الحمد لله رب العالمين قال شيخنا الأستاذ العالم الأوحد الحافظ العلامة أثير الدين أوحد العلماء العاملين أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفزي الأندلسي أيده الله: الحمد لله المتفرد بشريف الاختراع، المتفضل بلطيف الاصطناع، الذي أوجد عالم الإنسان، محفوفًا بمزايا الإحسان، مهيأً لإدراك العلوم، قابلًا للمنقول منها والمفهوم، وجعل من أشرف المعارف، ما تحلى به جنان العارف، من علم النحو الذي هو المرقاة إلى فهم كتابه، والسبيل المؤدية إلى تعرف خطابه، والصلاة والسلام على المنتخب من جرثومة العرب، النامي من دوحة الحسب، السامي من أطهر نسب، محمد صلى الله وسلم عليه، وعلى آله المنتمين إليه، ما تبلج الزهر، وتأرج الزهر، والرضا عن صحبه مقتبسي أنواره،
وملتمسي آثاره، ما أشرقت بالبدر الخضراء، وتشوقت للقطر الغبراء.
وبعد فإن كتاب (تسهيل الفوائد) في النحو لبلدينا أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني مقيم دمشق -رحمه الله- أبدع كتاب في فنه أُلِّف، وأجمع موضوع في الأحكام النحوية صنف، فهو -كما قال مصنفه فيه- جدير بأن يلبي دعوته الألباء، ويجتنب منابذته النجباء.
ولما كان مفرط الإيجاز، غريب الاصطلاح، حاشدًا لنوادر المسائل، عرض فيه من الاستعجام، ما أدى إلى التأخر عنه والإحجام، فنبذه الناس بالعراء، واطَّرحوه اطراح واصل للراء، وأصبح حاليه عطلًا، ومعلمه غفلًا، وأنواره لا تتبلج، وأزهاره لا تتأرج، ولاستعصائه قلما قرأه أحد على مؤلفه، ولا تجاسر على إقرائه نحوي بعد موت مصنفه.
وكان -رحمه الله- كثيرًا ما يعنى بتحريره، ويولع بتهذيبه وتغييره، فيزيد وينقص، وينقح ويلخص، فنسخت من هذا الكتاب نسخ تنافر مبناها، واختلف لفظها ومعناها، إلى أن عرض له -رحمه الله- أن يشرحه، ويفسره ويوضحه، فغير أكثر ما شرحه، ونظر إليه بعين العناية وتصفحه، وانتهى في شرحه إلى باب "مصادر غير الثلاثي"، وذلك أشف من نصفه، وعاقه عن إكماله محتوم حتفه.
فاستخرجت فص هذا الكتاب مما أودعه في الشرح إلى حيث انتهى، وجمعت على باقي الكتاب نسخًا إليها في الصحة المنتهى؛ لأنها طرزت بخطه، وحررت بين يديه بضبطه، فثقفته حتى استقام مناده، وظفر بمطلوبه منه مرتاده.
وأخذت في إقراء هذا/ الكتاب، أنبه حامله، وأنوه خامله، وأفتح مقفله، وأوضح مشكله، وأحيي منه ما كان مواتًا، وأجدد ما عاد رفاتًا.
وكان المانع من وضع كتاب يتضمن شرح جميعه وتكميله، واستدراك ما أغفل من الأحكام وتذييله، ومناقشته فيما حرر، والانتقاد لما فيه قرر، ما كان قد تقسم الخاطر من الاشتغال بالاكتساب، المزري بذوي المعارف والأحساب، وأنى يكمل انتحال، لمن توالى عليه أمحال، أو يتحصل إقبال، لمن تقسم منه البال.
ومع ذلك فطالما سألني سائلون من أهل مصر والشام في شرح باقيه وتكميله، وانتقاده وتذييله، ليكون ذلك عجالة يحظى بها المستوفز، ويرضى ببلوغ موعودها المستنجز، وتجلو عرائسه في منصة التوضيح، وتبرز نفائسه من التلويح والتصريح.
ومما خوطبت به من دمشق المحروسة كلمة، أولها:
تبدي، فخلنا وجهه فلق الصبح يلوح لنا من حالك الشعر في جنح
ومن آخرها:
إليك -أبا حيان- مني تحية يفوق شذاها مسك دارين في النفح
بدأت بأمر تمم الله قصده وكمله باليمن منه وبالنجح
وسهلت تسهيل الفوائد محسنًا فكن شارحًا صدري بتكملة الشرح
ومما كتب به بعض الأدباء من حماة المحروسة لأخيه بمصر -حرسها الله- ما نصه: "كان جماعة من المحصلين بحماة شرعوا في بحث (تسهيل الفوائد)، فإنه كتاب لم ينسج على منواله، ولم تسمح قريحة بمثاله، غير أنه يصد الناس عنه كونه غير كامل الشرح، ولم يتقدم أحد من فضلاء هذه الصناعة إلى تكميله، فندبني بعض المشتغلين إلى الكتب إلى الإمام أثير الدين لالتماس تجريد نظره الكريم، إلى هذا المرام العظيم، والخطب الجسيم، الذي هو أولى ما صرفت إليه العنايات، واستغرقت في النظر فيه نفائس الأوقات، فإنه غرة في جبهة الزمان، وخال في خد نتائج الأذهان.
فالأخ -حفظه الله- يعرفه بأن هذا مقام قد اعترف أبطال هذا الشأن بأنهم عنه في موقف التقصير:
لقد نادى لسان العجـ ـز في الجم الغفير
بأن لن يصلحوا طرا لذا الأمر الخطير
سوى الحبر الإمام الأو حد المولى الأثير
أبي حيان ذي الإحسا ن والفضل الغزير
فالأخ يقفه على هذه السطور، ويلتمس منه الإجابة إلى تكميل شرح الكتاب المذكور، ولو بمثل تفتح مقفله، وتسم مغفله.
انتهى كلام هذ السائل، وما تلطف به من الوسائل.
فحين كثر تسألهم، وتعلقت بالإجابة آمالهم، أسعفتهم فيما طلبوا/، وانتدبت لما إليه رغبوا، هذا على حين توالي نوى غربة، وإقامة بدار غربة، وتفريق من الأوداء، وتفويق سهام الأعداء، والتباس
الذهب بالرغام، والتماس الرتب من الطغام، وترقي الجهال إلى مناصب العلماء، وتوقي طعن اللؤماء على الفهماء، واحتياج لمن يؤثر خسيس الرذائل، على نفيس الفضائل، وتقدم ذوي النقائص، على كريم الخصائص، واقتناع بعلالة من بلالة، وسلالة من زلالة، ونغبة من دأماء، وتربة من يهماء، اللهم صبرًا وسترًا، لما اجترحناه وغفرًا.
ولما تكمل شرح الخمسين اللذين لم يشرحهما المصنف على المنهج الذي قصدناه، والمنزع الذي أردناه، في كتاب سميناه بـ"التكميل لشرح التسهيل"، كان من بعض المعتنين بهذا العلم تشوف إلى أن أشرح الكتاب كاملًا، ولا أترك منه مكان حلي عاطلًا، ليكون الكتاب كله جاريًا في الشرح على نسق واحد، وحاويًا ما أغفل من الزوائد والفوائد، فالشارح لكلام غيره ليس كالشارح لكلام نفسه، ذلك ينظر إليه بعين الاستدراك والانتقاد، وهذا يشرح كلام نفسه، وله في حسن الاعتقاد.
فأخذت الآن في ابتداء الشرح من أول الكتاب، وانتدبت إليه أحق الانتداب، إذ كانت علائق الخمول قد انقطعت، وعوائق الاكتساب قد ارتفعت، فحصل ما فيه نقع غليل، وبرء عليل، وانشراح صدر، وارتفاع قدر، بتيسير ما فيه لمقتنع كفاية، وتفسير كتاب الله آية آية، وذلك بما أتاح الله على
يدي المقر العالي العالمي العادلي السيفي سيف الدين أرغون نائب السلطنة المنصورية الناصرية، أمير إن ذكرت المعارف فهو إمامها، أو أسديت العوارف فهو غمامها، أو فخرت الممالك فهو همامها، أو جلت السوابق فهو أمامها، غيث الورى، ليث الشرى، محيي العدل، مميت الحيف، جامع فضيلتي القلم والسيف، اقتضت له السعادة الإلهية أن خلدت اسمه في هذا التصنيف، وأعظم له من تنويه وتشريه، فمحامده تتلى في تصانيف العلوم بألسنة الأقلام، وذكره مخلد على ممر الليالي والأيام، إذ فضائله النفسانية هي الباعثة على تصانيف العلوم، وفواضله الإحسانية ملقحة الأذهان والفهوم، أشمخ من غمام، وأوقر من
شمام، وأنور من بدر تمام:
تيمن بها من غرة نورها الشمس أضاءت دجى الأيام، فارتفع اللبس
وألمم بمغنى دولة ناصرية تكنفها الإقبال والنصر والأنس
تولى لها التدبير أروع ماجد كثير التوقي، شأنه الجود والبأس
ومن يك سيف الدين نائب ملكه ينم وجفون الدهر عن ملكه نعس
أمير همام ذو وغى وسياسة تغاير في عليائه الطرف والطرس
/إليه انتمت كل المكارم، وانتهت فبالشخص منه يفخر النوع والجنس
مغيث نفوس إن عصت، ومفيدها إذا ما أطاعت، فهو يجرح أو يأسو
كأن الورى جسم لديك دواؤه وأمرك في تدبيره الروح والنفس
لا زال للمعارف يبديها، وللعواطف يسديها، وللمشكلات يشرحها، وللمقفلات يفتحها، وللفضائل يجدد رفاتها، وللفواضل يحيي مواتها، وللممالك يدبرها ويرأبها، ولأشتات الخيرات يجمعها ويشعبها.
فدونك - أيها السائل- من هذا الشرح كتابًا غريب المثال، قريب المنال، هبت عليه النفحات اليمانية، واجتمعت فيه المعاني الثمانية، وهي التي يصنف فيها العلماء، ويتطلبها من التأليف الفهماء: معدوم قد اخترع، ومفترق قد جمع، وناقص قد كمل، ومجمل قد فصل، ومسهب قد هذب، ومخلط قد رتب، ومبهم قد عين، وخطأ قد بين.
وإذا واجهك من هذا
الشرح محيًا يفوق الشمس حسنًا، وشافهك خطابٌ يروع لفظًا ويروق معنى، فادع الله بالرحمة لمن كشف لك قناع محياه، وأنشقك أريج رياه، وأعلقك بسني الرتب، وأوصلك إلى مقصودك من كثب.
ولما علقت ذهب هذا الكتاب على نار الفكر حتى خلص، وكملت بمحسن الصنعة ما كان قد نقص، وذيلت على فص "التسهيل" وشرحه ما قد قلص، سميته بـ"التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل".
ومن الله استمد التأييد والعون، وأسأل العصمة فيما أرومه والصون، لا رب غيره، ولا مرجو إلا خيره.
-[ص:
باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلق به
الكلمة لفظ مستقل دال بالوضع تحقيقًا أو تقديرًا أو منوي معه كذلك.
وهي اسم وفعل وحرف.]-
ش: ذكر المصنف باب شرح الكلمة، ولم يذكر باب حد الكلمة؛ لأن الحد للشيء عسير الوجود، فعدل عن لفظ "حد" إلى لفظ "شرح"، وكلاهما يشترك في كشف المحدود وبيانه، وكان ينبغي أن يبدأ أولًا بشرح "النحو" وبيانه، وحينئذٍ يشرع في شرح ما ذكر؛ لأن الناظر في علم من العلوم لابد له أولًا من معرفته على سبيل الإجمال، ثم بعد ذلك يتعرف ما احتوى عليه ذلك الفن على سبيل التفصيل.
وقد كثر ما صنف الناس من الكتب في هذا العلم، وما تعرض أحد منهم لحده إلا القليل، قال صاحب "المستوفي": "النحو صناعة علمية ينظر بها صاحبها في ألفاظ العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم ليعرف النسبة بين صيغة النظم وصورة المعنى، فيتوصل بإحداهما إلى الأخرى".
وقال صاحب "البسيط":
"النحو هو علم بالتغييرات اللاحقة للكلم ومدلولاتها".
وقال/ ابن هشام: "النحو علم بأقيسة تغير ذوات الكلم وأواخرها بالنسبة إلى لغة لسان العرب".
وقال صاحب "المباحث": "النحو علم يبحث فيه عن أحوال الكلم العربية إفرادًا وتركيبًا فقط".
وقال صاحب "المقرب": "النحو علم مستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها".
وقال صاحب "البديع": " النحو معرفة أوضاع كلام العرب ذاتًا وحكمًا واصطلاح ألفاظ حدًا ورسمًا".
قوله الكلمة لفظ شرع المصنف -رحمه الله- في حد "الكلمة" المصطلح عليها في النحو؛ إذ في اللغة تنطلق على أحد أقسامها من الاسم
والفعل والحرف، وتنطلق على الكلام، نحو ما روى "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل.......................... "
وكقوله تعالى: ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا﴾، وكقوله -عليه السلام- "الكلمة الطيبة صدقة".
ولغة الحجاز "كلمة" على وزن نبقة، ويجوز في "الكلمة" تسكين اللام مع فتح الكاف وكسرها، قيل: وهي لغة تميم.
فقوله لفظ جنس يشمل المحدود وغير المحدود، وهكذا شأن الحدود، تبدأ أولًا بالجنس، ثم تأتي بالفصل، لكن المصنف أخذ جنسًا أبعد، وترك جنسًا أقرب، وهو "القول" إذ اللفظ ينطلق على المهمل كـ"ديز" مقلوب "زيد"، و"رفعج" مقلوب "جعفر"، وينطلق على الموضوع، فلو أخذ الجنس الأقرب كان أحسن، فكان ينبغي أن يقول: الكلمة قول.
وقال المصنف -رحمه الله- في شرح كلام نفسه: "تصديره بـ"اللفظ"
مخرج للخط ونحوه مما هو كاللفظ في تأدية المعاني" انتهى.
وهذا ليس بجيد لأن الجنس في الحد لا يؤتى به للاحتراز، لا يقال في قولهم: "الإنسان حيوان ناطق" إنه احترز بـ"حيوان" مما ليس بحيوان.
ولم يتقدم شيء يشمل الخط واللفظ فيحترز بـ"اللفظ" عنه إلا إن اعتقد أن "الكلمة" التي هي المحدود تشمل الخط واللفظ، فهذا في غاية الفساد لأن المحدود ليس من الحد، ولأن "الكلمة" لا تنطلق على الخط لغة، وإنما ذلك "الكلام" ذكروا أنه ينطلق على الخط على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وقد اتبع المصنف في ذلك -رحمه الله- ابن عصفور، فإنه حين حد "الكلام" فقال: "الكلام هو اللفظ" إلى آخر الحد قال: "قولنا" لفظ "احترز به مما يقال له "كلام" لغةً، وليس بلفظ، كالخط والإشارة وما في النفس وما يفهم من حال الشيء".
فجعل ابن عصفور ذكر الجنس محترزًا به، ونقله المصنف -رحمه الله- من حد "الكلام" لابن عصفور إلى حده الذي علمه لـ"الكلمة".
وقال المصنف في الشرح: "واللفظ أولى بالذكر من اللفظة لأن اللفظ يقع على كل ملفوظ حرفًا كان أو أكثر، وحق اللفظة أن لا تقع إلا على حرف واحد لأن نسبتها من اللفظ نسبة الضربة من الضرب، ولأن إطلاق اللفظ على الكلمة إنما هو من باب إطلاق المصدر على المفعول به/ كقولهم للمخلوق خلق والمنسوج نسج، والمعهود في هذا استعمال المصدر غير المحدود بالتاء، ولذلك قلما يوجد في عبارات المتقدمين "لفظة" بل الموجود في عباراتهم "لفظ" كقول "س"، وأورد ن استعماله "لفظًا" في مواضع.
انتهى.
وقال بعض أصحابنا: اللفظ جمع لفظة، وأقل الجمع ثلاثة، وإذا كان هذا صحيحًا بطل أن يؤخذ "لفظ" في حد الكلمة لأنه إنما تحد الماهية، فلا يجعل في حدها ما يدل على أقل الجمع، وهو ثلاثة.
ونظير ذلك أن يقال في حد "الإنسان": الإنسان حيوانات نواطق.
وهذا لا يجوز.
والجواب: أنا لا نسلم أن اللفظ جمع لفظة، ولا أن الضرب جمع ضربة، فيلزم أن يكون أقله ثلاثة، بل الضرب واللفظ ونحوهما مصادر صالحة للقليل والكثير لأنها أسماء أجناس، فيدل ضرب على مطلق الضرب، ولذلك يقول من ضرب مرة واحدة: ضربت ضربًا، فيصدق على المرة الواحدة لفظ ضرب، فإذا أردت التنصيص على المرة الواحدة قلت ضربة بالتاء الدالة على الإفراد نصًا.
ولو كان ضرب أو لفظ جمعًا -وأقل ما يقع عليه ثلاثة- لامتنع أن يقول من ضرب مرة واحدة: ضربت ضربًا؛ للتناقض، وإنما يقال ذلك فيما ليس بمصدر، نحو كلمة وكلم ولبنة ولبن ونخلة ونخل وجوزة وجوز.
ذكر المصنف -رحمه الله- في هذا أن تجريده من التاء يستغنى به عن تكسير واحده الممتاز بالتاء في الكثرة، فتقول كلم ولبن ونخل وجوز، وجمعه بالألف والتاء استغني به عن تكسيره في القلة، فتقول: كلمات ولبنات ونبقات ونخلات وجوزات.
ثم ناقض هذا الكلام، فقال: "الكلم اسم جنس جمعي كالنبق والضرف
واللبن، وأقل ما يتناول ثلاث كلمات".
وتبع في ذلك ابن جني، زعم أن اسم الجنس أقل ما يقع على ثلاثة، فلذلك أطلق النحويون الكلم على الاسم والفعل والحرف، قال س: "هذا باب علم ما الكلم من العربية، فالكلم اسم وفعل وحرف"، وقال أبو علي: "ما يأتلف من هذه الكلم الثلاث كان كاملًا مستقلًا" ومن رأى أن اسم الجنس إذا كان بغير تاء كان للكثير، وبالألف والتاء كان للقليل، استعذر على إطلاق الكلم على الاسم والفعل والحرف، وسيأتي ذلك.
وقوله مستقل احترز به من بعض اسم نحو الياء من زيدي وتاء مسلمة، وبعض فعل كهمزة أعلم ألف ضارب، فكل منها لفظ دال بالوضع، وليس بكلمة لأنه غير مستقل.
هذا شرح المصنف كلامه.
واحتيج إلى أن يتحرز بـ"مستقل" من بعض اسم وبعض فعل لأنه أخذ جنسًا بعيدًا، وهو اللفظ، فلو أخذ أقرب منه -وهو القول- لم يحتج إلى التحرز بقوله: "مستقل" لأن بعض اسم وبعض فعل لا يقال له "قول".
ولقائل أن يقول: لا أسلم أن الياء في زيدي والهمزة في أعلم ونحوهما لفظ دال بالوضع كما زعم المصنف، بل مجموع اللفظة دل على أن الشخص منسوب لزيد، وكذلك لفظ أعلم أتى معدى؛ لأنه لو كان كل واحد من هذه الأبعاض لفظًا/ دل بالوضع على معنى -وهو النسب والتعدية- لكان باقي اللفظ إما أن يدل على معنى أو لا يدل، لا جائز أن لا يدل لأنه يكون من المهملات، ولا جائز أن يدل لأنه إذا دل فإما أن يكون مدلوله مدلول ذلك البعض أو غيره، لا جائز أن يكون مدلول ذلك البعض لأنه كان يستغنى
بأحدهما عن الآخر، والأمر ليس كذلك، ولا جائز أن يكون غيره لأنه يلزم من ذلك أن تكون الكلمة يدل جزء من أجزائها على جزء من أجزاء معناها، وذلك من خصائص المركبات، ولا يكون ذلك من المفردات، فبطل أن يكون بعض الكلمة لفظًا دالًا بالوضع على معنى، وإذا كان كذلك دل "زيدي" على شيء منسوب لـ"زيد"، ودل "أضحك" على فعل ماضٍ صادر من فاعل ذلك لشخص، ويلزم من هذا الفعل اتصاف المفعول بالضحك فيما مضى، وكذلك تقول في جميع ما ذكره المصنف.
وقوله دال بالوضع قال المصنف: "احتراز من اللفظ المهمل كـ"ديز" مقلوب "زيد"، فإنه يدل سامعه على حضور الناطق به غير ذلك دلالة عقلية لا وضعية" انتهى.
وهذا الذي ذكر أنه احترز به من المهمل ليس بجيد لن قبل هذا الفصل فصل الاستقلال، واللفظ المهمل لا يدخل تحت قوله: "مستقل" فيحتاج أن يحترز عنه بقوله: "دال بالوضع".
وقال غيره: احترز بالوضع مما يدل بالطبع كقول النائم إخ، فإنه يدل على استغراقه في النوم، وعند السعال إح إح، فيفهم منه أذى الصدر، واللفظ المصحف إذا فهم منه معنى، فكل هذا لا يسمى كلمة لأن دلالتها على ذلك المعنى لم تكن بالتواضع.
قيل: ودخل تحت قوله: "الوضع" الجمل المسماة بها نحو برق نحره وتأبط شرًا، فبعد التسمية بالجملة هي كلمة لأن جزأها لا يدل على جزء معناها، فكانت مفردة بالوضع.
ويدخل في هذا الحد "الكلام" عند من يرى أن دلالته على معناه وضعية، فإن الكلام لفظ مستقل دال بالوضع.
ويخرج عن هذا الحد ما استعمل في غير موضوعه على سبيل المجاز أو النقل، كـ"أسد" المراد به الشجاع، وكـ"أسد" المراد به شخص، فإنه منقول من الحيوان الموضوع له لفظ "أسد"، فإذا استعمل في أحد هذين المعنيين فلا يكون كلمة إذ ذاك لأنه نقص منه قيد الدلالة بالوضع، إذ يصدق عليه -والحالة هذه- أنه لفظ مستقل غير دال بالوضع.
وقوله تحقيقًا وتقديرًا مثال التحقيق رجل، فهذا دال على مسماه تحقيقًا، ومثال التقدير أحد جزأي العلم المضاف كامرئ القيس، فمن حيث المدلول هو كلمة واحدة، ومن حيث التركيب هو كلمتان لأن المضاف والمضاف إليه لا يكونان إلا اسمين أو في تقدير اسمين، وتسمية أحد جزأي العلم كلمة هو على طريق المجاز.
ولو استغنى عن هذا التقسيم في الدلالة بالوضع إلى التحقيق والتقدير لكان حسنًا، وكان تقل به ألفاظ الحد.
وقوله أو منوي معه هذا قسيم لقوله: "لفظ" لأن الكلمة على/ قسمين: ملفوظ لها، ومنوية مع اللفظ، كالفاعل في أفعل، وأفعل، ونفعل، فلو لم يذكر هذا لكان بعض المحدود -وهو ما لا يلفظ به- قد خرج عن الحد، والمعنى: أو غير لفظ منوي مع اللفظ.
وقوله كذلك قال المصنف: "أشير بـ"كذلك" إلى الدلالة والاستقلال المنبه عليهما" أي: معنى هذا المنوي مع اللفظ المستقل الدال بالوضع.
وادعاء التركيب في نحو افعل؛ مشكل، وادعاء الإفراد فيه مشكل.
أما الأول فلان التركب من عوارض الألفاظ، ويستدعي تقدم وجود ولا وجود، فلو كان وجد تم قرض له حذف لم يشكل.
وأما الثاني فلأن افعل مفيد إفادةً المركب، الذي هو الكلام، فلا يمكن دعوى الإفراد فيه.
قال المصنف - رحمه الله-: ((واحترز به من الإعراب المنوفي في نحو فتى، فإنه يصدق عليه أنه منوي مع اللفظ المفيد، ولكنه غير مستقل ولا منزل منزلة المستقل، فإن الإعراب بعض الكلمة المعربةً، وإذا لفظ به لم يدخل في مدلولات الكلمةً، فهو بأن لا يدخل حين لا يلفظ به أحق وأولى)) انتهى.
وفى قوله: ((فإن الإعراب بعض الكلمة المعربةً، فيه نظر، وذلك أن الإعراب على ما اختاره أكثر متأخري أصحابنا هو معنوي لا لفظي، واللفظ يدل عليه، فإذا كان معنويًا فلا يكون بعض الكلمة المعربةً، وأما على ما اختاره المصنف من أنه لفظي فإنه زائد على ماهية الكلمة، وإذا كان زائدًا على ماهية الكلمة فلا يكون بعض الكلمة لأن بعض الشيء جزء من الشيء، ومحال وجود الماهيةً مع فقد جزء من أجزائها، وقد وجدنا ماهية الكلمة دون إعراب، فدل على أنه ليس بعضًا منها.
وجاء في هذا الحد ذكر "أو" مرتين، وقالوا إن الحدود لا يكون فيها ترديد، فلا يؤتي فيها بـ "أو".
وقوله وهي اسم وفعل وحرن ذكر النحويون دلائل لحصر الكلمةً في الاسم والفعل والحرف:
أحدها: دليل الاستقراء، وهو أن أئمة النحويين المستقرئين علم النحو
تتبعوا ألفاظ العرب، فلم يجدوا غير هذه الثلاثة.
الدليل الثاني: أن الكلمةً إما أن تدل على معناها بانفرادها، أو تدل على معناها لا بانفرادها بل بذكر متعلق، وهذا الثاني هو الحرف، والأول إما أن تتعرض ببنيتها لزمان ذلك المعنى، أو لا تتعرض، والثاني هو الاسم، والذي قبله هو الفعل، فلا رابع.
الدليل الثالث: قالوا ت المعاني ثلاثة: ذات، وحدث، ورابطة بين الذات والحدث، فالأول الاسم، والثاني الفعل، والثالث، الحرف.
وفي هذه الدلائل بحث ونظر، وأجودها الثاني.
وذكر المصنف - رحمه الله - دليلًا رابعًا، وهو أن الكلمة إن لم تكن ركنًا للإسناد فهي حرف، وإذ كانت ركنًا فإن قبلت الإسناد بطرفيه فهي اسم، وإلا فهي فعل.
وهذا الدليل الذي ذكره راجع إلى الاستقراء، وأيضًا فهو استدلال بالعوارض لا بالذاتيات لأن الإسناد إنما يكون حالة التركب، وإذا ذكرًا دليل الحصر فإنما يكون التردد فيما يكون ذاتيًا لا فيما يكون عارضًا.
وأجمع النحويون على أن أقسام الكلمة ثلاثة: اسم بفعل وحرف.
وحكي لنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخنا عن صاحبه أبي جعفر بن
صابر، أنه كان يذهب إلى أن ثم رابعًا، وهو الذي نسميه نحن " اسم فعل"، وكان يسميه "خالفة" إذ ليس هو عنده واحدًا من الثلاثةً.
حكي لنا ذلك عنه أستاذنا أبو جعفر على سبيل الاستغراب والاستندار لهذه المقالة.
وتكلم النحويون على أفراد الاسم والفعل والحرف، وعلى تسمية كل واحد منها بما سمي به، وعلى اشتقاق الاسم، وعلى تقديمه، وتوسيط الفعل، وتأخير الحرف، ولم يتعرض لذلك المصنف.
-[ص: والكلام ما تضمن من الكلم إسنادًا مفيدًا مقصودًا بذاته.]-
ش: الكلام ينطلق على "المعاني التي تكون في النفس" التي يعبر عنها بالكلام الصناعي، وأنشدوا للأخطل - قيل؛ ولم يثبت في ديوان شعره -: إن الكلام لفي الفؤاد، وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا وعلى "التكليم" بخلاف، أهو مصدر كلم على حذف الزوائد أم هو اسم مصدر، وهو قول الأكثرين، قال الشاعر: فإذ تمس ابنة السهمي منا بعيدًا، ما تكلمنا كلامًا
وقال آخر:
ألا هل إلى ريا سبيل وساعة تكلمني فيها من الدهر خاليا
فأشفي نفسي من تباريح ما بها فإن كلاميها شفاء لما بيا
واحتج بما حكي أبو علي: عجبت من كلامك عبد الله، وقل به س في باب الاستثناء، ويعمل الفعل فيه نحو كلمته كلامًا.
قالوا وقد جاءت منه مثل، نحو عذبته عذابًا، وسلمت عليه سلامًا، وجوزته جوازًا، وشورته شوارًا: أخجلته.
ف "س" والجماعة لا يرون هذه المثل إلا أسماء للمصادر لا أنفسها.
قال ابن هشام: وأصل ما جاء من الثلاثي الأصل على مثال دحرج أن يكون مكسور الأول بألف قبل آخره نحو أكرم إكرامًا وضارب ضرابًا وكلم كلامًا، وما جاء على غير هذا فبتعويض، وأصل فعل الفعال نحو كلم كلامًا، وكما قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾، فيجوز في كلها الفعال والتفعيل، الياء عوض من الحرف المضاعف، ولا حجةً في النصب بعده، فقد يكون به حملًا على المعنى، أو بإضمار ما يدل عليه.
وأما عمل الفعل فيه فلأنه في معنى المصدر كما تقول ضربت كل الضرب وبعض ضرت، وأيما ضرب، وضربته سوطًا وسوطين.
وعلى " الخط"، يقولون للرسوم التي بين الدفتين: هذا كلام الله.
وعلى "الإشارة" قال بعض الهذليين:
أرادت كلامًا، فاتقت من رقيبها فلم يك إلا ومأها بالحواجب
أي/: فلم يك الكلام إلا ومأها، أي: إشارتها.
وعلى "ما يفهم عن حال الشيء" وإن كان لا يلفظ.
وعلى " اللفظ المركب الذي لا يفيده" قالوا: تكلم ساهيًا.
وعلى "اللفظ المركب المفيد بغير القصد"، قالوا: تكلم ساهيًا.
وعلى "ما" اصطلح عليه النحويون أن يسموه كلامًا".
وقد اضطرب كلام ابن عصفور في دلالة "الكلام" على هذه المعاني، فزعم مرةً أن الكلام بالنظر إلى اللغةً لفظ مشترك بين هذه المعاني، وزعم مرةً أن الكلام في أصل اللغةً اسم بما يكلم به عن الجمل، سواء أكانت مفيدةً أو غير مفيدةً، وقد تخرجه العرب عن ذلك، قال: فتستعمله مصدرًا لكلم، وذكر أن المعاني السابقةً يطلق عليها الكلام على جهة المجاز.
وقد اختلف النحويون في إطلاق "الكلام" على الكلام النفساني وعلى ما يعبر به من الجمل، أذلك حقيقةً فيهما على جهة الاشتراك أم حقيقةً في النفساني مجاز في اللساني أم مجاز في اللساني حقيقة في اللساني؟ ثلاثة مذاهب:
وظاهر كلام س - رحمه الله - أن الكلام لا يطلق حقيقة إلا على الجمل المفيدة.
وذكر المصنف حين ذكر قول س "واعلم أن (قلت) في كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها ما كان كلامًا لا قولا" قال: عني بالكلام الجمل، وبالقول المفردات، ولا يريد أن القول مخصوص بالمفردات، فإن إطلاقه على الجمل سائغ باتفاق.
وقد يمسى الاعتقاد قولًا لأن الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره، والقول قد لا يتم معناه إلا بغيره، بخلاف الكلام، فإنه تام المعنى بنفسه، ولذلك أطلق على القرآن "كلام الله"، ولم يطلق عليه "قول الله".
وقد شاع إطلاق القول على ما لا يطلق عليه كلام، كقول أبي النجم:
قالت له الطير: تقدم راشدًا إنك لا ترجع إلا حامدا
وقال آخر:
وقالت له العينان: سمعا وطاعة وحدرتا كالدر لما يثقب
انتهى كلام المصنف، رحمه الله.
وما ذكر من أن "القول" لا يطلق على كلام الله - تعالى - فيه نظر.
وما أنشده من قول الشاعر "وقالت له العينان" أنه نسب القول إلى العينين، ولا
يحسن نسبة الكلام للعيون، مخالف، لما نص الناس عليه من آن الإشارة بالعيون تسمى كلامًا كما تسمى قولًا، وقد أنشدنا شاهدًا على ذلك:
أرادت كلام.................................................
البيت.
وأنشدوا أيضًا:
إذا كلمتني بالعيون الفواتر رددت عليها بالدموع البوادر
ولاشتهار إطلاق الكلام على الإشارة استعمل ذلك المولدون، قال.
حبيب:
كلمته بجفون غير ناطقةٍ فكان من رده ما قال حاجبه
وأما ما أنشده المصنف - رحمه الله - من قول الشاعر:
أشارت بطرف العين خشيه أهلها إشارة محزون، ولم تتكلم
/فإنما نفي الشاعر التكلم حقيقة لا الكلام المجازي، فلا تناقض بين قوله: "أشارت" وبين قوله: "ولم تتكلم".
وقال بعض أصحابنا: من قال إنه حقيقة في المعنى القائم بالنفس قال: سمعت اللفظ كلامًا لدلالته عليه، كما تقول: سمعت العلم، ونطق بالعلم، وإنما سمع وينطق باللفظ الدال على العلم.
ومن قال هو حقيقة في اللفظ وإنما سمي العلم به لأن المعنى أصله، كما سموا العنب خمرا، والشحم طرقًا، وأصل الطرق القوة، لأن القوة تكون عنه، وكما سموا النبات غيثًا.
ومن قال بالاشتراك احتج بتكافؤ هذين الاحتمالين، فلم يكن أحدهما أولى، فوجب القول عنده بالاشتراك.
فأما وقوعه على ما تدل عليه الآثار والرسوم والكتابة وغير ذلك فمجاز، لا خلاف فيه، لقول الشاعر:
وعظتك أجداث صمت ونعتك ألسنة خفت
وتكلمت عن أوجه... تبلى وعن صور شتت
وأرتك قبرك في القبو... ر، وأنت حي لم تمت
قوله الكلام ما تضمن من الكلم هذا جنس يشمل سائر المركبات من الكلام وغيره، ويشمل ما تألف من كلمتين فأكثر.
قال المصنف: "فلذلك لم يقل "الكلم المتضمن" لأن الكلم اسم جنس جمعي كالنبق، وأقل ما يتناول ثلاث كلمات" انتهى.
وقد قدمناه اختلاف الناس في ذلك.
ومن قال إن اسم الجنس إذا كان بغير الهاء كان للكثير استعذر عن إطلاق الكلم على الاسم والفعل والحرف.
فقال الأستاذ أبو علي الشلويبن: "أرادوا بها الأجناس، والأجناس لا تنحصر أفرادها".
ورد عليه بأن اسم الجنس إنما يقع على ما فوق العشرة من آحاده، وآحاد "الكلمة" هنا إنما هي "الكلمة" التي يراد بها جنس الأسماء، "والكلمة" التي يراد بها جنس الأفعال، و "الكلمة" التي يراد بها جنس الحروف، فـ "الكلم" إذآ لم يقع مما يقع عليه واحده إلا على ثلاثة خاصة.
وقال الأستاذ أبو الحسن ين عصفور: "إنما أوقعت العرب اسم الجنس على ما فوق العشرة، والجمع بالألف والتاء على ما دون ذلك، تفرقةً بين القليل والكثير حتى لا يلبس أحدهما بالآخر، وهذه التفرقة لا تتصور هنا لأن النجم إذا كان جمعًا للكلمة الواقعةً على كل واحد من الأجناس الثلاثة لم يكن لها جمع قليل ولا كثير فيفرق بينهما؛ ألا ترى أنه ليس لـ "الكلم" الذي هو اسم جنس ولا لـ "كلمات" ما يقعان عليه إلا الأجناس الثلاثة خاصة، فلما لم تتصور التفرقة ساغ وقوع اسم الجنس موقع الجمع بالألف والتاء لأن اللبس إذ ذاك قد آمن، وأيضًا فإنك إن جمعت بالألف والتاء فلأن الثلاثة قليل، وإن أتيت باسم الجنس فلان هذه الثلاثة هي جمعت ما يقع عليه "كلم"، كما أنك تقول: التمر أطيب من الزبيب، فتوقع التمر على جميع ما يقع عليه تمر" انتهى كلامه.
قال المصنف- رحمه الله -: "وإنما قيل "ما تضمن من الكلم" فصدر الحد بـ "ما" لصلاحيتها للواحد فما فوقه، ثم خرج الواحد بذكر تضمن الإسناد المفيد، فبقي الاثنان فصاعدًا، وهو المراد" انتهى.
وتصديره الحد بـ "ما" ليس بجيد لأن "ما" لفظ مشترك، والحدود تصان عن الألفاظ المشتركة، ولو قال "الكلام المتضمن من الكلم" لخلص من لفظ "ما"، ودل على ما أراد من المعنى.
ومعنى التضمن هنا الدلالة لا التضمن الذي هو قسيم المطابقة والالتزام.
وقوله من الكلم يريد بذلك الكلم الذي هو جمع "كلمة" المصطلح عليه، وهو الاسم والفعل والحرف؛ لأن "الكلم" يطلق في لغة العرب على
"الكلام" قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾, وقال الشاعر:
أخشى عذابك إن قدرت ولم... أعذر, فيؤثر بيننا الكلم
وقال آخر:
غراء أكمل من يمشي على قدم... حسنا, وأملح من حاورته الكلما
وقال آخر:
أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ... وكنت أخشى عليها من أذى الكلم
قوله إسنادًا احتراز من المفرد نحو "زيد" ومن مركب لا إسناد فيه نحو: عندك، وخير منك، وغلام زيد، وزيد الخياط إذا كان الخياط صفة، فهذا كله مركب بغير إسناد، فلا يسمى كلامًا.
وزعم بعض النحويين أن اللفظة المفردة وجودًا وتقديرًا قد تكون كلامًا إذا قامت تقام الكلام، وبعل عن ذلك "نعم" و "لا"، فإنهما كلامان، وليسا بمركبين.
ورد هذا المذهب بأنهما مركبان تقديرًا، والأصل إذا قال: "نعم" في جواب: هل خرج زيد؟ نعم خرج زيد، وفي الجواب ب "لا" لا لم يخرج زيد، وكذلك حيث يجاب بـ "بلى" نحو: ألم تضربي زيدًا؟ فتقول: بلى أي: بلى ضربت زيدًا.
والدليل على أن هذا هو الأصل تصريح العرب بذلك
بعد هذه الحروف، قال ذو الرمة:
على بابها منْ عندِ رحلي وغاديا تقولُ عجوزٌ مدرجي متروِّحاً
أراكَ لها بالبصرة ِ العامَ ثاويا أذو زوجة ٍ بالمصرِ أمْ ذو خصومة
لأَكْثِبَة ِ الدَّهْنَا جَمِيعاً وَمَالِيَا فقلتُ لها: لا إنَّ أهلي لجيرة ٌ
أُرَاجِعُ فِيهَا يَا ابْنَة َ الْقَوْمِ قَاضِيَا وَمَا كُنْتُ مُذْ أَبْصَرْتِنِي فِي خُصُومَةٍ
فقوله بعد " لا " "إن أهلي جيرةً" إلى آخر البيت بمنزلة أن يقول: لست ذا زوجةً بالمصر.
وقوله بعد "لا" أيضًا "وما كنت مذ أبصرتني في خصومةً" بمنزلة أن يقول: لا لست ذا خصومة بالمصر.
وما ذكروه أن مثل هذا تصرح بالجملة المحذوفة بعد "لا" و "نعم" ليس بتصريح حقيقةً، إنما / ذلك من حيث المعنى لأنه لم يصرح بالجملتين المقدرتين بعد "لا" و "نعم" إنما أتي بما يدل على انتفاء كونه ذا زوجةً وذا خصومةً.
ومما يدل على تقدير الجملةً بعد حروف الجواب عمل فعل تلك الجملةً المحذوفةً في تابع وفي حال، نحو قولك: ألم تخرب زيدًا؟ فقول: بلى وعمرًا، فقولك "وعمرًا" معطوف على المحذوف من قولك: بلى ضربت زيدًا وعمرًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ﴾، أي: بلى ئجمعها قادرين على أن نسوي بنائه.
وكذلك؛ أضربت زيدًا؟ تقول: نعم وعمرًا، التقدير: نعم ضربت زيدًا وعمرًا.
وقد حد المصنف الإسناد، فقال: " الإسناد عبارةً عن تعليق خبر بمخبر
عنه، أو طلب بمطلوب منه.
وليس بحاصر لأنواع الإسناد لأنه يخرج منه الإنشاء كالنداء والقسم وألفاظ العقود وغير ذلك، فإن ذلك ليس تعليق خبر بمخبر عنه ولا طلب بمطلوب، وقد قسم المصنف الجملة في باب الموصول إلى خيرية وطنية وإنشائية.
وقال بعض أصحابنا: الإسناد في اصطلاح النحويين ضم شيء إلى شيء على جهة أن يقع بمجموعهما استقلال فائدةً، آو يكون أصله ذلك.
وقد قسم النحويون الكلام إلى خبر وغير خبر، فالخبر جائز ومحال، فالجائز مستقيم وخطأ.
وغير الخبر اختلفوا فيه فذهب أبو الحسن إلى أنه الاستخبار، والتمني، والطلب، وهما الأمر والنهي، وهما واحد
عند س والكسائي والفراء وجماعة.
وزاد الفراء وابن كيسان الدعاء - وهو النداء - والطلب، وهو المسألة.
وزاد قطرب التعجب والعرض والتحضيض.
وفي كتاب "الضروري": "الأقاويل المركبة من المفردات تام كاف بنفسه، وهو المسمى كلامًا، وغير تام هو بمنزلة الاسم المفرد نحو: غلام زيد، وزيد العاقل، وهو إنما يقع جزءًا من قول تام أو من تمام قول تام، ويسمى عند قوم تركيب تقييد.
والتام جملة خيرية، وهو ما يمكن فيه الصدق والكذب، وجملة لا يمكن ذلك فيها، وهو النداء وطلب الفعل وطلب الترك، فإن كان من رئيس إلى مرؤوس قيل له: آمر أو نهي، أو من مرؤوس إلى رئس قيل له: رغبة، وإن كان إلى الله قيل له: دعاء، كان من مساو إلى مساو خص باسم الطلب، والعرض والتمني والترجي والتحضيض داخلةً في هذا النوع لأنها طلب، والاستفهام بوجه ما داخل أيضًا في الطلب إلا أنه طلب قول لا فعل، وقد جعله قوم على حدته جنسًا داخلًا تحت القول التام الذي لا يصدق ولا يكذب.
وكذلك التعجب، جعله قوم أيضًا جنسًا على حدته داخلًا تحت القول الذي لا يصدق ولا يكذب، وجعله قوم داخلًا تحت الخبر لأنه خبر متعجب منها؛ انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وسنتكلم على ذلك عند ذكر أقسام الكلام إن شاء الله.
وقوله مفيدًا قالوا احترز بالمفيد من المتضمن إسنادًا؛ لكنه غير مفيد، نحو قولهم: النار حارةً، والسماء فوق الأرض، وتكلم/ رجل، فإن هذا - وإن شمي كلامًا في اللغة - لا يسمى كلامًا في اصطلاح النحويين.
قال المصنف - رحمه الله -: "وقد صرح س وغيره من أئمة العربية بأن الكلام لا يطلق حقيقةً إلا على الجمل المفيدةً.
قال: قال س - رحمه الله - وقد مثل بـ "هذا عبد الله معروفًا": "فـ"هذا" اسم مبتدأ يبنى عليه ما بعده، وهو عبد الله، ولم يكن يكون "هذا" كلامًا حتى يبنى عليه أو على ما قبله".
انتهى كلام س - رحمه الله - ولا دليل فيه على دعوى المصنف رحمه الله.
والتمثيل بالمفيد لا يدل على اشتراط الإفادة في الكلام، بل ظاهر كلام س - رحمه الله - أنه لا يشترط الإفادة لأنه قال: "ولم يكن ليكون كلامًا حتى يبنى عليه أو يبني على ما قبله " أي: حتى يحصل بينهما إسناد، فيكون مبتدأ وخبرًا، والإسناد أعم من أن يكون مفيدًا أو غير مفيد، وإنما ذكر ذلك س - رحمه الله - احترازًا من المفرد، فإنه لا يسمى كلامًا لأنه لا بناء شيء فيه على شيء ولا إسناد.
وكان بعض من عاصرناه يقول: العجب لهؤلاء النحاة، يجيئون لأصدق القضايا، فيجعلونها ليست بكلام، كقولنا: النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والضدان لا يجتمعان وقد يرتفعان، والكل أكثر من الجزء، والواحد نصف الاثنين، ويلزمهم لما شرحوا المفيد إنه الذي يفيد السامع علم ما لم يكن يعلم أن الكلام إذا طرق سمع الإنسان فاستفاد منه شيئًا، نم طرقه ثانيًا، وهو قد علم مضمونه أولًا، أنه لا يكون كلامًا باعتبار المرة الثانيةً
لأنه لم يفده علم ما لم يكن يعلم، فيكون الشيء الواحد كلامًا غير كلام بحسب إفادته السامع، هذا خلف.
قال المصنف - رحمه الله - وقد ذكر أن س - رحمه الله - صرح بأن الكلام لا يطلق حقيقةً إلا على الجمل المفيدة: "ومن ذلك قوله - يعني س -: "واعلم أن "قلت" في كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها ما كان كلاما لا قولًا "، عنى بالكلام الجمل وبالقول المفردات" انتهى.
ولا دليل في ذلك على دعوى المصنف على س لأنه أطلق الكلام على الجمل، والجمل أعم من أن تتضمن إسنادًا مفيدًا أو غير مفيد، وما أظن أحدًا يمنع: قال زيد النار حارة، ولا: قال زيد الجزء أقل من الكل.
وقوله مقصودًا قال المصنف في شرحه: "احترز بـ "مقصود" من حديث النائم ومحاكاةٍ بعض الطيور للإنسان ومراجعةً الصدى في بعض الأمكنة الخاليةً)) انتهى.
اعتبر المصنف - رحمه الله - في حد الكلام هذا الفصل، وهو أن يكون مقصودًا للمتكلم، وكذلك اعتبره الأستاذ أبو الحسن بن عصفور، رحمه الله، ومنه أخذه المصنف لأن من قال في حد الكلام "المفيد بالوضع" اختلفوا في مراده بالوضع، فقال ابن عصفور: "معنى بالوضع بالقصد"، قال: يقال: تكلم ساهيًا ونائمًا، ومعلوم أن الساهي والنائم لم يضعا لفظهما للإفادة، ولا قصداها" فهذا مفيد بغير الوضع.
وكان شيخنا الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن علي الكتامي
المعروف بابن الضائع - رحمه الله تعالى - يقول: "قول/: المتأخرين إن كلام الساهي والنائم والمجنون مفيد إلا أنه بغير الوضع لا ينبغي أن يقال لأن مثل هذا لا يفيد بوجه، فإذا قال النائم مثلًا: زيد قادم، ووافق ذلك قدوم زيد، فالفائدة لم تحصل من إخباره بوجه، وإنما حملتا من مشاهدة قدوم زيد لا من نفس الإخبار، فهو غلط من قائله، ولا بد، وإنما يمكن هنا أنه تحرز بـ "المفيد بالوضع" مما لا يفيد إلا بالعرض لا بالوضع، وذلك أنك إذا قلت؛ قام غلام زيد، أفاد هذا الكلام مفهومين: أحدهما الإخبار عن غلام زيد بالقيام، وهو هو المعنى الذي وضع له اللفظ.
والثاني تملك زيد للغلام، وليس اللفظ موضوعًا له، فإذا م مفيد له بغير وضح، فمن هنا تحرز القائل بالوضع" انتهى.
وفهم من كلام الأستاذ أبي الحسن بن الضائع أنه لا يشترط في الإفادة قصد المتكلم إياها، وإنما يشترط فيها أن تكون على هيئة التركيب الموضوع في لسان العرب.
وكثير من النحويين لم يعتبروا في حد الكلام سوى التركيب ألإسنادي فقط، ولم يشترطوا الإفادة ولا القصد.
وقول المصنف - رحمه الله - "ومحاكاة بعض الطيور للإنسان" ليس بشيء لأنه قد قال في أول الحد "ما تضمن من الكلم إسنادًا مفيدًا" والذي يسمع من محاكاة الطير لم يتضمن من الكلم، فليس الطائر ناطقًا بكلم أصلًا فضلًا عن أن يضمن إسنادا مفيدًا، وإنما هي محاكاة أصوات لا نطق بكلم.
وأما مراجعة الصدى فإنما هو سماع كلامك أنت لا أن ثم كلامًا غير كلامك ولا متكلمًا غيرك، فلا يحتاج أن يحرز منه.
وقوله لذاته قال المصنف - رحمه الله - في شرحه؛ "احترز بأن قيل مقصودًا لذاته" عن المقصود لغيره كإسناد الجملة الموصول بها أو المضاف إليها، فإنه إسناد لم يقصد هو ولا ما تضمنه لذاته، بل قصد لغيره، فليس كلامًا، بل هو جزء كلام، وذلك نحو قاموا من قولك: رأيت الذين قاموا، وقمت حين قاموا" انتهى كلامه في شرحه، ولم أر هذا القيد لأحد عن النحويين غيره.
ويمكن أن ينازع فيه من وجهين:
أحدهما: هذا كلام، ويدل على إطلاق هذا أنه كلام أنهم شرطوا في الصلة أن تكون جملة خبرية، واحترزوا بقولهم: "خبرية" من غير الخبرية كالأمر والنهي والاستفهام والترجي وغير ذلك مما ليس بخبر.
وشرحوا الخبرية بأنها التي تحتمل الصدق والكذب، والخبر أحد أقسام الكلام، فثبت بذلك أنها كلام، ولاسيما على مذهب من لا يشترط في الكلام سوى التركيب ألإسنادي.
والوجه الثاني: ينازع في أن هذه الجملة تضمنت عن الكلم إسنادًا مفيدًا مقصودًا حتى يحترز بقوله: "لذاته" منها لأن هذه الجملة في الجملة هي كجزء عن الاسم، ولم تنتهض أن تكون عن قبيل الكلمة، بل هي والموصول قبلها كلمة، فإذا قلت: "جاءني الذي قام" فمعناه: جاءني القائم، فهي جزء من المفرد، وأما الجملة المضاف إليها فإنها في تقدير المفرد، فقولك: قمت حين قاموا، معناه: حين قيامهم، فصورتها صورة ما فيه/ إسناد، والمعنى على التركيب التقييدي
وقد حد أصحابنا الكلام بحدود, قال أبو بكر بن طاهر "الكلام مفيد مؤلف عن الكلم".
وقال أبو إسحاق بن ملكون: "الكلام ألف من مفرد الكلم"، وأفاد معنى من المعاني التي ألفت الكلم إليها.
وقال ابن هشام: الكلام ما قام عن مسند ومسند إليه واستقو بمعناه.
وحده الجزولي وتبعه ابن عصفور - بأنه اللفظ المركب المفيد بالوضع" وهذا من أجود ما حذوه به.
وقد أورد على كل قيد منها، ولنا الآن نشرح هذا الحد، إلا أنا نذكر ما ذهب إليه الأستاذ أبو بكر بن طلحة من أن هذا الحد الذي حده أصحابنا بالنظر إلى
الاصطلاح فاسد، قال: لأنه غير مانع, إذ قد يدخل تحته ما ليس بكلامك كـ"بعلبك" فإنه لفظ مركب مفيد لمسماه، وإفادته له بالقصد، وهو مع ذلك ليس بكلام.
وإصلاح الحد عنده بأن يزاد فيه "الذي يدل جزء من أجزائه على جزء من أجزاء معناه" ليخلص بذلك من "بعلبك" وأمثاله؛ ألا ترى أن قولك "قام زيد" معناه الإخبار بقيام ماضٍ عن شخص معين اسمه زيد، و"قام" الذي هو جزء منه يدل على جزء من ذلك المعنى، وهو القيام الماضي، والجزء الآخر، الذي هو "زيد" يدل على ذلك الشخص المعين الذي اخبر عنه بالقيام الماضي، وليس كذلك " بعلبك"، فإن بعلا على انفراده وبكا على انفراده لا يدل واحد منهما على جزء من معنى بعلبك.
قال ابن عصفور: "وهذه الزيادة التي زادها في الحد غير محتاج إليها لأن "بعلبك" وأمثاله غير داخلةً تحته لأنها ليست مفيدةً كما توهم؛ لأن الإفادة لا يعنى بها دلالة اللفظ على معناه، إذ لو عنى بها ذلك لكان "الاثنان أكثر من الواحد" مفيدًا لأن هذه الألفاظ لها معان تدل عليها، وإنما المفيد الذي يحصل منه للمخاطب علم ما لم يكن يعلمه قبل، وذلك لا يصور في "بعلبك" وأمثاله؛ ألا ترى أن المخاطب إذ كان يجهل ما يقع عليه "بعلبك"، لم يعلم إذا سعه منك ما تريد به، وإن كان قد علم ما يقع عليه قبل سماعه منك بقي على علمه، ولم يستجد أمرًا زائدًا، انتهى رد ابن عصفور على ابن طلحة.
قال المصنف في شرح هذا الكتاب: "وزاد بعض العلماء في حد الكلام "من ناطق واحد" احترازًا من أن يصطلح رجلان على أن يذكر أحدهما فعلًا أو مبتدأ، ويذكر الآخر فاعل ذلك الفعل أو خبر المبتدأ، فإن مجموع
النطقين مشتمل على ما اشتمل عليه مثله إذا نطق به واحد، وليس بكلام لعدم اتحاد الناطق، لأن الكلام، عمل واحد، فلا يكون عامله إلا واحدًا.
ورد ذلك بأن اتحاد الناطق لا يعتبر، كما لا يعتبر اتحاد الكاتب، لو كتب واحد "قام" وآخر "زيد" لسميت تلك كتابةً وخطًا، فكذلك الكلام.
ولا يعترض على هذا بعدم ترتب أثر الإقرار في نحو لو قال واحد "لزيد" وقال الآخر: "عندي درهم"؛ لأن ذلك أمر شرعي لا يترتب الأثر إلا على من نطق بجملة الإقرار، فليس من صرح الكلام بالنسبةً إلى كل واحدًا منهما وإن كان كلامًا بالنسبةً إلى تركبه منهما.
ورد ذلك أيضًا بأن كل واحد من الناطقين إنما اقتصر على أحد الجزأين اتكالًا على نطق الآخر، فمعناها مستحضر في ذهنه, فمجموع ذلك المعنى والكلمة التي نطق بها كلام، كما يكون كلامًا قول من رأى شبحًا فقال: زيد، أي: هذا زيد.
ومما يدل على أن هذا كلام قصة امرئ القيس والتوأم اليشكري "قال أبو عمرو بن العلاء: كان امرؤ القيس ينازع من يدعي الشعر، فنازع التوأم اليشكري، فقال: إن كنت شاعرًا فملط أنصاف ما أقول وأجزها، قال: نعم"
وذكر ما نظمه كل واحد، ومنها: قال امرؤ القيس:
كأن هزيزة بوراء غيب....................
فقال التوأم:
................ عشار وله لاقت عشارًا
فقال امرؤ القيس:
فلما أن دنا بقفا أضاخ.....................
فقال التوأم:
.................. وهت أعجاز ريقه، فحارا
فهذان البيتان كل واحد منهما كلام، وهما من ناطقين، وكل نصف مفتقر إلى الآخر بحيث إنه لا يستقل النصف كلامًا لأن خبر "كان" من قول امرئ القيس هو "عشار" من قول التوأم، وجواب "لما" من قول امرئ القيس هو "وهت" من قول الثوأم.
وكذلك قصه جرير والفرزدق حين أنشد عدي بن الرقاع بعض
الملوك قول:
تزجي أغن، كأن إبرة روقه.................................
واشتغل ذلك الملك عن سماع بقية البيت، فأمسك عدي عن الإنشاد حتى يسمع الملك، فقال الفرزدق لجرير: ما تراه يقول عدي؟ فقال جرير: يقول:
................................... قلم أصاب من الدواة مدادها
ثم استمع الملك، فقال عدي:
تزجي أغن، كأن إبرة روقه قلم أصاب من الدواة مدادها
فتعجب الفرزدق من إتمام جرير البيت على ما أنشده عدي، وما ذلك لا لأن المعنى مستحضر في الذهن.
وكذلك قصة زهير مع ابنه كعب في استخباره كعبًا: هل تجيد الشعر؟ فصار زهير يقول بيتًا، ويقول لكعب: أجز، فيأتي ببيت متعلق بالأول مناسب له، حتى نظما أبياتًا.
ومثل هذا كله لا يكاد أحد يقول إن هذا ليس بكلام لكونه من ناطقين.
وإنما قال المصنف "بعض العلماء" ولم يقل "وزاد بعض النحويين" لأن هذا القول لم ينقل عن نحوي فيما نعلم، وإنما قاله بعض من تكلم في علم الأصول، فلذلك قال: "بعض العلماء" ولم يقل "بعض النحويين"
والمؤتلف كلامًا فعل وفاعل، وفعل ومفعول ما لم يسم فاعله، واسمان مبتدأ وخبر، واسمان ليسا مبتدأ وخبرًا، وذلك تزال وشبهها، واسمان مع حرف نحو: أقائم الزيدان؟ واسمان دون حرف نحو: قائم الزيدان، على مذهب أبي الحسن.
واسم وحرف على مذهب أبي علي في النداء، نحو: يا زيد.
وحرف وما هو في تقدير الاسم، وهو أما أنك منطلق، بفتح أن، وزعم ابن خروف أنه عن باب "يا زيد" على مذهب أبي علي.
ورد عليه بأن "أن" وإن كانت في تقدير مفرد - فإن في الكلام مسندا ومسندًا إليه، وتقع "أن" موقع المفعولين.
ومن فعل واسمين في مذهبا جماعة من النحويين، نحو: كان زيد قائمًا؛ لآن/ الاسم لا يستغني عن الخبر: هنا، و"كان" لا تستغني عنهما.
ورد بأن "كان" تحذف، ويبقى الكلام تامًا، فهي في هذا كـ "إن"، وكل ما يجوز حذفه ويبقى الكلام مستقلًا بعده لا يعاد من التأليف، ولو ذهبنا إلى هذا لم تنحصر وجوه التأليفات.
-[ص: والاسم كلمةً يسند ما لمعناها إلى نفسها أو نظيرها.]-
ش: في الاسم لغات: اسم بكسر همزة الوصل وضمها، وسم بكسر السين وضمها، وسما كهدى، فإن كانت هذه مستدلًا عليها بقوله
والله أسماك سما مباركًا
فلا حجةً فيه لجواز أن لا يكون مقصورًا، يل تكون حركة الميم حركة إعراب.
ومذهب البصريين أنه مشتق من السمو، فالمحذوف منه اللام.
ومذهب الكوفيين أنه من الوسم، وهو العلامةً، فالمحذوف منه الفاء.
والأول أرجح لقولهم أسميت وسميت وسمي وأسماء، ولو كان على مذهب الكوفيين لقالوا أوسمت ووسمت ووسيم وأوسام وادعاء أن هذه التصاريف كلها من باب القلب لا ضرورةً تدعو إلى ذلك.
وحد المصنف الإسناد إنه "عبارة عن تعليق خبر بمخبر عنه، أو طلب بمطلوب منه.
وهذا حد ناقص لأنه غير جامع؛ ألا ترى أنه نقصه بعض الإنشاءات، كقولك: بعتك هذا بدرهم، وقول المشتري: اشتريته بدرهم.
وكذلك قول القائل لعبده: أنت حر، وقولك: أقسم أو أقسمت لآخرين زيدًا.
فهذه كلها ليست تعليق خبر بمخبر عنه ولا طلب بمطلوب منه، وقد تضمنت الإسناد، فليس الإسناد محصورًا فيما ذكره، وإنما حد الإسناد بما حده ليخرج بذلك الإسناد اللفظي، فإنه لا يخص بالاسم، بل يوجد في الفعل، نحو "ضرب: فعل ماضي"، وفي الحرف نحو "في: حرف جر" وفي الجملة نحو "زيد قائم: مبتدأ وخبر".
وقوله كلمه جنس يشمل الاسم والفعل والحرف، وهكذا سائر