التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 87-126

أحقاً أن جيرتنا استقلوا... فنيتنا ونيتهم فريق تقديره عند س:" أفي حق أن جيرتنا استقلوا فـ (أما) المفتوح بعدها (أن) كذلك".
قال المصنف في الشرح:" ويحتمل عندي أن يكونوا نصبوا حقاً نصب المصدر الواقع بدلاً من اللفظ بفعله, و (أن) في موضع رفع على الفاعلية, كأنه قال: أحق حقاً أن جيرتنا استقلوا وتكون (أما) مع الفتح للاستفتاح أيضاً, وما بعدها مبتدأ خبره محذوف كأنه قال: أما معلوم أنك ذاهب.
وقد يقع بين (أما) و (أن) يمين فيجوز أيضاً الفتح على مرادفه (أما) (حقا) والكسر على مرادفتها (ألا) ذكر ذلك س" انتهى كلامه.
وما ذهب إليه المصنف من جواز انتصاب (حقاً) نصب المصدر الواقع بدلاً من اللفظ بفعله, و (أن) في موضع رفع على الفاعلية لا يجوز لأنه ليس من المصادر التي يجوز نصبها على إضمار فعل, لأن ذلك إنما يكون إذا أريد به الأمر وما أشبهه, أو الاستفهام ويكون نكرة ولا يكون معرفة, وقد قالوا: ألحق أنك ذاهب؟ فدل على أنه منصوب على الظرف, وما بعده مبتدأ وكأنه قال: أفيما يحق هذا؟ وتكون ظرفاً مجازيا/ بمنزلة (كيف) لأن معناها في أية حال.
والدليل على أنه نصبه نصب الظرف قول الشاعر:

أفي حق مواساتي أخاكم... مالي, ثم يظلمني السري فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب على أنه أسقط منه حرف الجر, والعامل فيه (كائن) فيكون أولى من جعل ما ليس بظرف ظرفاً فيكون المعنى: أكائن أو مستقر فيما يحق هذا؟ ثم أسقط الحرف, فصار: أحقاً أنك ذاهب؟ قلت: المعنى لا يعمل مضمراً ألا ترى أنا أبطلنا أن يكون (مثلهم) من قوله: ................................ وإذا ما مثلهم بشر حالاً, والعامل فيه الخبر المحذوف كأنه قال: في الوجود وإنما يعمل مضمراً ومظهراً الفعل.
ويجوز أن تقول: أحق أنك ذاهب بالرفع وهو جيد قوي وهو الوجه لأنه ليس فيه جعل ما ليس بظرف ظرفاً وارتفاعه على أنه الخبر لأن (أن) تتنزل منزلة أعرف المعارف.
وأما تجويز المصنف في "أما أنك ذاهب" فتح (أنك) أن تكون (أما) للاستفتاح وما بعدها بتقدير مبتدأ محذوف الخبر, كأنه قال: أما معلوم أنك ذاهب, فالشيء خالف فيه النحويين.
ويبطله أنه لو كان على ما ذهب إليه لصرحت العرب بهذا الخبر الذي قدره في موضع ما مع (أن).
وتقول: أما والله أنك ذاهب, بفتح (أن) وكسرها قال ابن هشام:" إذا كسرت جعلتها جواب القسم وإذا فتحت فقدره س: أعلم

والله أنك ذاهب وقدره الفراء وأبو العباس وجماعة: أحلف بالله على أنك ذاهب أي: على ذهابك" انتهى.
وقالت العرب: شد ما أنك ذاهب وعز ما أنك منطلق, فقيل: تركب الفعل مع (ما) وغلب الحرف كما في (إذ ما) ووضع موضع المصدر المنصوب على الظرف كأنك قلت: حقا أنك ذاهب فهي بمنزلة (أما) لكنها مفتوحة أبداً.
ويحتمل أمراً آخر وهو أن يغلب الفعل فيصير بمنزلة (حبذا) و (نعم) كأنك قلت: نعم العمل أنك ذاهب قاله في (البسيط) وفيه: " فإذا قلت (أما حقا فإنك ذاهب) صح الكسر لأنه من مواضع (إن) لأنه جواب الشرط, والفتح هنا ضعيف لأنك لم تضطر إلى الظرف كالأول" انتهى.
يعني بـ (الأول) أحقاً أنك منطلق.
وفي الشرح المنسوب لأبي الفضل الصفار ما ملخصه: الكسر هنا لا يجوز, ألا ترى أن (شد) و (عز) فعلان, فما بعدهما في موضع المعمول, و (ما) زائدة فالمعنى: عز ذهابك و (شق) و (شد) كذلك أي: شق لأنك الشيء إذا شد فقد شق.
ويجوز أن تكون (ما) تمييزاً, وضمن (شد) معنى المدح و"أنك ذاهب" خبر مبتدأ ولا يجوز أن يكون مبتدأ لأن (أن) لا يبتدئ ويظهر من [قول] الخليل أن "شد ما" بمنزلة "حقا" ركب الفعل مع الحرف, وانتصب ظرفاً والمعنى: عزيزاً ذهابك وشديداً, أي: فيما يشق/ لأنه شبهها بـ (لو) حين جعلها بمنزلة (لولا) في أنه يبتدئ بعدها وإن لم تكن بمنزلتها وذلك أن (لو) لا يليها إلا الفعل, و (لولا)

الامتناعية لا يليها إلا الاسم المبتدأ فأجروا (لو) مجرى (لولا) فيبتدئ بعدها, أي: لشبهها بـ (لولا) انتهى, وفيه بعض تلخيص.
وقوله وبعد (حتى) غير الابتدائية مقاله: عرفت أمورك حتى أنك فاضل فـ (حتى) تقدر بعدها مصدر, فإن كانت عاطفة كان في موضع نصب, وإن كانت جارة كان في موضع جر.
واحترز بقوله " غير الابتدائية " ومن أن تكون ابتدائية, نحو قولك: مرض حتى إنه لا يرجى.
وقوله وبعد (لا جرم) غالباً اختلف في "لا جرم": فذهب س إلى أنها بعل بمعنى (حق) قال س: "قال تعالى ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ﴾ و (جرم) عملت لأنها فعل, ومعناها: لقد حق أن لهم النار, ولقد استحق أن لهم النار.
وزعم الخليل أن (جرم) إنما تكون جواباً لما قبلها من الكلام, يقول الرجل: كان كذا وكذا, وفعلوا كذا وكذا, فتقول: لا جرم أنهم سيندمون أو سيكون كذا وكذا" انتهى كلام س. فـ (أن) بعد (جرم) في موضع الفاعل بها, والوقف على (لا) عند س, ولا يجوز أن توصل بـ (جرم) لأنها ليست نفي (جرم).
وذهب الفراء إلى أن _جرم) بمعنى كسب, قال: وركبت (لا) مع (جرم) وصارت بمنزلة "لا بد" و"لا محالة" والتركيب يحدث معه أمر لم يكن.
ولا يقف على (لا) لأنها جزء مما بعدها و (جرم) بمعنى كسب معروف في اللغة ومنه قول الشاعر:

جريمة ناهض في رأس نيق... ترى لعظام ما جمعت صليبا أي: أنها تكسب لفرخها الذي هو ناهض.
وزعم أن قوله: ........................ جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا على هذا المعنى, أي: كسبت لهم الغضب, قال: وليس قول من قال" حق لفزارة الغضب" بشيء, لأن (جرم) (حق) لم يثبت من لسان العرب, ولو كان "أن يغضبوا" فاعلاً بـ (جرم) لما أنث, فكان يكون (جرم) وتفسير المفسرين ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ﴾ بمعنى: حقاً أن لهم النار, لا يثبت أن (جرم) بمعنى حق, لأنهم فسروا المعنى.
قال بعض أصحابنا: هذا الذي قاله حسن جداً.
وأقول: لا يلزم ما قاله الفراء في "جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا" من أنه يلزم أن يقول (جرم) ولا يؤنث, لأنه يكون أنث على معنى الغضبة, كما قال الشاعر: ........................... وقد عذرتني في طلابكم العذر

أي: المعذرة.
(فزارة) في كلا القولين منصوب على إسقاط اللام.
وقال المصنف:" إذا وقعت (أن) بعد (لا جرم) فالمشهور الفتح, وبه قرأ القراء.
قال الفراء: (لا جرم) كلمة كثر استعمالهم إياهم حتى صارت بمنزلة (حقاً) وبذلك فسرها المفسرون, وأصلها من جرمت أي: كسبت/ وتقول العرب: لا جرم لآتينك, ولا جرم لقد أحسنت, فتراها بمنزلة اليمين" قال المصنف في الشرح:" ولإجرائهم إياهم مجرى اليمن حكي عن بعض العرب كسر (إن) بعدها" انتهى.
ولقلة تصفحه كلام س جهل مذهب س في "لا جرم" وكلام الخليل فيها, ولم يبين موضع (أن) بعد " لا جرم" وقد ذكرنا أن مذهب س أنها في موضع رفع على الفاعل.
وأما على مذهب الفراء فيظهر أن التقدير عنده: لا جرم من كذا كما تقول: لا بد أنك ذاهب, أي: من أنك ذاهب.
وقوله وقد تفتح عند الكوفيين بعد قسم ما لم توجد اللام قد تقدم لنا ذكر الخلاف (أن) بعد القسم في أوائل هذا الفصل.
وقال المصنف في الشرح:"ذكر ابن كيسان في نحو (والله إن زيداً قائم" بلا لام أن الكوفيين ويكسرون, والفتح عندهم أكثر.
وقال الزجاجي في جمله):وقد أجاز بعض النحويين فتحها بعد اليمين واختاره بعضهم على الكسر, والكسر أجود وأكثر في كلام العرب والفتح جائز قياساً) وهذه العبارة تقتضي أن يكون الفتح

مستعملًا في كلامهم استعمالاً أقل من استعمال الكسر.
ثم أشار إلى أن الفتح جائز قياساً.
وليس كما قال, فإن الفتح يتوقف على كون المحل مغنياً فيه المصدر عن العامل والمعمول, وجواب القسم ليس كذلك, والكسر كذلك يوجب لـ (إن) الواقعة فيه الكسر قياساً, ولذلك اجتمعت القراء على كسر ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ في أول الزخرف, و ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ في أول الدخان مع عدم اللام فإن ورد (أن) بالفتح في جواب قسم حكم بشذوذه وحمل على إرادة (على) وعلى ذلك يحمل قول الراجز: لتقعدن مقعد القصي... مني ذي القاذورة المقلي أو تحلفي بربك العلي... أني أبو ذيالك الصبي في رواية من رواه بالفتح كأنه قال: أو تحلفي على أني أبو ذيالك الصبي" وأغفل المصنف وقوع (أن) بعد (مذ) و (منذ) فنقول: اتفق النحويون على فتح (أن) بعدهما, فتقول: ما رأيته مذ أن الله خلقني واختلفوا في جواز الكسر بعدهما: فمنهم من صرح بإجازته, وهو مذهب الأخفش.
ومنهم من صرح بامتناعه ومنهم من صرح بجواز الفتح,

وسكت عن إجازة الكسر وامتناعه كـ (س) وابن السراج.
فحجة من أجاز الكسر أن (مذ) و (منذ) يجوز وقوع الجملة الاسمية والفعلية بعدهما نحو: ما رأيته مذ قام زيد, ومنذ زيد قائم, والموضع الصالح للجملتين تكسر فيه (إن).
وحجة مانع الكسر أن الجمل بعدهما تتقدر بمصدر والتقدير: منذ قيام زيد, ووضع الجملة موضع المصدر إنما جاء بعد أسماء الزمان أو (ذي) في قولهم:" اذهب بذي تسلم" أو (آية) في قولك: ائتني بآية يقوم زيد, ومن ذلك قوله: بآية الخال منها عند مفرقها... وقول ركبتها قض حين تثنيها ولا ينقاس فيما عدا ذلك, لا يجوز: بلغني يقوم زيد, ولا: عجبت من يقوم زيد, تريد: بلغني قيام زيد, ومن قيام زيد.
فلما كان وضع الجملة موضع المصدر غير منقاس إنما يتبع فيه السماع امتنع من جواز وضع (إن) واسمها وخبرها موضع المصدر لأنه لم يسمع وقوعها موقع المصدر في موضع.
قال ابن عصفور: والصحيح عندي أن ذلك جائز, لأن وضع الجملة موضع المصدر بعد أسماء الزمان قد صار مطرداً فجاز لذلك أن يقاس في (إن) وإن لم يسمع ذلك فيها قياساً على غيرها من الجمل الاسمية.

وفي دخول (مذ) و (منذ) على الجمل الاسمية خلاف: ذهب س إلى أنهما اسما زمان, فجازت إضافتها إلى الجمل كسائر أسماء الزمان.
وذهب الأخفش إلى أنه لا بد من تقدير اسم زمان محذوف لأن (مذ) و (منذ) لايدخلان إلا على أسماء الزمان ملفوظاً بها أو مقدراً.
والصحيح مذهب س من أنهما يضافان إلى الجمل تارة, ويدخلان على أسماء الزمان أخرى.
وسيأتي الاستدلال لذلك عند ذكر المصنف الكلام على (مذ) و (منذ) في " باب المفعول المسمى ظرفاً" إن شاء الله.
والعجب للأخفش أنه يجبز كشر (إن) بعد (مذ) و (منذ) مع اعتقاده أن اسم الزمان محذوف قبلها, وإذا قدر اسم زمان قبل (إن) انبغى أن تكون مفتوحة لأن اسم الزمان مضاف إليها, فهي في تقدير مفرد, فتفتح.
وأغفل المصنف أيضاً وقوع (إن) بعد (أما) إذا جاء بعدها ظرف أو مجرور, نحو: أما في الدار فإن زيداً قائم, والكسر على تقدير: فزيد قائم, ويتعلق المجرور بما في (أما) من معنى الفعل, والفتح بتقدير: فقيامك, والمجرور في موضع الخبر.
ويمكن اندراج هذه المسألة تحت قوله"وفاء الجواب" فلا يكون المصنف أغفلها لأن (أما) في معنى الشرط, لكن التنصيص عليها أولى لأن المصنف لم ينص عليها.

-[ص: فصل يجوز: دخول لام الابتداء بعد (إن) المكسورة على اسمها المفصول, وعلى خبرها المؤخر عن الاسم, وعلى معمولة مقدماً عليه بعد الاسم, وعلى الفصل المسمى عماداً.
وأول جزأي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما.
وربما دخلت على خبر (كان) الواقعة خبر (أن).]-

ش: قوله يجوز دخول لام الابتداء هذه اللام عند البصريين هي لام الابتداء في الأصل التي في قولك: لزيد/ أخوك وهي تؤكد الجملة, وأخرت لكونها للتأكيد و (إن) للتأكيد, فلو جعلوها في أول الكلام لأدى ذلك إلى الجمع بين حرفين لمعنى واحد, والعرب لا تجيء بشيء من ذلك في كلامها إلا في ضرورة نحو قوله: فلا والله لا يلفي لما بي... ولا للما بهم أبداً دواء فجمع بين اللامين, وهما بمعنى واحد وقول الآخر: فأصبحن لا يسألنني عن بما به... أصعد في غاوي الهوى أم تصوبا فجمع بين (عن) و (الباء) وهما لمعنى واحد بل إذا أرادوا تأكيد الحرفين فصلوا بينهما بما يدخل عليه الحرف, نحو: مررت بزيد به.

وربما فصلوا بينهما بأكثر من ذلك, ومنه ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
فلما تعذر جعلها أول الكلام لهذه العلة أخروها.
والدليل على أنها لام الابتداء في الأصل أنها تعلق العامل عن عمله كما تعلقه لام الابتداء في نحو: علمت إن زيداً لقائم, وكان حقها أن تدخل أول الكلام فأخرت لما تعذر ذلك فيها لما ذكرناه.
والدليل على ذلك أنك تقول: إن زيداً طعامك لآكل وإن في الدار زيداً لقائم فتقدم معمول الاسم الذي دخلت عليه اللام على اللام لأن اللام متقدمة في النية على ذلك المعمول, إذ لو كانت اللام واقعة في محلها لم يتقدم معمول ما بعدها عليها, ألا ترى أنك تقول: لمعطيك درهماً زيد, ولا يجوز: درهماً لمعطيك زيد, لأن اللام من حروف الصدر وقد وقعت موقعها فلو كانت لام (إن) واقعة موقعها لم يجز أن يتقدم عليها معمول ما بعدها عليها, كما لم يجز ذلك في اللام الداخلة على المبتدأ.
وقال الأخفش: وإنما بدأوا بـ (إن) لقوتها وقوتها أنها عاملة, واللام غير عاملة, فجعلوا الأقوى متقدماً في الفظ وأخروا اللام على معناها مبتدئة.
وقال ابن كيسان: التوكيد إنما هو لما بعد (إن) فجعلت اللام بعد ولم تجعل في الاسم- يعني المجاور لـ (إن) - لأنها إذا دخلت على أول الكلام قطعته عما قبله, فكان يبطل عمل (إن) فتكون (إن) غير عاملة في شيء.
وذهب الفراء إلى أن اللام للفرق بين الكلام الذي يكون جواباً وبين الكلام الذي يستأنف على غير جواب, فتقول: إن زيداً منطلق بغير

لام وتقول: إن زيداً لمنطلق ولا يكون إلا جواباً لكلام قد مضى وهو جواب جحد, وذهب معاذ بن مسلم الهراء - وتبعه أحمد بن يحي -إلى أن قولك" إن زيداً منطلق" جواب: ما زيد منطلقاً و"وإن زيداً لمنطلق" جواب: ما زيد بمنطلق فـ (إن) بإزاء (ما) واللام بإزاء الباء.
وذهب هشام وأبو عبد الله الطوال إلى أن اللام جواب للقسم, واليمين قبل (إن) مضمرة.
وحكي هذا أيضاً عن الفراء.
وقال المصنف في الشرح:" لام الابتداء هي المصاحبة للمبتدأ توكيداً نحو: لزيد منطلق وهي غير المصاحبة جواب القسم لدخولها على المقسم به في لعمرك وليمين الله, والمقسم به لا يكون جواب قسم, ولا استغنائها عن نون التوكيد في نحو ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ والمصاحبة جواب القسم لا تستغني في مثل (ليحكم) عن نون التوكيد إلا قليلاً في الشعر.
ولما كان مصحوب اللام في الأصل المبتدأ وكان معنى الابتداء باقياً مع دخول (إن) اختصت بدخولها معها لذلك, ولتساويهما في التوكيد حسن اجتماع توكيدين بحرفين كما حسن اجتماعهما باسمين في نحو ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ موضعها في الأصل قبل (إن) لأنها تعلق أفعال القلوب وهي أقوى عملاً من (إن) فلو أخرت ولم ينو تقديمها لعلقت (إن) وإلا لزم ترجيحها على أفعال

القلوب وأزيلت لفظا عن موضعها الأصلي كراهية لتقديم مؤكدين مع أن حق المؤكد أن يؤخر عن المؤكد " انتهى كلامه, وفيه بعض مناقشة: من ذلك في قوله" وهي غير المصاحبة جواب القسم".
وهذا غير مسلم, بل اللام المتلقي بها القسم إما أن تكون داخلة على المبتدأ والخبر أو على الفعل فإن كانت داخلة على المبتدأ والخبر فهي لام الابتداء نحو: والله لزيد قائم, ولا يمنع دخولها على المقسم به في (لعمرك) و (ليمن الله) أن تدخل على جواب القسم.
وإن دخلت على الفعل, نحو: والله لقام زيد, والله ليقومن بكر, فليست لام الابتداء ومن ذلك قوله" وهي- أي اللام- أقوى عملاً من إن" وليس للام عمل في شيء البتة وإصلاحه: وهي أقوى تأكيداً من (أن) لأنها تعلق أفعال القلوب و (إن) إذا لم تكن معها اللام تكون مفتوحة لأجل فعل القلب قبلها.
وقوله على اسمها المفصول (المفصول) يشمل الفصل بالخبر, نحو ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً﴾ أو بمعمول الخبر, نحو: إن فيك لزيداً راغب أو بمعمول الاسم نحو: إن في الدار لساكن زيد.
فأما الأولى فلا خلاف فيها, وأما الثانية ففيها خلاف, وأصحابنا لا يجيزون ذلك بناء منهم على أن المسألة قبل دخول اللام لا تجوز, وأما الثالثة ففيها نظر, والذي يقتضيه القياس المنع لأن فيه إعمال ما بعد اللام فيما قبلها ويمكن القياس على: إن زيداً طعامك لآكل فكما جاز تقديم ما بعد اللام التي في الخبر على الخبر كذلك يجوز تقديم ما بعد اللام في الاسم على معموله.
ودخولها على الاسم مشروط بالفصل.

/ وحكى الكسائي عن العرب دخولها على الاسم غير مفصول بشيء حكي عن العرب: خرجت فإذا إن لغراباً وهذا شاذ وينبغي أن يتأول على أن ثم فصلاً محذوفاً وهو خبر (إن) تقديره: خرجت فإذا إن بالمكان لغراباً.
وقوله وعلى خبرها المؤخر عن الاسم مثاله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾ وفي بعض النسخ" وعلى خبرها المثبت".
وقال في الشرح: " بينت أن اتصالها بالخبر مشروط بكونه مثبتا" ولا يحتاج إلى هذه الزيادة-أعني المثبت- لأنه سيذكر في هذا الفصل أنها لا تدخل على حرف نفي إلا في ندور, فيتقيد هذا بـ (المثبت) وسيأتي الكلام على الخبر إذا كان مصدراً بأداة نفي إن شاء الله.
وشرط التأخير عن الاسم لأنه لو تقدم الخبر على الاسم لم يجز دخول اللام عليه, ولو قلت: إن لعندك زيداً وإن زيدا وإن غدا لعندنا زيداً لم يجز.
وأطلق المصنف في قوله" وعلى خبرها المؤخر عن الاسم" فدخل فيه الاسم المفرد والظرف والمجرور والمضارع والجملة الاسمية.
فدخلت على الاسم المفرد لأنه هو اسم (إن) في المعنى وعلى الظرف والمجرور لأنهما قائمان مقام (كائن) أو (مستقر) وهو اسم (إن) في المعنى, وعلى المضارع لأنه مشابه لاسم الفاعل الذي هو اسم (إن) في المعنى, وعلى الجملة الاسمية غير المنفية لأن اللام إذ ذاك تكون داخلة في اللفظ على المبتدأ الذي حقها أن تدخل عليه.
هكذا عللوا هذه الأشياء.
ثم قيد بعد ذلك أشياء من الخبر لا تدخل عليها, يأتي ذكرها إن شاء الله قال المصنف و"ولم أقيد تأخير بقرب ليعلم أبعده لا يضر كقول الشاعر:

وإنِّي على أن قد تجشمت هجرها... لما ضمنتني أم سكنٍ لضامن وكقول الآخر: وإن امرأً أمسى ودون حبيبه... سواس فوادي الرس فالهميان لمعترف بالنأي بعد اقترابه... ومعذورة عيناه بالهملان ويعمل ما بعد اللام فيما قبله، نحو قوله تعالى ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، وقال طرفة: وإن لسان المرء ما لم يكن له... حصاة على عوراته لدليل " انتهى.
فرع: أن بك كفيلين لأخواك.
أجاز ذلك الكسائي، ومنعه الفراء لأن الاسم مرفوع بالفعل، فلا يحول بينهما باللام، وأجاز ذلك البصريون على أن (أخويك) خبر (إن).
فرع: أجاز الفراء الجمع بين لامي توكيد وأن / تقول: إن زيداً للقد قام، وأنشد:

ولئن قوم أصابوا عزةً... وأصبنا من زمانٍ رفقا للقد كانوا لدى أزماننا... بصنيعين لبأسٍ وتقي وهذا خطأ عند البصريين، والرواية: فلقد.
وقوله وعلى معموله مقدماً عليه بعد الاسم قال المصنف: "قيدت دخولها على معمول الخبر بكونه مؤخراً عن الاسم مقدماً على الخبر لأن المعمول كجزء من العامل، فإذا قدم كان كالجزء الأول، فإذا أخر كان كالجزء الآخر، فلذلك جاز: إن زيداً لطعامك آكل، وامتنع: إن زيداً آكل لطعامك.
ومثال (إن زيداً لطعامك آكل) ما أنشد الكسائي: ولقد علمت فما أخاك سواء... إن الفتي لحتفه مرصود وقول الآخر: إن امرأً خصني عمداً مودته... على التنائي لعندي غير مكفور" انتهى.
قال الأستاذ أبو علي: أتى س بالبيت شاهداً على: إن زيداً لفيها قائم، والعامل في (عندي) ما في "غير مكفور" كله من معنى الفعل، كأنه قال: معتمد عندي، ولا يكون العامل فيه (مكفور) وحده لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، ولا يصح تقديم العامل هنا لأنه مضاف إليه، وهو لا يتقدم على المضاف.
وحمله قوم على أن ما بعد المضاف عمل فيما قبله لأنه في تقدير

(لا)، كما تقول - في زعمهم - أنا زيداً غير ضارب؛ لأنه في تأويل: لا ضارب.
ولا يصح ذلك في (مثل) إذا قلت "مثل ضارب" لأنها ليست في تقديره، فقالوا: هذا البيت على ذلك.
وقال ابن عصفور: قيل: وهذا إنما يجوز في الظرف والمجرور، كقوله: ............................ بضرب الطلي والهام حق عليم أي: عليم حقاً، فما كان من المضافات بتقدير المفرد جاز فيه ذلك إذا كان المعمول ظرفاً أو مجروراً، فإن كان مفعولاً صريحاً لم يجز.
وقال الأستاذ أبو علي: "وهذا كسر للباب المطرد، وإذا أبقيناه على أصله كان أحسن، فنقول: العامل في الظرف معنى قوله (غير مكفور) أي: معتمد، وهذا معنى صحيح، وأما مثالهم فلا يصح على هذا لأن المعنى لا يعمل في المفعول الصريح" انتهى.
وقال ابن الدهان: التقدير فيه: لعندي مشكور؛ لأن ما بعد المضاف لا يعمل فيما قبله وإن كان قد أجيز في (غير).
قال الزجاج: أنا أجيز: أنا زيداً ضارب، ولا أجيز: أنا زيداً مثل ضارب / لأنه يقدر غيراً بـ (لا)، ويقدر مثلاً بالكاف.

وينبغي أن يتوقف في دخولها على المفعول به المتقدم على عامله الخبر، ولا يقاس على تقدم الظرف والجار والمجرور لأنه يتسمح فيهما مالا يتسمح في غيرهما، فلا يقال "إن زيداً لطعامك آكل" حتى يسمع نظيره من لسان العرب.
وظاهر كلام المصنف وكلام غيره إطلاق معمول خبر ما يجوز دخول اللام عليه.
وهذا الإطلاق ليس بصحيح لأن معمول الخبر إذا كان حالاً لم تدخل اللام عليه، نحو: إن زيداً لضاحكاً مقبل، فلا يجوز هذا، ولم يسمع من لسانهم، ونص الأئمة على منعه.
ويشمل معمول الخبر أن يكون مفعولاً به، وظرفاً، ومجروراً، وحالاً، ومصدراً، ومفعولاً من أجله، وفي بعض هذه الأشياء خلاف، ونحن نذكر ذلك: أما الحال فقد ذكرنا حكمها، وأنها لا يجوز دخول اللام عليها وإن كان القياس يقتضيه، قال أبو بكر: لا يدخلون هذه اللام على الحال، ولا على صفة، ولا تأكيد، ولا بدل.
وقال ابن ولآد: سألت أبا إسحاق: هل يجوز: إن زيداً في الدار لحاضراً قائم، فتدخل هذه اللام في الحال، وتقدم كما قدمت الظرف وهو ملغى؟ فسكت، ولم يجب.
قال ابن ولآد: والجواب فيها أن اللام لا تدخل في الحال تقدمت أو تأخرت لأن الحال لا تكون خبراً وهي حال، كالظرف يكون خبراً وهو ظرف.
وهذا الذي قاله ابن ولآد لا يتوجه على قول من قال في "ضربي زيداً قائماً" إنها حال سدت مسد الخبر كالظرف، وهو أيضاً معترض بالمفعول، وهو "إن زيداً لطعامك آكل"، فقد دخلت على الفضلة لما توسطت، ويمكن أن هذا هو الذي أسكت أبا إسحاق؛ ألا ترى أن المفعول به لا يكون خبراً، والقياس هنا على المفعول به ممكن لأنها

بمنزلته وبمنزلة الظرف أيضاً، إلا أنه لم يسمع، والله أعلم، وقد منعه الأئمة.
انتهى من الإفصاح.
وفي (البسيط): "وأما دخول اللام على الحال من الخبر ففيه خلاف، فمن راعى أنه فضلة كالظرف أجاز، ومن راعى أنه لا يكون خبراً بخلاف الظرف لم يجز، وينبغي ألا يجوز [في] المفعول " انتهى.
وقال ابن خروف: وأما إن عندي لفي الدار زيداً، وإن عندي لقائماً صاحبك، فقياسه أن يجوز لتعلق الظرف والحال بما قبل الاسم، وأما "إن زيداً قائماً في الدار" فلا سبيل إليه لا باللام ولا بسقوطها لتقدم الحال على العامل، وهو معنى.
وأما إذا كان الحرف وما دخل عليه علة للفعل، نحو: أن زيداً كي يقوم معترض، وإن زيداً ألا تغضب يأتيك، فأجاز دخول اللام على (كي) وعلى (أن) البصريون، ومنع ذلك/ الفراء.
وفي (الغرة): "ذكروا أن هذا اللام لا تدخل على النواصب ولا الجوازم، وإنما تدخل على الحروف الملغاة فمنعوا من قولهم: إن زيداً لكي تقوم يعطيك، وأجازوا: إن زيداً كي تقوم ليعطيك، ولو تعرض لهذا بصري لأجاز هذه المسألة على قول من قال: كيمه؟ كما تقول: إن زيداً لفي الدار قائم، وتقول: إن زيداً لما لينطلقن، الأولى لـ (إن)، والثانية للقسم، وزيدت (ما) فيه فاصلة" انتهى.
وأما إذا كان الظرف (مذ) في نحو "إن عبد الله مذ يومان غائب" فمنع ذلك الفراء، قال: لأن الفعل ليس بواقع على (مذ).
ولا يجيز: إن عبد الله لمذ يومان غائب.
وقال الكسائي: إذا كان الفعل آخذاً للوقت الذي بعد (مذ) كله.

أدخلتُ اللام في (مذ) وفي الفعل الذي بعدها، فأقول: إن عبد الله لمذ يومان سائر؛ لأنه يسير اليومين، ولا أقول: إن عبد الله لمذ يومان غائب؛ لأني أقول: هو مذ يومان يسير، ولا أقول: هو مذ يومان يغيب.
قال الفراء: يلزمه أن يقول: إن عبد الله لحتى القيامة أخوك، ولا يقول: إن عبد الله لحتى القيامة مسيء لأن الأخوة تتصل به وهو ميت، ولا تتصل به الإساءة.
وقال الفراء أيضاً: قبيح أن تقول: إن عبد الله لليوم خارج، اليوم وقت، والفعل ليس بواقع على المواقيت كوقوعه على الأسماء لأنها في تأويل الجزاء، فلذلك قبح، وهو جائز.
ولا يجيز الفراء إدخال اللام على (حتى) ولا (مذ) ولا (إلى)، لا يجيز: إن سيرك لحتى الليل، ولا: لإلى الليل.
وأجاز ذلك هشام والبصريون.
وأجاز س والبصريون: إن زيداً لفيها قائم، جعل (فيها) ملغاة.
ومنعه الكوفيون، قالوا: لأن (فيها) لو كانت لغواً لم تؤكد.
واحتج س بقول العرب: إن زيداً لبك مأخوذ.
وأما إذا كان المعمول مصدراً أو مفعولاً من أجله صراحاً، نحو: إن زيداً لقياماً قائم، وإن زيداً لأحسانا يزورك، فهو يندرج في عموم قولهم إنها تدخل على معمول الخبر.
وفي (البسيط): "وتدخل على الخبر وفضلته، نحو: إنَّ زيداً لفي

الدار لقائم، ولا يجوز عند الكوفيين، وأجازه الزجاج، ولا تدخل على غيرهما" انتهى.
وينبغي أن يتوقف في دخولها على المصدر والمفعول من أجله، ولا يقدم على جواز ذلك إلا بسماع.
وإذا تأخر معمول الخبر، وأدخلت اللام على الخبر، لم يجز دخول اللام على المفعول، نحو: إن زيداّ لقائم في الدار.
وأجاز ذلك الزجاج، وأجاز: أن زيداً لقائم لفي الدار.
ومنع ذلك المبرد.
وهو الصحيح لأن ذلك لم يسمع، ولمنعه وجه من القياس، وذلك أنك إذا كررت اللام فقد وكدتها وإن كان المقصود بهما توكيد الخبر، والعرب لا تؤكد الحرف إلا بما يدخل عليه، أو بضميره، نحو: / مررت بزيد، أو به، وهنا ليس كذلك.
وإذا أجاز الزجاج ذلك قياساً على قوله: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ اعتقد أن اللامين جواب القسم، وليس كذلك لأن الأولى هي لام (إن)، والثانية لام جواب القسم المحذوف.
فرع: زعم الفراء أنه لا يجوز: إن زيداً لأظن قائم، ولا: إن زيداً لغير شك قائم، وإن زيداً لئن شاء الله قائم.

وقال ابن كيسان: لأنه كلام يعترض به من إخبارك عن نفسك كيف وصفت الخبر عن زيد شكاً كان عندك أو يقيناً، والتوكيد إنما هو لخبر زيد لا لخبرك عن نفسك لأن (إن) لا تتعلق بخبرك عن نفسك، وهي متجاوزة إلى الخبر.
وقوله وعلى الفصل المسمى عماداً مثاله قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾.
قال المصنف: "وجاز أن تدخل عليه لأنه مقو للخبر، فرفعه يوهم السامع كون الخبر تابعاً، فنزل منزلة الجزء الأول من الخبر، فحسن دخولها عليه لذلك، ومع ذلك لا يتعين لإمكان جعله مبتدأ".
وقال ابن عصفور: "تدخل على الفصل لأنه هو اسمها في المعنى".
وقوله وأول جزأي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما مثال دخولها على أول تلك الجملة قوله تعالى: ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾، وقول الشاعر: إن الكريم لمن ترجوه ذو جدةٍ... ولو تعذر أيسار وتنويل ومثال دخولها على ثانيهما قول الشاعر:

فإنك من حاربته لمحارب... شقي، ومن سالمته لسعيد ومثله: إن الألي وصفوا قومي لهم فأصخ... وعذبهم تلق من عاداك مخذولا قال المصنف في الشرح: "وقدا شذ دخولها على ثاني جزأي الجملة الاسمية".
وهذا يخالف ظاهر قوله في الفص "أولى من ثانيهما" لأن الأولوية تشعر بالجواز إشعاراً حسناً دون شذوذ.
وحكي أبو الحسن: أن زيداً وجهه لحسن.
قال في (البسيط): وهو شاذ.
وإنما كان صدر الجملة الاسمية أولى والقياس لأنها كصدر الجملة الفعلية، ومحل اللام من الفعلية صدرها، فكذلك من الجملة الاسمية.
وفي (البسيط): أما دخولها على فضلة خبر المبتدأ إذا تقدم، أو الخبر إذا تقدم، نحو: إن زيداً لآتيه أبوه، أما الأول فجائز لأنه صار في مرتبة المبتدأ كما كان في حالة الابتداء، نحو: لطعامك زيد آكل، وأما الثاني فلكونه نفس الخبر، وهو ممنوع / فيه.
وهل يصح أن تدخل على التأكيد، نحو: إن زيداً لنفسه قائم؟ لم يتعرض له، وفيه نظر.
وقوله وربما دخلت على خبر (كان) الواقعة خبر (إن) مثاله ما ثبت في بعض نسخ البخاري من قول أم حبيبة رضي الله عنها: "إني كنت عن هذا لغنية"، قاله المصنف.
وهذا من استدلال المصنف بما نقل في

الآثار، وقد أطلْنا الكلام معه في الاستدلال بذلك في كتابنا (التكميل)، فيوقف عليه هناك.

-[ص: ولا تدخل على أداة شرط، ولا على فعلٍ ماضٍ متصرفٍ حالٍ من (قد)، ولا على معموله المتقدم، خلافاً للأخفش، ولا على حرف نفي إلا في ندور، ولا على جواب الشرط، خلافاً لابن الأنباري، ولا على واو المصاحبة المغنية عن الخبر، خلافاً للكسائي.
وقد يليها حرف التنفيس، خلافاً للكوفيين، وأجازوا دخولها بعد (لكن)، ولا حجة فيما أوردوه لشذوذه وإمكان الزيادة، كما زيدت مع الخبر مجرداً أو معمولاً لأمسى، أو زال، أو رأى، أو أن، أو ما.
وربما زيدت بعد (إن) قبل الخبر المؤكد بها، وقبل همزتها مبدلة هاءً مع تأكيد الخبر أو تجريده.
فإن صحبت بعد (إن) نون توكيد أو ماضياً متصرفاً عارياً من (قد) نوى قسم، وامتنع الكسر.]-

ش: إذا كان الخبر جملة شرطية لم يجز دخول اللام على الأداة، لا يجوز أن تقول: إن زيداً لئن يكرمني أكرمه، ولا: إن هند لمن يكرمها تكرمه، نص على منعه أصحابنا والفراء والكسائي؛ لأن الخبر إذ ذاك ليس هو المبتدأ ولا مشبهاً لما هو المبتدأ في المعنى.
وقال المصنف في الشرح: "المانع من دخولها على أداة الشرط خوف التباسها بالموطئة للقسم، لأنها تصحب أداة الشرط كثيراً، نحو ﴿لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فلو لحقت لام الابتداء أداة الشرط لذهب الوهم إلى أنها الموطئة، وحق المؤكد ألا يلتبس بغير مؤكد" انتهى.

وكذلك لو اعترض الشرط بين اسم (إن) وخبرها، نحو: إن زيدًا- لئن أتاك أو لئن يأتك- محسن، لا يجوز دخول اللام على الشرط، نص عليه الفراء.
وقوله ولا على فعل ماٍض متصرٍف خاٍل من (قد) احترز بقوله (متصرف) من الجامد، وبقوله: "خال من قد "من المصحوب بها، فإنه إن كان الفعل مصحوبًا بـ (قد)، أو غير متصرف، دخلت عليه اللام، نحو: إن زيدًا لقد قام، وإن زيدًا لنعم الرجل.
قال المصنف في الشرح: "ولا تدخل هذه اللام على فعل ماض إلا أن كان مقرونًا بـ (قد)، أو كان غير متصرف، وذلك لأنها في الأصل للاسم، فدخلت على الفعل المضارع لشبهه به، ولم تدخل على الماضي لعدم الشبه، فإن قرن بـ (قد) قربته من/ الحال، فأشبه المضارع، فجاز أن تدخل عليه، نحو: إنك لقد قمت.
وإن كان الماضي غير متصرف كـ (نعم) جاز أن تلحقه لأنه يفيد الإنشاء، والإنشاء يستلزم الحضور، فيحصل بذلك شبه المضارع، فجاز أن يقال: إن زيدًا لنعم الرجل "انتهى كلامه.
وقال ابن عصفور: "إذا كان ماضيًا غير متصرف أشبه الإسم في عدم تصرفه، فدخلت عليه، أو متصرفًا لم يجز دخول اللام عليه إذا لم تدخل عليه (قد)، فإن دخلت عليه (قد) جاز دخولها عليه لأنها تقربه من الحال، فأجري في دخول اللام عليه مجرى الحال "انتهى كلامه.
وهكذا أورد هذان الشيخان حكم الماضي في جواز دخولها عليه ومنعه، ولم يذكروا في ذلك خلافًا، وفي كلتا المسألتين خلاف:

أما إذا كان ماضيًا متصرفًا غير مصحوب بـ (قد) فذهب س والفراء إلى أنه لا يجوز أن تدخل اللام عليه، فلا يقال: إن زيدًا لقام.
وأجاز ذلك الكسائي وهشام على إضمار (قد).
قالوا: وحجة س في منعه أن حكم اللام أن تكون في أول الكلام، فلما أخرت وجب ألا تقع إلا على الاسم كما أن أول الكلام للأسماء، فوقعت على المضارع.
وحجة الفراء أن (قام) فعل منقطع، ومعنى: إن عبد الله ليصوم ويصلي: إنه ليديم الصلاة والصوم، وليس هذا في الماضي.
وأجاز أبو إسحاق: إن زيدًا لقام، على أنها لام قسم.
وذهب خطاب بن يوسف الماردي صاحب كتاب (الترشيح) إلى أن هذه اللام لا تدخل على الفعل الماضي سواء أكان مصحوبًا بـ (قد) أو غير مصحوب بها، وأنه إذا وجد في كلامهم: إن زيدًا لقام، أو: إن زيدًا لقد قام، فإن هذه اللام لام القسم لا لام الابتداء.
وعلل المنع بأن الفعل الماضي ليس له معنى اسم الفاعل.
قال: وهذا مما يضرب عنه لدقته.
والنحويون كالمجمعين على أن قولك "إن زيدًا لقد قام "اللام فيه هي اللام التي تصحب الخبر لا لام القسم إلا ما ذهب إليه خطاب.
وفي (الغرة): منع الكوفي والبصري من قولهم: إن زيدًا لقام، على أن تكون لام الابتداء لبعد الماضي عن التعرب.
وأما إذا كان الفعل جامدًا، نحو نعم وبئس وعسى فذهب س إلى أنه لا يجوز دخول اللام عليه، فلا يجوز: إن زيدًا لنعم الرجل، ولا: إن زيدًا لعسى أن يقوم.

وذهب الأخفش والفراء إلى إجازة: إن زيد لنعم الرجل.
وحجة الأخفش أن (نعم) لا يتصرف، فأشبه الأسماء.
وحجة الفراء أن (نعم) في مذهبه اسم.
قال الفراء: تقول: إن نعم رجلاً زيد.
وهذا لا يجوز عند البصريين ولا عند غير الفراء من الكوفيين إلا أن تأتي بالهاء.
قال الفراء:/ ويجوز أن تقول: إن عبد الله لعسى أن يقوم.
لأن (عسى) بمنزلة يعسي؛ ألا ترى أنها تطلب المستقبل، فلذلك لم ينطق العرب منها بـ (يفعل) إذ كان فعل منها ويفعل بمعنى واحد.
وحكي أحمد بن يحيي أن الكسائي حكي: أعس بأن يفعل، وبالعسي أن يفعل.
والمنقول عن الكوفيين جواز دخول هذه اللام على الفعل الجامد، وهو قول كثير من أصحابنا.
وممن نص على أن مذهب س منع ذلك أبو جعفر الصفار وأبو محمد بن السيد.
وينبغي أن يرجع عند الاختلاف إلى السماع، فإن وجد في كلامهم: إن زيدًا لنعم الرجل، ولعسى أن يقوم، قلناه، وإلا فلا.
وفي كتاب أبي

الفضل الصفار أن الأخفش حكي: إن زيدًا لنعم الرجل، ولبئس الرجل.
قال: "لأن هذا غير متصرف، فأشبه الاسم ". وينبغي أن يتثبت فيما حكاه عن الأخفش حتى يصح السماع من العرب.
وقوله ولا على معموله المتقدم أي: معمول الفعل الماضي المتصرف الخالي من (قد)، مثال ذلك: إن زيدًا لطعامك أكل، لا يجوز ذلك، خلافًا للأخفش والفراء، فإنهما يجيزان ذلك.
والصحيح المنع لأن دخول اللام على معمول الخبر فرع عن دخولها على الخبر، فلو دخلت على معموله مع أنها لا تدخل عليه لزم من ذلك ترجيح الفرع على الأصل.
وقوله ولا على حرف نفي إلا في ندور قال المصنف في الشرح: "لو كان الخبر منفيًا لم يجز اتصالها به لأن أكثر النفي بما أوله لام، فكره دخول لام على لام، ثم جرى النفي على سنن واحد، فلم يؤكد بلام خبر منفي "انتهى.
ونقول: أصل هذه اللام أن تدخل على الاسم المبتدأ، وإذا كان الاسم المبتدأ قد دخل عليه حرف النفي لم تدخل هذه اللام عليه ولا (إن) أيضًا، فإذا قلت: ما زيد منطلق، أو: لا رجل في الدار ولا امرأة، فلا يجوز أن تدخل لام الابتداء على هذا المبتدأ، فكذلك إذا كان الخبر منفيًا لا تدخل عليه هذه اللام.
وقوله إلا في ندور إشارة إلى ما أنشده أبو الفتح:

وأعلم إن تسليمًا وتركًا... للا متشابهان ولا سواء قيل: شبه (لا) بـ (غير).
وقوله ولا على جواب الشرط، خلافًا لإبن الأنباري قال المصنف في الشرح: "لما كان الجواب غير صالح للتوطئة أجاز ابن الأنباري أن تلحقه لام الابتداء، إلا أن ذلك غير مستعمل، فالأجود ألا يحكم بجوازه " انتهى.
فقوله (والأجود) عبارة غير جيدة، وإنما ينبغي أن يقول "فلا يحكم بجوازه "لأن العرب إذا لم تدخل عليه اللام فلا ندخلها نحن.
ومثال دخولها على الجواب: إن زيدًا من يأته ليحسن إليه.
ونص الكسائي والفراء على منع ذلك.
وقوله ولا على واو/ المصاحبة المغنية عن الخبر، خلافًا للكسائي مثاله: إن كل ثوب لو ثمنه، وإن كل ثوب لو قيمته.
وهذا خطأ عند البصريين.
وقوله وقد يليها حرف التنفيس، خلافًا للكوفيين أجاز البصريون: إن زيدًا لسوف يقوم، ولم يجزه الكوفيون، وهو غلط قبيح عند البصريين لأن هذه قد دخلت على (سوف) للتوكيد في قوله تعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾.
وقال بعض أصحابنا: وأما السين فامتنعت العرب من إدخال اللام

عليها وإن كانت كحرف من حروف الفعل، ولذلك لا يفصل بينها وبين الفعل كراهية توالي الحركات في لسيتدحرج مضارع تدحرج، ثم حمل على ذلك ما لا تتوالى فيه الحركات.
وقوله وأجازوا دخولها بعد (لكن)، ولا حجة فيما أوردوه لشذوذه وإمكان الزيادة نقل المصنف وابن عصفور أن الكوفيين أجازوا دخول اللام بعد (لكن)، قال المصنف: "اعتبارًا ببقاء معنى الابتداء معها كما بقي مع إن، واحتجاجًا بقول العرب: ................................... ولكنني من حبها لعميد ولا حجة لهم في ذلك، أما الأول فلأن اللام لم تدخل بعد (إن) لبقاء معنى الابتداء فحسب، بل لأنها مثلها في التوكيد، و (لكن) بخلاف ذلك.
ولأن معنى الابتداء مع (لكن) لم يبق، فإنه مفتقر إلى كلام قبله، فأشبهت (أن) المفتوحة المجمع على امتناع دخول اللام بعدها، واللام تقطع عن كل سابق، حتى إنها تعلق الأفعال القوية.
وأما: ................................... ولكنني من حبها لعميد فلا حجة فيه لشذوذ إذ لا يعلم له تتمة ولا قائل ولا راو عدل يقول: سمعته ممن يوثق بعربيته، والاستدلال بما هو هكذا في غاية الضعف، ولو صح إسناده إلى من يوثق بعربيته لوجه بجعل أصله: ولكن

إنني، ثم حذفت همزة (إن) ونون (لكن)، وجيء باللام في الخبر لأنه خبر (إن)، أو حمل على ان لامه زائدة "انتهى كلامه.
وقال أبو جعفر النحاس: "واعلم أن اللام لا تدخل على شيء من أخوات (إن) إلا على قول الفراء، فإنه أجاز أن تدخل اللام في خبر (لكن)، وأنشد: ................................... ولكنني من حبها لعميد قال: وإنما جاز دخولها في (لكن) لأن معناه: لكن إن، فخففت نون (لكن)، وتركت الهمزة من (إن)، وسقطت نون (لكن) حيث استقبلت ساكنًا، كما قال: فلست بآتيه، ولا أستطيعه... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل " انتهى نقل أبي جعفر: فبين النقلين تخالف، وهو أن المصنف وابن عصفور نقلا ذلك عن الكوفيين، والنحاس نقله عن الفراء وحده، وهما نقلا دخول اللام بعد (لكن) /، فيظهر من ذلك أنه يجوز دخولها على اسم (لكن) وعلى الخبر والمعمول على التفصيل الذي تقدم، والنحاس نقل دخولها على الخبر.
وفي (البسيط): لا نقول اتفاقًا: لكن عندي لزيدًا، وكذلك في الخبر.
وفي كلام المصنف مناقشات: الأولى: أنه قال "إن الكوفيين أجازوا ذلك احتجاجًا بقول بعض العرب ". فقد أقر أنه قول بعض العرب.
ثم قال: "ولا حجة فيه إذ لا

يعلم له تتمة ولا قائل ". وهذا لا يقدح في الإحتجاج، بل متى روي أنه من كلام العرب فليس من شرطه تعيين قائله.
وأما كونه لا تتمة له فلا يقدح في ذلك لأنه إنما وقع الإعتناء بمكان الشاهد، فلا حاجة إلى معرفة ما قبله ولا ما بعده إذ لا شاهد فيه.
وأما قوله "ولا عدل يقول: سمعته ممن يوثق بعربيته "فكفي بذلك نقل الكوفيين أو الفراء وإنشادهم إياه عن العرب، وفي كتاب س أبيات استشهد بها لا يعرف قائلها، ولا تروى إلا من (الكتاب)، واكتفينا بنقل س إياها واستشهاده بها.
الثانية: قوله "فأشبهت أن المفتوحة المجمع على امتناع دخول اللام بعدها ". وليس كما ذكر، بل فيه خلاف شاذ عن المبرد، وهو مسموع من كلام العرب، قرا بعض القراء: ﴿إلاَّ إنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ﴾ بفتح الهمزة، وقال الشاعر: ألم تكن حلفت بالله العلي... أن مطاياك لمن خير المطي وأنشده قطرب: ألم تكن أقسمت بالله العلي وحكي قطرب أيضًا أن بعضهم قال: "فإذا أني لبه ". وأنشد ابن دريد عن أبي عثمان:

فنافس أبا الغبراء فيها ابن زارع... على أنه فيها لغير منافس روي بفتح همزة (أن).
وينبغي أن يحمل ذلك على زيادة اللام، ولا يقاس على ما ورد من ذلك.
الثالثة: قوله: ولو صح إسناده إلى من يوثق بعربيته وجه "إلى آخر كلامه.
وهذا هو قول الفراء في توجيه دخول اللام في خبر (لكن)، إلا أن المصنف أخذه وتبره، والفراء جوده، ويظهر ذلك من كلاميهما.
وقد أغفل المصنف مما ذكره أصحابنا مواضع: أحدها: أن يكون الخبر جملة قسمية، فلا يجوز دخول اللام عليها، نحو: إن زيدًا لو الله ليقومن؛ لأن الخبر إذ ذاك ليس المبتدأ في المعنى ولا مشبهًا بما هو المبتدأ في المعنى.
الثاني: أنها لا تدخل على واو الحال السادة مسد الخبر، وأجاز ذلك الكسائي، فأجاز: إن شتمي زيدًا لو الناس ينظرون، كما أجاز إدخالها على واو (مع)، نحو: إن كل ثوب لوقيمته.
الثالث: أنها لا تدخل على الحال/ الصريحة التي تسد مسد الخبر، نحو: إن أكلي التفاحة نضيجة.
وأجاز ذلك الكوفيون، فأجازوا: إن أكلي التفاحة لنضيجة.
وقوله كما زيدت مع الخبر مجردًا يعني مجردًا من (إن) في نحو قوله: أم الحليس لعجوز شهربة... ترضى من اللحم بعظم الرقبة وقد تقدم لنا أن الكسائي قال: وربما جاؤوا بها في الخبر وليس

في الكلام (إن).
وأنشد هذا البيت، وهي عنده لام توكيد للخبر.
قال المصنف: "وأحسن ما زيدت في خبر المبتدأ المعطوف بعد (إن) المؤكد خبرها بها، كقول الشاعر: إن الخلافة بعدهم لذميمة... وخلائف طرف لمما أحقر" وقوله أو معمولاً لأمسى، أو زال، أو رأى، أو أن، أو ما مثال ذلك قول الشاعر: مروا عجالى فقالوا: كيف سيدكم... فقال من سألوا: أمسى لمجهودا وقول الآخر: وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها... لكالهائم المقصى بكل مراد وقول الآخر: رأوك لفي ضراء أعيت، فثبتوا... بكفيك أسباب المنى والمآرب وحكي قطرب: أراك لشاتمي، وقال تعالى {إلاَّ أنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ

الطَّعَامَ} في قراءة مَن فتح (أنَّ)، وقولُ الشاعر: أَمْسَى أَيانُ ذَليلاً بعدَ عِزَّتِهِ وما أَبانُ لَمِنْ أَعْلاجِ سُودانِ وقال الكوفيون: اللام بمعنى إلا، التقدير: وما أَبانُ إلا مِن أَعْلاجِ سُودان.
فعلى تقدير المصنف نفي أن يكون أَبانُ مِن أَعلاجِ سُودان، وعلى تقدير الكوفيين أَثبتَ أنه منهم على طريق الحصر.
ويَتحمل عندي أن يكون قوله (وما أَبانُ) استفهاماً على سبيل التحقير، ويكون قوله (لَمِنْ أَعلاجِ سُودان) على إضمار (هو) أي: لَهُوَ مِنْ أَعلاجِ سُودان، واللام لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، ويكون المعنى على تحقير شأن أَبان، كما أنه كذلك في تقدير الكوفيين جُملة، وفي تقديرنا جُملتان.
وقوله وربَّما زيدتْ بعدَ (إنَّ) قبلَ الحبرِ الموكَّد بِها هذه مسألة خلاف: ذهب المبرد إلى أنه يَجوز دخول هذه اللام على معمول الخبر المقدَّم وعلى الخبر، فتقول: إنَّ زيداً لَطعامَك لآكلٌ، تعاد اللام توكيداً.
وذهب الزجاج إلى منع ذلك.
نَقل هذا الخلافَ ابنُ عصفور، وقال ابن عصفور: (المنع الصحيح لأنَّ الحرف إذا وُكِّدَ فإنما يُعاد مع ما دخل عليه أو مع ضميره، وأمّا أن يُعاد من غير إعادة ما دخل عليه فلا يَجوز إلا في الضرورة،

فينبغي إذا أُعيدت اللام أن يقال: إنَّ زيداً لَفي الدار قائمٌ [لَفِي الدارِ قائمٌ]) انتهى.
والصحيح جواز ذلك لوجوده في لسان العرب نثراً ونظمًا: أمّا النثر فما رواه الكسائي والفراء أنَّ من كلام العرب: إنِّي لَيحَمْدِ اللَّهِ لَصالِحٌ، وحكي قطرب عن يونس: إنَّ زيداً لَببكَ لَواثِقٌ.
وأما النظم فقولُه: إنِّي لَعِندَ أَذَى المَوْلَى لّذُو حَنَقٍ يُخْشَى، وحِلْمي إذا أُوذيتُ مُعْتادُ قال المصنف: (وذكر السيرافي أنَّ المبرد كان لا يرى تكرار اللام، وأنَّ الزجاج أجاز ذلك، واختار السيرافي قول المبرد، وليس بِمختار للشواهد المذكورة) انتهى.
فقد اختلف نقلُ ابن عصفور ونقلُ السيرافي على ما نَقل عنه المصنف عن المبرد والزجاج، ويَمكن أن يكون لكل واحد منهما قولان.
وقوله وقبل همزتها مبدلةً هاءً مع تأكيدِ الخبرِ أو تَجريدهِ مثاله مع توكيد الخبر قولُ الشاعر: لَهنَّكِ مِنْ عَبْسِيَّةٍ لَوَسِيمةٌ على هَنَواتٍ كاذِبٍ مَنْ يَقُولُها

هكذا أنشده المصنف، وأنشده أحمد بن يحيى: ....................... على هَنواتٍ، شانُها مُتتابِعُ وأنشده أبو زيد: لَهِنِّي لأَشْقَى الناسِ إنْ كُنتُ غارِمًا لدُومةَ بكْراً ضيَّعَتْهُ الأَراقِمُ وقولُ الآخر: أَبائنةٌ حُبَّي، نعمْ وتُماضِرٌ... لَهِنَّا لَمَقْضِيٌّ علينا التهاجُرُ وقول الآخر: وأمَا لَهِنكَ مِنْ تَذَكُّرِ عَهدِها لعَلى شفَا يَاسٍ وإنْ لَمْ تيْأَسِ وقولُ الآخر: ......................... لَهِنَّكِ فِي الدنيا لَباقِيةُ العُمْرِ ومثالُها مع تَجَرُّد الخبر قولُ الشاعر:

ألا يا سَنا بَرْقٍ على قلَلِ الحمَى لَهِنَّكَ مِنْ بَرْقٍ عليَّ كَريمُ وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب: أحدهما: أنَّ اللام لام الابتداء، وجاز دخولها عليها لأنه قد أُبدل من همزتِها هاء، فتغير لفظها بالبدل، فجاز الجمع بينهما تنبيهًا بها على موضعها الأصلي.
وإلى هذا ذهب بعض النحويين والمصنف.
ورُدَّ ذلك بأنَّ إبدال همزة (إنَّ) هاء لا يُزيل عنها معنى التأكيد، وإذا لم يُزل عنها معنى التأكيد فلا يَجوز الجمع بينهما لِما في ذلك من الجمع بين حرفين لمعنّى واحد.
ونَحا نَحوَ هذا المذهب أبو الفتح، فزعم أنَّ اللام في (لَهِنَّك) لام الابتداء، وزعم أنَّ الثانية زائدة كما زيدت في خبر (أنَّ) المفتوحة.
الثاني: ما ذهب إليه س وابن السراج وجماعة، وقد نسب إلى

الفارسي، وهو أنَّ هذه اللام هي التي تدخل في جواب القسم لا لام (إنَّ).
واستدلوا على ذلك بدخول اللام على الخبر، فدخولها على الخبر يدل على أنَّها ليست اللام الداخلة على الخبر، وإنما هي جوابٌ لقسم محذوف.
قال س: (وهذه كلمة تَتَكلم بِها، وتقول: لَهِنَّك لَرَجُلُ صِدْقٍ، فهي (إنَّ)، ولكنهم أبدلوا الهاء مكان الألف، ولَحقت هذه اللام (إنَّ)، فاللام الأُولَى في (لَهِنَّك) لام اليمين، والثانية لام إنَّ).
ورُدَّ هذا المذهب بأنَّ لام القسم معناها التأكيد، فلا ينبغي أن تجتمع مع (إنَّ) لأنَّ في ذلك جَمعًا بين حرفين لمعنَى واحد.
الثالث: ما ذهب إليه قطرب والفراء والمفضل بن سلمة والفارسي، وهو أن يكون الأصل: لَهِ إنَّك، فهما كلمتان، ومعنى لَهِ: واللَّهِ، و (إنَّ) جواب القسم.
ويدل على ذلك أنَّ أبا زيد حكي أنَّ أبا أدهم الكلابي قال: لَهِ رَبِّي لا أقولُ ذلك، يريد: واللَّهِ رَبِّي لا أقولُ ذلك، وحذفت همزة (إنَّ) تخفيفاً، كما حُذفت في قوله:

يا با المُغِيرةِ.................................................... وقراءةِ مَنْ قرأ: (إنَّها لَحْدي الكُبَرِ).
وحكي قطرب أنَّهم يقولون (لَهْ) بالإسكان، فعلى هذا يَجوز أن يكون الأصل: لَهْ إنَّك، فأُلقيت على الهاء حركة الهمزة، وحُذقت الهمزة، على حد قولهم في مَنْ آمَنَ: مَنَ امَنَ.
وهذا المذهب اختاره الأستاذ أبو الحسن بن عصفور.
وفيه شذوذ من وجوه: أحدهما: حذف حرف القسم وإبقاء الخبر من غير عوض.
والثاني: حذف (أل) من لفظ (اللَّه).
الثالث: حذف الألف التي بعد اللام.
الرابع: حذف همزة (إنَّ).
ويُضَعِّفه أيضًا أنه لم يَجئ ذلك مع إقرار همزة (إنَّ)، ولو كان على ما زعموا لجاء في موضع (لَهِ) إنَّك) بإثبات الهمزة.
ويجوز دخول اللام على كأنَّ، قال الشاعر: قُمْتَ تَعْدُو لَكَأَنْ لَمْ تَشْعُرِ وقوله فإن صَحِبَتْ بعدَ (إنَّ) نونَ توكيدٍ، أو ماضيًا متصرفًا عاريًا من (قد)، نُوي قَسَمٌ، وامتنع الكسر مثال ذلك: إنَّ زيداً لَيَقومَنَّ، وإنَّ زيداً

جارٍ التحميل