التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 142-181

أراد: منافقًا أي منافقٍ.
وهذا عند أصحابنا في غاية الندور، قالوا: "فارقت "أي" سائر الصفات في أنه لا يجوز حذف الموصوف وإقامتها مقامه، لا تقول: مررت بأي رجلٍ، وذلك لأن المقصود بالوصف بـ "أي" إنما هو التعظيم والتأكيد، والحذف يُناقص ذلك".
وقوله وحالًا لمعرفة أنشد المصنف في الشرح: ............................... فلله عينا حبترٍ أيما فتى بالنصب، جعله حالًا.
وتقدم أن أصحابنا انشدوه بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر مبتدأ، وقدوره: أيُ فتى هو.
ولم يذكر أصحابنا كون "أي" تقع حالًا،/ وإنما ذكروا لها خمسة أقسام: موصولة، وشرطية، واستفهامية، وصفة لنكرة، ومنادى، وسيأتي حكمها في باب النداء، إن شاء الله.
وقوله ويلزمها في هذين الوجهين أي: في وجه استعمالها صفة، واستعمالها حالًا.
وقوله الإضافة لفظًا ومعنىً لأنها إذا كانت موصلة أو شرطية أو استفهامية لا يلزم إضافتها لفظًا.
وقوله إلى ما يُماثل الموصوف لفظًا ومعنىً فلا يجوز أن تقول: مررت برجلٍ أي عالمٍ، ولا: بعالمٍ أي رجلٍ، بل تقول: مررت برجلٍ أي رجلٍ، وبعالمٍ أي عالمٍ.

وقوله أو معنىً لا لفظًا مثاله: دعوت امرًأ أي فتى.
هكذا مثله المصنف في الشرح.
وينبغي أن يُحتاط في جواز هذا، ويتوقف حتى يُسمع من كلام العرب، وإلا منع؛ لأن الأصل فيها أن لا يُوصف بها، فلا يُتوسع في القياس فيها.

-[ص: وقد يُستغني في الشرط والاستفهام بمعنى الإضافة إن عُلم المضاف غليه، و "أي" بمنزلة "كل" مع النكرة، وبمنزلة "بعضٍ" مع المعرفة.]-

ش: استغناؤها في الشرط مثاله قوله تعالى ﴿أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، ومثاله في الاستفهام ما ورد في الحديث: "من أبرُ يا رسول الله؟ قال: أمك.
قال: ثم أيٌ؟ قال: أمك".
وقوله و "أيٌ" فيهما - يعني في الشرط والاستفهام - بمنزلة "كلً" في النكرة، وبمنزلة "بعضٍ" في المعرفة.
مثالها في الشرط مضافةً إلى نكرة: أي رجل تضرب أضربه، وأي رجلين تضرب أضربهما، وأي رجال تضرب أضربهم، فيعود الضمير مطابقًا لما تضاف إليه "أيٌ".
ومثالها مضافةً إلى معرفة: أي الرجل تضرب أضربه، وأي الرجلين تضرب أضربه، وأي الرجال تضرب أضربه.
ومثالها في الاستفهام مضافةً إلى نكرة: أي رجلٍ أخوك؟ وأي رجلين أخواك؟ وأي رجال إخوتك؟ فيُطابق الخبر ما تضاف إليه "أيٌ".
ومثالها مضافة إلى معرفة: أي الرجلين أحسن؟ وأي الرجلين أخوك؟

وأي الرجال أخوك أو أخوك؟ وتقول: أي الثلاثة أخواك أو أخوك؟ ولا تقع الشرطية والاستفهامية إلا صدر كلام، فلا يعمل فيها عاملٌ متقدم عليها إلا الخافض بشرط أن يكون متعلقًا بالفعل الذي يليها، إلا في الاستفهام في الاستثبات، فإنه قد يتقدم عليها، فإذا قال قائل: ضربت رجلًا، قلت إذا استثبت: أيا ضربت؟ وضربت أيا؟

-[ص: ولا تقع نكرةً موصوفةً، خلافًا للأخفش، وقد يُحذف ثالثها في الاستفهام، وتُضاف فيه إلى النكرة بلا شرط، وإلى المعرفة بشرط إفهام تثنيةٍ، أو جمعٍ، أو قصد أجزاءٍ، أو تكريرها عطفًا بالواو.]-

ش: أجاز الأخفش: مررت بأي كريمٍ، فجعل أيا نكرةً موصوفة، ولم يُسمع من العرب، وإنما أجازه قياسًا على "من" و "ما" من قول العرب: "رغبت فيما خيرٍ مما/ عندي"، و: كفى بنا فضلًا على من غيرنا................................ ويضعف القياس على ذلك، بل في قولهم "مررت بما معجبٍ لك" إن "ما" نكرة بمعنى شيء موصوفة بـ "مُعجب" نظرٌ، لأنه يجوز أن تكون "ما" زائدة بين حرف الجر والمجرور، والتقدير: مررت بمُعجبٍ لك، وكثيرًا ما زيدت "ما" بين حرف الجر والمجرور، فإن سُمع من كلامهم: رأيت ما مُعجبًا لك، وسرني ما معجبٌ لك، وكثر ذلك في كلامهم، ثبت أن "ما" نكرة موصوفة، على أنه لو سُمع قليلًا انبغى تأويله على زيادة "ما" كما زادوها في قوله:

................. ضرج ما أنف خاطبٍ بدم وفي قوله "رويد ما الشعر"، وقد تقدم الاستدلال على كون "ما" نكرةً موصوفة بقوله: ربما تكره النفوس من الأمـ ـر..................... وليس بقاطع؛ إذ يحتمل أن تكون "ما" مُهيئة، و "من الأمر" في موضع المفعول بـ "تكره"، أي: شيئًا من الأمر، ويكون العائد في "له" عائدًا على ذلك المفعول المحذوف، وإذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
وقد تكرر للمصنف ذكر مذهب الأخفش في "أي" أنها تكون نكرة موصوفة، فإنه ذكرها هنا، وفي الشرح حين تكلم على "ما" وأنها تكون نكرة موصوفة.
ومثال حذف ثالث "أي" في الاستفهام قول الشاعر: تنظرت نصرًا والسماكين أيهما علي من الغيث استهلت مواطره وقوله وتضاف فيه - أي: في الاستفهام - إلى النكرة بلا شرط أي: لا تُشترط في إضافتها إلى النكرة شرط.
وقوله بشرط إفهام تثنيةٍ نحو: أي الرجلين أفضل؟ وأيهما أفضل؟ أو جمع: أي الرجال أفضل؟ وأيهم أفضل؟ أو قصد أجزاء: أي زيدٍ أحسن؟

أي الرجل أحسن؟ ولذلك تبدل منه، فتقول: أوجهه أم عينه؟ فالجواب لهذا الاستفهام إنما يكون بذكر شيءٍ من أجزاء زيد أو الرجل.
وقوله أو تكريرها عطفًا بالواو مثاله قول الشاعر: أيي وأي ابن الحصين وعثعثٍ إذا ما التقينا كان بالحلف أغدرا وقول الآخر: فأيي ما وأيك كان شرًا فسيق إلى المقامة لا يراها وقول الآخر: فلئن لقيتك خاليين لتعلمن أيي وأيك فارس الأحزاب ونقص المصنف أن تكون "أيٌ" مضافة إلى المفرد المعرفة جنسًا أو معطوفًا عليه غيره بالواو، مثاله: أي الدينار دينارك؟ وأي البعير بعيرك؟ ومثال المعطوف: أي زيدٍ وعمروٍ وجعفرٍ قام؟ ويمكن اندراج ذلك تحت قوله "أو جمعٍ" لأن/ اسم الجنس هنا يراد به الجمع، ولأن "أي زيدٍ وعمرٍ وجعفرٍ" هو في المعنى: أي هؤلاء قام؟ لكن المصنف مثل قوله "أو جمعٍ" بقوله: أي الرجال أفضل؟ وأيهم أكرم؟ فدل على أنه لا شعور له بالمسألتين اللتين ذكرناهما، ونص أصحابنا عليهما.
ولا يجوز أن يُعطف على "أي" الاستفهامية غير اسم استفهام، فإذا

قلت: أي القوم جاءك وزيدٌ؟ عطفت زيدًا على الضمير في جاء، ولا يجوز أن تعطفه على "أي".
ولو قلت: أي القوم وزيدٌ جاء؟ لم يجز إلا إذا جعلت زيدًا معطوفًا على الضمير في جاء، وقدمته عليه، على حد قول الشاعر: وأنت غريمٌ لا أظن قضاءه ولا العنزي القارظ الدهر جائيا يريد: لا أظن قضاءه جائيًا هو ولا العنزي القارظ.
وإنما لم يجز ذلك لأنك تكون قد عطفت مخبرًا عنه على مستفهمٍ عنه، وذلك لا يجوز، لو قلت: أزيدٌ وعمروٌ منطلقان؟ وأنت تسأل عن انطلاق زيد، وتخبر عن انطلاق عمرو، لم يجز.

-[ص: من الموصولات الحرفية "أن" الناصبة مضارعًان وتوصل بفعلٍ متصرفٍ مطلقًا، ومن "أن"، وتوصل بمعموليها.
ومنها "كي"، وتوصل بمضارع مقرونٍ بلام التعليل لفظًا أو تقديرًا.
ومنها "ما"، وتُوصل بفعلٍ متصرفٍ غير أمرٍ، وتختص بنيابتها عن ظرف زمان، موصولة في الغالب بفعلٍ ماضي اللفظ مثبت أو منفي بـ "الم".]-

ش: احترز بقوله "الناصبة مضارعًا" من "أن" المخففة من "أن" الثقيلة، فإنها حكمها حكم المثقلة، ومن "أن" الزائدة، ومن "أن" التفسيرية، ولهذه الأقسام مواضع تُذكر فيها.
وإنما ذكر هنا ما تُوصل به "أن" الناصبة للمضارع، فكما ذُكرت الموصلات الاسمية وصلاتها، كذلك ذكرت الحرفيات وصلاتها.
وهذه الحروف الموصولات ينسبك منها مع صلاتها مصدر.

وقوله بفعلٍ متصرفٍ احترزٌ من الجامد.
وقوله مطلقًا يعني سواءٌ أكان ماضيًا، نحو: أعجبني أن قام زيدٌ، أم مضارعًا، نحو أريد أن تقوم، أم أمرًا، نحو: أرسلت إليه بأن أفعل، فلو كان الماضي غير متصرف كـ "عسى"، أو المضارع غير متصرف كـ "يهيط"، أو الأمر غير متصرف كـ "تعلم" بمعنى اعلم على رأي الأعلم، لم يكن شيء من ذلك صلة لـ "أن" هذه، فأما قوله ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ﴾ ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ﴾ فـ "أن" هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع.
وجميع ما استدلوا به على أن "أن" هذه توصل بفعل الأمر محتمل أن تكون التفسيرية.
ويُقوي ذلك أن ذلك تقدمه شرط التفسيرية، وهو أن تكون الجملة التي قبل "أن" فيها معنى القول، نحو قوله تعالى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا﴾، وأشرت إليه أن قم، وكتبت إليه أن قم.
وقال/ بعض أصحابنا: "وتدخل على الأمر قليلًا، حكي س: كتبت إليه بأن قم" انتهى.
وبهذا استدل على أنها المصدرية لا التفسيرية.
ووجه الاستدلال أنه دخل عليها حرف الجر، والتفسيرية لا يدخل عليها حرف الجر.
ولا يقوي عندي وصل "أن" بفعل الأمر لوجهين: أحدهما: أنه إذا سبكت من "أن" وفعل الأمر مصدرًا فات معنى الأمر

المطلوب والمدلول عليه بالصيغة، ففرق بين: كتبت إليه بالقيام، وكتبت إليه أن أقم.
والثاني: أنه لا يوجد من لسان العرب: يعجبني أن قم، ولا: أحببت أن قم، ولا: عجبت من أن قم، فكون ذلك مفقودًا في لسانهم دليل على أنها لا توصل بفعل الأمر، ولو وصلت بفعل الأمر لوجد ذلك في لسانهم، كما وجد ذلك في وصلها بالماضي والمضارع، تقول: أعجبني أن قام زيدٌ، وأحببت أن قام، وعجبت من أن قام، ويعجبني أن يقوم زيدٌ، وأحب أن يقوم زيدٌ، وعجبت من أن يقوم زيدٌ.
وأما ما حكي س من قولهم "كتبت إليه بان قم" فالباء زائدة مثلها في: ................................... لا يقرأن بالسور وزعم بعض النحويين أنها تُضمر بعد همزة الاستفهام في التسوية، ويكون ينسبك منها مع الفعل مصدر، فإذا قلت: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، فأصله عنده: أأن قمت أم أن قعدت، فالفعل بعدها بتقدير المصدر.
والصحيح أنه لا إضمار بعد الهمزة ولا يعد أم؛ لأنه لم يُلفظ بذلك في موضوع من المواضع، وإنما اكتفوا هنا بالمعنى دون الإضمار، ولا يُقاس عليه لأنه موضعٌ خرج فيه اللفظ عن أصله، فخرجت همزة الاستفهام والفعل عن أصلهما، وصار سبكًا معنويًا إلى المصدر، كما يُسبك إلى اسم الفاعل في قولك: ما أبالي منك أقمت أم قعدت؛ أي: قائمًا ولا قاعدًا.

وإنما لم تكن همزة الاستفهام مما ينسبك معها الفعل إلى المصدر لأن ما ينسبك معه يكون معمولًا لما قبله لفظًا، ولا يكون ذلك في الهمزة وإن كانت قد تكون مع ما دخلت عليه في موضوع معمولٍ في المعنى.
وذهب بعض النحويين إلى أنها تضمر "أن" بعد ظروف الزمان في نحو: يوم يقوم زيدٌ، أي: يوم أن يقوم، لكنهم استغنوا عنها بأن أنابوها عنها لأن لظروف الزمان خصوصية بالأفعال، فلم يحتاجوا معها إلى إضمار سابك.
والصحيح أنه لا إضمار فيه لأنه لم يُلفظ به قط، وإنما هو من الإضافة للدليل لفظًا، وهم يريدون المدلول، كم صغروا الفعل وهم يريدون المدلول من المصدر في باب التعجب، وكما يعدون ما يتعدى بحرف الجر نفسه.
وقوله ومنها "أن" وتوصل بمعموليها مثاله: أعجبني أن زيدًا قائمٌ، وأحببت أن زيدًا قائمٌ، وعجبت من أن زيدًا قائمٌ، تقول: عجبت من انطلاقك، لا دليل فيه على/ وقوعه أو تحققه، فإذا قلت: عجبت من أنك منطلقٌ، دل على الوقوع والتحقق.
قاله في البسيط.
وقوله ومنها "كي"، وتوصل بمضارع مقرونٍ بلام التعليل لفظًا مثاله: جئت لكي أراك.
أو تقديرًا مثاله: جئت كي أراك.
فإذا قُرنت باللام لفظًا تعينت المصدرية، وإذا لم تُقرن بها احتملت، وقد تكلمنا على ذلك في نواصب المضارع مُستوفي هناك.
ولا تخلو "كي" من التعليل، فهي لا تتصرف تصرف "أن"، لا تكون مبتدأة ولا مفعولة ولا مضافًا إليها ولا مجرورةً باللام ظاهرةً أو مقدرةً معها.
وقوله ومنها "ما"، وتوصل بفعلٍ متصرفٍ غير أمر.
احترز بـ "متصرف"

من الفعل غير المتصرف، على أنه قد جاء وصلها بـ "ليس"، وهي فعلٌ غير متصرف، قال: ......................... بما لستما أهل الخيانة والغدر وفي البسيط: "ما أصلٌ في السبك لأنها أتي بها في الفعل لأجل ذلك لا لمعنى، بخلاف أخواتها، فإن لها تخليصًا وعملًا، ولا تكون سابكة إلا حيث تصح الموصولة؛ لأن الموصلة سابكة في المعنى؛ لأنك تسبك بها الجملة إلى الوصف المفرد، فلذلك لا تقول: أريد ما تخرج، وتقول: أحب ما صنعت؛ لأن "ما" في الوصل مبهمة، فلا تصلح للخصوص، ولما كان الخروج خاصًا، ونحوه" انتهى.
وما ذكره من أن شرط الوصل بها صلاحية وقوع "ما" الموصولة الاسمية موقعها، وأن الفعل الواقع بعدها لا يكون خاصًا، باطلٌ.
وأكثر ما تكون صلتها ماضيًا، قال تعالى ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾، وقال الشاعر: يسر المرء ما ذهب الليالي.................... أي: ذهاب الليالي.
وفي (بما رحبت) وهذا البيت بطلان قول صاحب البسيط.
وقد ذكر عن السهيلي أن "ما" لا تكون مصدرية إلا في موضع إبهام

وعموم، ولذلك منع في قوله تعالى ﴿بما أرك الله﴾ أن تكون "ما" مصدرية، والعلم لا إبهام فيه لأنه تمييز، قال: ألا ترى أنك لا تقول: أعجبني ما رأيت، تريد: رؤيتك، وأعجبني ما خرج زيدٌ.
وقال في البسيط أيضًا: "وقال أبو زيد - يعني السهيلي - إن صلة "ما" لابد أن تكون فعلًا غير خاص، بل مبهمًا يحتمل التنويع، نحو: أعجبني ما صنعت؛ لأن الصنع عامٌ، ولا تقول: أعجبني ما تجلس، ولا: أعجبني ما جلست؛ لأن الجلوس نوعٌ خاصٌ ليس مبهمًا، فكأنك قلت: يعجبني الجلوس الذي جلست، فيكون آخر الكلام مفسرًا لأوله رافعًا للإبهام، فلا معنى حينئذ لها.
وذهب أيضًا إلى أن "ما" المصدرية اسم، وأنها هي التي بمعنى "الذي" من الصلة، وليست حرفًا.
وهي رأي المبرد والرماني.
واستدل على ذلك بأن تقول: أعجبني/ أن تجلس، ولا تقول: أعجبني ما تجلس؛ لأنها بمعنى "الذي"، فتكون مبهمة، فلا تكون صلتها خاصًا بل مبهمًا، وهذا خاصٌ، ولو كانت بمعنى "أن" لجاز انتهى.
ومثال وصلها بالمضارع قوله تعالى {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ

الْكَذِبَ}، أي: لوصف ألسنتكم الكذب، وعجبت مما تضرب زيدًا.
وقوله غير أمرٍ لا تقول: عجبت من ما قم، ولا: من ما أخرج.
وقوله وتختص بنيابتها عن ظرف زمانٍ موصولة في الغالب بفعلٍ ماضي اللفظ مُثبتٍ مثاله: "لا أصحبه ما ذر شارق"، وقوله تعالى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ أي: مدة ذرور شارقٍ، ومدة دوام السموات.
وتُسمى هذه ظرفية.
وذهب الزمخشري إلى أنها تشاركها في هذا المعنى "أن"، وحمل على ذلك قوله تعالى ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾، وقوله تعالى ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا﴾، تقديره عنده: وقت أن آتاه الله الملك، وإلا حين أن يصدقوا.
واستدل بعضهم على ذلك بقوله: وقالوا لها: لا تنكحيه، فإن لأول سهم أن يُلاقي مجمعا أي: لأول سهمٍ وقت ملاقاته مجمعًا.
وكونها تنوب عن ظرفٍ لا يعرفه أكثر النحويين.
وما احتجوا به لا دليل فيه لأن ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ﴾ تعليلٌ، أي: لأن آتاه الله.
وكذلك: إلا لأن يصدقوا.
وكذلك: بأن يلاقي مجمعًا.
وهذا معنى صحيح سائغ، ولم يقم دليلٌ على أن تكون "أن" ظرفية مثل "ما".
وإنما قال "في الغالب" لأنها قد توصل بالمضارع، نحو قوله:

نطوف ما نطوف، ثم نأوي ذوو الأموال منا والعديم وقوله أو منفي بـ "لم" مثاله قول الشاعر: ولن يلبث الجهال أن يتهضوا أخا الحلم ما لم يستعن بجهول

-[ص: وليست اسمًا فتفتقر إلى ضمير، خلافًا لأبي الحسن وابن السراج، وتوصل بجملة اسمية على رأي.
ومنها "لو" التالية غالبًا مُفهم تمنً، وصلتها كصلة "ما" في غير نيابة، وتُغني عن التمني، فينصب بعدها الفعل مقرونًا بالفاء.]-

ش: في "ما" المصدرية هذه خلاف: ذهب س والجمهور إلى أنها حرف.
وذهب الأخفش وابن السراج وجماعة من الكوفيين إلى أنها اسم.
فإذا قلت "أعجبني ما قمت" فيقدره س: قيامك، ويقدره أبو الحسن: القيام الذي قمته، ويحذف الضمير من الصلة.
ورد عليه بوصل "ما" بـ "ليس" في قوله: ........................ بما لستما أهل الخيانة والغدر ألا ترى أنه لا يسوغ تقدير "ما" هنا بـ "الذي" لعدم الرابط.

وقوله وتوصل بجملةٍ اسميةٍ على رأي.
"ما" المصدرية/ لا تُوصل إلا بالفعل المتصرف غير الأمر في مذهب س. وذهبت طائفة منهم أبو الحجاج الأعلم إلى أنه يجوز أن توصل بالجملة الاسمية، وجعلوا من ذلك قول الشاعر: أعلاقةً، أم الوليد بعدما أفنان رأسك كالثغام المُجلس وقول الآخر: أحلامكم لسقام الجهل شافيةٌ كما دماؤكم تشفي من الكلب وقد اختلف رأي ابن عصفور في ذلك، فمرة أجاز ذلك، ومرة منعه.
ومن منع ذلك تأوله على أن "ما" كافة لـ "بعد"، وللكاف عن العمل، ومهيئة للدخول على الجمل.
وقال المصنف في الشرح: "الحكم على ما هذه بالمصدرية أولى من جعلها كافة، لأنها إذا كانت مصدرية كانت هي وصلتها في موضع جر، فلم يصرف شيء عما هو له ثابت، بخلاف الحكم بأن ما كافة".

وقال أيضًا: "وأيضًا فمن مواقع "ما" المصدرية النيابة عن وقتٍ واقعٍ ظرفًا، والوقت الواقع ظرفًا قد يُضاف إلى جملة اسمية، كما يضاف إلى جملةً فعليه، فإذا وصلت بهما وهي للوقت سُلك بها مسلك الوقت، فالحكم بجواز وصلها بجملةٍ اسميةٍ راجحٌ على الحكم بالمنع على تقدير عدم كون ذلك مسموعًا، فكيف وقد سمع؟ قال: واصل خليلك ما التواصل ممكنٌ فلأنت أو هو عن قليلٍ ذاهب وقال آخر: ................... فعسهم أبا حسان ما أنت عائس وإذا ثبت وصلها ظرفيةً بالجملة الاسمية لم يُستبعد وصلها بها إذا كانت غير ظرفية" انتهى.
وفيه بعض تلخيص.
وقوله ومنها "لو" التالية غالبًا مُفهم تمنً.
اختلف في "لو" هذه التي ذكرها: فذهب الجمهور إلى أن "لو" لا تكون مصدرية، وهو قول أشياخنا.
وذهب الفراء وأبو علي وأبو زكرياء التبريزي وأبو البقاء

العكبري وهذا المصنف إلى إثبات ذلك من لسان العرب، وخرجوا عليه مواضع من القرآن، من ذلك قوله تعالى ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم﴾، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم﴾، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾.
وقوله غالبًا احترازٌ مما جاء غير مفهم تمنيًا، كقول قتيلة: ما كان ضرك لو مننت، وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق وقال آخر: لقد طوفت في الآفاق حتى بليت، وقد أني لي لو أبيد /وقال آخر: أصبن الطريف بن الطريف ومالكًا وكان شفاءً لو أصبن الملاقطا وقال آخر: وربما فات قومًا جُل أمرهم من التأني، وكان الحزم لو عجلوا

التقدير: ما كان ضرك منك، وقد أني لي البيود، وكان شفاءً إصابتهن، وكان الحزم عجلهم.
ومن لم يثبت أن "لو" تكون مصدرية تأول هذه المواضع كلها.
وقوله مفهم تمن: الذي أوردوا من ذلك هو لفظ "ود" و "يود"، و "مُفهم تمن" يشمل ود وأحب وآثر وتمني واختار، ولم يُسمع من مفهم التمني في غير "ود".
وقوله وصلتها كصلة "ما": يعني أنها تُوصل بما وصلت به "ما" من فعلٍ متصرفٍ ماضٍ ومضارع، لا تُوصل بالأمر.
وذكر المصنف أن "ما" توصل بفعلٍ منفي بـ "لم"، وظاهر كلامه أن "لو" توصل بذلك، فتقول: وددت لو لم يقم زيدٌ.
وقد اختار المصنف في "ما" أنها توصل بالجملة الاسمية، واستدل لصحة ذلك.
ولا يُحفظ ذلك في "لو"، لا يُحفظ مثل: وددت لو زيدٌ قائمٌ، فينبغي أن يُقيد قوله "وصلتها كصلة ما": "إلا في الجملة الاسمية".
ومما يُبعد كون "لو" مصدرية أنه لا يُحفظ من كلامهم دخول حرف الجر عليها، لا يوجد: عجبت من لو خرج زيدٌ، أي: عجبت من خروج زيد.
وقوله في غير نيابةٍ يعني أن "ما" تنوب عن ظرف زمان، ولا تنوب "لو" المصدرية عن ظرف زمان، فهما وإن اشتركا في الصلة، فقد اختصت "ما" بالنيابة.
وقوله وتغني عن التمني إلى آخره، قال الشاعر: سرينا إليهم في جموعٍ كأنها جبال شروري لو نعان فننهدا

قال المصنف في الشرح: "في نصب فننهد وجهان: أحدهما - وهو المختار - أنه جواب تمن إنشائي كجواب "ليت"؛ لأن الأصل: وددنا لو نعان، فحذف الفعل لدلالة "لو" عليه، فأشبهت "ليت" في الإشعار بمعنى التمني دون لفظه فجووبت كجوابها.
والثاني: أنه من باب العطف على المصدر؛ لأن "لو" مع "نعان" تتقدر بالمصدر، فليس جوابًا، بل هو من باب: ......................... تقضي لبانات، ويسأم سائم وذهب أبو علي في "التذكرة" إلى أن مثل "لو نعان فننهدا" "لو" أجريت فيه مجرى "لو" التي بمعنى الأمر، أي: أعنا يا الله فننهد، وفي ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ أي: أحدث لنا كرةً فنكون.
وقال الزمخشري: "تجيء "لو" في معنى التمني كقولك: لو تأتيني فتحدثني".
فإن/ أراد ما أردته فصحيح وإن أراد أن "لو" حرفٌ موضوع للتمني كـ "ليت" فغير صحيح؛ لأن ذلك يستلزم منع الجمع بينها وبين فعل التمني، كما لا يُجمع بين "ليت" وبينه، وذلك أن حروف المعاني قُصد بها النيابة عن أفعالٍ على سبيل الإنشاء، فلا يُجمع بينهم لأن لا يجمع بين نائب ومنوب، ولذلك لا يُجمع بين "لعل"

و "أترجى"، ولو بين "إلا" و "أستثني"، فلو كانت "لو" موضوعة للتمني كـ "ليت" لساوتها في امتناع ذكر فعل التمني معها، فكان قول القائل "تمنيت لو تفعل" غير جائز، كما أن "تمنيت ليتك تفعل" غير جائز.
فإن قيل: كيف دخلت "لو" المصدرية على "أن" في نحو ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن "لو" داخلة على "ثبت مقدرًا رافعًا لـ "أن"، فلا يلزم من ذلك مباشرة حرفٍ مصدري لحرفٍ مصدري.
الثاني: أن يكون هذا من باب التأكيد اللفظي، وهو من أحسنه لأنه توكيد كلمة بما يوافقها معنىً دون لفظ، وهو أجود من التوكيد بإعادة اللفظ بعينه، ومنه توكيد "السبل" بـ "الفجاج"، وتوكيد "الذين" بـ "من" في قراءة زيد ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾.
ولتفضيل هذا النوع من التوكيد على إعادة اللفظ بعينه كان قولك "زيدٌ كمثل عمروٍ" سائغًا مستحسنًا في النظم والنثر، بخلاف "زيدٌ ككعمرو"، فإنه مخصوص بالضرورة.
وقد اجتمعت "أن" و "لو" المصدريتان في قول على كرم الله وجهه: ما كان عليك أن لو صمت لله أيامًا، وتصدقت بطائفة من طعامك محتسبًا".
انتهى كلامه، وفيه بعض تلخيص.
فأما دعواه أن قوله "لو نعان فننهدا" أصله: وددنا لو نعان، فحذف الفعل لدلالة "لو" عليه، فهذا فيه إضمار الفعل حيث فهم من "لو" معنى

التمني، وهو على خلاف الأصل، وفيه إثبات أن "لو" في هذا التركيب تكون مصدرية، ولا يقول بذلك الأكثرون من النحاة، وإنما هو قول بعض الكوفيين ومن تبعه من متأخرين كالتبريزي.
وأما الوجه الثاني الذي جوزه من وجهي النصب فإنه على تسليم أن "لو" مصدرية.
وأما ما حكي عن أبي علي أن "لو" بمعنى الأمر فينبغي أن لا يُحمل على ظاهره، وإنما يريد أبو علي أنها أُشربت معنى التمني، والتمني طلب.
وأما قول الزمخشري إن "لو"س تجيء في معنى التمني فهو قول النحويين، ولا يعنون أنها وُضعت دالةً على التمني، وإنما المعنى أنها تُشرب معنى التمني، فتُجاب بما تُجاب به "ليت" من الفاء المنصوب بعدها المضارع بإضمار "أن"، وإذا أُشربت معنى التمني فهي "لو" التي هي حرفٌ لما كان سيقع لوقوع غيره، وهي المعبر عنها عند معظم النحويين بأنها حرف امتناع لامتناع، وليست قسمًا موضوعًا للتمني، إنما تُشربه على سبيل المجاز، فكأنك نطقت بـ "ليت"، ولذلك جمعت العرب/ بين "لو" وبين جوابها بالفاء لإشرابها معنى "ليت"، وبين جوابها الذي لها بحق أصل الوضع، قال الشاعر: فلو نُبش المقابر عن كليبٍ فيُخبر بالذنائب أي زير بيوم الشعثمين لقر عينًا وكيف لقاء من تحت القبور

فقوله "فيُخبر" لاحظ فيها معنى "ليت"، وقوله "لقر عينًا" لاحظ فيها أصل وضعها من أنها حرفٌ لما كان سيقع لوقوع غيره.
وإنما حَسُن الجمع بين الجوابين لأن الأول هو معطوف على مصدرٍ مُتوهم، فالمعنى: لو حصل نبشٌ فإخبارٌ لقر عينًا.
وأما دعواه أن "لو" في قوله ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ هي المصدرية فلا نعلم أحدًا ذهب إلى ذلك غير هذا الرجل، بل هي عندهم الامتناعية أُشربت معنى التمني، وجوابها محذوف.
وكذلك في قوله ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وكثيرًا ما يُحذف جواب "لو" لدلالة المعنى عليه، وقد بينا ذلك عند الكلام على "لو" الامتناعية.
وذكر أبو مروان عبيد الله بن عمر بن هشام الحضرمي أنه إذا كانت "لو" بمعنى التمني فلا تحتاج إلى الجواب الذي للامتناعية، قال: "واختلفوا في قوله: فلو أنها نفسٌ تموت جميعةً ولكنها نفسٌ تساقط أنفسا فقيل: "لو" للتمني، فلا تحتاج إلى الجواب لأنه أراد: فليت أنها نفسٌ، وذلك أنه لما طال سقمه تمنى أن يأتيه الموت، فتذهب نفسه مرة.
وقيل: هي الامتناعية على بابها، والجواب محذوف، تقديره: لاسترحت" انتهى.
والصحيح أن التي تُشرب معنى التمني هي الامتناعية بنفسها.
وأما جواب المصنف أنه على إضمار فعل، أي: لو ثبت أن لنا كرة،

فهذا مذهب المبرد، ذهب إلى أن إذا جاءت بعد "لو" كانت في موضع الفاعل بفعل مضمر تقديره: لو ثبت أنهم صبروا، أي: لو ثبت صبرهم.
ومذهب س أن "أن" في موضع رفع على الابتداء.
وقد تكلمنا على المذهبين في فصل "لو" من باب عوامل الجزم.
وأما قوله "وقد اجتمعت أن ولو المصدريتان في قول علي" فليست "لو" هنا مصدرية، بل "أن" هي المصدرية، وهي المخففة من الثقيلة، و"لو صمت" جملة امتناعية، وهي في موضع الخبر لـ "أن" المخففة، وجواب "لو" محذوف، و"أن لو" هنا نظير ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾، والتقدير: وما كان عليك في أنه لو صمت وتصدقت لوجدت ثوابه، أو لنفعك.
وقال أبو مسلم الأصبهاني: "ود بمعنى تمنى، فتستعمل معها "لو" و"أن"، وربما جُمع بينهما، فيقال: وددت أن لو فعل" انتهى/.
وإذا ثبت أن الجمع بين "أن" و "لو" من كلام العرب في نحو "وددت أن لو كان كذا" حُمل على أن "أن" مخففة من الثقيلة، و "لو" هي الامتناعية، ولم يُجعلا حرفي مصدر.

-[ص: فصل الموصوف والصلة كجزأي اسم، فلهما ما لهما من ترتيبٍ، ومنع فصلٍ بأجنبي إلا ما شذ، فلا يُتبع الموصول، ولا يُخبر عنه، ولا يُستثنى منه، قبل تمام الصلة أو تقدير تمامها.
وقد ترد صلةٌ بعد موصولين أو أكثر مُشتركًا فيها أو مدلولًا به على ما حُذف.]-

ش: أشبه الأسماء بالصلة والموصول الاسم المركب تركيب المزج، فإن المفرد مُباين لهما بعدم التركيب، والمضاف والجملة مباينان لهما بتأثير صدريهما في عجزيهما.
وقوله فلهما - أي فللصلة والموصول - ما لهما - أي: ما لجزأي الاسم من ترتيب - أي: من تقدم الموصول وتأخير صلته تليه.
وقوله ومنع فصلٍ بأجنبي مفهومه إذا لم يكن الفصل بأجنبي جاز، وغير الأجنبي هو جملة الاعتراض، وهي ما كان فيها تأكيدٌ أو تبيينٌ للصلة، فمثال التوكيد الفصل بالقسم، قال الشاعر: ذاك الذي - وأبيك - يعرف مالكًا والحق يدفع ترهات الباطل

فصل بين الموصول وصلته بالقسم لأن فيه تأكيدًا للصلة، كأنه قال: ذاك الذي يعرف مالكًا حقًا.
وفي الحديث: "وأنبوهم بمن - والله - ما علمت عليهم من سوءٍ قط".
ومثال تبيين الصلة قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، فقوله (وترهقه ذلةٌ) من كمال الصلة لأنه معطوف على (كسبوا)، وفصل بينه وبين الموصول بقوله ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾، وهي جملة من مبتدأ وخبر، والباء في الخبر لأن فيه تبيينًا لقوله (وترهقهم ذلةٌ) ألا ترى أن جزاء السيئة بمثلها من رهق الذلة لهم.
وعد أصحابنا الفصل بالقسم من الفصل بجملة الاعتراض، ويظهر من كلام المصنف أنهما غيران؛ لأنه قال: "ولا يدخل في الأجنبي القسم لأنه يؤكد الجملة الموصول بها، ولا جملة الاعتراض، كقول الشاعر: ماذا - ولا عتب في المقدور - رمت، أما يُحظيك بالنجح أم خسرٌ وتضليل" انتهى.
قال: "ففصل بين "ذا" و "رمت" بقوله: "ولا عتب في المقدور" لأن فيه توكيدًا وتسديدًا لمضمون الجملة الموصول بها".
ولا يتعين في "ماذا"

أن تكون "ذا" موصولة إذ يحتمل أن تكون "ماذا" كلها استفهامية، وهو أحد محاملها التي تقدم ذكرها.
قال المصنف: "والجملة الحالية أولى أن لا تعد أجنبية، والنداء الذي يليه مخاطبٌ، قال: /إن الذي، وهو مثرٍ، لا جود حرٍ بفاقةٍ تعتريه بعد إثراء العامل في جملة الحال "يجود"، وما عمل فيه فعل الصلة فهو من الصلة، فلا يكون أجنبيًا.
وقال الشاعر: وتركي بلادي - والحوادث جمةٌ- طريدًا، وقدمًا كنت غير مطرد وقال: وأن الذي - يا سعد - أبت بمشهدٍ كريمٍ وأثواب المكارم والحمد فلو لم يل النداء مخاطبٌ عد الفصل به أجنبيًا، ولم يجز إلا في ضرورة نحو: .................. كن مثل من - يا ذئب - يصطحبان" وقوله إلا ما شذ مثاله قول الشاعر: وأبغض من وضعت إلى فيه لساني معشرٌ عنهم أذود

فصل بين الصلة ومتعلقها ومعمولها بقوله "إلي"، وهو أجنبيٌ من الصلة وما عملت فيه لأنه متعلق بالمضاف إلى الموصول، وهو "أبغض"، والأصل تأخيره بعد "لساني".
وقوله فلا يُتبع الموصول بعني بنعت ولا عطف بيان ولا توكيد ولا بدل ولا عطف نسق، فأما قول الشاعر: لسنا كمن جعلت إيادٍ داراه تكريت تمنع حبها أن يُحصدا وقول الآخر: كذلك تلك، وكالناظرات صواحبها، ما يرى المسحل فظاهره أن "إياد" بدل من "من" في رواية من جر، وبدل من الضمير المستكن في "جعلت" في رواية من رفع "إياد"، وقد فصل بالبدل بين الصلة التي هي "جعلت" و "دارها تكريت" اللذين هما معمولًا "جعلت".
وكذلك فصل بقوله "صواحبها" - وهو مبتدأ - بين "الناظرات" ومعمولها الذي هو "ما يرى المسحل".
فقيل: هذا الفصل ضرورة كقوله: وأبغض من وضعت إلي فيه................... (البيت)

وقيل: يتخرج على أن يكون الموصول قد تمت صلته عند قوله "جعلت"، وأبدل بعد تمام الصلة.
وكذلك تم الكلام عند قوله "وكالناظرات صواحبها".
وينتصب "دارها تكريت" و" ما يرى المسحل" بفعلٍ محذوف تدل عليه الصلة، التقدير: جعلت دارها تكريت، وينتظرن ما يرى المسحل.
وقوله ولا يُخبر عنه ولا يستثنى منه قبل تمام الصلة: لا يجوز: الذي محسنٌ أكرم زيدًا، في: الذي أكرم زيدًا محسنٌ.
ولا يجوز: جاء الذين إلا زيدًا أساؤوا في: جاء الذين أساؤوا إلا زيدًا.
وقوله أو تقدير تمامها هو مثل التخريج الثاني في "لسنا كمن جعلت إيادٍ" والبيت الذي بعده.
وقوله وقد ترد صلةٌ بعد موصولين أو أكثر مشتركًا/ فيها مثاله قول الشاعر: صل الذي والتي متا بآصرةٍ وإن نأت عن مرامي متها الرحم فـ "متا" صلة اشتركت فيها "الذي" و "التي"، وكان القياس أن يقول: صل اللذين، فيُغلب المذكر، لكنه أفرد كلًا من الموصولات لأنه أوضح في التذكير والتأنيث من التغليب.
ومثال ما هو أكثر من موصولين مشتركًا في الصلة: [بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها أنفسٌ تردت]

وقوله أو مدلولًا بها على ما حُذف مثاله قوله: وعند الذي واللات عُدنك إحنةٌ عليك، فلا يغررك كيد العوائد وقول الراجز من اللواتي والتي واللاتي يزعمن أني كبرت لداتي التقدير: وعند الذي عادك، ومن اللواتي يزعمن أني كبرت لداتي والتي تزعم.
ولو أنشد هذا دليلًا على أن الصلة مشترك فيها أكثر من موصولين لناسبن فتكون "يزعمن" صلة للموصلات الثلاثة على سبيل الاشتراك فيها.

-[ص: وقد يُحذف ما علم من موصولٍ غير الألف واللام، ومن صلة غيرهما، ولا تُحذف صلة حرفٍ إلا ومعمولها باقٍ، ولا موصولٌ حرفيٌ إلا "أن".
وقد يلي معمول الصلة الموصول إن لم يكن حرفًا أو الألف واللام.
ويجوز تعليق حرف جرً قبل الألف واللام بمحذوفٍ دل عليه صلتها، ويندر ذلك في الشعر مع غيرها مطلقًا، ومعها غير مجرورةٍ بـ "من".]-

ش: قوله من موصولٍ يعني اسمي؛ لأنه ذكر الموصول الحرفي بعد ذلك.
وهذا الذي ذكره من جواز حذف الموصول الاسمي إذا عُلم هو شيء ذهب إليه البغداذيون والكوفيون، وأما البصريون غير الأخفش فلا يجيزون ذلك، وإن ورد فيكون ذلك مختصًا بالشعر.
وذهب المصنف مذهب الكوفيين والبغداذيين في ذلك، وزعم أنه ثابت

بالقياس والسماع، قال: "فالقياس على "أن"، فإن حذفها كتفي بصلتها جائزٌ بإجماع، مع أن دلالة صلتها عليها أضعف من دلالة صلة الموصول من الأسماء عليه؛ لأن صلة الاسم مشتملةٌ على عائد يعود عليه، ويُميل الذهن إليه، وليس ذلك في صلة الحرف، فالموصول الأسمى أولى بالحذف، وأيضًا فهو كالمضاف، وصلته كالمضاف إليه، وحذف المضاف إذا عُلم جائز، فكذلك ما أشبهه.
وأما السماع فمنه قول حسان: أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه، وينصره سواء وقول ابن رواحة: / فوالله ما نلتم وما نيل منكم بمعتدلٍ وفقٍ ولا متقارب وقول بعض الطائيين: ما الذي دأبه احتياطٌ وحزمٌ وهواه أطاع يستويان وقول الآخر: لكم مسجدا الله المزوران والحصى لكم قبضه من بين أثرى وأقترا التقدير: ومن يمدحه، وما الذي نلتم، والذي هواه أطاع، ومن بين من

أثرى ومن اقتر، أي: استغني وافتقر".
قال المصنف: "وأقوى الحجج قوله تعالى ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي: وبالذي أنزل إليكم، فيكون مثل ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ " انتهى.
وقوله في "أن": "إن حذفها مُكتفي بصلتها جائزٌ بإجماع" ليس بصحيح، ولا إجماع فيه؛ لأنه إن أراد ما ينتصب بإضمار "أن" بعد الواو والفاء في الأجوبة الثمانية، وأو وحتى ولام "كي" ولام الجحود، فالخلاف فيه موجود، وإن أراد غير لك فالخلاف فيه أيضًا موجود، وينظر ذلك في كلامنا على النواصب في شرح هذا الكتاب.
وقوله ومن صلة غيرهما مثاله قوله: أبيدوا الألى شبوا لظي الحرب، وادرأوا شباها عن اللائي فهن لكم إما أي: عن اللائي لم يشبوا لظاها، حذف الصلة لتقدم ما يدل عليها، وقوله: أصيبا به فرعا سُليم كلاهما وعز علينا أن يُصابا، وعز ما أي: وعز ما أُصيبا به، وقولُ الآخر:

أتجزع إن نفسٌ أتاها حمامها فهلا الذي عن بين جنبيك تدفع أي: فهلا تدفع الذي يُجزعك عن بين جنبيك.
ومن الاستدلال في هذا الباب بالمتأخر قول الشاعر: نحن الألي، فاجمع جمو عك، ثم وجههم إلينا التقدير: نحن الألي عرفت عدم مبالاتهم بأعدائهم، وفهمت هذه الصلة بقوله: فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا.
وأنشد أحمد بن يحي: فإن أدع اللواتي من أناسٍ أضاعوهن لا أدع الذينا قال أبو علي: "التقدير: اللواتي أولادهن من أناسٍ أضاعوهن، أي: أضاعوا هؤلاء النساء، فلم يحموهن كما تحمي الفحولة أزواجها، فلا أدع الذين أضاعوهن، والمعنى:/ إن أدع هجو هؤلاء النساء فلا أدع هجو هؤلاء الرجال".
وقوله ولا تُحذف صلة حرفٍ إلا ومعمولها باقٍ مثاله قول العرب: لا أفعل ذلك ما أن حراء مكانه، وما أن في السماء سحابةً، أي: ما ثبت، حذفوا "ثبت"، وأبقوا الفاعل بها، وهو "أن" ومعمولاها.
ومن ذلك: "أما أنت منطلقًا انطلقت"، أي: لأن كنت، حذف "كان"، وهي صلة "أن"، وأبقي معمولاها.
وقول العرب: "كل شيء أممٌ ما النساء وذكرهن" أي:

ما عدا النساء.
وقوله ولا موصولٌ حرفيٌ إلا "أن" إذا حذفت فتارةً يبقى عملها، وتارةً لا يبقى.
قال المصنف في الشرح: "ومنه ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾، وقوله: فجاءت به وهو في عزبةٍ فلولا تجاذبه قد غلب وقول الفرزدق: ألا إن هذا الموت أضحى مسلطًا وكل امرئ لابد ترمى مقاتله وقول ذي الرمة: وحق لمن أبو موسى أبوه يوفقه الذي أرسى الجبالا وقول الآخر: أو ليس من عجبٍ أسائلكم ما خطب عاذلتي وما خطبي؟ وقول الفرزدق: بحق امرئ بين الأقارع بيته وصعصعة البحر الجزيل المواهب يكون سبوقًا للكرام إلى العلا إذا فصل المقياس بين الحلائب

وقول الآخر: وقالوا: ما تشاء؟ فقلت: ألهو إلى الإصباح آثر ذي أثير ومن كلام بعض العرب: "أذهب إلى البيت خيرٌ لي"، و "تزورُني خيرٌ لك"، و "تسمع بالمعيدي خيرٌ لا أن تراه"، التقدير: أن يريكم، وأن تُجاذبه، وأن تُرمى، وأن يُوفقه، وأن أسائلكم، وأن يكون، وأن ألهو، وأن أذهب، وأن تزورني، وأن تسمع" انتهى، وفيه بعض تلخيص، وفيه ما يُتأول على غير إضمار "أن".
وقوله وقد يلي معمول الصلة الموصول مثاله: جاء الذي زيدًا ضرب، تريد: ضرب زيدًا.
وقوله إن لم يكن حرفًا أطلق الحرف، وينبغي أن يُقيد بكونه ناصبًا، كما قيده غيره، مثل أن وكي وأن، فإنه لا يجوز أن يليها معمول شيء من صلاتها، فأما "ما" فإنه يجوز ذلك فيها، تقول: عجبت مما زيدًا تضرب، أي: مما تضرب زيدًا.
وعلل المصنف في الشرح امتناع تقديم معمول صلة الحرف/ عليها "بأن امتزاجه بصلته أشد من امتزاج الاسم بصلته؛ أشد من امتزاج الاسم بصلته؛ لأن أسميته منتفيةٌ بدونها، فلو تقدم معمولها كان تقدمه بمنزلة وقوع كلمةٍ بين جزأي مصدر، وليس كذلك تقدم معمول صلة الاسم غير الألف واللام؛ لأن له تمامًا بدونها ولذلك جُعل إعرابه إن كان مُعربًا قبلها، والإعراب لا يجئ قبل تمام

المعرب، ولما له من التمام بدونها جاز أن يستغني عنها وعن معمولها إذا علمت، بخلاف الموصول الحرفي" انتهى.
وظاهر هذا التعليل أنه عامٌ في كل موصولٍ حرفي، وقد ذكرنا أن النحويين فرقوا بين ما كان عاملًا من الحروف المصدرية وبين ما ليس بعامل، فمنعوا أن يتقدم معمول الصلة عليها إذا كان الموصول عاملًا، وأجازوه إذا كان غير عامل.
وعلة المنع في العامل أن الموصول قوي تشبثه بالصلة من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، أما من حيث اللفظ فكونه عمل فيها، وأما من حيث المعنى فكونه معها في تقدير اسم واحد، وهو المصدر، فلما قوي تشبثه من الوجهين المذكورين لم يكن ليُفصل بمعمول الصلة بين الموصول الحرفي وبينها.
وأما إذا لم يكن عاملًا فإنه إذ ذاك شبيهٌ بالاسم الموصول من حيث اقتضاء الصلة من غير عمل، فجاز أن يتقدم معمولها عليها، وأن يُفضل به بينها وبينه.
وقوله أو الألف واللام مثاله: جاءني القاتل زيدًا، لا يجوز: جاءني ال زيدًا قاتل.
وعلة ذلك قوة امتزاجها بالصفة، وهو أقوى من امتزاج "أن" بصلتها لأنه يجوز أن يُفصل بين "أن" وصلتها بـ "لا"، ولا يجوز ذلك في "أل" لا بـ "لا" ولا بغيرها؛ لأنها أشبهت "أل" للتعريف، فعوملت معاملتها لفظًا.
وقوله ويجوز تعليق حرف جر قبل الألف واللام بمحذوفٍ تدل عليه صلتها مثال ذلك ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾، و ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ﴾ و ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾.

ولا يجوز تقديم شيء من الصلة على الموصول، سواء أكان حرفًا أم اسمًان فمما جاء يقتضي ظاهره ذلك الآيات المذكورة، وقول الراجز: ربيته حتى إذا تمعددا كان جزائي بالعصا أن أجلدا وقوله: ...................... أبت للأعادي أن تذل رقابها فأما ما ظاهره أن يعمل فيه متقدمًا ما كان صلةً للألف واللام ففي تخريجه وجوه: أحدها: أن هذا من الاتساع في الظروف والمجرورات، فإنها قد جاز فيها أشياء لا تجوز في غيرها، واختاره شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع.
والثاني: أن "أل" ليست موصولة، وإنما هي للتعريف؛ ألا ترى أنك تقول: نعم القائم زيدٌ، ولا يجوز: نعم الذي قام زيدٌ، فإنما هو بمنزلة: نعم الرجل زيدٌ، وهو مذهب المازني في "أل" أنها للتعريف، وإلى هذا/ الوجه مال المبرد.
والثالث: أنه يتعلق بإضمار فعل تقديره: أعني فيه من الزاهدين، ويكون الخبر هو (من الزاهدين)، وكذلك باقيها، وروي هذا التخريج عن

المبرد أيضًا.
ويُعبرون عن هذا بالتبيين، وليس الجار والمجرور داخلًا في الصلة، بل هو على جهة البيان كـ "لك" بعد "سقيًا".
الرابع: أنه يتعلق باسمٍ محذوف يدل عليه هذا الظاهر، تقديره: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين، وكذلك باقيها.
وإلى هذا ذهب ابن السراح وابن جني، وقاله المبرد قبلهما، قال: جعل (من الشاهدين) و (من الناصحين) تفسيرًا لـ "شاهد" و "ناصح".
قال المنصف في الشرح: "ويكثير هذا الحذف قبل الألف واللام داخلًا عليها "من" التبعيضية؛ لأن في ذلك إشعارًا بأن المحذوف بعض المذكورين بعد، فتقوى الدلالة عليه".
وقوله وينذر ذلك في الشعر مع غيرها مطلقًا أي: مع غير الألف واللام.
ويعني بقوله "مطلقًا" سواء أوجدت "من" جرت الموصول أم لم توجد جارة له، فمثال ذلك مع "من" وقد جرت الموصول قول الشاعر: لا تظلموا مسورًا، فإنه لكم من الذين وفوا في السر والعلن تقديره: فإنه وافٍ لكم من الذين وفوا.
ومثاله مع موصولٍ غير الألف واللام، ولم يجز بـ "من" قول الشاعر:

وأهجو من هجاني من سواهم وأعرض منهم عمن هجاني قال المصنف: "أرد: وأعرض عمن هجاني منهم عمن هجاني منهم، على سبيل التوكيد، ثم حذف منهم من التوكيد، وحذف ما سواها من المؤكد" انتهى.
والأحسن - عندي - أن يكون التقدير - وأعرض عن هاجي منهم، فيكون المحذوف اسم فاعل، وهو أسهل من حذف موصولٍ وصلته.
وقوله ومعها غير مجرورةٍ بـ "من" أي: ومع الألف واللام غير مجرورة بـ "من"؛ لأنه ذكر أنه إذا كان مجرورة بـ "من" كان الحذف كثيرًا، ومثاله قوله: تقول وصكت صدرها بيمينها أبعلي هذا بالرحى المُتقاعس فـ "بالرحى" متعلق بمحذوف، يدل عليه قوله "المتقاعس"، تقديره مُتقاعسًا بالرحى، و "المتقاعس" ليس مجرورًا بـ "من".
وقوله: فإن تنأ عنها حقبةً لا تلاقها فإنك مما أحدثت بالمجرب فـ "مما أحدثت" متعلق بمحذوف، يدل عليه "بالمجرب"، و "المجرب" فيه الألف واللام، لكنه لم يجر بـ "من"، والتقدير: فإنك

مجرب مما أحدثت بالمجرب.
وقول الشماخ: فتىً ليس بالراضي بأدنى معيشة ولا في بيوت الحي بالمُتولج /التقدير: ولا بمتولج في بيوت الحي بالمتولج.
وهذا المسألة والتي قبلها لا تجوز إلا في الضرورة، وأما إذا كان الموصول "أن" فلا يجوز أيضًا تقديم شيء من معمول صلتها عليها كما ذكرنا، فأما: كان جزائي بالعصا أن أجلدا ونحوه، فقد خرج على الحذف، أي: كان جزائي أن أجلد بالعصا أن أجلد.
إلا أن الفراء أجاز تقديم معمول صلة "أن" عليها، والكسائي أجاز تقديم معمول صلة "كي" عليها، فأجاز الفراء: أعجبني العسل أن تشرب، وأجاز الكسائي: جاء زيدٌ العلم كي يتعلم، ولا يجوز ذلك عندنا.
والمصدر الذي ينحل بحرفٍ مصدري والفعل حكمه في الامتناع من تقديم شيء من معمولاته عليه حكم الحرف المصدري فأما قول الشاعر: وبعض الحلم عند الجهـ ـل للذلة إذعان وقوله:

حَلَّت لي الخمر، وكنت امرًأ عن شربها في شغلٍ شاغل فخرج على أن العامل في المجرور محذوف، تقديره: إذعانٌ للذلة إذعان، وكنت امرأً مشغولًا عن شربها.

-[ص:

باب اسم الإشارة

وهو ما وضع لمسمى وإشارةٍ إليه، [وهو] في القرب مفردًا مذكرًا "ذا" ثم "ذاك" ثم "ذلك" و "آلك" وللمؤنثة "تي" و "تا" و "ته" و "ذي" و "ذه"، وتكسر الهاءان باختلاسٍ وإشباعٍ، و"ذات"، ثم "تيك" و "تيك" و"ذيك" ثم "تلك" و "تلك" و "تيلك" و "تالك".]- ش: "ما وضع لمسمى" جنس يشمل كل ما وضع لمسمى، وهذا أقعد الأجناس إذ يدخل فيه النكرة والمعرفة، و"ما" مبهمة، فينبغي أن تُجنب الحدود والرسوم.
و "إشارة" خرج بذلك ما سوى اسم الإشارة.
وهذا الذي أورده ليس على سبيل الحدود ولا الرسوم؛ إذ لم يأت فيه بجنس وفصلٍ.
وأحسن ما قيل في حد اسم الإشارة: اسم الإشارة هو الموضوع لمعين في حال الإشارة.
فـ "الموضوع لمعين" جنس يشمل المعارف، و "في حال الإشارة" فصل يُخرج سائر المعارف، ويخص اسم الإشارة.
وقوله وهو في القرب مفردًا مذكرا "ذا" وألفه منقلبة عن أصل عند البصريين، وزعم الكوفيون أن الألف زائدة، ووافقهم

جارٍ التحميل