التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 285-324

فانظر إلى هذا الاضطراب من هذا الرجل! تارة يستدل بحذف النون في التثنية والجمع بهذين البيتين على جواز ذلك في الكلام لتقصير/ صلة، وتارة يزعم أن ذلك لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، وتارة يفضل في جواز حذف النون من اللذين فيقول: أن أريد به التخصيص فلا بد من النون، وتارة يطلق الحذف.
وقد قدمنا قبل أن حذف النون من التثنية لغة لبني الحارث وبعض ربيعة، وأن الإثبات لغة الحجاز وأسد.
والذين نقلوا هذا لم يفصلوا بين أن يراد بالموصول التخصيص أو غير التخصيص.
وقوله: وربما سقطت اختياراً قبل لام ساكنة مثال ذلك ما حكاه أبو زيد من قراءة من قرأ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ بنصب الجلالة، ' وما حكاه ابن جني من قراءة من قرأ ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ﴾ بنصب العذاب، وأنشد ابن جني: ومساميح بما ضن به حابسو الـ... ـأنفس عن سوء الطمع بفتح سين الأنفس وهذا شبيه بقولهم في بني العنبر: بالعنبر وبقولهم في الشعر: م الأشياء في: من الأشياء، وشبهه.

وقوله: غالباً استظهار على حذفها في قراءة الأعمش ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ قال المصنف: " وهذا في غاية من الشذوذ" ومثله قول الشاعر: ولسنا إذا تأبون سلماً بمذعني... لكم.................... البيت.
وزعم الزمخشري أن حذف النون في قراءة الأعمش من قوله: ﴿بِضَآرِّي بِهِ﴾ لأجل الإضافة إلى (أحد) وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور والذي هو (به) كما قال: هما أخوا في الحرب من لا أخا له.......................... ثم استشكل ذلك لأن أحداً مجرور بمن، فكيف يمكن أن يعتقد فيه أنه مجرور بالإضافة؟ فقال: " فإن قلت: كيف يضاف إلى أحد وهو مجرور بمن؟ قلت: جعل الجار جزءاً من المجرور" انتهى.
وهذا التخريج ليس بجيد لأن الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف والجار والمجرور من ضرائر الشعر.
ولا يمكن أن تكون هذه القراءة من هذا أيضا لأن الذي ادعاه أنه أضيف إليه هو مشغول بعامل آخر، فهو

المؤثر فيه لا الإضافة.
وأما جعل حرف الجر جزءا من المجرور فليس بشيء لأنه مؤثر فيه، وجزء الشيء لا يؤثر في الشيء، فلأحسن تخرجه على حذف النون منه تخفيفاً وإن لم يكن اسم الفاعل في صلة الألف واللام، ولحذفها نظير في نظم العرب ونثرها.

-[ص: وليس الإعراب انقلاب الألف والواو ياء، ولا مقدراً في الثلاثة ولا مدلولاً بها عليه مقدراً في متلوها، ولا النون عوض من حركة الواحد، ولا من تنوينه ولا منهما، ولا من ينوينين فصاعداً خلافاً لزاعمي ذلك، بل الأحرف الثلاثة إعراب، والنون لرفع توهم الإضافة أو الإفراد.]-

ش: اختلف الناس في المثنى: فذهب الزجاج فيما نقل عنه إلى أنه مبني.
وذهب الجمهور إلى أنه معرب.
وشبهة الزجاج في ذلك أنه عنده تضمن معنى الحرف، فإذا قلت قام الزيدان فأصله قام زيد وزيد، فلما تضمن الاسم معنى الحرف بني كما بني خمسة عشر لتضمنه معنى

الحرف، / إذ أصله خمسة عشرة.
وقوله: وليس الإعراب انقلاب والواو ياء يعني انقلابهما في المثنى والمجموع في حالة الجر والنصب، وهذا مذهب ألجرمي، واختيار الأستاذ أبي الحسن بن عصفور ونسبه إلى سيبويه، ونسبه السهلي إلى المازني، قال ابن عصفور: " ذهب كثير من النحويين، منهم س، إلى أنهما معربان بالتغير والانقلاب في النصب والخفض، وبعدمه في الرفع، وذلك أن الأصل قبل دخول العامل زيدان وزيدون، ونظير ذلك اثنان وثلاثون، فإذا دخل عامل الرفع عليهما لم يحدث فيهما شيئاً، وكان ترك العلامة يقوم مقام العلامة، فلما دخل عامل النصب وعامل الخفض قلب الألف ياء والواو ياء، فهذه الحروف هي حروف إعراب، ولا إعراب فيها، لا ظاهر ولا مقدر، بل التغير والانقلاب وعدمه هو الإعراب".
وقد رد أبو الفتح على صاحب هذا المذهب بأن قال: " جعل الإعراب في النصب والجر معنى لا لفظاً وفي الرفع لفظاً لا معنى، فحالف بين جهتي الإعراب في اسم واحد، ألا ترى أن القلب معنى لا لفظ، وإنما

اللفظ نفس المقلوب والمقلوب إليه" وما رد به أبو الفتح لا يلزم لأن صاحب هذا المذهب لم يقل إن الإعراب في حال الرفع لفظ فيلزمه اختلاف جهتي الإعراب كما زعم ولكنه أراد أن الواو والألف فيهما في حال الرفع حرفا إعراب، ولا إعراب فيهما، وعدم الإعراب يقوم مقام الإعراب، والتغيير يقوم مقام الإعراب وكذا فهمه المبرد.
وقال المصنف في الشرح: " هو- يعني هذا المذهب- مردود بوجوه: أحدها: أن ترك العلامة لو صح جعله علامة للإعراب لكان النصب به أولى، لأن الجر له بالياء وهي به لائقة لمجانسة الكسرة، والرفع له الواو، وهي به لائقة لمجانسة الضمة، وهي أصل الألف في المثنى، فأبدلت ألفاً كما قيل في يوجل: ياجل.
وفي يوتعد: يتعد، فلم يبق للنصب إلا مشاركة الجر أو الرفع.
الثاني من وجوه الرد: أن القول بذلك يستلزم مخالفة النظائر، إذ ليس في المعربات غير المثنى والمجموع على حده ما ترك العلامة له علامة وما أفضى إلى مخالفة النظائر دون ضرورة فمتروك الثالث: أن الرفع أقوى وجوه الإعراب فالاعتناء به أولى وتخصيصه بجعل علامته عدمية مناف لذلك، فوجب اطرحاه.
الرابع: أن تقدير الإعراب إذا أمكن راجح على عدمه بإجماع وقد أمكن فيما نحن بسبيله، فلا عدول عنه، وذلك أنا نقدر مغايرة الألف والواو في نحو" عندي اثنان وعشرون" للألف والواو فيهما قبل التركيب، كما نقدر

مغايرة الألف والواو والياء في نحو: نعم الزيدان أنتما يا زيدان ونعم الزيدون أنتم يا زيدون، ومررت برجلين لا رجلين مثلهما، وكما نقدر ضمة "حيث" مرفوعاً بعد تسمية امرأة به غير ضمته قبل التسمية، وضمة يضربون غير ضمة يضرب، وفتحة يا هند بنت/ عاصم غير فتحة ناد هند بنت عاصم، وكسرة قمت أمس غير كسرة قمت بالأمس، وكما نقدر ضمة فلك في الجمع غير ضمته في الإفراد، وياء بخاتي مسمى به غير يائه منسوباً إليه، ولذلك صرف في النسب وأمثال ذلك كثيرة " انتهى.
مارد به المصنف هذا المذهب.
وفي كل من وجوه رده مناقشة: أما الأول فإن فيه قوله: " وهي - يعني الواو- أصل في ألف المثنى، فأبدلت ألفاً كما قيل في يوجل ياجل، وفي يوتعد ياتعد" وهذا غير مسلم أن أصل ألف المثنى واو، بل جاءت الألف على الأصل، إذ كان القياس أن يكون بالألف في جميع أحواله كالمقصور الذي زيد في آخره ألف ولي لام الكلمة كألف حبلى وقبعثرى.
وأما الثاني فقوله: " إذ ليس في المعربات غير المثنى والمجموع على حده ما ترك العلامة له علامة" فليس كذلك لأن مذهب ألجرمي في الأسماء الستة أنها معربة بالتغير والانقلاب حالة النصب والجر، وبعدم ذلك حالة الرفع، إذ قد ثبت وجود الواو فيها قبل العامل في قولهم: " أبو جاد" فليس في القول بذلك مخالفة النظائر.
وأما الثالث فقوله: " وتخصيصه بجعل علامته عدمية مناف لذلك" لا منافاة في ذلك، ولا يعني بالعدم العدم الصرف بل بقاء الألف في المثنى وبقاء الواو في المجموع غير معتدين، فعدم تغيرهما لازم لبقائهما، فالإعراب في الحقيقة هو بقاء اللفظ على حاله عند دخول عامل الرفع، لا أن ثم عدماً

صِرْفًا، وليس هذا كما ذكر من أنه جعلت العلامة للرفع العدم، وإنما تجوز في ذلك.
والمقصود بقاء اللفظ عند دخول الرافع على حاله قبل دخولا الرافع، وليس هذا بعدم حقيقة.
وأما الرابع فقوله: "وكما نقدر ضمة فلك في الجمع غير ضمته في الإفراد"، فهو لا يقول بهذا الذي رد به؛ لأنه يذهب إلى أن فلكاً لفظ مشترك بين الفرد والجمع، وأن هيئة فلك لهما هيئة واحدة، وإنما يقول بهذا الذي رد غيره في فلك، فقد رد عليه بما لا يصح عنده.
وقوله: ولا مقدراً في الثلاثة يعني أن الإعراب هو بحركات مقدرة في الألف، فتقدر فيها الضمة، وفي الواو فتقدر فيها أيضاً الضمة، وفي الياء فتقدر فيها الفتحة والكسرة في النصب والجر.
وهذا المذهب هو مذهب الخليل وس، واختاره الأعلم والسهلي.
وذلك أن هذه الألف والواو والياء لحقت لمعنى التثنية والجمع آخر الاسم، كما لحقت ألف التأنيث وتاؤه لمعنى التأنيث، وكما لحقت ياء النسب لمعنى النسب، فكما أن هذه حروف إعراب، فما كان منها صحيحاً قبل الإعراب ظاهراً، وما كان

منها معتلاً قدرت فيه الحركات، فكذلك زيادة التثنية والجمع قدر فيها الإعراب لأن الألف لا تقبل الحركة بحال، والياء والواو تستثقل فيهما الحركات، فقدر فيها الإعراب.
وقد رد هذا المذهب بوجهين: أحدهما: أنها لو كانت معربة بالحركات المقدرة للزم ظهور الحركة في الجمع حالة النصب لأن الفتحة لا تستثقل في الياء المفتوحة المكسور ما قبلها، فكنت تقول: رأيت الزيدين، كما تقول: رأيت جواريك.
والوجه الثاني: أنها لو كانت معربة / بالحركات لوجب أن تكون تثنية المنصوب والمجرور بالألف لتحرك الياء وانفتاح ما قبلها، فيقال: رأيت الزيدان، ومررت بالزيدان.
وبالوجه الأول رد المصنف هذا المذهب، قال: "لازمه ظهور الفتحة في نحو: رأيت بنيك؛ لأن ياءه كياء جواريك، مع ما في جواريك من زيادة الثقل، ولما انتفى اللازم - وهو ظهور الفتحة - علم انتفاء الملزوم، وهو تقدير الضمة والكسرة".
وما رد به هذا المذهب غير لازم: أما الوجه الأول فإنهم لما حملوا حالة النصب على حالة الجر في التثنية في الياء أجروا الحكم على الياء حكماً واحداً، فكما قدروا الكسرة في الياء حالة الجر كذلك قدروا حالة النصب الفتحة في الياء تحقيقاً للحمل، وإذا كانوا قد قدروا الفتحة في ياء المنقوص حالة الإفراد لمراعاة كونها لا تتحرك في مذهب آخر للعرب، فلأن يقدروا ذلك فيما حمل فيه المنصوب

على المجرور في المثنى بجهة الأولى، وذلك مثل معدي كرب، فإن من أعربه إعراب المتضايقين قال: قام معدي كرب، فيقدر الضمة في الياء، ومررت بمعدي كرب، فيقدر الكسرة في الياء، ورأيت معدي كرب، فيقدر الفتحة في الياء؛ لأن هذه الياء لا تتحرك في لغة من أعربه إعراب ما لا ينصرف، فقال: قام معدي كرب، ورأيت معدي كرب، ومررت بمعدي كرب، بخلاف رأيت قاضي بلدك، فإنه تظهر فيه الفتحة.
فإذا كانوا قد قدروا الفتحة في معدي كرب حالة الإضافة في النصب مراعاة لمن سكنها في لغة من منعه الصرف فالأخرى أن لا يحركوها بالفتح في التثنية؛ إذ حملها على حالة الجر أولى من حمل معدي كرب في الإضافة على حالة ما لا ينصرف، ولمراعاة هذه اللغة - أعني لغة ما لا ينصرف - لم يفتحوا الياء في معدي كرب حالة التركيب، وإن كان المعهود في المركب تركيب مزج أن آخر الأول يفتح لكون الثاني تنزل منزلة تاء التأنيث، فكما لا يكون ما قبل تاء التأنيث إلا مفتوحاً فكذلك هذا، وإذا كانوا قد راعوا في لغة التركيب تركيب مزج لغة إعراب ما لا ينصرف مع اختلاف الحدين - أعني البناء والإعراب - فلأن يراعى ذلك في الشيء الواحد بجهة الأولى والأخرى.
وأما الوجه الثاني فإن القياس ما ذكر فيه، ولذلك لاحظ هذا القياس بنو الحارث بن كعب ومن وافقهم من العرب، فأقروا المثنى بالألف رفعاً ونصباً وجراً، وأما غيرهم من العرب فإنما قلبوا ليفرقوا بين المثنى وغيره.
وقوله: ولا مدلولاً بها عليه مقدراً في متلوها يعني أنك إذا قلت قام الزيدان فعلامة الرفع ضمة مقدرة في الدال منع من ظهورها الألف، والألف دليل على الإعراب، وإذا قلت رأيت الزيدين فعلامة النصب فتحة مقدرة في الدال، وإذا قلت مررت بالزيدين فعلامة الجر فيه كسرة مقدرة في الدال،

ومنع من ظهور الفتحة والكسرة شغل الحرف بالحركة التي اقتضتها الياء، والياء دليل على الإعراب، وكذلك تقول في الجمع.
قال المصنف: "وهو قول الأخفش والمبرد".
وزاد غيره أنه مذهب المازني والزيادي.
وبهذا التفسير الذي فسرنا مذهب الأخفش هذا فسره الزجاج والسيرافي، وفسره أبو علي بأن مذهبه أن هذه الحروف دلائل إعراب، بمعنى أنك إذا رأيتها فكأنك قد رأيت / الإعراب، وزعم أن وجه الخلاف بينه وبين س أنه يزعم - أعني س - أنها حروف إعراب، وأن الأخفش يرى أنها غيره، وأنها دلائل عليه.
قال المصنف في الشرح: "وهو مردود أيضاً من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الحروف المتجددة للتثنية والجمع مكملة للاسم، إذ هي مزيدة في آخره لمعنى لا يفهم بدونها، كألف التأنيث وتائه وياء النسب، فكما لم يكن ما قبل هذه محلاً للإعراب كذلك لا يكون ما قبل الأحرف الثلاثة محلاً له إذ الإعراب لا يكون إلا آخراً.
الثاني: أن الإعراب لو كان مقدراً فيما قبلها لم يحتج إلى تغييرها، كما لم يحتج إلى تغيير بعد الإعراب المقدر قبل ياء المتكلم وفي ألف المقصور.
الثالث: أن الإعراب إنما جيء به للدلالة على ما يحدث بالعامل،

والحروف المذكورة محصلة لذلك، فلا عدولا عنها" انتهى.
وسيأتي الكلام على المذهب الذي اختاره المصنف إن شاء الله.
وقوله: ولا النون عوضاً من حركة الواحد هذا مذهب الزجاج، ذهب إلى أنها عوض من الحركة، ولذلك تثبت مع الألف واللام كما تثبت الحركة، ولم يجز عنده أن تكون عوضاً من التنوين لأن التنوين إنما دخل ليفرق بين الاسم الذي هو باق على أصالته - وهو المنصرف - وبين الاسم الذي لا ينصرف لشبهه للفعل، فّا ثنيت الاسم أو جمعته بعد عن الفعل، ولم يكن شيء منه مشبهاً له، فلم يحتج فيه إلى التنوين الفارق.
وإنما حذفت للإضافة لأنها زيادة، والمضاف إليه زيادة في المضاف، فكرهوا زيادتين في آخر الاسم.
وفي الإفصاح: " وقال الزجاج: هو بدل من التنوين خاصة؛ لأن تعاقب الآخر في نفسه قد صار عوضاً من الحركة".
وقد رد المصنف هذا المذهب بأن "الحروف الثلاثة نائبة عن الحركات، قائمة مقامها في بيان مقتضى العامل، فلا حاجة للتعويض ". وهذا بناء من المصنف على مذهبه في أن هذه الحروف هي الإعراب، وسيأتي فساد هذا المذهب إن شاء الله.
وقوله: ولا من تنوينه هذا مذهب ابن كيسان.
واستدل على ذلك بأن

الحركة قد عوض منها التغير والانقلاب في النصب والخفض، وفي الرفع قام ترك العلامة مقام العلامة، وأما التنوين فلم يعوض منه شيء، فلذلك كانت النون عوضاً منه، ولذلك حذفت للإضافة كما يحذف التنوين، وثبتت مع الألف واللام لقوتها بالحركة ولبعدها عن موجب الحذف - وهو الألف واللام - لأنها في أوله، والنون في آخره، وليس كذلك المضاف إليه لأنه مباشر النون.
ولا ينبغي عنده أن يمتنع من التعويض من التنوين لبعد الاسم عن الفعل بالتثنية والجمع، بدليل أنهم يلحقون الاسم التنوين إذا كسروه أو صغروه وإن كان بذلك يبعد عن الفعل.
وقد رد المصنف هذا المذهب بثبوت النون فيما لا تنوين في واحده، نحو يا زيدان، ولا رجلين فيها.
ويجاب عن هذا بأن هذا بناء عارض، ولم يدخل حرف النداء ولا "لا" إلا على مثنى قد استحق النون عوضاً من التنوين الذي كان في الواحد، فبقي على حاله وإن كان قد عرض له البناء اعتباراً بأصله لا بما آل إليه من البناء العارض.
ورد / هذا المذهب أيضاً بثبوت النون في تثبيته ما لا ينصرف نحو أحمران، وليس في المفرد تنوين فتكون النون عوضاً منه.
وقوله: ولا منهما هذا مذهب ابن ولآد وأبي علي، وهو اختيار

ابن طاهر وأبي موسى.
واستدل على ذلك بوجود حكم الحركة فيها مع الألف واللام، وحكم التنوين في حال الإضافة، وإنما حكم لها بحكم الحركة مع الألف واللام وبحكم التنوين في حال الإضافة لأن الإضافة في إيجاب الحذف أقوى من الألف واللام كما تقدم.
ورد المصنف هذا المذهب بما رد به كونها عوضاً من الحركة وحدها وكونها عوضاً من التنوين وحده، قال: "وإذا لم تكن عوضاً من أحدهما فأن لا تكون عوضاً منهما أحق وأولى".
وقوله: ولا من تنوين فصاعداً هذا مذهب أحمد بن يحيى، ذهب إلى أنها عوض من تنوينين فصاعداً، فتكون عوضاً من تنوينين في التثنية، وعوضاً من أكثر في الجمع، وإنما تثبت مع الألف واللام لأنها أقوى من التنوين الواحد، وحذفت في الإضافة لأن الإضافة أقوى في إيجاب الحذف كما تقدم.
ورد المصنف هذا المذهب بما رد به كونها عوضاً من تنوين الواحد، قال: "وإذا لم تكن عوضاً من التنوين في الواحد فلأن لا تكون عوضاً من تنوينين فصاعداً أحق وأولى".
وقد رد الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وغيره من شيوخنا هذه المذاهب بأن هذه النون تثبت في الوقف باتفاق، والحركة والتنوين لا يثبتان في الوقف، فلو كانت النون عوضاً منهما أو من أحدهما لم تثبت لأن العوض يحكم له بحكم ما عوض منه.

وذهب أبو الفتح إلى أن النون قد تكون عوضاً من الحركة والتنوين الذي في المفرد، وذلك فيما فيه حركة وتنوين حالة الإفراد، وقد تكون عوضاً من الحركة فقط إذا كان تثنية ما لا ينصرف نحو أحمران، ومن التنوين فقط نحو عصاً وقاض، ولا عوضاً من واحد منهما نحو حبلى وحبليان وهذان واللذان.
قال بعض أصحابنا: وهذا كله تخليط.
وذهب الفراء إلى أن النون فارقة بين رفع الاثنين ونصب الواحد؛ لأنك لو قلت: "زيدا" لا لتبس بالواحد المنصوب إذا وقفت عله، ثم حمل سائر التثنية والجمع على ذلك، وحذفت للإضافة لشبهها بالتنوين، ولم تحذف مع الألف واللام لأن الإضافة أقوى في إيجاب الحذف كما تقدم.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد لأن الوقف عارض، وباب العارض أن لا يعتد به، وأيضاً فإن حمل التثنية على التثنية قد يسوغ، وأما الجمع فباب آخر.
ولم يذكر المصنف مذهب الفراء هذا.
وهذا الخلاف في النون أهي عوض أو كالعوض هو على أنها ليست نفس التنوين.
ومن النحويين من ذهب إلى أن هذه النون هي التنوين نفسه لأن الأصل بعد لحوق العلامة للتثنية أن تنتقل إليه الحركة والتنوين، فامتنعت الحركة

للاعتلال، ولم يمتنع التنوين، ولكنه لزم تحريكه لأجل الساكنين، فثبت نوناً.
ولا يرد على هذا المذهب بثبوته في نحو أحمران، والتنوين في مفرده مفقود؛ لأنه لما ثني زال شبه الفعل، فرجع إليه التنوين الذي / كان منع لأجل الشبه، ولا بقولهم هذان واللذان؛ لأنه يمكن ادعاء إعرابهما لأن علة بنائهما شبههما بالحروف، والتثنية تزيل ذلك الشبه، فرجعا إلى الأصل، وهو الإعراب؛ لأن الحروف لا تثنى، ولما أعربا دخلهما التنوين الذي كان ممنوعاً حالة البناء.
وكون هذه النون هي التنوين نفسه نقله ابن هشام عن الفراء، قال: ولم يحذفوا ما قبله لذهاب علم التثنية والجمع، فكسروه وفتحوه، وقوي بالحركة فلم يحذف حيث حذف ساكناً إلا في الإضافة لأنه يفصل.
وقوله: خلافاً لزاعمي ذلك الإشارة بـ "ذلك" إلى المذاهب التي نفاها في الألف والواو والياء، وفي نون التثنية والجمع، وقد ذكرنا كل قول ومن نسب إليه ذلك القول.
وقوله: بل الأحرف الثلاثة لإعراب يعني الألف في نحو الزيدان، والواو في نحو الزيدون، والياء في نحو الزيدين والزيدين.
وهذا الذي ذهب إليه المصنف هو مذهب الكوفيين وقطرب، ونسب إلى الزجاج والزجاجي وطائفة من المتأخرين.

وقد رد هذا المذهب بأن الألف والواو ثبتت قبل دخول العامل، قالوا إذا قصدوا مجرد العدد لا الإخبار: واحد.
اثنان.
عشرون.
ثلاثون.
أربعون، ولو كانت إعراباً لم توجد إلا بعد دخول العامل.
والذي يقطع ببطلان هذا المذهب أن الإعراب هو زائد على الكلمة، وبعدم تقديره لا يختل معنى الكلمة، ولو قدرنا ذهاب هذه الحروف لاختل معنى الكلمة من التثنية والجمع، كما لو قدرنا ذهاب تاء التأنيث وألف التأنيث وياء النسب لاختل مدلول الكلمة الذي جيء بهذه الأشياء لأجلها، فدل ذلك على أنها ليست إعراباً.
وبسط هذا أنه قد وقع الاتفاق على أن الإعراب إنما يدخل لمعنى يعتور الكلمة بعد حصولها ببنائها وحركاتها، وأن سقوط الإعراب لا يخل بالكلمة نفسها؛ ألا ترى أن الاسم والمضارع إذا لم يعرب واحد منهما لم يسقط معناه، فالإعراب يدخل ويخرج ومعنى الاسمية في الاسم قائم، وكذلك الفعل أعرب أو لم يعرب دلالته على الحدث والزمان قائمة، وإنما كمل كل شيء من هذه اسماً للتثنية والجمع بأحد هذه الحروف، فمحلها كمحل الألف من أرطى التي كمل بها بناء الاسم وكمحل الألف من حبلى التي كمل بها بناء الاسم ودلالة التأنيث.
ويدل على بطلان هذا المذهب أيضاً أنها تسقط هذه الحروف في الترخيم، ولا يسقط في الترخيم إلا ما كان حرف إعراب، فلو كانت إعراباً لسقط ما قبلها لأنها تكون حينئذ كالحركة.
وذهب بعض أصحابنا المغاربة إلى أن هذه الحروف لها جهتا اعتبار، فمن حيث الحرف حرف علة هو حرف إعراب، ومن حيث كونه ألفاً أو ياء أو

واواً هو دليل على الإعراب، أو هو الإعراب نفسه.
وهذا ليس بشيء لأنها من حيث هي حرف إعراب هو محكوم له بحكم غير الزائد، ومن حيث هو دليل أو إعراب هو زائد، فتناقضا.
وقوله: والنون لرفع توهم الإضافة أو الإفراد/ وشرح المصنف كلامه هذا، فقال: " رفع توهم الإضافة بين، وذلك أنه لو لم يكن بعد الأحرف المذكورة نون لم تعلم إضافة من عدمها، نحو رأيت بني كرماء وعجبت من ناصري باغين.
ورفع توهم الإفراد أيضاً بين في مواضع، منها تثنية اسم الإشارة وبعض المقصورات، نحو: هذان الخوزلان وفي تثنية الخوزلي.
ومنها جمع المنقوص في حالة الجر، نحو: مررت بالمهتدين، وانتسبت إلى أبين كرام، فلولا النون في هذه وما أشبهها لكان لفظ واحد كلفظ غيره" انتهى ماشرح به المصنف ما اختاره.
وذهب س إلى أن النون زيادة في الآخر ليظهر فيها حكم الحركة التي كان ينبغي أن تكون في التثنية والجمع تارة، وحكم التنوين أخرى، ومن غير أن تكون عوضاً من الحركة والتنوين، ولذلك قال س: "كأنها عوض"، فشبهها بالعوض، ولم يجعلها عوضاً ومن الناس من حمل كلام س على

أنها عوض منهما، وزعم أن "كان" قد تستعمل للتحقيق بمنزلة "إن" وسيأتي هذا المذهب في باب "إن" إن ساء الله.
وثبت في بعض النسخ بعد قوله: " والنون لرفع توهم الإضافة أو الإفراد" قوله: " أو لجبر ما فآتهن من تقدير الحركات فيهن" يعني أن النون زيدت في آخر المثنى والمجموع على حده لأن تجبر ما فات هذه الحروف من تقدير الحركات، وذلك على مذهبه لأنها عنده ليست حروف إعراب، فلا تقدر فيها الحركات وقد بينا أن الصحيح تقدير الحركات فيها، وأنها حروف إعراب كالدال من زيد.
وهذا الذي ذكره المصنف من الخلاف في الألف والواو والياء، والخلاف في النون تطويل في هذا المختصر، وليس يستفاد من ذلك حكم نطقي، ولا حكم في اختلاف معنى كلامي وقد طول أصحابنا وغيرهم في ذلك وفي كون التثنية كانت الألف والجمع السالم بالواو رفعاً وجرهما ونصبهما بالياء، وأبدوا لذلك عللاً ليس تحتها طائل، وهي من فضول الكلام.

-[ص: وإن كان التصحيح لمؤنث أو محمول عليه فالمزيد ألف وتاء.
وتصحيح المذكر مشروط بالخلو من تاء التأنيث المغايرة لما في نحو عدة وثبة علمين، ومن إعراب بحرفين، ومن تركيب إسناد أو مزج وبكونه لمن يعقل أو مشبه به علماً أو مصغراً أو صفة تقبل تاء التأنيث إن قصد معناه، خلافاً للكوفيين في الأول والآخر.]-

ش: لما ذكر المزيد في تصحيح جمع المذكر ذكر المزيد في تصحيح جمع المؤنث، وسيأتي في آخر " باب كيفية التثنية وجمعي التصحيح" بيان ما

يجمع قياساً بالألف والتاء، والإشارة إلى أن ما سواه مقصور على السماع، والمحمول على المؤنث تصغير مالا يعقل من المذكر وصفته نحو دريهمات وجبال راسيات وهذان مطردان، ومما لا يطرد خودات وثيبات وشمالات وحسامات.
وهذا الجمع- أعني جمع التصحيح في المذكر والمؤنث- ليس مختصاً بالقليل فلا يجوز في غيره، بل نقول: الغالب عليه القليل.
وزعم بعضهم أنه مختص به لقربه من التثنية في السلامة.
وأنكره الزجاج، وأنكر/ الحكاية التي تحكي عن النابغة مع حسان في بيته المعروف: لنا الجفنات........................................... البيت.
وذكر أن النابغة لا تخفى عليه معاني الشعر حتى يعترض بما لا ينبغي، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ﴾ انتهى.
وقوله: وتصحيحا مشروط بالخلو من تاء التأنيث المراد بالمذكر

هنا المسمى لا الاسم ولذلك لو سميت رجلاً بزينب أو بسلمى أو بأسماء لجاز جمعه بالواو والنون بإجماع، وإن كانت أسماء مؤنثة، لأن مسمياتها حال التسمية مذكرون، فلو كانت في الاسم تاء التأنيث علماً نحو حمزة، أو غير علم نحو همزة، لم يجز جمعه بالواو والنون.
وشمل قوله: " تاء التأنيث" ما ذكرناه ونحو أخت ومسلمات مسمى بهما رجل، فإنهما لا يجمعان بالواو والنون، ولذلك عبر بتاء التأنيث دون أن يعبر بهاء التأنيث.
وقوله: المغايرة لما في نحو عدة وثبة علمين هذا القيد فيما فيه تاء التأنيث قلما ذكره أحد من أصحابنا، وذكره ابن السراج، وذلك أن ما لحقته تاء التأنيث عوضاً من فاء الكلمة نحو عدة أو لامها نحو ثبة، سميت به رجلاً، فيجوز لك أن لم يكسر قبل التسمية به أو تعتل لامه أن تجمعه بالواو والنون رفعاً، وبالياء والنون نصباً وجرا، وبالألف والتاء، فتقول: جاء عدون وثبون، وجاء عدات وثبات.
فإن كسر قبل العملية نحو شفة فإنك إذا سميت به رجلاً فلا يجوز إلا تكسيره.
وإن أعلت لامه نحو دية، وسميت به رجلاً، فلا يجوز جمعه إلا بالألف والتاء.
ونظير هذا مما فيه التاء وجمع بعد التسمية به بالواو والنون وبالألف والتاء ما أجاز س في "ربت" مسمى بها رجل مخففاً فتقول: قام ربون، ورأيت ربين، ومررت بربين، وقام ربات.
وهذا القيد الذي ذكره ابن السراج يحتاج إلى اعتباره من لسان العرب، لأن باب ثبة وسنة مما جمع بالواو والنون ليس قياساً فتبنى عليه الأحكام في باب التسمية، وإن قيل بقياس شيء منه فليكن فيما سمع من العرب وشاع جمعه مما عوض من لامه هاء التأنيث ولم يكسر فإذا سمي بشيء منه جمع بالواو والنون كما جمع حين كان غير مسمى به، أما ما لم يجمع قبل ذلك

بالواو والنون نحو عدة فلا ينبغي أن يجمع بالواو والنون، ولا يلحق ما عوض من فائه هاء التأنيث ولم يجمع بالواو والنون، بما عوض من لامه الهاء، وجمع قبل التسمية به بالواو والنون.
وأما ما أجازه س من جمع "ربت" فيه ليست عوضا لا من فاء كلمة ولا من لامها، بل يكون جمع هذا بالألف والتاء، إلا أن نقل جمع ذلك بالواو والنون عن العرب، فيقبل وأما من حيث القياس فالقياس يقتضي أن لا يجوز.
وقال أبو السعادات في كتابه البديع: " إن سميت رجلاً أو امرأة بسنة أو ثبة أو شية أو ظبة ونحو ذلك لم يتعد في جمعه ما جمعوه به قبل التسمية فتقول: سنون وسنوات وثبوت وثبات وفي لاشية وظبة/: شيات وظباب لا غير.
وغير س يروي في ظبة ظبين" انتهى.
وما قاله أبو السعادات هو نص س، قال: " ولو سميت رجلاً أو امرأة بسنة لكنت بالخيار إن شئت قلت سنوات، وإن شئت قلت سنون، وكذلك لو سميت بثبة لقلت ثبات وثبون، ولو سميت بشية وظبة لم تجاوز شيات وظبات، لأن هذا اسم لم تجمعه العرب إلا هكذا، فكذلك قياس هذه الأشياء"

وقال أبو الحسن: أقول في جمع هذا كله ظبون وشيون كما أقول قلون وثبون جرياً على الأكثر وأنه أصل الباب.
وقول س أقيس لأنا لم نجدهم خالفوا في جمع الأعلام جمع أسماء الأجناس.
ولو سميت رجلاً ببنت وأخت وزيت وكيت قلت بنات وذيات وأجاز الفراء جمعه بالواو والنون بحذف التاء قياساً، ولم يسمعه.
وقال س: " لو سميت بعدة لقلت فيه عدات حملاً على جمعهم إياها، وعدون وإن لم يقولوه حملاً على قولهم لده ولدون" فخالف قوله.
وما أجازه س من أنك إذا سميت بعدة فيجوز لك أن يجمعه بالواو والنون حملاً على لدون، وبالألف والتاء، فتقول عدون وعدات قد خالف في جمعه بالواو والنون المبرد، فقال: لدرن شاذ، فلا يقاس عليه فلا يقال في عدة عنده إلا عدات لا عدون.
وقوله: ومن إعراب بحرفين احتراز من المسمى بزيدين وزيدين واثنين وعشرين ونحوها، وحكي فيهما إعراب التثنية والجمع بالواو والنون، فإنه لا يجوز جمعه بالواو والنون.
وقوله: ومن تركيب إسناد فلا يجمع بالواو والنون تأبط شراً وبرق نحره وشبههما ولا نعلم في ذلك خلافاً.
وقوله: أو مزج مثاله معدي كرب وسيبويه فلا يجوز: جاء معدي كربون ولا: جاء سيبويهون.
ومن النحويين من أجاز جمع ما ختم بـ"وية" واختلفوا: فمنهم من ألحق العلامة الاسم بكماله فيقولون: جاءني سيبويهون.
ومنهم من يحذف "ويه" فيقول: جاءني سيبون، ورأيت سيبين، ومررت بسيبين.
والخلاف في تثنية ما ختم ب "ويه" كالخلاف في جمعه.
والصحيح أن ذلك لا يجوز

للشبه الذي بينها وبين الأسماء المحكية من جهة التركيب، ولأنه لم يرد بذلك سماع.
وقوله: ويكونه لمن يعقل فلا يجمع" واشق" اسم علم لكلب، ولا "سابق" صفته بالواو والنون.
وبدل بعضهم هنا" من يعقل" بقوله: " من يعلم " ليدرج في ذلك قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ ولا حاجة إلى ذلك لأن جمع صفاته- تعالى - مسموع لا مقياس ولذلك ذكر المصنف ﴿الْوَارِثُونَ﴾ بعد ذلك مع" أولى" و"علين" مما لا ينقاس جمعه.
وقوله: أو مشبه به مثال ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ لأن نسبة السجود إلى مالا يعقل هو لتشبيهه بمن يعقل وقول الشاعر: محالفتي دون الأخلاء نبعة... ترن إذا ما حركت وتزمجر لها فتية ماضون حيث رمت بهم... شرابهم قان من الدم أحمر ومن المشبه بما يعقل الدواهي والأشياء المستعظمة نحو: أصابهم الآمرون والفتكرون والبرحون وعمل بهم العملين، أي: الأعمال العجيبة وقالوا الذي يعظم شأنه ويعم نفعه: وابلون قال

الشاعر: فأصبحت المذاهب قد أذاعت... بها الإعصار بعد الوابلينا وقال أبو صخر: تلاعب الريح بالعصرين قسطله... والوابلون وتهنان التجاويد ومما نزل منزله العاقل في الأنس به والحنو عليه قول الراجز: قد رويت إلا دهيدهينا... قلبصات وأبيكرينا صغر دهاهاً وجمعه وأبكراً - جمع بكر- وجمعه وقوله: علماً فمثل رجل وغلام وفتى لا يجوز جمعه بالواو والنون، وإن كان قد اجتمعت فيه الشروط غير العلمية.
وقد منع المازني من جمع العلم المعدول نحو عمر، ومن تثنيته فلا يجمعه جمع سلامة ولا جمع تكسير، وقال: أقول جاءني رجلان

كلاهما عمر ورجال كلهم عمر.
ولا أعلم أحداً منه من تثنيته ولا جمعه، بل يجوز أن تقول عمران وعمرون، وقالت العرب" سنو بنا سنة العمرين" وقال الشاعر: ................. والعمران أبو بكر ولا عمر وإذا كان قد يثني على سبيل التغليب فلأن يثنى مع اتفاق اللفظ والمعنى أولى وأحرى فإن قلت: إذا كانت العلمية شرطاً في الاسم المكبر فما وجه قول العرب في الحكاية"أتون" بالواو والنون وليس بعلم؟ فالجواب: أنه من باب حرون وليس بجمع سلامة بل جمعه بالواو والنون عوض من النقص المتوهم بالإدغام هكذا أجابوا في جمع أتون.
وقوله: أو مصغراً يعني أنه إذا اجتمعت الشروط وكان مصغراً فإنه يجمع بالواو والنون ولا تشترط العلمية فتقول في رجيل وغليم وفتى وأحمير وسكيران ونصيف: رجيلون وغليمون وفتيون وأحيمرون وسكيرانون ونصيفون وإنما جمع كذلك- ولم يجمع مكبره- لتعذر تكسيره، لأن التكسير يؤدي إلى حذف ياء التصغير، فيذهب المعنى الذي جيء بها لأجله، فلما تعذر التكسير لم يبق إلا التسليم.
فإن كانت الكلمة بنيت على التصغير نحو كميت وكعيت جاز

التكسير، فتقول: كمت وكعتان، لأن المعنى الذي أوجب التصغير ملازم لهما، وليس رجيل وأحمير كذلك، لأن معنى التصغير غير لازم لهما فلو قلت في جمعهما رجال وحمر لم يدر هل هما جمع رجل وأحمر أو هو جمع رجيل وأحمير.
وقوله: أو صفة تقبل تاء التأنيث مثاله ضارب ومؤمن وأرمل فإنك تقول في المؤنث ضاربه ومؤمنة وأرملة فيجوز أن يجمع بالواو والنون، فتقول ضاربون ومؤمنون.
قال المصنف في الشرح: " فإن لم تقبلها لم يلق بها هذا الجمع كأحمر وسكر ا/ في لغة غير بني أسد وصبور وقتيل" انتهى.
واحترز المصنف بقوله: "تقبل تاء التأنيث" مما ذكر مما لا يقبل تاء التأنيث.
وأغفل صفة لا تقبل تاء التأنيث، ويجوز جمع مذكرها بالواو والنون بلا خلاف، وذلك ما كان من الأوصاف مختصاً معناه بالمذكر، نحو مخصي وأفعل التفضيل إذا كان معرفاً بالألف واللام أو مضافاً إلى نكرة فإنه يجوز جمعه بالواو والنون، فتقول الأفضلون وأفضلو بني فلان وهو صفى لا تقبل التاء، وكذلك مؤنثة لا يقبل التاء بل تقوم في مؤنثه ألفضلي، فيكون تأنيثه بالألف لا بالتاء، فهذه صفة لا تقبل التاء بلفظها ولا بلفظ مؤنثها، وهي تجمع بالواو والنون.
وثبت في بعض النسخ بعد قوله: " أوصفة تقبل تاء التأنيث" قوله: "باطراد" وهو قيد حسن محتاج إليه لأنه قد وجد صفة قبلت تاء التأنيث لقصد معناه ولكنه لا يطرد، فلا تجمع بالواو والنون، وذلك مسكين فإنهم

قالوا مسكينة للمؤنث، ومع ذلك فالقياس أن لا يقال مسكينون، وإن كانوا قد قالوه؛ لأن دخول التاء في مسكينة لا ينقاس لأنه على وزن مفعيل، وما كان على وزن مفعيل فإنه لا تدخله تاء التأنيث، فدخولها في مسكينة شاذ، شبهوا مسكينًا بفقير، فأدخلوا التاء للمؤنث كما قالوا فقيرةً، ولما قالوا مسكينة ومسكينات قالوا مسكينون، وقولهم امرأةً مسكين على الأصل في هذه البنية.
وذكر بعضهم أنه لا يجمع هذا الجمع من الصفات ما كان على وزن مدعس ومهذار ومحضير وجواد وغفور وجريح.
والعلةً في ذلك عدم قبول التاء لقصد التأنيث.
وقوله: إن قصد معناه شرط في جمع صفة المذكر وصفين: أحدهما: قبول تاء التأنيث، واحترز مما ذكر من الأوصاف التي لا ثقل تاء التأنيث، وذكرنا من الأوصاف ما لا يقل التاء، وجمع بالواو والنون.
والوصف الثاني: تقييد قبوله التاء بقصد معناه، فإن قبل التاء لا لمعنى التأنيث نحو ملولة وفروقةً فإنك تقول ملول وفروق، ثم تدخل تاء التأنيث لا لقصد التأنيث، بل للمبالغةً، وفروق وطول لا تجمع بالواو والنون لأنها يشترك فيها الذكر والمؤنث بغير تاء، فلا تجمع في المذكر بالواو والنون، ولا في المؤنث، بالألف والتاء، لأنها صفةً قبلت تاء التأنيث لا لقصد معناه.

وقوله: خلافًا للكوفيين في الأول يعني الخلو من تاء التأنيث، فإنهم يجيزون في جمع طلحة وحمزةً وهبيرةً: طلحون وحمزون وهبيرون.
استدل الكوفيون على جواز ذلك بالسماع والقياس: أما السماع فقولهم في جمع علانية - وهو الرجل المشهور - علانون، وفي جمع ربعةً: ربعون، وهو المعتدل القامةً.
وأما القياس فقالوا: قد جمعته العربي جمع تكسير، وإن كان يؤدي إلى حذف التاء الذي علل به البصريون منع جمعه بالألف والتاء، فإذا كان قد تزول التاء بجمع التكسير فكذلك تزول بالجمع بالواو والنون.
والدليل على أن العرب قد كثرت ما أنث بالتاء قول الشاعر: وعقبة الأعقاب في الشهر الأصم وأما البصريون فالسماع عندهم شاذ، والقياس ليس بصحيح لأنه لا يلزم من تكسير/ العلم ذي التاء على تقدير تسليم تكسيره جواز جمعه بالواو والنون؛ لأن تأنيث جمع التكسير يعقب التاء المحذوفة، وليس لجمع السلامة بالواو والنون تأنيث، فيعقب التاء؛ ألا ترى أنك تقول: قالت الرجال، ولا يجوز: قالت الزيدون.
وقد اختلف الكوفيون في جمع مثل طلحة وحمزةً مما هو على وزن فعلة، فقال الجمهور: تحذف التاء فقط، وتقول طلحون وحمزن بسكون

عين الكلمة.
وذهب ابن كيسان إلى فتح عين الكلمة، وقال: لما جمع المؤنث، الذي لا علامةً فيه للتأنيث، وهو على فعل، فتحوا عين الكلمة، قالوا: أرضون.
وهذا معارض بجمعهم أهلًا على أهلون بسكون عين الكلمة، ولا ينبغي أن يجعل شيء من هذا أصلًا يقاس عليه لأن جمع ذلك بالواو والنون في غاية الشذوذ.
وقال البصريون: لا يجوز جمع طلحةً ونحوه مما فيه تاء التأنيث بالواو والنون لأنه لم يرد به سماع، ولا يقتضيه قياس، بل القياس يمنع منه.
ووجه امتناعه في القياس أنك لو جمعته فإما أن ثبت التاء أو تحذفها: إن أثبتها فتجمع بين علامتين متضادتين: التاء التي تدل على التأنيث، والواو التي تدل على التذكير، فأما قولهم في وزقاء علمًا لمذكر ورقاوون فليس في ذلك، جمع بين علامتين متضادتين لأن الواو ليست بعلامة تأنيث،، وإنما هي بدل من الهمزة المبدلة من ألف التأنيث.
وإن حذفت التاء ففي ذلك إخلال من جهة أنها حرف معنى، وقد صارت بالعلمية لازمةً للكلمة لأن العلميةً تسجل الاسم، وحصره من أن يزاد فيه أو نقص، وحذفها يؤدي إلى إذهاب المعنى الذي كانت تدل عليه، ولهذه العلة جمعوا رجيلًا وشبهه - وإن كان نكرةً - بالواو والنون، ولم يكسروه لما يؤدي إليه التكسير من حذف الياء، فيذهب بحذفها ما كانت تدل عليه من المعنى، وأما حذفها في طلحات فليس فيه إخلال لأن تاء التأنيث إذا حذفت عقبها التأنيث بالألف والتاء.

وقد تأول بعض البصريين ما أنشده الكوفيون دليلًا على تكسير العلم الذي فيه تاء التأنيث بأنه يحتمل أن يجعل الأعقاب ليس بجمع لـ "عقبة" العلم، بل يكون جمعًا لـ "عقبة" التي يراد بها الاعتقاب، ومن ذلك قولهم: لقد علمت أي حين عقبتي ويكون قد أضاف "عقبة" العلم بعد تنكيره إلى "الأعقاب" الذي هو جمع "عقبة" بمعنى الاعتقاب.
وأيضًا على تقدير أنه جمع "عقبة" العلم فهو من القلة بحيث لم يجئ منه إلا هذا البيت، فلا يجعل أصلًا لقياس نظيره عليه وجمعه جمع التكسير.
وقوله: والآخر بمعني الصفة التي لا تقبل تاء التأنيث، إن قصد معناه، فإن الكوفيين يجيزون جمعها بالواو والنون، وقد جاء شيء من ذلك نادرًا بني عليه الكوفيون، وهو قول الشاعر: / منا الذي هو ما إن طر شاربه... والعانسون، ومنا المرد والشيب فعانس من الصفات التي لا تقبل تاء التأنيث، عند قصد معنى التأنيث؛ لأنها تقع على المذكر والمؤنث بلفظ واحد، وقول الآخر

فما وجدت نساء بني نزار... حلائل أسودين وأحمرينا فأسود وأحمر عن الصفات التي لا تقبل تاء التأنيث لأن مؤنثها على غير بناء، مذكرها.
وفي الإفصاح: أجاز الفراء جمع هذا الوصف بالواو والنون، والألف والتاء، وحكاه مسموعًا.
وكان ابن كيسان لا يرى بذلك بأسًا، وعادةً الكوفيين إذا سمعوا لفظا في شعر أو نادر كلام جعلوه بابًا أو فصلًا، وليس بالجيد.
والذي ذكره أصحابنا في تقييد الصفة التي تجمع بالواو والنون أحسن مما ذكره المصنف، وهو قولهم إن الوصف إن كان مكبرًا اشترط فيه الذكورة، والعقل، أو معاملته معاملة ذي العقل، والخلو من تاء التأنيث، وأن لا يمتنع مؤنثه من الجمع بالألف والتاء.
فيحترز بالذكورة عن مثل حائض، وبالعقل عن مثل سابق صفة لفرس، وبالخلو من تاء التأنيث من مثل علامةً ورجل همزةً، وبعدم امتناع مؤنثه من الجمع بالألف والتاء من نحو جريح وصبور ونصف وغيرها مما يكون للمذكر والمؤنث، بغير تاء، ومن أفعل الذي مؤنثه فعلاء، وفعلان الذي مؤنثه فعلى.
قال أصحابنا: وإنما جمعت الصفة بتلك الشروط بالواو والنون، ولم يجمع بها الاسم الجامد، لشبه الصفة بالفعل من جهة أن الصفة أبدًا فيها

معنى الفعل، إذ لا تكون إلا بالمشتق أو ما في حكمه، وإذا كانت للمذكر لم تلحقها التاء، وإذا كانت للمؤنث، لحقتها كما أن الفعل كذلك، تقول: مررت برجل قام، وبامرأةً قامت، والفعل إذا وصف به المذكر العاقل لحقته بعد ملامة لفظه الواو،: مررت برجال قاموا، ويقومون، وكذلك الصفة نحو: هؤلاء رجال قائمون.
ولما كانت الصفة التي تكون للمذكر والمؤنث بغير تاء لا تثبه الفعل لم تجمع إذا كانت لمذكر بالواو والنون، وكذلك أفعل فعلاء، وفعلان فعلى، لما لم يشبها، الفعل فيما ذكرناه لم يجز أن تجمع بالواو والنون.
هذا مذهب البصريين.
وخالف الفراء في الخفة التي تكون للمذكر والمؤنث بغير تاء، فلم يجز جمعها بالألف والتاء إذا جرت على المؤنث لأنها - وإذ جرت عليه - مذكرةً، بدليل أن نصفًا إذا صغر لم يقل في تصغيره إلا نصيف بغير تاء، وإذا سمي بحائض مذكر ثم يمنع الصرف؛ لأنهما وأمثالهما - وإن أجريا على مؤنث - مذكرة، وحمل على المعنى، كأنك قلت: بشخص نصف وبشخص حائض، وإذا كانا من قبيل المذكر فلا يجمع بالألف والتاء، كما لا يجمع قائم صفة لذكر بالألف والتاء.
وأما جمعها وجمع أمثالها بالواو والنون فليس عنده مانع له كالمانع عن الجمع/ بالألف والتاء، فلذلك أجازه.
والصحيح أن ذلك لا يسوغ لأن هذا النوع من الصفةً لا يشبه الفعل، فإن حكي شيء من ذلك في الشعر فضرورةً، أو في الكلام فشاذ لا يقاس عليه، حكي يعقوب أن العرب تقول: امرأةً نصف، ونساء أنصاف، ورجل نصف، ورجال أنصاف ونصفون.
وذلك شاذ لا ينبني أن يقاس عليه ما لم يسمع فيه الجمع.

فإن قلت: كيف جمعوا الأفعل للتفضيل بواو ونون، ومؤنثها الفعلى، وهي لا تشبه الفعل؟ فالجواب أن هذه الصفة لا يجوز تنكيرها إلا في ضرورة، فلما التزم فيها التعريف - وهو فرع على التنكير - أشبهت لذلك الفعل لأن الفعل فرع عن الاسم، فلما أشبهته في الفرعية حملت عليها، فجمعت بالواو والنون لذلك، ولهذه العلةً نفسها جمع الاسم الجامد إذا كان علمًا بالواو والنون، وإن كان نكرةً لم يجمع بهما لأن تعريف العلمية فرع، فأشبه بذلك الفعل، والتنكير أصل، فلم يشبه الفعل

-[ص: وكون العقل لبعض مثنى أو مجموع كافٍ، وكذا التذكير مع اتحاد المادة، وشذ ضبعان في ضبع وضبعان.
وما أعرب مثل هذا الجمع غير مستوف للشروط فمسموع، كـ (نحن الوارثون)، وأولى وعليين وعالميين وأهلين وارضين وعشرين ألي التسعين.
وشاع هذا الاستعمال فيما لم يكسر من المعوض من لامه هاء التأنيث سلامة فاء المكسورها، ويكسر المفتوحها، وبالوجهين فى المضمومها، وربما نال هذا الاستعمال ما كسر، ونحو رقة وأضاةٍ وإوزة.]-

ش: مثال كون العقل لبعض ما ذكر كافيًا قولك في رجل وفرس: هما سابقان، وفي رجل وفرسين: هم سابقون، ولا حاجةً إلى قوله "وكون العقل لبعض مثنى كاف" لأن علامة التثنية لا تختلف بحسب العقل، إنما تختلف علامة الجمع بسبب العقل، فيغلب ذو العقل، بخلاف التثنية، فإنه لا تغليب فيها بسببه.
ومثال التذكير في بعض قولك في امرئ وامرأةً: امرآن، ومسلم ومسلمةً: مسلمان، وفي مسلم ومسلمتين: مسلمون، وفي أحمر وحمراء

وسكران وسكرى: أحمران وسكرانان.
وهذا معنى قوله "مع اتحاد المادة".
فإن اختلفت المادة كثور وبقرةً، ورجل وامرأةً، فلا يقال في ذلك ثوران، ولا رجلان، ولا في رجل وامرأتين، وثور وبقرتين: رجال ولا ثيران.
وقوله: وشذ ضبعان أي ضبع وضبعان وجه الشذوذ أنه غلب لفظ المؤنث، على لفظ المذكر؛ لأن ضبعًا هو للمؤنث، وضبعانًا هو للمذكر، فحين ثنوا قالوا ضبعان، وإنما غلب لفظ المؤنث لأنه أخف من لفظ المذكر لتجرده عن الزوائد، وقد جاؤوا بذلك على الأصل، فقالوا في ضع وضبعان: ضبعانان، فغلبوا المذكر على المؤنث.
وكذلك غلبوا في الجمع، قالوا ضباع، ولم يقولوا ضباعين، وقد حكي أبو بكر الأنباري أن ضبعًا على |لذكر والأنثى، فعلى هذا لا تغليب فيه إلا إن نقل/ أن من لا يقول للمذكر إلا ضبعان، ولا يقول للمؤنث إلا ضبع، فإذا ثنى قال فيهما ضبعان، فإن ذلك يكون من تغليب المؤنث على المذكر.
وقوله: فمسموع يعني أنه يقتصر به على مورد السماع، ولا يتعدى، فـ ﴿الْوَارِثُونَ﴾ في الحقيقة ليس جمعًا لأنه إخبار عن الله تعالى.
وكذلك ﴿الْقَادِرُونَ﴾ و ﴿الْمَاهِدُونَ﴾ و ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ فلا تقيس عليه أن تقول لله تعالى الرحيمون ولا الرحمنون ولا الحكيمون؛ لأن إطلاق الأسماء عليه - تعالى - توقيعية، لا يقال منها إلا ما ذكره تعالى في كتابه، أو ذكره رسوله - صلى الله عليه وسلم - مع كون هذا النوع من الجمع لا يكون لمفرد الذات.

وأما "أولو" فهو وصف، ولا واحد له عن لفظه حتى يعتبر فيه قبول لحاق التاء له على اشرط الذي ذكر.
وأما "عليون" فإنه اسم مفرد لما هو شيء فوق شيء، وكأنه ارتفاع لا غايةً له.
وقال المصنف في الشرح: "عليون كأنه في الأصل علي: فعيل من العلو، فجمع جمع ما يعقل، وسمي به أعلى الجنةً.
ونظير ذلك من أسماء الأماكن صريفون وصفون، ونصيبون وقنسرون، ويبرون، ودارون وفلسطون، قال الأعشى: وتجبى إليه العيلجون ودونها... صريفون في أنهارها والخورنق وقال زيد بن عدي: تركنا أخا بكر ينوء بصدره... بصفين مخضوب الجيوب من الدم

ووجه شذوذ هذه الأسماء أنها لا مفرد لها من لفظها.
وأما "عالمون" فوجه شذوذه أن مفرده "عالم" اسم جنس، وليس بعلم، فقد فات شرط العلمية.
والعالم في اشتقاقه خلاف، أم من العلم ثم من العلامة؟ فإن قلنا عن العلم فيكون مختصًا إذ ذاك بمن يعقل، وإن كان من العلامة فيقع على من يعقل وعلى ما لا يعقل، وحين جمع بالواو والنون غلب من يعقل على ما لا يعقل.
وقال المصنف في الشرح: "عالمون" اسم جمع مخصوص بمن يعقل، وليس جمع عالم؛ لأن العالم عالم والعالمين خاص، وليس ذلك شأن الجميع، ولذلك أبى س أن يجعل الأعراب جمع عرب؛ لأن العرب يعم الحاضرين والبادين، والأعراب خاص بالبادين.
وقال بعضهم: العالمون جمع عالم مراد به من يعقل، وفعل به ذلك لتقوم جمعيته مقام ذكره موصوفًا بما يدل على عقله.
وهذا لا يصح؛ إذ لو جاز في عالم هذا الذي زعم لجاز في غيره من أسماء الأجناس الواقعةً على ما لا يعقل وعلى ما لا يعقل، فكنا نقول في جمع شيء أو شخص أذا أريد به ما يعقل شيئون وشخصون، وفي امتناع ذلك دليل على فساد ما أفضي إليه" انتهى كلام المصنف في شرحه.
فأما قوله: "إنه مخصوص بمن يعقل" فليس كما ذكر، بل العالمون قد يشمل من يعقل وما لا يعقل عند من جعله مشتقًا من العلامة لا من العلم، وأما ما ألزم من جعله/ جمع عالم من أنه كان يجوز أن يقال شيئون

وشخصون, فلا يلزم لأنه - عنده - جمع عالم على جهةً الشذوذ لفوات شرط من شروطه، وهو العلميةً، وإنما كان يلزمه ذلك أن لو كان يدعي أنه جمع جمعًا قياسيًا.
وأما "أهلون" فجمع أهل، وأهل ليس بعلم ولا صفة.
ومحسن جمعه بالواو والنون شذوذًا أنه قد يستعمل استعمال "مستحق"، فأجري في الجمع مجرى "مستحق"، وقال تعالى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ وقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
ومثل جمع أهل على أهلين جمع مرء على مرئين في قول الحسن: "أحسنوا " أيها المزؤون".
وهو شاذ.
وأما "أرضون" فجمع أرض، وهي مؤنثةً، اسم جنس لا يعقل، ففاته من الشروط التذكير والعقل والعلمية.
وقد تمحل المصنف، لجمع أرض على أرض بأنه قد جمع هذا الجمع ما يعجب منه ويستعظم مما لا يعقل تشبيهًا بالعاقل لأنه هو الذي يصدر ما تتعجب منه.
وبن ورود الأرضين في مقام التعجب والاستعظام قول الشاعر.
وآية بلدة إلا أتينا... من الأرضين تعلمه نزار وقول الآخر: لقد ضجت الأرضون إذ قام بني هداد حطيب فوق أعواد منبر وقيل: إنما جمعت هذا الجمع عوضًا من عدم تأنيثها بالتاء؛ لأنها

واقعةً على مؤنث، فكان قيامها أن يقال فيها أرضةً، فلما منعت من ذلك جمعت هذا الجمع كما جمعوا سنةً هذا الجمع عوضًا من لامها المحذوفةً، فقد استوت أرض وسنةً في الجمع تعويضًا، ولذلك فتحت راء أرض كما غيرت سين سنةً.
وقيل: فتحت الراء لأنها نابت عن أرضات، وكان ذلك خوفًا من الالتباس بمجمع أرضة.
انتهى ما تمحل به لجمع أرض على أرضين، وهو من فضول الكلام.
وأما "عشرون" والعقود بعده إلى "تسعين" فمعلوم أنها ليست بجموع، وأنه ليس فيها شروط ما يجمع بالواو والنون.
وزعم بعضهم أن "ثلاثين" وأخواته جميع، وجمعت بالواو والنون على ميل التعويض كما ذكر في أرض؛ لأن تاء التأنيث سقيت من مفرداتها حين عد بها، المؤنث، ولم يكن من حقها أن سقط، وعوملت العشرةً بذلك - وإن لم يكن في عشرين معنى الجمعية - لأن المثنى قد يعرب إعراب الجميع، وغيرت عينها وشينها كما غيرت سين سنة وراء أرض.
قال المصنف في الشرح: "وهذا قول ضعيف؛ لأن ذلك لو كان مقصودًا لم يكن واحد من هذه الأسماء مخصوصًا بمقدار، إذ لا يعهد ذلك في شيء من الجموع قياسيةً كانت أو شاذةً" انتهى.
وقوله: وشاع هذا الاستعمال أي: الجمع بالواو والنون رفعًا، والياء والنون جرًا ونصبًا، وزيادةً النون بعدها.

وقوله: فيما لا يكسر خرج بذلك ما كسر نحو شفةً وشاةً، فإنهما حذفت لامهما، وعوض منها الهاء، لكنهما كسرًا، فقيل: شياه وشفاه.
وأصلهما شفهة/ ونزهةً، ولأجل تكسيرهما لم يجمعا جمع سلامةً لا بالألف والتاء ولا بالواو والنون، وذلك بخلاف ما لم يكسر من ذلك، فإنه جاء فيه الجمعان نحو ثبةً، تقول ثبات وثبون.
وقوله: هاء التأنيث خرج بذلك أخت وبنت لأنها تاء التأنيث لا هاء التأنيث، فبنت وأخت قد حذف لامهما، ولا يجمعان هذا الجمع.
وقوله: سلامة فاء المكسورها يعني أن حركتها لا تتغير في الجمع نحو مائةً، تقول مئون، فتبقى الميم مكسورةً على حالها في مائةً.
وحكي الصغاني عزون بضم العين.
ولعلها مما جاء في المفرد الكسر والضم.
وقوله: ويكسر المفتوحها تقول في سنة: سنون.
قال المصنف في الشرح: "إن كان مفتوح الأول أو مكسورة لم يجز في جمعه إلا الكسر".
وكان قد قدم قبل ذلك عند شرحه قوله: "لغير تعويض" أن سين سنةً في الجمع بالواو والنون تكسر، وقال: "وقد روي ضمها", يكون هنا قد نسي أنه ذكر أنها روي ضمها، إذ لم ينبه عليه هنا.
وهذا الذي ذكر من التغيير في فاء ما جمع من هذا النوع هذا الجمع حكاه ابن كيسان عن الكسائي.
فما جاء من المكسور الفاء من ذلك مائةً ورئةً وعزةً وعضةً,

قال: ثلاث مئين للملوك وفي بها... ردائي, وجلت عن وجوه الهائم وقال: فغظناهم حتى أتى الغيظ منهم... قلوبا وأكبادًا لهم ورئينا وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾, وقال: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾.
وجاء من المفتوحها سنة, ومن المضمومها ثبةً وقلةً وكرةً, قال الشاعر: والخيل تعدو عصبا ثبينا ولام هذه الكلمات واو محذوفةً إلا سنةً وعضةً, فيحتمل أن

جارٍ التحميل