التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 114-153

المضمر، ثم المبهم، ثم المعرف بأل.
وإنما ذهبت إلى ذلك لأن اسم العلم جزئي وضعًا واستعمالًا، وباقي المعارف هي كليات وضعًا جزئيات استعمالًا.
بيان ذلك أن المضمر وضع المتكلم منه لكل متكلم، والمخاطب لكل مخاطب، والمخاطب لكل غائب، فكل متكلم يصلح له أن يعبر عن نفسه ب "أنا" وكل مخاطب يصلح أن يعبر عنه ب "أنت" وكل غائب يصلح أن يعبر عنه ب "هو"، فهذه موضوعات كليةً لا يختص بها بعض دون بعض، لكن إذا استعملت صارت جزئيةً، ولم يشركه أحد فيما أسند إليه.
وكذلك اسم الإشارةً وضع صالحًا/ لكل من يشار إليه، فإذا استعمل في واحد، فقيل مثلًا: هذا قائم، لم يشركه في القيام المسند إليه أحد.
وكذا أل، هي صالحةً لأن يعرف بها، فإذا استعملت في واحدٍ نكرة عرفته، وهمزته على شيء بعينه.
وقوله: ثم العلم ثم ضميز الغائب السالم عن إبهام لا أعلم أحدًا ذهب إلى هذا التفصيل في المضمر، فجعل العلم أعرف من ضمير الغائب، إلا هذا الرجل، والذين ذكروا أن أعرف المعارف هو المضمر قالوه على الإطلاق، ثم يليه اسم.
وقال المصنف في الشرح: "وأمكنها في التعريف ضمير المتكلم لأنه يدل على المراد به بنفسه، وبمشاهدة مدلوله، وبعدم صلاحيته لغيره، وبتميز صوته، ثم ضمير المخاطب لأنه يدل على المراد به بنفسه، وبمواجهة مدلوله.
وقوله: ثم العلم ثبت في بعض النسخ: "ثم العلم الخاص، وهو قيد محتاج إليه ليخرج بذلك أسامةً ونحوه، قال في الشرح: "لأنه يدل على

المراد حاضرًا وغائبًا على سيل الاختصاص".
وقوله ثم ضمير الغائب السالم عن إبهام قال في الشرح: "نحو: زيد رأيته، فلو تقدمه اسمان أو أكثر نحو: "قام زيد وعمرو، وكلمته" لتطرق إليه إبهام، ونقص تمكنه في التعريف".
وضمير الغائب إن عاد على معرفة نحو: مررت بزيد فأكرمته، فظاهر أنه معرفةً، وإن عاد على نكرةً نحو: مررت برجل فأكرمته، فأكثر النحويين على أنه معرفة، وذهب بعض النحويين إلى أنه نكرةً، قال: لأنه لا يخصص من عاد عليه من بين أمته.
والصحيح الأول لأنه يخصصه من حيث هو مذكور، وكذلك في المعرفةً لأن الضمير العائد إليها إنما خصصها من أمته كون المدلول سبق له التعريف، فتعيين الضمير لمفهوم المعرفةً إنما هو بالعرض، وهو كونه عاد على معرفة، فقد اشتركت النكرة والمعرفةً في أن تخصيص الضمير لهما إنما هو من حيث عاد على مذكور.
ويدل على ذلك أن العرب جعلت الحال منه على جهةً القوةً، نحو: مررت برجلٍ معه صقر صائدًا به، فصاحب الحال هو الضمير في " معه"، وعاد على نكرةً.
وقوله: ثم المشار به والمنادى قال في الشرح: "هما متقاربان" وثبت في بعض النسخ بعد قوله: " والمنادى" ما نصه: "وتعريفه بالقصد لا بحرف التعريف منويًا خلافًا لبعضهم، انتهى.
وقد تقدم

كلامنا على ذلك.
وقوله ثم الموصول قال في الشرح: "وهو يحتسب صلته، فيكمل تعريفه بكمال وضوحها، وينقص بنقصانه.
تقدم لنا أن هذا الذي قاله هو مذهب الفارسي، وتقدم الرد عليه.
وقوله: وذو الأداةً جعل الموصول والمعرف بأل في رتبةً واحدةً، وكأنه رأى أن التعريف فيهما بالعهد، والعهد موجود في الصلةً كما أنه موجود في أل.
وثبت في بعض النسخ: "ثم ذو/ أداة"، فجعل ذا الأداة في التعريف بعد الموصول.
وأصحابنا جعلوا الموصول من قبيل ما عرف بأل، فصار من المعرف بأل، وذلك على مذهب الأخفش، كما تقرر قبل.
وقوله: والمضاف بحسب المضاف إليه يعني أنه يكتسي التعريف من المضاف إليه، فيصير مثله في التعريف.
وهذا الذي قاله ليس على إطلاقه، بل قال أصحابنا: إن المضاف في رتبةً المضاف إليه إلا المضاف إلى مضمر، فإنه في رتبة العلم.
وإنما قالوا ذلك لئلا يكون مساويًا للمضمر في التعريف والغرض، على ما اختاروه من المذاهب في أن أعرف المعارف هو المضمر فقط، فلو كان المضاف إليه أعرف المعارف لكان أعرف المعارف شيئان: المضمر، والمضاف إلى المضمر، وليس بعد المضمر رتبةً تليه إلا رتبة العلم، فقالوا: هو في رتبةً

العلم في التعريف، وهذا مذهب س. وذهب أبو العباس، إلى أن كل مضاف إلى واحد من هذه المعارف الأربعةً فإنه دون ما أضيف إليه في التعريف حملًا على المضاف إلى المضمر، فكما أن المضاف إلى المضمر دون المضاف إليه في التعريف، فكذلك المضاف إلى العلم دونه في التعريف، والمضاف إلى اسم الإشارةً دونه في التعريف، والمضاف إلى ذي الأداةً دونه في التعريف.
وقد رد مذهب أبي العباس بقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ وبقول الشاعر: كتيس الظباء الأعفر انضرجت له عقاب تدلت من شماريخ ثهلان وقوله: ........................ كتيس الظباء الحلب العدوان وقوله.

.................. درير كخذروف الوليد المثقب وقوله: كشاة الكناس الأعفر انضرجت له كلاب رآها من بعيد، فأحضرا ووجه الدلالةً عن هذه الشواهد أنه قد تقرر أن النعت يكون إما مساويًا للمنعوت في التعريف آو أقل منه تعريفًا، وإذا كان كذلك فقد وصف المضاف إلى ما فيه الألف واللام بما فيه الألف واللام؛ ألا ترى أن (الأيمن) صفةً ل (جانب الطور)، و "لأعفر" صفةً ل "تيس الظباء" و "الحلب والعدوان" صفتان ل "تيس الظباء" أيضًا، و"المثقب" صفة لـ "خذزوف الوليد"، فكان يلزم من قوله أن يكون النعت أعرف من المنعوت، وذلك لا يجوز.
وفي الإفصاح: اختلفوا في المضاف، فمنهم من جعله بمنزلة المضاف إليه في كل شيء اعتمادًا على قول س فيما أضيف إلى اللام، ويلزم على هذا أن تكون الأعلام بمنزلة المضمرات لأنه أجاز في الصفةً: "مررت بزيد أخيك"، فإذا كان المضاف إلى الضمير مثله في التعريف، وقد وصف به العلم، فلا أقل عن أن يكون/ مساويًا.
وقد التزم هذا جماعةً، وبه قال ابن طاهر وابن خروف وجماعةً ممن أدركنا.
ومن النحويين من جعل المضاف دون المضاف إليه في التعريف سوى

ما أضيف إلى اللام.
وقال أبو العباس: كل مضاف إلى معرفةً فهو دونها في التعريف، فمن هنا تعرف ما يكون نعتا للشيء.
وقال في الإفصاح أيضًا: والذي عندي أن س لم يطلق التسوية إلا في اللام، ويمكن أن تكون تختص بهذا لأنها أقل وجوه التعريف، فلا انحطاط بعدها.

-[ص: وقد يعرض للمفوق ما يجعله مساويًا أو فائقًا.
والنكرةً ما سوى المعرفةً.
وليس ذو الإشارة قبل اسم، خلافًا للكوفيين، ولا ذو الأداةً قبل الموصول، ولا شيء وما بهما معرفتين، خلافًا لابن كيسان في المسألتين.]-

ش: قال في الشرح: "كقولك لرجلين حضراك دون ثالث: لك مبرةً بل لك، فإنهما لا يعرفان بمجرد هذا اللفظ المعطوف من المعطوف عليه ما لم يعضد اللفظ بمواجهةٍ أو نحوها، بخلاف قوله: للكبير منكما مبرةً بل للصغير، أو العكس، أو يقول: للذي سبق منكما بل للذي تأخر، فإنهما لا يرتابان في مراده بالأول والثاني، فقد عرض لذي الأداةً والموصول ما جعلهما فائقين في الوضوح لضمير الحاضر.
وكذلك يعرض للعلم ما يجعله أعرف من ضمير المتكلم كقول من شهر باسم لا شركه فيه لمن قال له: من أنت؟ قال: أنا فلان، ومنه قوله: ﴿أَنَا يُوسُفٌ﴾ فالبيان لم يستفد ب "أنا" بل بالعلم بعده.
وقد يعرض للموصول مثل ما عرض للعلم، كقول من شهر بفعل لا شركةُ فيه لمن قال له: من أنت؟ أنا الذي فعل كذا.
ومن هذا القبيل: "سلام

الله على من أنزل عليه القرآن، وعلى من سجدت له الملائكة"، ومنه: "وامن حفر بئر زمزماه".
وقوله: والنكرةً ما سوى المعرفةً لما حصر، المعرفة في تلك الأقسام قال هذا، وتمييزها بأنها غير ما ذكر من الأقسام أجود من تمييزها بدخول رب وبالألف واللام؛ لأن عن المعارف ما تدخل عليه الألف واللام كالفضل والعباس، ومن النكرات ما لا تدخل عليه رب ولا الألف واللام كأين ومتى وكيفت وعريب وديار، ولا تركيب، في النكرات إلا ما شذ من قولهم: بيتُ بيت وكفةً كفة أو يكون تنكيرها ثانيًا من تعريف، نحو: مررت بمعدي كرب ومعدي كرب أخر.
ويكثر وجود التركيب في النكرات في لغة بعض العجم كلغة الترك.
وقوله: خلافًا للكوفيين، استدل الكوفيون على أن اسم الإشارة أعرف من العلم بوجهين: أحدهما: أن اسم الإشارة ملازم للتعريف، ولا يقبل التنكير، والعلم بخلاف ذلك، فكان تعريفه دون تعرف اسم الإشارةً.
والثاني: أن تعريف اسم الإشارة حسي وعقلي، وتعريف العلم عقلي لا غير، وتعريف من جهتين أقوى من تعرف من جهةً واحدةً.
ونقل بعض شيوخنا/ هذا المذهب عن الفراء خاصةً، وقال:

"المشار تعرف بالعين والقلب، والعلم إنما تعرف من جهةً القلب خاصةً، وما تعرف من جهتين أعرف مما تعرف من جهةً واحدةً.
وأيضًا فإنه إذا اجتمع المشار مع العلم فالعرب تقدم المشار على العلم في الإخبار، فتقول: "هذا زيد، ولا تقول: زيد هذا".
وقد نسب هذا القول إلى ابن سريج وابن كيسان.
وفي الإفصاح: واختلفوا في الأعلام والمبهمات، فالأعلام أعرف عند "س"، والمبهمات أعرف عند الفراء، وبقوله قال أبو بكر وجماعةً، وهو مذهب المنطقتين، حتى قالوا: إن العلم إنما تعرف لأنه صار كقولك هذا، ولم يرد به غيره، فصار قريبًا من المشار إليه أو مثله.
ورد هذا المذهب بأن قوله: "إن ما تعرف من جهتين أعرف مما تعرف من جهةً واحدةً" ليس بصحيح لأن التعريف لا يزيد، وإنما نعني بقولنا: "هذا أعرف من هذا" أي: ألزم للتعريف، ولا يتزيد.
واستدلاله بأنه إذا اجتمع المشار والعلم قدم المشار على العلم في الإخبار فلا حجةً فيه، وإنما فعلت العرب ذلك لأنهم يغلبون في الإخبار القريب على البعيد، فيقولون: أنا وأنت قمنا، ولا يقولون:.
قمتما، ويقولون: أنت وزيد قمتما، ولا يقولون: قاما.
ورد المصنف في الشرح ما عزاه إلى الكوفيين بأن قال: "الجواب عن

الأول أن يقال: لزوم الشيء معنى لا يوجب له مزيةً على ما له ذلك المعنى دون لزوم، بل قد تثبت المزيةً لغير ذي اللزوم على ذي اللزوم، كما ثبتت ل " نقيضك" على " غيرك" مزيةً، فتعرف بالإضافة مع عدم لزومه لها، ولم يتعرف "غيرك" بها مع لزومه لها، وكما ثبتت ل "الجميع" مزيةً على "الجماء" ما في قولهم: جاؤوا الجماء الغفير، بحيث عُد "الجميع" معرفةً غير مؤولة بنكرةً مع عدم لزوم الألف واللام، وأول "الجماء الغفير"، بنكرةً مع لزوم الألف واللام.
والجواب عن الثاني أن يقال: المعتبر في كون المعرفة معرفةً الدلالةً المانعةً من الشياع، سواء أحصل ذلك من جهةً واحدةً أم من جهتين، والمعتبر في ترجيح التعريف قوة منع الشياع وزيادةً الوضوح، ومعلوم أن اسم الإشارةً، وإن عين المشار إليه، فحقيقته لا تستحضر به على التمام، ولذلك لا يستغني غالبًا عن صفةً تكمل دلالته، بخلاف العلم، لاسيما علم لم تعرض فيه شركةً كإسرافيل وطالوت وأدد ونزار ومكة ويثرب".
وقوله: ولا ذو الأداةً قبل الموصول قد ذكر هو عن ابن كيسان أنه ذهب إلى أن ذا الأداةً أعرف من الموصول، وقد تقدم اضطراب المصنف في ذلك، ففي نسختنا التي صححناها من هذا الكتاب أن مذهبه أنهما في رتبةً واحدةً، وذكرنا أنه ثبت في بعض نسخه التي شرحها أن ذا الأداةً بعد الموصول، فصارت ثلاثةً مذاهب: أحدها: أنهما سواء.
الثاني:/ أن الموصول أعرف من ذي الأداة.
الثالث: أن ذا الأداةً أعرف من الموصول.
واستدل ابن كيسان لمذهبه بأن الأداة يوصف بالموصول، كقوله

تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾، والموصوف به إما مساوٍ وإما دون الموصوف، ولا قاتل بالمساواةً، فثبت كون "الذي" أقل تعريفًا من "الكتاب".
قال المصنف في الشرح: "والجواب أن نقول: لا نسلم كون (الذي) في الآية صفةً، بل هو بدل، أو مقطوع على إضمار فعل ناصب، أو بدأ، وعلى تقدير كون (الذي) صفةً، فـ (الكتاب) علم بالغلبةً لأن المعنيين بالخطاب بنو إسرائيل، وقد علب استعماله عندهم مرادًا به التوراةً، فالتحق في عزفهم بالأعلام، فلا يلزم من نضفه بـ (الذي) جواز وصف غيره مما لم يلحق بالأعلام - وبالجواب الأول يجاب من أورد نحو قوله تعالى ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ﴾ وقد تقدمت الإشارةً إلى أن الموصول قد تتضح صلته وضوحا يجعله في رتبةً العلم، ولا يكون ذلك في ذي الأداةً غالبًا إلا إذا عرض له ما عرض للنجم والصعق من الغلبةً الملحقة بالأعلام الخاصةً" انتهى كلام المصنف في شرحه في الرد على ابن كيسان.
وهو تسليم من المصنف لابن كيسان أنه لا قائل بالمساواة، وليس بصحيح، بل ذكرنا، أن مذهب أصحابنا هو أن الموصول من قبيل ما عرف بالألف واللام، وهو مذهب الأخفش، فهو قسم من المعرف بالألف واللام، فيجوز أن يوصف ذو الأداة بالموصول الذي يجوز أن يوصف به، ويجوز أن يوصف الموصول بذي الأداة لتساويهما.
فمن وصف ذي الأداةً

بالموصول قول الشاعر: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه خشاشا كرأس الحية المتوقد وقول الآخر: أأنت الهلالي الذي كنت مرةً سمعنا به والزحبي المعلف والآيات الكريمة السابق ذكرها.
ومن كلام العرب: "بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامةً ذات أكرمكم الله به"، ف "ذو" موصول على لغة طيئ، و"ذات" كذلك، وقد وصف بهما ذو الأداة.
ومن وصف الموصول بذي الأداة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبّئُكُم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ الآيات، فوصف (الذين) بقوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾

وإنما تأول المصنف الآيات على البدل وغيره لأنه ثبت في النسخةً التي شرحها أن الموصول أعرف من ذي الأداةً، وإذا كان أعرف فلا يجوز أن يكون نعتًا لذي الأداةً لئلا يكون النعت أعرف من المنعوت، وهو لا يجوز، إنما يجوز أن يكون مساويًا أو أقل منه تعريفًا.
وقوله: ولا من وما المستفهم/ بهما معرفتين استدل على ذلك ابن كيسان، بأن جوابهما يكون معرفةً، وهو طابق للسؤال، فإذا قيل: من عندك؟ فجوابه: زيد، ونحوه.
وإذا قيل: ما دعاك إلى كذا؟ فجوابه: لقاؤك، ونحوه.
فدل تعريف الجواب على تعريف المجاب.
وقال المصنف في الشرح: "وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن تعريف الجواب غير لازم؛ إذ لمن قيل له: من عندك؟ أن يقول: رجل من بني فلان، ولمن قيل له: ما دعاك إلى كذا؟ أن يقول: أمر مهم.
والثاني: أن من وما في السؤالين قائمان مقام: أي إنسان؟ وأي شيء؟ وهما نكرتان، فوجب تنكير ما قام مقامهما، والتمسك بهذا أقوى من التمسك بتعريف الجواب، لأن تطابق شيئين قام أحدهما مقام الآخر ألزم وأكد من تطابق الجواب والسؤال، وأيضًا فالتعريف فرع، فمن ادعاه فعليه الدليل، بخلاف ادعاء التنكير" انتهى كلامه، وهو حسن.
وقال أصحابنا: أعرف المضمرات المتكلم ثم المخاطب ثم الغائب، وأعرف الأعلام أسماء الأماكن ثم أسماء الأناسي ثم أسماء الأجناس، وأعرف المشارات ما كان للقريب ثم للوسط ثم للبعيد، وأعرف ذي الأداةً ما كانت فيه للحضور ثم للعهد في شخص.
وأسماء الأجناس لا يعرف تعريفها من تنكيرها إلا بالاستقراء، فمما هو معرفةً ابن آوى وابن قترةً.
ومما هو

نكرةً ابن لبون وابن مخاض.
ومما جاء معرفة ونكرةً ابن عرس، تقول: هذا ابن عرس مقبلًا، وهذا ابن عرس مقبل.
وأما ابن أوبر فزعم س أنه معرفة لامتناعه من الصرف.
وزعم أبو العباس، أنه نكرةً لدخول الألف واللام عليه، مثل قوله: ...................... ولقد نهيتك عن بنات الاوبر وهذا عند من يرى مذهب س من باب دخول أل على العلم.
وما ذكرناه عن النحويين من تفاوت المعارف واختلاف الناس في مراتبها قد خالف في ذلك أبو محمد علي بن حزم الظاهري، فزعم أن المعارف كلها مستويةً، ولا يصح في هذا أن يقال: "هذا أعرف من هذا" لأن المعرفةً لا تتفاضل، ولا يصح أن يقال: "عرفت هذا أكثر من هذا" لأنه يكون في حق المرجوح المعرفة جهلًا.
وقال الرادُ على أبي محمد: هذا الذي قاله أبو محمد حق في نفسه،

إلا أنه لم يفهم مراد القوم، وذلك أنهم يريدون بأن هذا أعرف من هذا أن تطرق الاحتمال إليه أو من تطرقه إلى الآخر، فلا بد من تقيمها إلى ما يتطرق إليه الاحتمال وإلى ما لا يتطرق، ومن حد كل واحد منها، ومن حد كل واحد منها، تتميز ماهيةً كل واحد، وتظهر تفاوتها في التعريف.

-[ص:

باب المضمر

وهو الموضوع لتعيين مسماه مشعرًا بتكلمه أو خطابه أو غيبته.
فمنه واجب الخفاء، وهو المرفوع بالمضارع ذي الهمزةً أو النون، وبفعل أمر المخاطب ومضارعه، واسم فعل/ الآمر مطلقًا.
ومنه جائر الخفاء، وهو المرفوع بفعل الغائب والغائبةً أو معناه، من اسم فعل وصفةٍ وظرف وشبيه.]- ش: البصريون يقولون: "المضمر"، والكوفيون يقولون: "الكناية" و"المكني".
قال المصنف في الشرح: "ذكر الوضع مخرج للمنادى والمضاف وذي الأداة، وذكر التعيين مخرج للنكرات" انتهى.
وهذا الذي ذكره من أن الجنس في الحد يتحرر به هي عادته وعادةً ابن عصفور، وتقدم لنا الكلام معهما في ذلك أول الكتاب، وأن الجنس لا

يورد في الحد للاحتراز، وإنما الجنس يشغل المحدود وغيره، والفصل هو الذي يؤتى به لتمييز المحدود من غيره.
فقوله: "الموضوع لتعيين مسماه" جنس يشمل سائر المعارف، فإن كل معرفة يعين مسماه، وليس "الوضع" مخرجًا للمنادى والمضاف وذي الأداةً كما زعم المصنف، بل يا رجل، وغلام زيد، والرجل، موضوعات لتعيين المسمى، والمسمى في هذا المركب وضع له هذا اللفظ المركب، وكل من هذه التراكيب تفيد تعيين المسمى، وكأن الوضع عند المصنف مختص بالمفرد قبل التركيب، وليس كما زعم.
وهذا الذي بحثناه هو على ما تقتضيه قواعد الجماعةً.
وأما على ما بحثنا، نحن في العلم وفي باقي المعارف فإن الذي وضع لتعيين المسمى إنما هو العلم، وأما باقي المعارف فإنما وضعت كليات، ثم بالاستعمال يتعين المسمى لا بالوضع، على ما قررناه قبل.
وقوله: مشعرًا بتكلمه أو خطابه أو غيبته فصل يخرج العلم والمشار به والموصول؛ لأن كل واحد من هذه صالح لكل حالًا من الثلاث على سيل البدل، وذلك بخلاف المضمر، فإنه يختص بواحدةً منها، هذا معنى ما قاله المصنف في الشرح.
وقوله: ومنه واجب الخفاء نم المصنف المضمر إلى واجب، الخفاء وجائز الخفاء، وبارز متصل ومنفصل، وأصحابنا نموه إلى مستكن، وبارز متصل ومنفصل.
ويعكر هذان التقسيمان على ما حدوا به الضمير؛ لأنهم حدوه بأنه

الموضوع لتعيين مسماه، وما كان واجب، الخفاء وجائز الخفاء ومستكنًا لا يصح فيه أن يقال إنه الموضوع لتعيين مسماه؛ لأن الوضع يستدعي وجود لفظ، ولا لفظ، بل هذا الذي ادعوه من الضمير هو عدمي، وما كان عدميًا فلا وضع له.
وهذا التقسيم الذي قسمه المصنف من واجب الخفاء وجائز الخفاء يعني به أنه إذا كان واجب الخفاء لا يمكن أن يرفع الفعل ظاهرًا ولا مضمرًا بارزًا مكانه، وإذا كان جائز الخفاء يمكن أن يرفع الفعل ظاهرًا أو مضمرًا بارزًا مكانه.
وهذا اصطلاح غريب لا نعرفه إلا منه، وإنما يقول أصحابنا: الضمير المرفوع ينقسم إلى مستكن وبارز، ويقولون أيضًا ينقسم إلى متصل ومنفصل، ويجعلون المستكن من المتصل.
ومثال ما ذكر أنه واجب/ الخفاء أفعل ونفعل وافعل وتفعل.
ومراد المصنف بقوله: "وبفعل أمر المخاطب" يعني المفرد المذكر؛ لأنه إن كان أمرًا للمؤنث أو للمثنى أو للمجموع برز الضمير، فلفظة "المخاطب" فيه قيد الذكوريةً والإفراد.
وقوله: واسم فعل الآمر مطلقًا مثاله: تزال.
وإنما قال: "مطلقًا" لأنه يكون أمرًا للمفرد المذكر والمؤنث ومتناهما ومجموعهما.
ونقص المصنف قسم لم يذكره، والضمير فيه واجب الخفاء كهذه الخمسةً، وهو اسم الفعل الذي هو مضارع للمتكلم نحو: أوه بمعنى أتوجع، وأن بمعنى أتضجر، ونحوهما، فكان ينبغي أن يقول: وهو المرفوع بالمضارع ذي النون أو الهمزة أو اسم فعله، ويأتي بباقيها.

وقوله: وهو المرفوع بفعل الغائب إلى آخره مثال ذلك: زيد حسن، وهند حسنت، وهند هيهات، وزيد ضارب وضروب وحسن، وزيد عندك، وعمرو في الدار، فهذه الأخبار متحملة ضميرًا جائز الخفاء، ويجوز أن لا تتحمله بأن ترفع اسمًا ظاهرًا، أو ضميرًا بارزًا، فتقول: زيد حسن وجهه، أو: ما حسن إلا هو، وكذلك باقيها، هكذا قال المصنف.
ولا يطرد له ذلك في جميع ما ذكر؛ ألا ترى أن اسم الفعل يرفع الظاهر، ولا يرفع المضمر البارز، تقول: هند هيهات دارها، ولا تقول: هند ما هيهات إلا هي؛ لأنه لم يتسع في اسم الفعل فينفي كما ينفي الفعل، فتفسيره في الشرح: "جائز الخفاء" بأنه هو الذي يخلفه ظاهر أو مضمر بارز يطرد له في فعل الغائب وفعل الغائبةً والصفةً والظرف والمجرور لا في اسم الفعل بمعنى فعل الغائب والغائبةً.

-[ص: ومنه بارز متصل، وهو إن عنى به المعني بنفعل "نا" في الإعراب كله، وإن رفع بفعل ماضٍ فتاء تضم للمتكلم، وتفتح للمخاطب، وتكسر للمخاطبةً، وتوصل مضمومةً بميم وألف للمخاطبين والمخاطبتين، وبميم مضمومةً ممدودةً للمخاطبين، وبنون مشددةٍ للمخاطبات، وتسكين ميم الجمع إن لم يليها ضمير متصل أعرف، وإذ وليها لم يجز التسكين، خلافًا ليونس.]-

ش: قوله في الإعراب كله يعني الرفع والنصب والجر، نحو: قمنا، وضربنا زيد، ومر بنا بكر.
وقوله: في الإعراب فيه تجور إذ المضمرات مبنيةً، فلا إعراب، والمعنى أنه لو وقع مكانه معرب لكان مرفوعًا ومنصوبًا ومجرورًا، وقد كثر تجوزه في هذا، فقال في المضمر: "وهو المرفوع"، وقال: "وإن رفع"، والمضمرات لا رفع فيها ولا نصب ولا جر، وعبارة أصحابنا أسد،

يقولون: مرفوع الموضع، ومنصوب الموضع، ومجرور الموضع.
وهذا البارز الذي ذكره هو قسيم المستكن، وهو ينقسم قسين متصلًا ومنفصلاً، فالمتصل هو ما لا بد له من مباشرة العامل لفظًا وخطًا.
وقال: "إن عني به المعنى بنفعل" لأنه قدم أن نون/ نفعل تدل على المتكلم عظيمًا أو مشاركًا.
وتمثيل ما ذكر انه رفع بالفعل الماضي: ضربت ضربت ضربت ضربتما ضربتم ضربتن، وحكي "ضربتني" بياء بعد الكسرة للمؤنث.
واختلفوا في التعليل: فمن النحويين من قال: فعل هذا للفرق.
ومنهم من قال: كان المتكلم أولى بالضمةً لأن الكلام منه، وإخباره عن نفسه أكثر من إخباره عن غيره، فاستحق أن يكون حظه من الحركات الحركةً الأولى.
وقال ابن كيسان: إذا أخبر فليس يكون أبدًا إلا واحدًا، وإذا خاطب جاز أن يخاطب واحدًا واثنين وأكثر، فألزم الحركةً الثقيلةً اسمه، وفتح اسم من يخاطبه لأنه يكثر، ويعطف بعضه على بعض، فتقول: أنت تكلمت وأنت وأنت، فتعد جماعةً كلهم اشتركوا في الكلام.
قال ابن كيسان: وكسروا المؤنث، لأن الكسرةً من علامة التأنيث.
وقيل: كسروا لأنها لم تبق حركة غير الكسرة.
وأما ضم التاء من ضربتما وضربتم فإجراء للميم مجرى الواو

لمضارعتها لها في قربها في المخرج منها.
وكانت الزيادةً ألفًا بعد الميم في التثنيةً ليفرق بينها وبين الجمع.
وردت حرفين في ضربتن لما زدت حرفين في المذكر في ضربتمو.
والذي أذهب إليه أن هذه التعاليل لا يحتاج إليها لأنها تعليل وضعيات، والوضعيات ينبغي أن لا تعلل.
وقوله: فتاة تضم للمتكلم قد مثلناه بقولك: ضر بت، قال س نصًا: " لا يقع أنا في موضع التاء التي في فعلت، لا يجوز أن تقول فعل أنا؛ لأنهم استغنوا بالتاء عن أنا".
وأجاز غير س: فعل أنا.
واختلف مجيزوه: فمنهم من قصره على إجازته في الشعر.
ومنهم من أجازه في الشعر وغيره.
قال الحزمي: يجوز في الشعر: قام هو، وقام أنا.
وأجازه أبو العباس، في الشعر وغيره، وادعي أن إجازته على معنى ليس في المتصل لأنه يدخله معنى النفي والإيجاب، ومعناه ما قام إلا أنا، وأنشد علي بن سليمان تقوية لذلك قول الشاعر: أصرمت حبل الحي أم صرموا... يا صاح، بل صرم الحبال هم رفع قوله: "هم" ب "صرم"، ولا يجوز فيه غير هذا، فعلى هذا: قام أنا.
وقوله: أعرفتم أي: ضربتم بسكون الميم أعرف من ضربتمو، ومن ضربتم، بضم الميم ووصلها بواو، وضمها مختلسةً، ولقلة الاختلاس لم

يتعرض له في المتن، وهو أقيس من الإسكان، والوصل بواو هو الأصل؛ ألا ترى لزوم الإشباع في التثنيةً في ضربتما، فكان القياس لزوم الإشباع، ولذلك رجع إليه إذا اتصل بهذه الميم ضمير نصب متصل، كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾؛ لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها غالبًا.
وقوله: خلافًا ليونس نحو: رأيتمه وضربتها.
قال المصنف في الشرح: "ولا أعلم في ذلك سماعًا إلا ما روى ابن الأثير في غريب الحديث/ من قول عثمان رضي الله عنه: أراهمني الباطل شيطانًا" وقياسه: أراهموني، ولو جاء هكذا كان أيضًا شاذًا مثل الإسكان من وجه آخر، وهو أنه إذا تعدى الفعل إلى مفعولين، وكانا ضميرين، فإن ضمير المتكلم يقدم على ضمير المخاطب وعلى ضمير الغائب، وضمير المخاطب يقدم على ضمير الغائب، فكان القياس أن يقال: أرانيهم الباطن شيطانًا.
أما قوله: "خلافا ليونس"فليس بشيء لأن الكسائي والفراء قرأ: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ بإسكان الميم الأولى تخفيفًا.
وقال س: "إن الوصل أكثر

وأعرف"، فدل على أن التسكين كثير معروف، قال س: وزعم يونس أنك تقول أعطيتكمة، كما تقول في المظهر، والأول أكثر وأعرف" انتهى.
يعنى بالأول ما قدمه من قوله أعطيتكموه.
قال بعض الشراح: "وإنما حذفت في أعطيتكم لأنها واو في الطرف قبلها ضمةً، فأشبهت ما رفض من كلامهم نحو: قلنسو وعرقو، فحذفوا الواو، وأسكنوا، فعندما وصلوا بالضمير صارت حشوًا، فعاد الحرف إلى أصله، قال س: "كما ردوه باللام" يعني كما ردوا الميم إلى الضم بسبب لام التعريف حين قالوا: أعطيتكم اليوم، ولأنه اضطر إلى تحريكه، فحركه بحركةً الأصل، وأما من يقول - وهو قليل -: أعطيتكمه، ولا يحرك، فإنه مع اللام إنما يحرك بالكسر، فيقول: "أعطيتكم اليوم" لأنه لا يرد حركة الأصل" انتهى.
وأما قول المصنف: "ولا أعلم في ذلك سماعًا" فقد علمه يونس، وس، وغيره" فلا يضر جهل المصنف به.
وأما تخريجه قول عثمان - رضي الله عنه - على أن قياسه "أراهمونى" فقد أفسد هو هذا القياس بقوله: "ولو جاء هكذا كان أيضًا شاذًا"، وبين جهة الشذوذ، فإذا كان شاذًا فلا يكون قياسًا.
وأما قوله أخيرًا: "فكان القياس أن يقال: "أرانيهم الباطل شيطانًا" فهذا لا يصح، ومعناه عكس ما أراد عثمان؛ لأنه كان يكون هو الذي رآهم شيطانًا، والمعنى: أنهم هم رأوه شيطانًا؛ لأن ضمير المتكلم هو الفاعل قبل دخول همزةً التعدية على رأى، فالقياس أن يقول في معنى ما أراد عثمان:

أراهم إياي الباطل شيطانًا؛ إذ هم الراؤون قبل همزة التعدية لا هو.
وفي البسيط: "العرب فيها - يعني ميم الجمع - على ثلاثة مذاهب: منهم من يثبت الواو مطلقًا، ومنهم من يحذفها مطلقًا، ومنهم من يثبتها إذا وقعت بعدها همزةٌ لأنها من آخر الحلق، فمد ما قبلها ليتوصل بالمد إلى تحقيقها.
"والتاء والألف في ضربتما هو الضمير، والميم فيه وفي ضربتم زائدةً لتقوية الضمير، كما عملوا في ذا، فقالوا: هذا.
وقال الصقلي: زيدت الميم وقايةً للضمةً كما زيدت النون في ضربني وقايةً للفتحة.
وأما الجمع فضميره: "تمو" فرقوا فيه بين التثنيةً والجمع، بالواو هنا، والألف هناك، واختصا بذلك لأن الألف للتثنية والواو للجمع في الإعراب، وضمت الميم لأجل الواو، وقد تحذف الواو، وإن كانت جزءًا من الضمير، تشبيهًا بما ليس جزءًا كالصلةً من فيه وعليه".
ص: وإذ رفع بفعل غيره فهو نون مفتوحةً للمخاطبات أو الغائبات، وألف لتثنية غيي المتكلم، وواو للمخاطبين أو الغائيين، وياء للمخاطبةً.
وللغائب مطلقًا مع الماضي ما له مع المضارع، وربما استغني معه بالضمةً عن

الواو.
وليس الأربع علاماتٍ والفاعل مستكن، خلافا للمازني فيهن، وللاخفش في الياء.
ش: وإذ رفع: يعني البارز المتصل.
والهاء في "غيره" عائد على الماضي.
وغير الماضي هو المضارع والأمر.
ومثل المخاطبات والغائبات: اضربن تضربن يضربن، ومثال غير المتكلم: افعلا ويفعلان وتفعلان، ومثال المخاطبين والغائبين: اضربوا ويضربون وتضربون، ومثال ياء المخاطبة: اضربي وتضربين.
وقوله: وللغائب مطلقًا مع الماضي مثال: زيد ضرب، وهند ضربت، والزيدان ضربا، والهندان ضربتا، والزيدون ضربوا، والهندات ضربن.
وقوله: ما له مع المضارع لأنك تقول: زيد يضرب، وهند تضرب، والزيدان يضريان، والهندان تضربان والزيدون يضربون، والهندات تضربن.
وقوله: وربما استغنى معه - أي مع الماضي - بالضمة عن الواو، قال: فلو أن الأطبا كان حولي وكان مع الأطباء الأساة وقال: رب ذي لقاح ويب أمك فاحش هلع إذا ما الناس جاع وأجدبوا يريد: كانوا، وجاعوا، فحذف الواو، وهي ضمير الجماعة الذكور.
وظاهر قول المصنف: "وربما" أنه يجوز ذلك قليلًا.
وبعض

أصحابنا إنما أنشدوا ذلك على سيل الضرورة التي تختص بالشعر.
وقال الشاعر: إذا ما شاء ضروا من أرادوا ولا يألو لهم أخت ضرارًا وأنشد الكسائي: إذا ما الأقربون من الأداني... أمال على صفاحًا وطينًا وأنشد أيضًا: وإذا احتملت لأن تزيدهم تقى... دبروا، فلم يزداد غير تماد أي: شاؤوا، وأمالوا، ويزدادوا.
وبعضهم قال: من العرب من يقول في الجمع: الزيدون قام، فيجتزئ بالضمة، وأنشد: جزيت ابن أوفى بالمدينة قرضةً وقلت لشفاع المدينة: أوجف يريد: أوجف، فسكن للوقف.
وأنشد أيضًا: فلو أن الأطبا كان حولي........................ واستفيد من البيت الأول أن فعل الأمر للجماعةً الذكور يجري مجرى الفعل الماضي في ذلك.

وقال المصنف في الشرح: "وأنشد السيرافي: لو أن قومي حين أدعوهم حمل... على الجبال الصم لانهد الجبل شبوا على المجد، وشابوا، واكتهل أراد: خملوا، واكتهلوا، فحذف الواو اكتفاء بالضمةً، ثم وقف فسكن، انتهى.
ويحتمل توجيها آخر، وهو أن القوم هو اسم جمع، واسم الجمع يجوز أن يعني عنه إخبار الواحد، فتقول: الرهط صنع كذا، والنفر رحل، والركب سار، مراعاةً للفظ، ولذلك إذا صغر صغروه كما يصغر المفرد، فتقول: رهيط ونفير وركيب.
فراعى أولا المعنى حين قال: "ادعوهم"، فأتي بضمير الجمع، ثم راعى اللفظ فقال: "حمل"، فأفرد الضمير.
فإذا احتمل هذا - وهو أرجح - لم يكن للمصنف فيه دليل على دعواه.
وقال المصنف في الشرح أيضًا: "وربما فعل هذا مع فعل الأمر كقوله: إن ابن الأحوص معروف فبلغه... في ساعديه إذا رام العلا قصر انتهى - يريد: فبلغوه، فحذف الواو مع فعل الأمر.
وهذا الذي خرج عليه هذا البيت لا يلزم لأنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أتبع حركة الغين حركة الهاء، وهو يريد: فبلغه.

والثاني: أن يكون نقل حركة الهاء إلى الغين الساكنة، فصار: "فبلغه" ناويا الوقف، كما قال زياد: من عنزي سبني لم اضربه يريد: لم اضربه، ثم أجرى الوقف مجرى الوصل، فترك الهاء بالضم.
وقوله: وليس الأربع علامات يعني بالأربع النون والألف والواو والياء.
ويعني بقوله: "علامات" أي النون علامةً لجمع المؤنث، والألف علامة للتثنية، والواو علامةً للجمع المذكر، والياء علامةً للمؤنثةً، فيكن كتاء التأنيث في مثل: ضربت هند، بل هي أسماء ضمائر بارزةً، اتصلت بالأفعال كاتصال تاء المتكلم وتاء الخطاب في نحو: قمتُ وقمتَ.
هذا مذهب جمهور النحويين.
وذهب المازني إلى أنها علامات، والفاعل مستكن كاستكانانه في: زيد فعل، وهند فعلت.
وكما يقول الجمهور في مثل: قاما أخواك، وقاموا إخوتك، وقمن أخواتك، على لغة "أكلوني البراغيث"، إنها علامات تدل على تثنية الفاعل وجمعه.

واستدل المصنف على بطلان مذهب المازني في الشرح بأنها لو كانت حروفاً تدل على أحوال الفاعل المستكن كالتاء من فعلت لجاز حذفها في نحو: الزيدان قاما، والزيدون قاموا، كما جاز حذف التاء في نحو: ..................... فإن الحوادث أودى بها ...................... ولا أرض أبقل إبقالها بل كانت الألف وأخواتها أحق بجواز الحذف لأن معناها أظهر من معنى التأنيث وذلك أن علامة التأنيث اللاحقة للأسماء لا يوثق بدلالتها على التأنيث، إذ قد تلحق المذكرات كثيرا كرواية وهمزة، فدعت الحاجة إلى التاء التي تلحق الفعل، وليس الأمر كذلك/ في علامتي التثنية والجمع، إذ لا يمكن أن يعتقد فيما اتصلتا به خلوه من مدلولهما فذكر الفعل على إثر واحدة منهما مغن عن علامة تلحق الفعل، ولما لم يستغنوا بما يلحق الاسم عما يلحق الفعل أن لهم داعياً إلى التزامه غير كونه حرفاً وليس ذلك إلا كونه اسماً مسند إليه، ولذلك لم يجز حذفه بوجه، إذ لو حذف لكان الفعل حديثاً عن غير محدث عنه، وذلك محال.
انتهى مارد به المصنف في الشرح على المازني وهو كلام مطول.
والمازني يقول: لما استكن في فعل وفعلت، وأتينا بعلامة تأنيث تفرق فعل المؤنث من فعل المذكر، استكن في فعل التثنية والجمع، وأتينا بعلاماتٍ

تدل على التثنية والجمع ليحصل الفرق بين المسند لضمير المفرد وضمير المثنى والمجموع.
والذي يظهر به ضعف مذهب المازني هو أنه لو كانت هذه علامات للزم أن تكون علامة جمع المؤنث نوناً ساكنة، ولا يسكن آخر الفعل لها، كما كانت تاء التأنيث ساكنة، ولا يسكن آخر الفعل لها وتسكين آخر الفعل لها وتحريكها يدل على أسميتها، إذ لا يكون ذلك إلا لما تنزل من الكلمة منزلة الجزء منها، كما فعلوا ذلك بنحو: "ضربت" لما تنزل منزلة الجزء من الفعل في كونه لا يفصل منه سكنوا آخر الفعل لئلا تتوالى أربع متحركات في كلمة، فكذلك فعلوا في ضربن.
فكما أن التاء في ضربت اسم بلا خلاف كذلك النون في فعلن ويفعلن.
وقوله: وللأخفش في الياء يعني في مثل: افعلي وتفعلين.
ذهب الأخفش - وتبعه جماعة- إلى أن الياء حرف تأنيث فلا موضع لها من الإعراب والفاعل مستكن، ولا يجوز أن تكون ضميراً لأن فاعل المضارع المفرد لا يبرز، نحو: هند تقوم، وزيد يقوم، فرقوا في الغيبة بالتاء في أول المضارع بين المذكر والمؤنث، ولما كان الخطاب مشتركاً بين المذكر والمؤنث في التاء في أول الفعل احتج إلى علامة تميز المؤنث من المذكر، فقالوا: تقوم يا زيد، وتقومين يا هند.
وذهب الجمهور س وغيره إلى أن الياء ضمير.
واستدلوا

بأن الياء لم تثبت علامة تأنيث في غير هذا الموضع، فيحمل هذا عليه، وقد ثبتت ضميراً باتفاق في مثل: ضربني.
ومنها أن علامة التأنيث لم تلحق المضارع في موضع من آخره.
ومنها أن علامة التأنيث ثبتت في التثنية في مثل: قامتا، والهندان تقومان فلو كانت الياء حرف تأنيث لثبتت في التثنية.
ومنها أنه لم يرفع من المضارعة بالنون إلا ما اتصل به ضمير.
وإنما برز الضمير هنا للعلة التي أوجبت بروزه في التثنية والجمع وهو اللبس، ألا ترى أنه لو لم يبرز في التثنية والجمع لالتبس بفعل المفرد، فكذلك هنا لو لم يبرز لالتبس بفعل المذكر، لأنك تقول: "تفعل" في خطاب المذكر.
وما استدل به لهذا المذهب مدخول: أما قولهم: " إن الياء لم تثبت علامة التأنيث في غير هذا الموضع" فإنه يرد بقولهم للمذكر"هذا" وللمؤنث"هذي".
وأما أنها لم تلحق مضارعاً من آخره فسبب ذلك- أعني لحاقها فيه- مخافة اللبس إذ كانت التاء/ التي في المضارع قد اشتركت فيها صيغة المذكر والمؤنث فاحتيج إلى فارق.
وأما الثبات في التثنية فإنهم اعتزموا على التسوية في المثنى بين المذكر والمؤنث في الخطاب فقالوا: تقومان يا زيدان، وتقومان يا هندان، كما فعلوا ذلك في الماضي فقالوا: قمتما يا زيدان، وقمتما يا هندان، وفرقوا في الإفراد، فقالوا: قمت يا زيد، وقمت يا هند.
وأما أنه لم يرفع بالنون إلا ما اتصل به ضمير فممنوع هذا الحصر بهذا الذي اختلفنا فيه.
وقال المصنف في الشرح: " وهذا القول- يعني قول الأخفش-

مردود بما رد به قول المازني وبشيء آخر، وهو أن الأخفش جعل ياء افعلي كتاء فعلت، فيقال له: لو كانت الياء كالتاء لتساوتا في الاجتماع مع ألف الاثنين، فكان يقال: أفعليا، كما يقال: فعلتا، لكنهم امتنعوا من ذلك، فعلم أن مانعهم كون ذلك مستلزماً اجتماع مرفوعين بفعل واحد من غير عطف، وذلك لا يجوز" انتهى ما ذكره، وقد تقدم الجواب عن هذا الذي ذكره.

-[ص: ويسكن آخر المسند إلى التاء والنون ونا، ويحذف ما قبله من معتل وتنقل حركته إلى فاء الماضي الثلاثي، وإن كانت فتحة أبدلت بمجانسة المحذوف، ونقلت وربما نقل دون إسناد إلى أحد الثلاثة في زال وكاد أختي كان وعسى، وحركة ما قبل الواو والياء مجانسة، فإن ماثلها أو كان ألفا حذف، وولى ما قبله بحالة، وإن كان الضمير واواً والآخر ياء أو بالعكس حذف الآخر وجعلت الحركة المجانسة على ما قبله.]-

ش: مثال ما أسند إلى التاء و" نا": فعلت وفعلنا ولا يكون إلا ماضياً وإلى النون: فعلن ويفعلن وافعلن.
وقال" آخر" ولم يقل " لام الفعل" لأنه قد يكون حرفاً زائداً للإلحاق نحو: اغرنديت.
واختلفوا في تعليل سكون آخر الفعل: فأكثر النحويين على أنه إنما سكن لئلا يتوالى أربع حركات في شيئين هما كشيء واحد، لأن الفاعل كجزء من الفعل.
وقد ضعف المصنف هذا البقول في الشرح بأن التعليل عام، والعلة قاصرة إذ لا يوجد التوالي إلا في الثلاثي الصحيح وبعض الخماسي، نحو:

انطلق والكثير لا تتوالى فيه، فمراعاته أولى.
وبأن تواليها لم يهمل بدليل علبط وعرتن وجندل والأصل: علابط وعرتن وجنادل عند البصري، وجنديل عند الكوفي، فحذفوا، ووالوا بينها فلو كان التوالي منفوراً عنه طبعاً ومقصود الإهمال وضعاً، لم يتعرضوا إليه دون ضرورة ولسدروا باب التأنيث بالتاء، نحو: شجرة ومعدة ولبؤة.
ولا يعتذر عن هذا بأن تاء التأنيث في تقدير الانفصال لكونها جزء كلمة لا يقوم غيرها مقامها.
ولا يستغنى عنها، بخلاف تاء فعلت فإنها جزء كلام تام وتقبل الاستغناء عنها بغيرها، نحو: فعل زيد.
قال المصنف: " وإنما سببه تمييز الفاعل من المفعول في نحو: أكرمنا وأكرمنا ثم خملت التاء والنون على "نا" للمساواة في الرفع والاتصال وعدم الاعتلال" انتهى.
وهذه التعاليل تسويد للورق وتحرص على العرب في موضوعات كلامها وكأن الأولى/ أن نضرب صفحاً عن ذكر هذا كله.
وقوله: ويحذف ما قبله أي: ما قبل آخر المسند من معتل وإنما حذف لالتقاء الساكنين ويقتصر على ذلك في الأمر والمضارع نحو: خفن ولا تخفن وصحن ولا تصحن، وقلن ولا تقلن.
وقوله: وتنقل حركته إلى فاء الماضي الثلاثي مثاله: طلت وخفت، لأن أصله طول وخوف.
ويعني بنقل حركته التي كانت له قبل انقلابه ألفاً في طال وخاف.

وقوله: وإن كانت فتحة- أي: وإن كانت الحركة التي كانت لحرف العلة فتحة قبل انقلابه ألفاً- أبدلت بمجانسة المحذوف، إن كان المحذوف واواً أبدلت الحركة ضمة، وإن كان ياء أبدلت كسرة.
ونقلت، أي: إلى فاء الكلمة مثاله: قام وباع أصلهما: قوم وبيع، تحركت الواو والياء وانفتح ما قبلهما ألفاً، فقيل: قام وباع فإذا أسندتهما إلى التاء قلت: قمت وبعت.
وقوله: في زال وكاد مثاله قول بعض العرب: مازيل زيد فاضلاً وكيد زيد يقول، قال أبو خراش الهذلي: وكبدت صباع القف يأكلن جثتي وكيد خراش يوم ذلك ييتم قال س: "وحدثنا أبو الخطاب أن ناساً من العرب يقولون: كيد زيد يفعل كذا" قال الأستاذ أبو علي.
جسرهم على ذلك أنهم أمنوا اللبس حيث كان هذا الفعل لا مفعول له، وإنما هو رافع الاسم، وبعده فعل، كأنه في موضع خبره، وهو مع هذا شاذ.
وقوله: أختي كان وعسى احتراز من " زال" بمعنى ماز، وبمعنى ذهب أو تحول ومن "كاد" بمعنى احتال، وبمعنى أراد، وبمعنى تنكر، ويجمعها أن يقال: " التي مضارعها يكيد" لأن مضارع تلك: يكاد.
وقوله: فإن ماثلها أو كان ألفاً حذف مثاله.
أنتم تدعون، وأنت ترمين، وأنتم تخشون، وأنت تخشين، أصله: تدعوون وترميين وتخشاون وتخشاين.

وقوله: وولي ما قبله بحاله أي: تبقى حركة العين في تدعون، والميم في ترمين، والشين في تخشون وتخشين، على حالها لا يعرض لشيء منها تغيير.
وقوله: وإن كان الضمير واواً والآخر ياء مثل: ترمون، أصله: ترميون أو العكس مثل: أنت تغرين، أصله: تغزوين، استثقلت الضمة في الياء والكسرة في الواو فحذفتا فالتقى ساكنان فحذف الآخر، وحرك ما قبله بحركة تجانس الضمير.
وما ذكره المصنف هنا من قوله: " ويسكن آخر المسند" إلى قوله: " وجعلت الحركة المجانسة على ما قبله" هو من علم التصريف، وفيه ذكره النحاة، واستعجل المصنف ذكره في هذا الباب، وليس محل ذكره.

-[ص: ويأتي ضمير الغائبين كضمير الغائبة كثيراً لتأولهم بجماعة وكضمير الغائب قليلا لتأولهم بواحد يفهم الجمع، أو لسد واحد مسدهم ويعامل بذلك ضمير الاثنين وضمير الإناث بعد أفعل التفضيل كثيراً ودونه قليلا.
ولجمع الغائب غير العاقل ما للغائبة أو الغائبات.
وفعلت ونحوه أولى من فعلن/ ونحوه بأكثر جمعه وأقله والعاقلات مطلقاً بالعكس.
وقد يوقع فعلن موقع فعلوا طلب التشاكل، كم قد يسوغ لكلمات غير ما لها من حكم ووزن.]-

ش: مثال ذلك: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ وقول الراجز:

قد علمت والدتي ما ضمت... إذا الكماه بالكماة التفت وهو كثير.
ومثال ضمير الغائب قوله: فإني رأيت الضامرين متاعهم... يموت ويفنى فارضخي من وعائيا أي: يموتون فأفرد كأنه قال: يموت من ثم أو من ذكرت.
وعلى ذلك يحمل قول الآخر: تعفق بالأرطى لها وأرادها... رجال فبذت نبلهم وكليب أي: تعفق بالأرطى رجال، وأرادها جمعهم فبهذا التوجيه يؤمن الانتصار للكسائي بهذا البيت في حذف الفاعل وللفراء في نسبة العمل إلى العاملين.
وقد أجاز س أن يقال: " ضربت وضربني قومك" أراد: وضربوني،

فأفرد على تقدير وضربني من ثم وأنشد أبو الحسن: وبالبدو منا أسرة يحفظوننا... سراع إلى الداعي عظام كرا كرة فأفرد ضمير الأسرة لأنه نسب إليهم الحفظ، فصح تأولهم بحصن أو ملجأ فجاء بالضمير على وفق ذلك، فكأنه قال: أسرة هم بحفظهم إيانا ملجأ عظيم كرا كرة ومن كلام العرب: " هو أحسن الفتيان وأجمله" لأن بمعنى: أحسن فتى، فأفرد الضمير حملاً على المعنى.
قال المصنف في الشرح: " وإلى نحو هذا أشرت بقولي: " أو لسد واحد مسدهم"، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿أن لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وقول الراجز: وطاب ألبان اللقاح، وبرد لأن النعم واللبن يسدان مسد الأنعام والألبان" انتهى كلام المصنف في شرحه.
فأما قوله: " ويأتي ضمير الغائبين كضمير الغائبة كثيراً لتأولهم بجماعة" فهذا فيه تفصيل: لا يخلوا ضمير الغائبين أن يعود على جمع سلامة، أو على جمع تكسير أو على اسم جمع: فإن عاد على جمع سلامة نحو: الزيدين والمؤمنين فلا يجوز أن يكون إلا بالواو نحو: الزيدون خرجوا، ولا يجوز: الزيدون خرجت ولا:

المؤمنون أفلحت، على التأويل بجماعة كما يدل عليه ظاهر كلام المصنف.
وإن عاد على جمع تكسير جاز ذلك، وجاز أن يأتي كضمير الغائبة، وسواء في ذلك أكان الضمير مرفوعاً أو غيره، فالمرفوع كقوله: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ وغيره كقول العرب: " الرجال وأعضادها".
وإن عاد على اسم جمع جاز أن يعود بالواو وبضمير المفرد، فتقول: الرهط خرجوا والرهط خرج والركب سافروا، والركب سافر.
أما قوله: " وكضمير الغائب قليل" وإنشاده/ دليلا على ذلك: فإني رأيت الضامرين متاعهم... يموت ويفنى............... وأن الشاعر أراد: يموتون ويفنون فلا حجة فيه لأنه يحتمل أن يكون " متاعهم" بدلا من" الضامرين" والخبر عنه، كما تقول: إن الزيدين برهم واسع، وكنى عن نفاد متاعهم بالموت على سبيل المجاز، والتقدير: فإني رأيت متاع الضامرين ينفد ويفنى.
وهذا التأويل أقرب من إجازة: الزيدون خرج، إذ في ذلك هدم للقواعد الثابتة من لسان العرب بالبيت الفرد الشاذ المحتمل للتأويل.
وأما قوله: " وعلى ذلك - أي: على إفراد الضمير- يحمل قول الآخر: تعفق بالأرطى........................... فهذا يدل على أنه ساوى في الحكم بين "الضامرين" وبيت " رجال" في إفراد الضمير، فتقول: الزيدون خرج، والرجال خرج، وذلك لا يجوز، وسيأتي الكلام في هذا البيت في باب الإعمال إن شاء الله.

وقوله: " وقد أجاز س أن يقال: ضربت وضربني قومك، أراد: وضربوني، فأفرد على تقدير: وضربني من ثم" فلم يجزه س على الإطلاق، ولا هذا المثال الذي ذكره س بل قال س: " وأن قال: ضربني وضربت قومك فجائز، وهو قبيح أن تجعل اللفظ كالواحد كما تقول: هو أجمل الفتيان وأحسنه وأكرم بنيه وأنبله، ولا بد من هذا لأنه لا يخلو الفعل من مضمر مرفوع أو مظهر مرفوع من الأسماء، كأنك قلت إذا قلت: ضربني من ثم، وضربت قومك وترك ذلك أجود وأحسن للبيان الذي يجيء بعده فأضمر " من" لذلك، وهو رديء في القياس، يدخل فيه أن تقول: أصحابه جلس، تضمر شيئا يكون في اللفظ واحداً فقولهم: " هو أجمل الفتيان وأنبله" لا يقاس عليه، ألا ترى أنك لو قلت، وأنت تريد الجماعة: هذا غلام القول وصاحبه لم يحسن" انتهى كلام س. وفيه أنه أجاز لك، وهو قبيح وأنه رديء في القياس، وإنما أجازه على قبحه ورداءته في مكان خاص، وهو باب الإعمال إذا قد سمع نظيره في قوله: تعفق بالأرطى لها وأرادها... رجال.................... ولا يلزم من إجازته في هذا الباب أن يجيز ذلك في غيره، ألا ترى أنه منع" هذا غلام القول وصاحبه" قياساً على" هو أجمل الفتيان وأنبله" وظاهر كلام المصنف إجازة ذلك على قلة.
وقوله: أو لسد واحد مسدهم حمل المصنف على هذا قول العرب: " هو أحسن الفتيان وأجمله" وهذا الذي ذهب إليه المصنف من أن جواز ذلك هو لسد واحد مسد الجمع هو مذهب الفارسي، زعم أبو علي أنه إنما

أفرد الضمير لأنهم تارة يقولون: " هو أحسن فتى" فيفردون، وتارة يقولون " هو أحسن الفتيان" فيجمعون فتوهموا ذلك في حالة الجمع، فأفردوه رعياً لكثرة ما يقولونه بالمفرد.
والذي يدل عليه كلام س أنه إنما أفرد كما أفرد في " ضربني وضربت قومك" وهو على معنى " من ثم" فكأنه قيل: هو أحسن الفتيان وأمل من ذكر.
قال أصحابنا/: والصحيح أن الإفراد في هذا إنما هو على معنى: من ذكر والذي يدل/ على ذلك السماع، ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم: " خير النساء صوالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده، فلو كان إفراد الضمير في هذا لأجل أن المفرد يقع موقع الجمع فيه لقال: " أحناها" لأن المفرد الذي يقع هنا إنما كان يكون " خير امرأة " فكونه قال: " أحناه" دليل على أن المراد: " أحنى من ذكر" لا ما قاله الفارسي.
وقول المصنف في الشرح: ومثل هذا قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾.
إلى آخر كلامه، فليس مثله لأنه فرق بين جمع التكسير العاقل وجمع التكسير لغير العاقل، ويأتي حكم جمع التكسير لغير العاقل قريباً إن شاء الله.
وقوله: ويعامل بذلك ضمير الاثنين وضمير الإناث أفعل التفضيل كثيراً أي يفرد.
مثال ذلك في ضمير الاثنين ما أنشده المصنف:

ومية أحسن الثقلين جيدا... وسالفة وأحسنه قذالا وقال آخر: شر يوميها وأغواه لها... ركبت عنز بحدج جملا وهذا لا دليل فيه على ما ذكر لأنه قال: " ضمير الاثنين بعد أفعل التفضيل كثيرا" ولا يدل البيتان على ما ادعاه من أن المثنى يعود عليه الضمير مفرداً كثيرا على الإطلاق.
لأن هذا المثنى الواقع في البيتين ليس معناه على التثنية، لأن معنى" أحسن الثقلين" جمع، إذا معناه الخلائق.
وكذلك "شر يوميها" يريد: أيامها، لا يريد حقيقة يومين اثنين، فهو من المثنى الذي يراد به الجمع، لا يراد به شفع الواحد فلا يجوز: هذا أحسن ولديك وأنبله، إّ قد منع س القياس على قولهم: هو أحسن الفتيان وأجمله فالقياس على ما ورد من ذلك مثنى ويراد به الجمع أولى بالمنع، فكيف يقاس عليه المثنى الذي يشفع الواحد؟ وقال صاحب الإفصاح: " وإنما جاء فيه لأن الثقلين جميع الجن والأنس، فهو جمع فيعيدون الضمير على معنى الجمع مع قلة هذا والمنع من القياس عليه" انتهى.

جارٍ التحميل