بقوله "مطلقاً" أي: تدخل لابتداء الغاية في المكان والزمان وغيرهما، مثالها في المكان (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى).
وكونها لابتداء الغاية في المكان مجمع عليه.
ومثال ابتداء الغاية في الزمان (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ)، (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ).
وقال الأخفش في "المعاني": "قال بعض العرب: من الآن إلى غد"، وفي الحديث (من نصف النهار إلى صلاة العصر)، وفيه: (من صلاة العصر إلى مغرب الشمس)، وفيه: (فمطرنا من جمعة إلى جمعة)،

ومنه في حديث عائشة (ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل)، وقول أنس: "فلم أزل أحب الدباء من يومئذ"، وفيه: قال - عليه السلام - لفاطمة: (هذا أول طعام أكله أبوك من ثلاثة أيام)، وقال النابغة: تخيرن من أزمان يوم حليمة... إلى اليوم، قد جربن كل التجارب

وقال جبل بن جوال: وكل حسام أخلصته قيونه... تخيرن من أمان عاد وجرهم

وقال الراجز:/ تنتهض الرعدة في ظهيري... من لدن الظهر إلى العصير

وقال بعض الطائيين: من الآن قد أزمعت حلماً، فلن أرى... أغازل خوداً، أو أذوق مداما

وقال: ألفت الهوى من حين ألفيت يافعاً... إلى الآن ممنوا بواش وعاذل

وقال: ما زلت من يوم بنتم والها دنفا... ذا لوعة، عيش من يبلى بها عجب

وقال: ونجوت من عرض المنو... ن من الغدو إلى الرواح

وقال: كأنهما م الآن لم يتغيرا... وقد مر للدارين من بعدنا عصر

وقال: لمن الديار بقنة الحجر... أقوين من حجج ومن دهر

وقال:

من غدوة حتى كأن الشمسا... بالأفق الغربي تكسى ورسا

وقال: من الصبح حتى تطلع الشمس لا ترى... من القوم إلا خارجياً مسوما

وقال: أتعرف أم لا رسم دار معطلا... من العام تمحاه، ومن عام أولا

وقال: من عهد عاد كان معروفاً له... أسر الملوك وقتلها وقتالها

وكونها لابتداء الغاية للزمان مختلف فيه: منع ذلك البصريون، وأثبته الكوفيون، وهو الصحيح، وقد كثر ذلك في لسان العرب نثرها ونظمها كثرة تسوغ القياس، وتأويل البصريين لذلك مع كثرته ليس بشيء.
وذهب ابن الطراوة إلى أنك إذا أردت الانتهاء في الزمان والابتداء فيه أتيت بإلى ومن؛ كما أن ذلك يكون في المكان كذلك، فلابد من "من" إذا أردتهما.
قيل له: إذا أردت ذلك في الزمان استعملت مذ، فتقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة إلى يوم الأحد.
فزعم أن هذا لا يجوز؛ لأن قولك: ما رأيته مذ/ يوم الجمعة، يفهم منه أن انقطاع الرؤية اتصل إلى آخر الإخبار، فلا يحتاج هنا إلى حرف

الانتهاء، وإنما يحتاج إليه حرف لا يستغرق الوقت نحو من، فلابد من دخول من على الزمان في هذا الموضع.
ومثال دخولها لابتداء الغاية في غير المكان والزمان: قرأت من أول سورة البقرة إلى آخرها، وأعطيت الفقراء من درهم إلى دينار، وتقول إذا كتبت كتاباً: من فلان إلى فلان، وفي الحديث: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم).
واختلف النحويون في "من" بعد أفعل التفضيل، نحو: زيد أفضل من عمرو: فذهب س إلى أنها لابتداء الغاية، ولا تخلو من التبعيض.
وذهب المبرد والأخفش الصغير إلى أنها لابتداء الغاية، ولا تفيد معنى التبعيض.
وصححه بعض أصحابنا.
ومنع ابن ولاد في رده على المبرد أن تكون من لابتداء الغاية، واستدل على ذلك بأن ابتداء الغاية لا يكون إلا بأن يكون لها انتهاء، كقولك: خرجت من الكوفة إلى البصرة، ولا يجوز: زيد أفضل منك إلى جعفر.
وزعم س أن من تكون غاية، فقال: "تقول: رأيته من ذلك الموضع، تجعله غاية رؤيتك كما جعلته غاية حيث أردت الابتداء"، يريد أن من هنا دخلت على المحل الذي وقع فيه ابتداء الرؤية وانتهاؤها، ولذلك سماه غاية لما كان محيطاً بغاية الفعل؛ لأن الغاية هي مدى الشيء، أي: قدره، فيمكن أن يكون في: زيد أفضل من عمرو كذلك، أي: ابتدأ التفضيل منه، وانتهى به.

وقال بعض أصحابنا في قولهم: زيد أفضل من عمرو: "أردت أن تعلم أن زيداً يبتدأ في تفضيله من عمرو، ويكون الانتهاء في أدنى من فيه فضل؛ إذ العادة أن يبتدأ في التفضيل مما يقرب من الشيء ويدانيه في الصفة التي تقع فيها المفاضلة".
انتهى.
وسيأتي الكلام على من في أفعل التفضيل عند تعرض المصنف لذلك في الشرح إن شاء الله.
وقوله وللتبعيض قال المصنف في الشرح: "ومجيء من للتبعيض كثير، كقوله تعالى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ)، وكقوله تعالى (خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ).
وعلامتها جواز الاستغناء عنها بـ (بعض)، كقراءة عبد الله (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) " انتهى.
وفي "البديع": "وقيل: إن من لأقل من النصف، كقوله تعالى (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) انتهى.
وما ذكره المصنف من أن "من" تأتي للتبعيض ليس متفقاً عليه، زعم المبرد والأخفش الصغير وابن السراج وطائفة من الحذاق والسهيلي من أصحابنا أنها لا

تكون إلا لابتداء الغاية؛ وأن سائر المعاني التي ذكروها راجع إلى هذا المعنى؛ ألا ترى أنك إذا قلت: أكلت من الرغيف، إنما أوقعت الأكل على جزء، فانفصل ذلك الجزء من الجملة، فآل معنى الكلام إلى ابتداء الغاية.
وذهب الفارسي والجمهور إلى أن من تكون للتبعيض.
قال ابن عصفور: "وهو الصحيح/ بدليل أنك لو جعلت مكانها بعضاً لكان المعنى واحداً؛ ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: أخذت من ماله، وأخذت بعض ماله، وقبضت من الدراهم، وقبضت بعض الدراهم، ولو وضعتها موضع من التي لابتداء الغاية في نحو: سرت من الكوفة - لم يسغ أن تقول: سرت بعض الكوفة" انتهى.
وما ذهب إليه ابن عصفور من أنه لا فرق بين من التبعيضية وبعض رده بعض شيوخنا، فقال: "يتعلق الأكل بالرغيف على وجهين: أحدهما أنه عمه.
والثاني أنه خصه، ولم يقع بجملته، فلحقت من لبيان ذلك.
وإذا فهمت هذا فهمت الفرق بين من وبعض، فإنك إذا قلت: أكلت بعض الرغيف - فليس الرغيف متعلق الأكل، وإنما متعلقه البعض، وسيق الرغيف لتخصيص ذلك البعض وزوال شياعه.
وإذا قلت: أكلت من الرغيف - فـ"من" دلت على أن الأكل وقع بالرغيف على جهة التبعيض، والرغيف متعلق الأكل، ودلت من على أنه لم يعمه".
قال: "وقد صعب هذا على بعض الطلبة، فأراد أن يسوي بين من وبعض، وفيما ذكرته فرق لمن تدبره" انتهى.
ومن قال لا فرق جعلهما مترادفين، ويمتنع الترادف بين مختلفي الحد.

وقوله ولبيان الجنس قال المصنف في الشرح: "ومجيئها لبيان الجنس كقوله تعالى (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ)، (خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) " انتهى.
وكونها لبيان الجنس مشهور في كتب المعربين، ويخرجون عليه مواضع من القرآن، وقال به جماعة من القدماء والمتأخرين، منهم النحاس، وابن بابشاذ وعبد الدائم القيرواني وابن مضاء.
واستدلوا على ذلك بقوله (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ)، وقوله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ)، وقوله (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ)؛ ألا ترى أن الأوثان كلها رجس، فأتى بـ"من" ليبين بما بعدها الجنس الذي قبلها، فكأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، أي: الرجس الوثني.
وكذلك: الذين آمنوا الذين هم أنتم؛ لأن الخطاب هو مع المؤمنين، فلذلك لم يتصور أن تكون تبعيضية.
وكذلك التقدير: من جبال هي برد؛ لأن الجبال هي البرد لا بعضها.
وقد أنكر ذلك أكثر أصحابنا، وزعموا أنها لم ترد لهذا المعنى، ولا قام دليل على ذلك من لسان العرب.
وكذلك قال من زعم أنها لا تكون إلا لابتداء

الغاية.
وقالوا هي في قوله تعالى (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) لابتداء الغاية وانتهائها؛ لأن الأوثان نحاس مصنوع أو ذهب أو غير ذلك، فليس الرجس ذاتها، ولا الجنس الذي صنعت منه، وإنما وقع الاجتناب على عبادتها، ووصف بالرجس المعبود منها، وتكون من في الآية كهي في قولك: أخذته من التابوت؛ ألا ترى أن اجتناب عبادة الوثن ابتداؤه وانتهاؤه في الوثن.
/وأما (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ) فلا يتعين أن يكون الخطاب خاصاً، بل يقدر الخطاب عاماً للمؤمنين وغيرهم.
وأما (مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) فـ (مِنْ جِبَالٍ) بدل من (السَّمَاءِ) بدل اشتمال، و (مِنْ بَرَدٍ) بدل من (جِبَالٍ) بدل شيء من شيء، فيؤول التقدير إلى أن يكون المعنى: وينزل من برد السماء، فتكون من فيه للتبعيض.
وأما ما استدل به فـ"من" في (مِنْ ذَهَبٍ) في موضع الصفة، فهي للتبعيض، وكذلك (مِنْ سُنْدُسٍ).
وأما (مِنْ صَلْصَالٍ)، و (مِنْ مَارِجٍ) فلابتداء الغاية، أي: ابتداء خلق الإنسان من صلصال، وابتداء خلق الجان من مارج.
وأما (مِنْ نَارٍ) فللتبعيض.
وأما: أخزى الله الكاذب من زيد وعمرو - ففيها معنى التبعيض، وفيها معنى التبيين، وهي تلزم في اللفظ أو التقدير، وتلزم العطف في الظاهر، ولا تلزم في الضمير؛ لأنك تقول: منا.
وقوله وللتعليل قال المصنف في الشرح: "ومجيئها للتعليل كقوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ)، و (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي

إِسْرَائِيلَ)، ومنه قول عائشة: (فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله، صلى الله عليه وسلم)، وكقول الشاعر: ومعتصم بالحي من خشية الردى... سيردى، وغاز مشفق سيؤوب"

انتهى.
وقال الفرزدق: يغضي حياء، ويغضى من مهابته... فما يكلم إلا حين يبتسم

ومنه: مات من علته، وضحك من كلام زيد، وغضب مما قيل له، ومنه (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ)، أي: بسبب الجوع.
ومن لا يرى ذلك في الآية قال بالتضمين، أي: خلصهم بالإطعام من جوع وبالأمن من خوف.
وقوله وللبدل قال المصنف في الشرح: "التي للبدل كقوله تعالى: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ)، (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ)، ومنه قول الشاعر:

أخذوا المخاض من الفصيل غلبة... ظلماً، ويكتب للأمير أفيلا"

وقوله وللمجاوزة فتكون بمعنى عن واستدل على ذلك بعضهم بقوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) أي: عن ذكر الله، وقول العرب: حدثته من فلان، أي: عن فلان.
وقال المصنف في الشرح: "ومجيئها للمجاوزة نحو: عذت منه، وأنفت منه، وبرئت منه، وشبعت ورويت.
ولهذا المعنى صاحبت أفعل التفضيل، فإن القائل: زيد أفضل من عمرو - كأنه قال: جاوز زيد عمراً في الفضل.
وهذا أولى من أن يقال: إنها لابتداء الارتفاع في نحو: أفضل منه، أو الانحطاط في نحو: شر منه، كما زعم س؛ إذ لو كان الابتداء مقصوداً لجاز أن تقع بعدها إلى.
وقد أشار س إلى أن ابتداء الغاية قد /يقصد دون إرادة منتهى، فقال: (تقول: ما رأيته مذ يومين، فجعلتها غاية، كما قلت: أخذته من ذلك المكان، فجعلته غاية، ولم ترد منتهى).
هذا نصه.
والصحيح أن من في نحو: أخذته من ذلك المكان، للمجاوزة؛ إذ لو كان الابتداء مقصوداً مع أخذت كما هو مقصود مع حملت في قولك: حملته من ذلك المكان - لصدق على استصحاب المأخوذ أخذ كما يصدق على استصحاب المحمول حمل.

وأما مذ في: ما رأيته مذ يومين، ونحوه - فقد جعلها بعضهم بمعنى في وليس كذلك؛ لأن المراد بما رأيته مذ يومين ونحوه نفي الرؤية في مدة أنت في آخرها، والابتداء والانتهاء مقصودان، واليومان معينان.
ولو جيء بـ (في) مكان مذ لم يفهم تعين ولا ابتداء ولا انتهاء.
وقد تقع من موقع مذ في مثل هذا، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة، رضي الله عنها: (هذا أول طعام أكله أبوك من ثلاثة أيام)، فلو كان المجرور بمذ أو منذ حاضراً غير مثنى ولا مجموع صح قصد معنى في، كقوله - عليه السلام - للملكين: (طوفتماني مذ الليلة).
انتهى.
وقد تقدم مذهب س ومذهب المبرد ومن تبعه في "من" التي تكون مع أفعل التفضيل.
وما رد به المصنف على س هو قول ابن ولاد.
وقد رد على ابن ولاد بأنه لا يلزم من ذكر الابتداء ذكر الانتهاء، فقد لا تذكره، إما لكونك لا تعلم إلى أين انتهى، وإما لكونك لا تريد أن تخبر به، نحو: خرج زيد من البصرة، وكذلك: زيد أفضل من عمرو، يكون الابتداء معلوماً والانتهاء مجهولاً، ويكون ذلك أمدح في حق المفضل؛ إذ لا يقف السامع على محل الانتهاء.
وقال المصنف في الشرح أيضاً: "وأشار أيضاً - يعني س - إلى قصد التبعيض بالمصاحبة أفعل التفضيل، فقال في: هو أفضل من زيد: (فضله على بعض، ولم يعم).

ويبطل كون هذه للتبعيض أمران: أحدهما عدم صلاحية بعض في موضعها.
والثاني صلاحية كون المجرور بها عاماً، كقولنا: الله أعظم من كل عظيم، وأرحم من كل رحيم.
وإذا بطل كون المصاحبة أفعل التفضيل لابتداء الغاية وللتبعيض تعين كونها بمعنى المجاوزة كما سبق" انتهى.
وما رد به على س لا يلزم؛ لأن س لم يدع في نحو زيد أفضل من عمرو أنها للتبعيض فقط، إنما قال: "إنها لابتداء الغاية، ولا تخلو من التبعيض"، يعني حيث يمكن التبعيض.
وتمثيله بقوله: هو أفضل من زيد، وقوله "فضله على بعض، ولم يعم" معناه: فضله على زيد، وهو بعض من الناس.
وهذا قول صحيح، لا شك أن زيداً ليس بلفظ عام، وإنما هو بعض من عام.
وأما كونها لا تصلح مكان بعض فقريباً من كلام المصنف قول ابن عصفور، قال: "الصحيح عندي أن التبعيض ليس مفهوماً في أفعل من، وإنما فهم ذلك من جهة أنك إذا أدخلت من التي لابتداء الغاية/ على الموضع الذي ابتدأ منه التفضيل علم أنك لم ترد التعميم في التفضيل؛ وإنما أردت أن تذكر الموضع الذي ابتدأت منه التفضيل، وليست كذلك طريقة من في إفادتها التبعيض، وإنما طريقها أن تدخل على اسم ما تريد بعضه؛ ألا ترى أنك إذا قلت قبضت من الدراهم أفدت بذلك أنك قبضت بعض ما دخلت عليه من؛ وهو الدراهم، وليست كذلك في: زيد أفضل من عمرو، لأنك لم ترد بعض ما دخلت عليه من" انتهى كلام ابن عصفور.
ولم يرد س إلا أن ما دخلت عليه من ليس بعام، وأنك إذا أردت العموم حذفتها، فما دخلت عليه من بعض، لا أنها دلت على التبعيض فيما دخلت عليه، بل ما دخلت عليه هو البعض، فالتبعيض لفظ مشترك، يراد به أن ما دخلت عليه يكون بعضاً من عام، ويراد به أن ما دخلت عليه يكون عاماً، فتفيد تسليط العامل على بعضه.

وأما ما ذكره المصنف من امتناع أن تدل على التبعيض، كقوله: الله أعظم من كل عظيم - فهو قول المبرد في رده على س ادعاءه أنها لا تخلو من التبعيض؛ واستدلاله أنك تقول: زيد أفضل الناس أجمعين، ولم يدع س أنها يصحبها التبعيض في كل مكان، بل قال ذلك حيث أمكن التبعيض، وهو قوله: هو أفضل من زيد، فزيد بعض الناس، وإذا قلت زيد أفضل من العمرين فهما بعض الناس، وإذا قال أفضل من الرجال فقد فضله على جماعة معلومين، فإذا أراد العموم حذف من، فقال: أفضل الرجال، وأفضل الناس، ولذلك جعل س [من] في قولك أفعل من لا يستغني عنها، يريد: إذا أريد معنى التبعيض، فإذا أريد العموم حذفت من كقولهم: هو أكذب من دب ودرج.
وقوله وللانتهاء قال المصنف في الشرح: "ومجيء من للانتهاء كقولك: قربت منه، فإنه مساو لقولك: تقربت إليه.
وقد أشار س إلى أن من معاني (من) الانتهاء، فقال: (وتقول: رأيته من ذلك الموضع، فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حين أردت الابتداء).
قال ابن السراج: (وحقيقة هذه المسألة أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي - فـ (من) لك، وإذا قلت: رأيت الهلال من خلل السحاب - فـ (من) للهلال، فالهلال غاية لرؤيتك، فلذلك جعل س من غاية في قولك: رأيته من ذلك الموضع) " انتهى.

ومن أثبت لـ"من" هذا المعنى - وهم الكوفيون - استدل عليه بقول الشاعر: أأزمعت من آل ليلى ابتكارا... وشطت على ذي نوى أن تزارا

المعنى: أأزمعت إلى آل ليلى.
وبقول العرب: شممت الريحان من الطريق، ورأيت الهلال من خلل السحاب، فـ"من" لانتهاء الغاية؛ لأن الشم لم يبتدئ من الطريق، ولا الرؤية ابتدأت من خلل السحاب، إنما ابتدأا من غيرهما، وانتهيا إليهما.
ويبين ذلك أنك/ تقول: شممت الريحان من داري من الطريق، ورأيت الهلال من داري من خلل السحاب، فـ"من" الأولى للابتداء، والثانية للانتهاء.
وقد رد أصحابنا هذا المعنى، وقالوا: لا تكون لانتهاء الغاية، فأما تأويل المصنف على س، وأنه أشار إلى أنها للانتهاء - فليس س مصحراً بأنها للانتهاء، إنما قال: "جعلته غاية رؤيتك"، ومعناه أنه محل لابتداء الفعل وانتهائه معاً.
وكذلك: أخذته من زيد، زيد أيضاً هو محل ابتداء الأخذ وانتهائه معاً.
فتحصل من هذا أن من تكون في أكثر الموضع لابتداء الغاية فقط، وفي بعض المواضع لابتداء الغاية وانتهائها معاً.
وأما البيت فخرج على أن المعنى: أأزمعت من أجل آل ليلى ابتكاراً؟ لأنه إذا أزمع ابتكاراً إليهم فقد أزمعه من أجلبهم، وحذف المضاف لدلالة المعنى سائغ.
وأما قولهم: شممت الريحان من داري من الطريق، ورأيت الهلال من داري من خلل السحاب - فتأولوه على أن كلا منهما لابتداء الغاية، فتكون الأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل، والثانية لابتداء الغاية في حق المفعول؛ ألا ترى أن ابتداء وقوع رؤية الهلال من الفاعل إنما كان في داره، وأن ابتداء وقوع الرؤية بالهلال إنما كان في خلل السحاب؛ لأن الرؤية إنما وقعت بالهلال وهو في خلل

السحاب.
وكذلك أيضاً ابتداء وقوع الشم إنما كان من الدار، وابتداء وقوعه بالريحان إنما كان من الطريق؛ لأن الشم إنما تسلط على الريحان وهو في الطريق.
ونظير هذا ما جاء في بعض الأثر: (كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بالشام: الغوث الغوث)، وأبو عبيدة لم يكن في وقت كتبه بالشام، بل الذي كان بالشام عمر، فـ"بالشام" ظرف للفعل بالنظر إلى المفعول؛ لأن الكتب إلى عمر إنما كان وعمر بالشام.
وزعم بعض النحويين أن من الطريق، ومن خلل السحاب - من فيهما لابتداء الغاية، إلا أنه جعل العامل محذوفاً، وليس شممت، ولا رأيت، وتقديره: كائناً من الطريق، وظاهراً من خلل السحاب.
قال السهيلي: "ولا حجة في قولهم: شممت الريحان من الطريق، ورأيت الهلال من خلل السحاب؛ لأن معنى الكلام أن الريحان شم من الطريق حتى شممت رائحته، وأن الهلال لاح من خلل السحاب حتى نظرت إليه)) انتهى.
فكأنه قال: ناما أو فائحاً من الطريق، ولائحاً من خلل السحاب.
ورد هذا التأويل بعض أصحابنا بأن المحذوف الذي يقوم المجرور مقامه إنما يكون مما يناسب معناه الحرف؛ و"من" الابتدائية لا يفهم منها الكون ولا الظهور، فلا ينبغي أن يجوز حذفهما منه.
وقوله وللاستعلاء قال المصنف في الشرح: "وقد جاء من بمعنى على في قوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا)، كذا قال أبو الحسن الأخفش" انتهى.
والأحسن ألا يضمن الحرف /معنى الحرف، ويضمن الفعل

معنى الفعل، فتكون من على بابها، ويكون التقدير: ومنعناه بالنصر من القوم الذين كذبوا بآياتنا.
وهذا الذي ذكره عن الأخفش هو قول الكوفيين وبعض اللغويين.
وقوله وللفصل قال المصنف في الشرح: "وأشرت بذكر الفصل إلى دخولها على ثاني المتضادين، نحو (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)، و (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)، ومنه قول الشاعر: إذا ما ابتدأت امرأً جاهلاً... ببر فقصر عن فعله ولم تره قابلاً للجميل... ولا عرف العز من ذله فسمه الهوان، فإن الهوان... دواء لذي الجهل من جهله"

انتهى.
ومنه: لا يعرف قبيلاً من دبير.
وليس من شرطها الدخول على المتضادين، بل تدخل على المتشابهين، تقول: لا يعرف زيداً من عمرو.
وقوله ولموافقة الباء هذا قول كوفي.
قال المصنف في الشرح: (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ)، قال الأخفش: (قال يونس: أي: بطرف

خفي، كما تقول العرب: ضربته في السيف، أي: بالسيف) " انتهى.
يريد أنهم جعلوا من بمعنى الباء كما جعلوا في بمعنى الباء.
ولا حجة لما قاله يونس؛ إذ يحتمل أن تكون فيه من لابتداء الغاية، أي: ابتداء نظرهم هو من طرف خفي.
وقوله ولموافقة في وهذا قول كوفي أيضاً.
قال المصنف في الشرح: "أشرت إلى نحو قول عدي بن زيد: عسى سائل ذو حاجة إن منعته... من اليوم سؤلا أن ييسر في غد

انتهى.
ولا حجة في ذلك؛ إذ يجوز أن تكون من للتبعيض على حذف مضاف، أي: إن منعته سؤلاً من مسؤولات اليوم أو من مسؤولاتك اليوم، يعني: من الأشياء التي تسألها اليوم.
وزعم بعض النحويين أن من تكون بمعنى في، وجعل من ذلك قوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)، أي: في الأرض.
وزعم أبو عبيدة أنها تقع بمعنى عند، وجعل من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا).
ولا حجة في شيء من ذلك؛ إذ يحتمل التأويل.
وزعم السيرافي والأعلم وابن طاهر وابن خروف أن "من" إذا كان بعدها "ما" كانت بمعنى ربما، وزعموا أن س يشير بهذا لهذا المعنى كثيراً في كلامه، كقوله في "باب ما يكون في اللفظ من الأعراض": "اعلم أنهم مما يحذفون".

جارٍ التحميل