ناسًا من العرب يغلطون، فيقولون: إنك وزيدٌ ذاهبان".
جعل هذا غلطًا لأن من مذهبه أن خبر (إن) مرتفع بها، فإذا قلت (وزيدٌ) بالرفع فقد أعملت الابتداء في الخبر، ولا يعمل في اسم عاملان.
والكوفيون لا يُغلطون العرب في مثل هذا، بل هو شاهد لهم، والمعنى: أنت وزيدٌ منطلقان.
قال السهيلي: "ومما يدل على صحة قولهم أنه لو كان مرفوعًا بها لجازي أن يليها كما يلي كل عامل ما عمل فيه، وإنما الممتنع ما عمل فيه غيره.
ومن حجتهم أن هذه الحروف أضعف من (كان) و (ظننت)؛ لأن تلك أفعال، فرفعت ونصبت كما تعمل الأفعال، وهذه حروف، والحروف إنما تعمل في اسمٍ واحد أو في فعلٍ خاصة، إلا أن حروف الشرط في عملها في الجواب نظر واختلاف" انتهى.
وقال أبو إسحاق الزجاج: إنما لم يل (إن) إلا المنصوب لأنهم قد فرقوا بين ما كان موضوعًا موضع الفعل مؤديًا عن معناه وبين ما ضُورع به الفعل من غير أن يكون في موضع الفعل؛ فالذي جُعل في موضع الفعل قولك: ما زيدٌ منطلقًا، فهذا في موضع: ليس زيدٌ منطلقًا، وهو مؤدً عن معناه.
والذي ضورع به الفعل وليس موضوعًا موضعه: إن زيدًا منطلقٌ.
وقال علي بن سليمان: جُعل في الحروف ما في الفعل من العمل إلا موضعًا واحدًا ليكون للفعل فضيلة، فقيل: ما زيدٌ منطلقًا، كما قيل: ضرب زيدٌ عمرًا، وقيل: إن زيدًا منطلقٌ، كما قيل: ضرب زيدًا عمرٌ والذي فضل به الفعل لتصرفه: زيدًا ضرب عمرو.
وقوله وهي (إن) للتوكيد ولذلك أجيب بها القسم كما يجاب باللام في قولك: والله لزيدٌ قائمٌ.
وزعم ثعلب أن الفراء/ قال: (إن) مُقررة لقسمٍ متروكٍ، استغني به عنه، والتقدير: والله إن زيدًا لقائمٌ.
وقال في (البسيط): "مُطلق التأكيد لا يخص جنسًا من جنس؛ ألا ترى أن اللام لا تخص الاسم من الفعل، فتقول: لزيدٌ قائمٌ، كما تقول: ليقوم زيدٌ، بخلاف (إن)، فإنها خاصة بجمل الأسماء" انتهى.
ومن مُلح القول في (إن) ما ذكره في (الغرة) من أن (إن) لها عشرة أنحاء: للتحقيق.
وبمعنى نعم.
وأمرًا من الأنين.
وماضيًا مبنيًا للمفعول من الأنين على لغة رد، تقول: إن في هذا الأنين.
وأمرًا من الأين، تقول للنساء: إن، أي: اتعبن.
وأمرًا للأنثى من وأي، لحقه نون التوكيد.
وأمرًا للنساء من آن، أي: قرب، أي: اقربن.
وإخبارًا عن المؤنث المجموع، أي: قربن.
وإن قائمٌ، الأصل: إن أنا قائمٌ، فنقل وحذف.
وعلى من أعمل (إن) قال: إن قائمًا.
وذكروا أن (أن) المفتوحة أيضًا معناها التوكيد.
ولا يظهر لي هذا المعنى لأنها ينسبك منها مصدر، ولو صرحت بالمصدر المنسبك منها لم يكن ثم في النسبة توكيد، لو قلت في بلغني أنك منطلقٌ: بلغني انطلاقك، لم يكن فيه توكيد البتة.
وفي (البسيط): "قال النحويون: (أن) المفتوحة تكون للتوكيد، وتُفيد السبك.
قلت: وعلى هذا إشكال، وهو أنها إذا كانت للتأكيد كان معناها تحقيق الخبر وتأكيد النسبة، وإذا كانت سابكة كان في ذلك إبطال الخبرية لأن سبكها يُبطل الخبرية؛ لأن في السبك عدم قبول الصدق والكذب.
والجواب: أن المفتوحة أصلها الكسر، والمؤكدة هي المكسورة ليس إلا، لكن فتحها يكون لصيرورتها في تأويل المفرد المؤكد ثبوته، فإذا قلت: إن زيدًا منطلقٌ، ثم قلت: علمت أن زيدًا منطلقٌ، فمعناه: علمت أن المؤكد الثابت، فعلى هذا لا تكون إلا علامة على السبك لا للتأكيد والسبك" انتهى.
وقوله و (لكن) للاستدراك زاد غيره: وللتوكيد.
ومعنى الاستدراك الذي فيها أنك تنسب حكمًا لمحكوم عليه يُخالف الحكم الذي للمحكوم عليه قبلها، ولذلك لابد أن يتقدمها كلام ملفوظ به أو مقدر ولابد أن يكون الكلام الذي قبلها نقيضًا لما بعدها أو ضدًا، فإن كان خلافًا ففي وقوعها بين الخلافين خلاف، وإن كان وفاقًا فالإجماع على أنه لا يجوز.
فمثال النقيض: ما هذا ساكنٌ لكنه متحركٌ.
ومثال الضد: ما هذا أسود لكنه أبيض، ومثال الخلاف: ما هذا قائمٌ لكنه شاربٌ.
ومثال الوفاق: ما زيدٌ قائمٌ لكن عمرًا قائمٌ.
وفي (البسيط): "معناها الاستدراك لخبرٍ تُوهم أنه موافق لما قبله في الحكم، فأتى به لرفع ذلك التوهم، أو تقريره، أو لتأكيد الأول وتحقيقه، نحو: ما قائمٌ زيدٌ لكن عمرًا قاعدٌ، لما قيل (ما قائمٌ زيدٌ) فكأنه
توهم أن عمرًا مثله لشبهٍ بينهما أو ملابسة، فرفعت ذلك التوهم، واستدركت في كلامك ذلك، ونحو: لو قام فلانٌ لفعلت لكنه لم يقم، فأكدت ما دلت عليه (لو)، وكأنها في المعنى مُخرجة لما دخل في الأول توهمًا، قال تعالى: / ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ﴾، ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: ما أراكهم كثيرًا.
وكذلك: ما قام زيدٌ ولكنه قعد، فيها معنى التأكيد لمضمون الجملة الأولى.
فإن لم تتضمن مخالفة في المعنى، واللفظ مخالف، والمعنى يُمكن أن يوافق، نحو: ما قام زيدٌ لكن ما أتي يضحك، فقد يقال إنه لا يجوز لأنه لا فائدة في الاستدراك، فيضيع معنى لكن.
وقد يقال هو جائز لأنه استدراك فائدة مخالفة الأول في الثبوت والنفي، فأشبهت الأول" انتهى، وفيه تلخيص وبعض زيادة.
واختلفوا أهي بسيطة أم مركبة: فذهب البصريون إلى أنها بسيطة، وأنها منتظمة من خمسة أحرف، وهي أقصى ما جاء عليه الحرف.
وذهب الفراء إلى أنها مركبة، وأن أصلها: لكن أن، فطرحت الهمزة من (أن)، وسقطت نون (لكن) حيث استقبلت ساكنًا، كما قال الشاعر:
فلست بآتيه، ولا أستطيعه ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
فحذف نون (لكن) لالتقائها ساكنة مع سين (اسقني).
ونقل صاحب (اللباب) عن الكوفيين أنها مركبة من (لا) و (إن) والكاف زائدة، والهمزة محذوفة، قال: "وهذا ضعيف جدًا".
وفي (البسيط): "قيل: هي غير مؤلفة، وهو مذهب الأكثرين.
وقيل: هي مؤلفة من (لا) و (كأن)، والكاف للتشبيه، و (أن) على أصلها، ولذلك وقعت بين كلامين لما فيه من نفي لشيء وإثباتٍ لغيره، وهو رأي أي زيد - يعني السهيلي - فإذا قلت (قام زيدٌ لكن عمرًا قاعدٌ) فكأنك قلت: لا كأن عمرًا قاعدٌ، ويُتأول في المعنى: فعل زيدٍ لا كفعل عمرٍو، ثم رُكبت هذه الحروف الثلاث، فانتشر تغييرها، فكسرت الكاف، وحُذفت همزة (أن)، ولم يقع التغيير في الأول منها لأنه الصدر، والتغيير في الأواخر والأوساط.
وقال أبو زيد - يعني السهيلي - (كُسرت الكاف للدلالة على المحذوف)، يعني أن الأصل (إن) المكسورة، وهو رأي بعض الكوفيين، فما دخلت الكاف فتحت، فلما حُذفت الهمزة غُيرت الكاف بالكسر لتدل على المحذوف لكثرة التغيير.
وهذا المذهب لا دليل عليه" انتهى.
وقوله و (كأن) للتشبيه ذهب الخليل وس والأخفش وجمهور
البصريين والفراء إلى أنها مركبة من كاف التشبيه ومن (إن)، فأصل كأن زيدًا أسدٌ: إن زيدًا كأسدٍ، فالكاف للتشبيه، و (إن) مؤكدة له، ثم أرادوا الاهتمام بالتشبيه الذي عليه عقدوا الجملة، فأزالوا الكاف من وسط الجملة، وقدموها إلى أولها لإفراط عنايتهم بالتشبيه، فلما أدخلوا الكاف على (إن) وجب فتحها لأن (إن) المكسورة الهمزة لا يتقدمها حرف الجر، ولا تقع إلا أولًا أبدًا، وبقي معنى التشبيه الذي كان فيها وهي متوسطة كحالة فيها وهي/ متقدمة.
وقال بعض البصريين: "هذا خطأ لأنه يلزم قائله أن يأتي بخبر الكاف" انتهى.
وقول ابن هشام: "لا خلاف في أنها مركبة من إن وكاف التشبيه" ليس بصحيح لوجود الخلاف فيها.
والأولى أن تكون (كأن) حرفًا بسيطًا وُضع للتشبيه كالكاف، وألا تكون مركبة من الكاف و (إن)؛ لأن التركيب على خلاف الأصل.
واختلف القائلون بالتركيب: هل تتعلق هذه الكاف بشيء أم لا؟ فقال أبو الفتح: "الكاف لما تقدمت بطل أن تكون متعلقة بفعلٍ ولا معنى فعلٍ لأنها فارقت الموضع الذي يُمكن أن تتعلق فيه بمحذوف، فزال ما كان لها من التعلق بمعاني الأفعال في حال توسطها".
قال: "وليست هنا زائدة لأن معنى التشبيه موجود فيها، وإن كانت قد تقدمت فأزيلت عن مكانها، وإذا كانت غير زائدة فقد بقي النظر في (أن) التي دخلت عليها، هل هي مجرورة بها أو غير مجرورة".
قال: "فأقوى الأمرين فيها عندي أن تكون مجرورة بالكاف.
فإن قلت: إن الكاف الآن ليست متعلقة بفعل.
فليس ذلك بمانع من الجر فيها؛ ألا ترى أن الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ غير متعلقة بفعل، وهي مع ذلك جارة".
قال: "ويؤكد عندك أن الكاف هنا جارة فتحهم الهمزة بعدها كما يفتحونها بعد العوامل الجارة وغيرها، وذلك نحو: عجبت من أنك قائمٌ، وأظن أنك منطلقٌ، وبلغني أنك كريمٌ".
وذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أن الكاف الجارة في موضع رفع، فإذا قلت "كأني أخوك" ففي الكلام عند حذف، وتقديره: كأخوتي إياك موجودٌ؛ لأن (أن) وما عملت فيه بتقدير مصدر، فلا تكون الكاف على هذا مقدمة من تأخير.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: وما ذهب إليه أبو الفتح أظهر من جهة أن العرب لم تُظهر قط ما ادعى أبو إسحاق إضماره؛ ألا ترى أنه لا يُحفظ من كلامهم: كأني أخوك موجودٌ.
وقوله وللتحقيق أيضًا على رأي هو رأي الكوفيين والزجاجي، زعموا أنها تأتي للتحقيق والوجوب، وجعلوا من ذلك قول الشاعر:
فأصبح بطنُ مكة مقشعرًا كأن الأرض ليس بها هشام
وقول الآخر، وهو عمر بن أبي ربيعة:
كأنني حين أمسي لا تُكلمني متيمٌ يشتهي ما ليس موجودًا
المعنى عندهم: لأن الأرض ليس بها هشام، وإنني حين أمسي لا تُكلمني؛ إذ محال أن يقول الإنسان: كأن الأرض ليس بها هشام، على جهة التشبيه، وهشام ليس بالأرض.
وفي بيت عمر لا يصح التشبيه؛ ألا ترى أن يشتهي كلامها، وهي لا تكلمه، وإذا/ كان كذلك فهو مُشتهٍ.
والصحيح أنها في البيتين للتشبيه: أما الأول فلأنه أراد أن بطن مكة قد كان ينبغي له ألا يقشعر لدفن هشام في أرضه وتضمنه أشلاءه، وهو قائم مقام الغيث، فكما أنه لا يُقشعر مع وجود الغيث فكذلك كان ينبغي ألا يقشعر لتضمنه أشلاء هشام، فلما اقشعر صارت أرضه كأنها ليس بها هشام.
وأما البيت الثاني فيرجع إلى التشبيه من جهة أنه يئس من أن تُكلمه مع اشتهائه كلامها وإن كانت موجودة، كما يوئس من الوصول إلى ما هو معدوم، فصار لذلك كأنه اشتهى ما لا وجود له أصلًا.
وقال المصنف في البيت الأول: "يُخرج على أن هشامًا وإن مات فهو باقٍ ببقاء من يخلُفه سائرًا بسيرته".
قال: "وأجود من هذا أن تجعل الكاف من (كأن) للتعليل في هذا الموضع، وهي المرادفة للام، كأنه قال لأن الأرض ليس بها هشام".
وذهب الزجاجي والكوفيون إلى أن (كأن) إذا كان خبرها اسمًا جامدًا كانت للتشبيه، وإذا كانت مشتقًا كانت للشك بمنزلة ظننت وتوهمت.
وإلى هذا ذهب ابن الطراوة وابن السيد، قال ابن السيد: "إذا كان خبرها فعلًا أو جملة أو ظرفًا أو صفة فهي للظن والحسبان".
قال: "والنحويون يقولون: هي للتشبيه، وليس كذلك إلا إذا كان الخبر مما يُمثل به الأول إما أحط أو أرفع، نحو: كأني بك ملكٌ، فإذا قلت: كأن زيدًا قائمٌ، لم يستقم أن يكون تشبيهًا لأن الشيء لا يُشبه بنفسه".
وجعل أبو بكر بن الأنباري من ذلك قولهم: كأنك بالشتاء مُقبلٌ، أي: أظن الشتاء مقبلًا.
ومن ذلك قول الشاعر:
فكأنني بكما إذًا قد صرتما لا في فرائضه ولا أشناقه
أي: أظن أنكما لا يبقي لكما ما تجب فيه فريضة ولا شنقٌ للغارة التي تُغار عليكما، والشنق: ما دُون الفريضة.
والصحيح أنها للتشبيه، فإذا قلت "كأن زيدًا قائمٌ" كنت قد شبهت زيدًا وهو غير قائم به قائمًا، والشيء يُشبه في حالةٍ ما به في حالة أخرى، قاله ابن ولاد.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: كأن هيئة زيد هيئة قائم، فحذف، فعلى هذا التقدير شبه هيئته في غير حال القيام بهيئته في حال القيام، قاله أبو علي.
والتوجيه الأول أظهر لأنه لا يُحتاج معه إلى حذف.
وذهب الكوفيون إلى أن (كأن) تكون للتقريب، وذلك في نحو: كأنك بالشتاء مقبلٌ، وكأنك بالفرج آتٍ، وفي قوله:
فكأنني بكما إذا قد صرتما.
البيت.
وقول الحسن البصري: "كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل".
والمعنى على تقريب إقبال الشتاء، وتقريب إتيان الفرج، وتقريب ألا يبقى لكما ما تجب فيه فريضة ولا شنقٌ، وتقريب زوال الدنيا، وتقريب وجود الآخرة.
والصحيح/ أن (كأن) للتشبيه في هذا كله: فأما قولهم "كأنك بالشتاء مقبلٌ" فخرجه الفارسي على أن الكاف في (كأنك) للخطاب، والباء في (بالشتاء) زائدة، واسم (كأن) الشتاء، والخبر (مُقبلٌ)، والتقدير: كأن الشتاء مقبلٌ.
وكذلك القول في "كأنك بالفرج آتٍ"، التقدير: كأن الفرج آتٍ.
وكذلك قول الحسن، التقدير: كأن الدنيا لم تكن والآخرة لم تزل، فالضمير في (تكن) و (تزل) عائد على اسم (كأن).
وخرجه غيره على حذف مضاف، والتقدير: كأن زمانك بالشتاء مقبلٌ، وكأن زمانك بالفرج آتٍ، والكاف هي الاسم، و (مقبلٌ) الخبر، ولما كان الشتاء قريب الوقوع جُعل الزمان الحاضر في وقت الخطاب كأنه مقبل.
وكذلك يُتأول قول الحسن على أن الكاف اسم (كأن)، و (لم تكن) خبر، و (بالدنيا) متعلق بالخبر، والتقدير: كأنك لم تكن بالدنيا، أي: في الدنيا، والضمير في (تكن) عائد على المخاطب، وكأنك لم تزل بالآخرة، أي: في الآخرة، والتشبيه في الحقيقة للحالين لا للذي له الحال، و (لم تكن) تامة.
ويحتمل أن تكون ناقصة، وهذا أولى من تأويل أبي علي لأن فيه دعوى حرفية الكاف للخطاب، ودعوى زيادة الباء في (بالشتاء) و (بالفتح) و (بالدنيا).
وفي شرح الصفار البطليوسي ما نصه: "وتوجيهه أن المعنى: كأن الشتاء مُقبلٌ، وجعل المنتظر قريبًا، فشبه الشتاء وإن لم يكن مقبلًا به نفسه مقبلًا، والعرب تجعل القريب الوجود بمنزلة الموجود، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، فمراده: كأن الشتاء مقبلٌ، وكأنك راحلٌ، وأدخل الكاف للخطاب، كما تقول: أبصرك زيدًا، تريد: أبصر زيدًا، غير أن الكاف في (أبصرك) حرف وفي (كأنك) اسم، إلا أنها لما عملت فيها (كأن) لم يُمكن أن تعمل فيما بعدها، فبقيت الجملة في موضع الخبر، وإنما جعلنا الكاف اسمًا لقولهم: (كأني بك راحلٌ)، ولا يُمكن أن تكون الياء حرفًا، فهو يناجي نفسه، وزادوا الباء كما زادوها في (بحسبك)، فهذا تمام الانفصال عن مذهب الكوفيين" انتهى.
وفيه أن إسناد الإقبال في قولك: كأنك بالشتاء مقبلٌ، والرحل في
قولك: كأني بك راحل، إنما هو للكاف التي هي ضمير ولياء المتكلم، فلا يُجعلان لغوًا زائدًا، ويُجعل الإسناد للشتاء وللكاف في: بك راحلٌ، ومثل هذا لم يُعهد في لسان العرب.
ولابن عصفور تخريج مُلفق من قول أبي علي، وهو أنه قال: "الصحيح عندي أن (كأن) للتشبيه، وكأنك أردت أن تقول: كأن الفرج آتٍ، وكأن الشتاء مُقبلٌ، إلا أنك أردت أن تدخل الكاف، وألغيت (كأن) لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية لما لحقها اسم الخطاب، كما ألغيت لما لحقتها (ما) في نحو (كأنما) لزوال الاختصاص، وكذلك تُلغى إذا لحقها ضمير المتكلم، نحو: كأني بك تفعل كذا؛ ألا ترى أنها إذ ذاك تدخل على الجملة الفعلية التي هي: تفعل كذا.
والباء في (بالشتاء مقبلٌ) زائدة، وكأنه قال: كأنك الشتاء/ مقبلٌ، أرادا أن يقول: كأن الشتاء مقبلٌ، فألحق الكاف للخطاب، وألغى (كأن)، وزاد الباء في المبتدأ، كما زيدت في: بحسبك زيدٌ" انتهى.
وهذا تخريج عجيب، فيه دعوى إلغاء (كأن) للحاق كاف الخطاب، وفي دعوى لحاق كاف الخطاب لها، وفي دعوى زيادة الباء، وفي دعوى أنها تليها الجملة الاسمية والفعلية لزوال الاختصاص، والعجب دعواه إلغاءها، وقد اتصل بها ضمير المتكلم في نحو: كأني بك تفعل كذا، وهب أنه يدعي في كاف (كأنك) أنها حرف للخطاب، أتراه يدعي في ياء المتكلم في (كأني) أنه حرف للمتكلم، وأنه لا عمل لـ (كأن) فيها؟ وعلى قوله يكون قوله (بك) من قوله "كأني بك تفعل كذا" متعلقًا بـ (تفعل)، وذلك لا يجوز لما تقرر من امتناع: تمر بك وتتفكر فيك.
وأما إذا
دخلت (كأن) على ياء المتكلم في نحو قوله "فكأنني بكما إذاً قد صرتما" و "كأني بك تفعل كذا"، وقول الحريري:
كأني بك تنحط............................
فلا يُمكن أن يكون الفعل خبرًا لـ (كأن) لاختلاف مدلول ياء المتكلم وضمير المخاطب في: قد صرتما، وتفعل، وتنحط.
ويتخرج ذلك على حذف الخبر، وإبقاء معموله دليلًا على حذفه، والتقدير: كأني عالمٌ بكما إذًا، أو مُلتبسٌ بكما، وكأني عالمٌ بك تفعل، أو مُلتبسٌ، وكذلك التقدير في "كأني بك تنحط"، والجملة من قوله: قد صرتما، وتفعل كذا، وتنحط، في موضع الحال من ضمير الخطاب المجرور بالباء.
والدليل على أن هذه الجملة في موضع الحال صحة جواز دخول واو الحال عليها، فتقول: كأني بكما وقد صرتما كذا، وكأني بك وقد طلعت الشمس.
وذهب الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمرون الحلبي في قول الحسن: "كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل" إلى جواز أن يكون خبر (كأن) هو المجرور، والجملة من قولك "لم تكن" و "لم تزل" في موضع الحال.
ثم اعترض، فقال:
"فإن قيل: إن (بالدنيا) لا يتم به الكلام، والحال فضلة.
فالجواب: إن من الفضلات ما لا يتم الكلام إلا به، كقوله تعالى ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ فـ ﴿مُعْرِضِينَ﴾ حال من الضمير المخفوض، ولا يستغني الكلام عنها؛ لأن الاستفهام في المعنى إنما هو عنها.
ومما يبين ذلك قولهم: ما زلت بزيدٍ حتى فعل، لا يتم الكلام بقولك: بزيد.
ويدل على صحة الحال قولك: كأنك بالشمس وقد طلعت، ونحوه ما حُكي عن بعضهم: كأنا بالدنيا لم نكن.
وعلى هذا يُحمل قول الحريري:
كأني بك تنحط..................................
وخرجه المطرزي في (شرح المقامات): كأنين أُبصر بك، وترك الفعل لدلالة الحال.
وما ذكرته أولى لأنه إضمار فعل وزيادة حرف جر لا يُحتاج إليه" انتهى كلامه، وهو تخريج حسن.
وقد تدخل (كأن) في التنبيه والإنكار والتعجب، تقول: فعلت كذا وكذا كأني لا أعلم، وفعلتم كذا كأن الله لا يعلم/ ما تفعلون، ومنه قوله تعالى ﴿لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، (وي) في قول الخليل كلمة مفصولة، و (كأن) هي هذه، و (وي) كلمة تنبيه وتندم على أمر سبق، ووقع التشبيه بعده على أحد معنيين:
أحدهما: تأويل الخليل أنهم أوقعوا التشبيه على ما في علمهم وعرفهم، أو أُوقع لهم ذلك، فقيل: وقولوا: كأن الله يبسط الزرق، أي:
كأن الله يعطي الرزق من عنده بقدر منه لا بعلم الشخص وقوةٍ منه لما يرى من تبدل حاله، وكذلك ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: كأن الأمر لا يُفلح الكافرون، وكأنه قيل: أما يُشبه هذا الأمر أن يكون هكذا؟
والمعنى الثاني: أن يكون التشبيه ليس على أصله، بل المراد به التحقيق، أي: إن الله يبسط الرزق، وإن الأمر لا يُفلح الكافرون، فكما يدخلها معنى التعجب فكذلك يرجع إلى التحقيق عند هذه الكلمة، كقوله:
ويكأن من يكن له نشب يحـ بب، ومن يفتقر يعش عيش ضر
لا يريد إلا التحقيق.
وقيل: (ويك) كلمة واحدة.
وقيل: الكاف للخطاب، و (أن) في القولين هي المفتوحة، وهي بإضمار، كأنه قال: هل تعلمون بهذا أن الله يبسط الرزق؟ وفسر المفسرون (ويكأن) على معنى: ألم تر أن الله، فيُمكن أن يكون تفسير المعنى.
مقتضب من (البسيط).
وقوله و (ليت) للتمني ويقال (لت) بإبدال الياء تاء وإدغام التاء في
التاء.
ويكون في المستحيل والممكن، تقول: ليت عمرًا قادمٌ، وليت الشباب عائدٌ.
وقال المصنف في الشرح: "يكون في الممكن وغير الممكن" فقوله: "وغير الممكن" ليس بجيد لأن غير الممكن قسمان: واجب، ومستحيل، والتمني لا يكون في الواجب، لا تقول: ليت غدًا يجئ.
وقوله و (لعل) للترجي وللإشفاق يعني: للترجي في المحبوبات، ولإشفاق في المحذورات، نحو: لعل العدو يأتي.
ويُعبر أصحابنا عن هذا بالتوقع، ولا تستعمل (لعل) إلا في الممكن، لا يقال: لعل الشباب يعود.
ومن الإشفاق قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ وقول الشاعر:
أتوني، فقالوا: يا جميل تبدلت بثينة إبدالًا، فقلت: لعلها
وعل حبالًا كُنت أحكمت فتلها أتيح لها واشٍ رفيقٌ، فحلها
والترجي والتمني من باب الإنشاء، فيُشكل تعلقها بالماضي، وقد جاء الماضي خبرًا لهما، قال تعالى ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾، وقال:
فليت اليوم كان غرار حول.....................
والتمني قد يقع لما مضى ندامة، وقال:
لعلك في حدراء لمت على الذي تخيرت المعزى على نجل غالب
ومنع وقوع الماضي خبرًا لـ (لعل) مبرمان.
وقال في (الغرة): تقول: أريد المضي إلى/ فلانٍ لعله خلا بنفسه وأمضي إلى داره التي اشتراها لعله سكن فيها.
قلنا: هذه حكاية حال، يدل عليه أنك تعطف عليه المضارع، فتقول: لعله خلا بنفسه فأحدثه أو فيُحدثني، رفعًا ونصبًا، ولو قلت (فحدثته) كان خطأ، ولا أرى الماضي يمتنع من ذلك، وتقول: صفحت عن فلان، فيقال لك: لعله خدمك، ولا يحسن: لعله يخدمك.
وكذلك تقول في الخبر يرد عليك: لعلي سمعت هذا.
فالموضع لـ (كأن)؛ ألا ترى أن المعنى: كأني سمعت هذا.
وقد امتنعوا من الجمع بين (ليت) و (سوف)، فلا يقولون: ليت زيدًا سوف يقوم؛ لأن (ليت لما لم يثبت، وسوف لما ثبت.
وقد جاءت مع (لعل)، قال الشاعر:
فقولا لها قولًا رفيقًا لعلها سترحمني من زفرةٍ وعويل
وحكي الأخفش: لعل زيدًا سوف يقوم.
وقوله وللتعليل والاستفهام لم يذكر أصحابنا لـ (لعل) هذين المعنيين، فأما التعليل فذكره المصنف، وتبع الكسائي والأخفش، قال الأخفش في المعاني: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ نحو قول الرجل لصاحبه:
افرغ لعلنا نتغدى، والمعنى: لنتغدى، وتقول للرجل: اعمل عملك لعلك تأخذ أجرك، أي: لتأخد".
قال المصنف: "وكقول الشاعر:
وقلتم لنا: كفوا الحروب لعلنا نكف، ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمع سرابٍ في الملا متألق"
وهذا عند أصحابنا (لعل) فيه، وفي قوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وفي المثالين اللذين ذكرهما الأخفش، للترجي.
وأما الاستفهام فهو شيء قاله الكوفيون، ونص النحاس منهم على الفراء، وقال عنه وعن الطوال: إن لعل شك.
وبتعهم في الاستفهام هذا المصنف، قال: "وتكون لعل أيضًا للاستفهام كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وقال النبي لبعض الأنصار وقد خرج إليه مستعجلًا (لعلنا أعجلناك) "؟
وهي عندنا في ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ للترجي، وفي قوله "لعلنا أعجلناك" للإشفاق.
وكون (لعل) للتعليل وللاستفهام وللشك خطأٌ عند البصريين.
و (لعل) عندهم ترج.
وقال أبو العباس: هو توقع.
وقوله ولهن شبهٌ بـ (كان) الناقصة إلى قوله فأعطيا إعرابيهما هذا كلام واضح، وهو على طريقة البصريين، وقد تقدم مذهب الكوفيين في أنها لم تعمل في الخبر شيئا.
وشبهها بـ (كان) الناقصة هو قول الخليل.
وقال أبو إسحاق: استدللنا على أن (إن) مضارعة للفعل بأنا رأيناها تعمل في شيئين، وهذا للفعل، وفيها معنى التوكيد، والإضمار فيها كالإضمار في الفعل.
وقال ابن كيسان: أشبهت الفعل باللفظ والمعنى، فأما اللفظ فآخرها كآخر الفعل في فتحه، وأما/ المعنى فإنه بمعنى: ثبت عندي حديث زيد، ولما كان معناها للخبر وجب أن ترفعه لأنها مُحققة له، وهو أولى بها، والاسم مدخلٌ فيها، فكان المفعول به، فانتصب، وكان أولى بالتقديم لأنه لا يغير بناءها، وكنايته كظهوره.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور مما لخصناه من كلامه: "أوجب لها العمل عند المحققين شبهها بالأفعال في الاختصاص.
وقيل: أشبهت الأفعال في أنها على ثلاثة أحرف فصاعدًا مثلها، وأنها مفتوحة الأواخر كالماضي، وأن معانيها معاني الأفعال من التأكيد والترجي والتشبيه والتمني، ولحاق نون الوقاية، واتصال ضمائر النصب بها، وطلبها اسمين طلب الفعل المتعدي لهما.
وهذا باطل لأن اتصال ضمائر النصب بها ونون الوقاية إنما اتصلت بها بعد العمل، وأما باقي وجوه الشبه فتُشاركها فيا (ثم) لأنها ثلاثيةٌ مفتوحة الآخر للعطف، كأنك قلت: عطفت، وهي مع ذلك لا تعمل وأما طلبها للاسمين طلب الفعل المتعدي لهما فإن أريد أنها تطلبهما على الاختصاص فذلك وحده مُوجب للعمل، ورفعت أحدهما ونصبت الآخر تشبيهًا بـ (ضرب)، وأيضًا فلا يُمكن فيها أكثر من ذلك، وذلك أنها لا تخلو من أن ترفعهما، وذلك باطل لأنه لم يوجد عامل واحد يعمل في اسمين رفعًا من غير أن يكون أحدهما تابعًا للآخر.
أو تنصبهما، أو
تخفضهما، أو تنصب أحدهما وتخفض الآخر، وذلك باطل لأنه لم يوجد عامل يعمل نصبًا أو خفضًا من غير أن يكون مع ذلك يعمل رفعًا.
أو ترفع أحدهما وتخفض الآخر، فهو باطل إذ لا خفض إلا بواسطة حرف".
قال أستاذنا أبو جعفر: "وهذا خلفٌ، فإنه في قوة أن لو أجاب من قال له: لم لا تخفض؟ فقال: لأنها لا تخفض".
قال الأستاذ أبو الحسن: "فلم يبق إلا أن ترفع أحدهما وتنصب الآخر"، ثم ذكر نحوًا من تعليل المصنف.
وقوله ويجوز نصبهما بـ (ليت) عند الفراء، وبالخمسة عند بعض أصحابه هذا نقل هذا المصنف، ونقل ابن أضبغ أن مذهب الجمهور أنه لا يجوز نصب الاسمين بعد شيء من هذه الحروف، قال: "وأجازه الفراء في كأن وليت ولعل، وأجازه الكسائي في ليت، وبعض المتأخرين في الستة".
وقال ابن عصفور: "زعم بعض النحويين أنه يجوز فيها أن تنصب الاسم والخبر معًا، وممن ذهب إلى ذلك ابن سلام في (طبقات الشعراء)، وزعم أنها لغة رؤبة وقومه".
وقال أستاذنا أبو جعفر: "حكي هذا المذهب أبو علي الشلوبين عن جماعة من المتأخرين، سمى منهم ابن الطراوة" انتهى.
وممن ذهب إلى ذلك أبو محمد بن السيد البطليوسي.
فصارت المذاهب فيها ثلاثة: أحدها جواز النصب في جميعها.
والثاني اختصاص/ ذلك بـ (ليت).
الثالث جواز ذلك في كأن وليت ولعل.
ونحن نسرد ما أتى عن العرب شاهدًا على ذلك مما استدلوا به، فحكي عن بني تميم أنهم ينصبون بـ (لعل)، فيقولون: لعل زيدًا أخانا، وقال:
إن العجوز خبةً جروزا أكل كل ليلةٍ قفيزا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافًا، إن حراسنا أسدا
وقال أبو نخيلة:
كأن أذنيه إذا تشوفا قادمةً أو قلمًا محرفا وقال آخر: كأن مكاكيه بالجواء حول الدفاليس شربًا ثمالا وقال آخر: ليت الشباب هو الرجيع على الفتى والشيب كان هو البديء الأول وقال آخر: ليت هذا الليل دهرًا لا نرى فيه عريبا وقال: يا ليت أيام الصبا رواجعا وقال آخر:
يا ليته إذ لم يكن حمارا لؤلؤةً في الدار أو مسمارا
يريد: مسمارًا لمصحف.
وقال آخر:
ألا يا ليتني حجرًا بوادٍ قام، وليت أمي لم تلدني
وقال آخر:
فيا ليتني إذ لم تجودي بنظرةٍ لما بي، وليت الحب شيئًا محرما
وقال آخر:
فليت اليوم كان غرار حولٍ وليت اليوم أيامًا طوالا
وقال آخر:
سئلت، وكان البخل منك سجيةً فليتك ذا لونين، يُعطي ويمنع
وقال آخر:
...................... وليت الحب شيئًا محرما
/ وحكي الكسائي: "ليت الدجاج مذبحًا".
وأما ما وجد في كتب بعض المتأخرين من قول الشاعر:
أتيناك زوارًا وسمعًا وطاعةً فليتك يا خير البرية داعيا
فتصحيف (فلبيك) بـ (فليتك).
وروي في الحديث "إن قعر جهنم لسبعين خريفًا".
وحكي الكسائي عنهم: ليت الدجاج مذبحًا.
وقد عمل على ذلك بعض المولدين، قال ابن المعتز:
مرت بنا سحرًا طيرٌ، فقلت لها: طوباك، يا ليتني إياك، طوباك
ذكره أبو القاسم الزجاجي في (الأمالي) له فيما ذكر لي.
وقوله وما استشهد به محمولٌ على الحال أو على إضمار فعل، وهو رأي الكسائي تأول المصنف "خبةً جروزا" على أنه حال من الضمير ي (تأكل)، و "إن حراسنا أسدا" على: يشبهون أسدًا، و"ليت الشباب هو
الرجيع" على تقدير: كأن الرجيع، فلما حذف (كان) انفصل الضمير الذي كان اسمها، قال: "ويُقوي ما ذهب إليه إظهار (كان) كثيرًا بعد ليت وإن".
و"لسبعين خريفًا" على أنه ظرف، و (قعر) مصدر، وأخبر به عن المصدر.
و (قادمةً) على: تخلفان.
وتأول غيره جميع ما أتى في (ليت) على أن خبر (ليت) في ذلك محذوف، وذلك المنصوب الذي زعموا أنه خبر هو منصوب على الحال أو على خبر (كان) مضمرة، وإن كان معرفة لم يجز فيه إلا أن يكون خبر (كان) مضمرةً، والتقدير: عادت رواجع، وعاد دهرًا، وعاد لؤلؤةً، وعدت حجرًا، وكان هو الرجيع، وكان شيئًا محرمًا، وعاد غرار حولٍ، وعاد أيامًا طوالًا، وعاد مذبحًا، وتحكيان قامةً، ويحكين شربًا، وتلفيهم أسدًا.
وروي ابن جني:
قادمتا أو قلما محرفا
على تقدير: قادمتان أو قلمان محرفان، فحذفت نون التثنية في الشعر.
وقال ابن عصفور: "وأما قول أبي نخيلة فإن الأصمعي وأبا عمرو لحناه بحضرة الرشيد، ولولا أنه غير فصيح لما جاز لهما ذلك".
وقال الأستاذ أبو علي الشلوبين: "هذه الحكاية لا تصح، وله محمل من التأويل من غير أن يحتاج إلى تلحين عربي" انتهى.
ومما يدل على بطلان الحكاية أن فيها "إن أبا عمرو لحنه بحضرة الرشيدة"، ولم يجتمع أبو عمرو مع الرشيد، وهو متقدم الوفاة.
وإنما سوغوا تأويل هذا الأبيات على حذف الخبر لأن أخبار هذه الحروف يجوز حذفها إذا دل عليها المعنى؛ لأنها أخبار للمبتدأ في الأصل، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
-[ص: وما لا تدخل عليه (دام) لا تدخل عليه هذه الأحرف، وربما دخلت (إن) على ما خبره نهيٌ.
وللجزأين بعد دخولهن ما لهما مجردين، لكن يجب هنا تأخير الخبر/ ما لم يكن ظرفًا أو شبهه، فيجوز توسيطه، ولا يُخص حذف الاسم المفهوم معناه بالشعر، وقلما يكون إلا ضمير الشأن، وعليه يُحمل "إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المُصورون" لا على زيادة (من)، خلافًا للكسائي.]-
ش: تقدم ما تدخل عليه (كان) وأخواتها من المبتدآت، وزادت (دام) أن خبرها لا يكون مفردًا طلبيًا، وهذه الأحرف كذلك، فلذلك أحالها على (دام).
وقوله وربما دخلت (إن) على ما خبره نهيٌ وأنشد على ذلك في الشرح:
إن الذين قتلتم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليكم ناما
وأنشد غيره
ولو أصابت لقالت وهي صادقةٌ إن الرياضة لا تُنصبك للشيب
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور في شرحه الصغير لكتاب الجمل: "أما الجملة غير المحتملة للصدق والكذب ففي وقوعها خبرًا لهذه الحروف خلاف، والصحيح أنها تقع في موضع خبرها، ومن ذلك قوله.
إن الذين قتلتم.
البيت.
فأوقع قوله (لا تحسبوا) موقع خبر (إن)، وهي جملة نهي" انتهى كلامه.
وينبغي أن يُخص الخلاف بـ (إن) وحدها؛ إذ هو مورد السماع، ولا يمكن أن يكون الخلاف في (ليت)، ولا في (لعل)، ولا في (كأن)؛ لأنه يمتنع أن تكون جملة النهي متعلقًا للترجي والتمني والتشبيه، وإن ألحق بـ (إن) (لكن) فيمكن ذلك.
والذي نختاره أن ذلك لا يجوز، وعليه نصوص شيوخنا، وتأولوا البيتين على إضمار القول، أي: أقول لكم لا تحسبوا، وكذلك: أقول لا
تُنصبك للشيب، وكثيرًا ما يُضمر القول، وكذلك تأوله الأستاذ أبو الحسن في شرحه الكبير للجمل.
وقوله وللجزأين بعد دخولهن ما لهما مُجردين يعني أن لهما من الأحوال والأقسام، فكما انقسم المبتدأ إلى اسم عين وإلى اسم معنى، وانقسم الخبر إلى الأقسام المذكورة في باب الابتداء، واستُصحبت الأحوال والشروط، كذلك هنا.
ومن الشروط عود ضميرٍ من الجملة المخبر بها.
ومن الأحوال جواز حذفه لدليل، قال الشاعر:
وإن الذي بيني وبينك لا يبنى بأرضٍ - أبا عمرٍو - لك الدهر شاكر
أراد: لا يني به أو من أجله، قاله المصنف، ولخصته منه.
وقوله لكن يجب هنا تأخير الخبر علة ذلك أن عملها بحق الفرعية فلم يتصرفوا فيها كما تصرفوا في باب (كان) لأن عملها بحق الأصالة لكونها أفعالًا، فأبقوا معموليها على ترتيبها الأصل، وباب المبتدأ أن يكون مقدمًا على الخبر.
وعلل أبو موسى ذلك بأن عملها هو بحق الفرعية والحمل على/ الفعل، والأصل في الفعل أن يُقدم المرفوع على المنصوب، وقد يخرج عن هذا الأصل، فيُقدم المنصوب على المرفوع، فلما كان عمل هذه الحروف فرعيًا، وتقديم منصوب الاسم على مرفوعه فرعيًا، جعلوا منصوب هذه الحروف قبل مرفوعها لتكون صورتها في العمل كصورة ما
هو فرع في الأفعال التي هذه الحروف محمولةً عليها.
وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله "ليكونا معهن كمفعولٍ قدم وفاعلٍ أخر تنبيهًا على الفرعية".
وقوله ما لم يكن ظرفًا أو شبهه، فيجوز توسيطه مثال توسيطه ظرفًا: إن أمامك زيدًا، ومثاله مجرورًا: إن في الدار زيدًا.
وينبغي أن يؤخذ قول المصنف "فيجوز توسيطه" على الجواز الذي هو يقابل الامتناع لا على الجواز الذي يقابله الامتناع والوجوب؛ لأن من مسائل الظرف والمجرور ما يجب فيه تقديمهما على الاسم، نحو: إن في الدار ساكنها، وإن عند هند أخاها، فإن أخذت الجواز على ما يقابل الوجوب والمنع خرجت هذه المسألة ونظائرها.
وفي (الغرة): "ويجب أن يُقدر العامل في الظرف بعد الاسم كيلا يُقدم الخبر وهو غير ظرف".
قال المصنف في الشرح: "جاز تقديمه لأنه في الحقيقة معمول الخبر، وكان حقه ألا يتقدم على الاسم كما لا يتقدم الخبر، إلا أن الظرف والجار والمجرور يُتوسع فيهما ما لا يُتوسع في غيرهما، ولذلك فُصل بهما بين المضاف والمضاف إليه، وبين (كان) واسمها وخبرها، وبين الاستفهام والقول الذي يعمل عمل الظن، ولم يُبطل علم (ما) تقديمهما على اسمها، واغتُفر تقديمهما على العامل المعنوي، نحو: أكل يومٍلك درهمٌ؟ وعلى المنفي بـ (ما)، نحو قول بعض الصحابة:
ونحن عن فضلك ما استغنينا
ومثله:
لم يكن غيرها خلةً لي ولها ما كان غيري خليل
ولو عومل غيرهما معاملتها في شيء من ذلك لم يجز" انتهى.
وقوله "ولو عومل إلى آخره" لا يصح على الإطلاق لأنه قد أجاز هو وغيره أن يُفصل بين المضاف إذا كان مصدرًا وبين المضاف إليه إذا كان فاعلًا بالمفعول به.
وكذلك في الإقحام في النداء على مذهب س في: يا زيد عمروٍ.
وكذلك أجاز المصنف في الاختيار الفصل بين المضاف إذا كان اسم فاعل والمضاف إليه الذي هو مفعول في المعنى بمفعول آخر.
قال المصنف في الشرح: "والأصل في الظرف الذي يلي (إن) أو إحدى أخواتها أن يكون ملغي، أي: غير قائم مقام الخبر، نحو، إن عندك زيدًا مقيمٌ، وكقول الشاعر:
فلا تلحني فيها، فإن بحبها أخاك مصاب القلب جمٌ بلابله
فأما القائم مقام الخبر فجدير بألا يليها لقيامه مقام ما لا يليها، لكن اغتفر إيلاؤه/ إياها التفاتًا إلى الأصل" انتهى.
وكلامه يدل على جواز أن يتقدم معمول الخبر المصرح به على الاسم، نحو قوله: إن عندك زيدًا مقيمٌ، ونحو البيت الذي أنشده.
ونص أصحابنا على أنه لا يلي (إن) وأخواتها إلا اسمها إن تقدم على الخبر، أو خبرها إن تقدم على الاسم، وكان ظرفًا أو مجرورًا، فلو تقدم معمول الخبر، وكان غير ظرف أو مجرور، نحو: إن طعامك زيدًا آكلٌ، فلا خلاف يُعرف في بطلان ذلك، وإن كان ظرفًا أو مجرورًا فقد جاء ما ظاهره يقتضي جواز ذلك، نحو البيت الذي أنشده المصنف، فإن ظاهره يقتضي أن يكون قوله (بحبها) متعلقًا بالخبر الذي هو (مُصاب) وقد تأوله أصحابنا بأن جعلوه متعلقًا بفعل محذوف، تقديره: أعني، كأنه قال: أعني بحُبها، وفُصل بهذه الجملة الاعتراضية بين (إن) واسمها، فيكون نحو قول الآخر:
كأن - وقد أتى حولٌ كميلٌ- أثافيها حماماتٌ مثول
فصل بين (كأن) واسمها بجملة الاعتراض التي هي: وقد أتى حولٌ كميلٌ.
وفي (الغرة): وقد منع الأخفش في (المسائل الكبير) أن يُفصل بينهما بما لا يُسمع، فقال: لو قلت: "إن بينك يومين زيدًا مقيمٌ" كان في القياس جائزًا، ولم يُسمع، ولا نُجيزه إلا في المسموع.
وكذلك لم يُجز إن حتى اليوم زيدًا مقيمٌ؛ لأن (حتى) معناها الانتهاء، فلابد أن يتقدمها كلام، وقد منع تقدمها بلا إن، كما منع أن تتقدم على رب إن.
وقال المصنف: "وقد عاملوا الحال معاملة الظرف، فأولوها (كأن)، ومنه قول الشاعر:
كأن وقد أتى حولٌ كميلٌ.
البيت" انتهى.
وقد ذكرنا قول أصحابنا إن قوله "وقد أتى حولٌ كميلٌ" جملة اعتراضية لا حالية، فعلى قولهم لم يعاملوا الحال معاملة الظرف، ولا أولها (كأن).
ومن غريب المنقول ما وقع في (النكت التي على إيضاح الفارسي) تأليف أبي على الحسن بن علي بن حمدون الأسدي المعروف بالجلولي، وهو ما نصه: "يجوز أن يُفرق بين (إن) واسمها بالحال لأنهم قد أجروا الحال مجرى الظرفن فإذا قلت (إن زيدًا قائمٌ ضاحكًا) جاز تقديم (ضاحكًا) على (زيد)، فتقول: إن ضاحكًا زيدًا قائمٌ.
فإن قيل: إذا قدمت (ضاحكًا) - وهو متعلق بقائم - صرت كأنك قدمت بعض الخبر.
قلت: لو امتنع هذا لامتنع تقديم الظرف، والنية به التأخير والتعلق بالخبر، نحو: إن في الدار زيدًا قائمٌ، و (في الدار) متعلق بقائم، وهذا عندهم جائز.
ومنع قومٌ التفرقة بين (إن) واسمها بالحال" انتهى كلامه.
وتضمن هذا الذي ذكره أن النحويين اختلفوا في الفصل بين اسم (إن) وبينها بالحال، وأن الظرف إذا كان معمولصا للخبر المصرح به يجوز/ أن يُفصل به بين (إن) واسمها، وقد تقدم منع أصحابنا لذلك.
ويُشترط في الظرف والمجرور الواقعين خبرًا أن يكونا تامين، وقد تقدم ذلك في باب الابتداء.
وزعم الفراء ومن أخذ بمذهبه أنه يجوز أن يقع الظرف الناقص والمجرور الناقص خبرًا في اللفظ، وهو معمول لمتعلقة في المعنى ومتعلقة حال في اللفظ، وهو خبر في المعنى، نحو: إن زيدًا بالجارية كفيلًا، وإن زيدًا اليوم قائمًا.
وفي كتاب (الواضح): إن الكوفيين يحكون النصب مع الناقص عن العرب، إلا أنهم يقولون: النصب مع لتام أكثر في لسان العرب وأصح علة، أنشد أحمد بن يحي:
فلا تلحني فيها........... البيت
رُوي بنصب (مُصاب) على الحال، وجعل الباء خبر (إن)، وما يتم الكلام بها دون (مُصاب)، وهذا متفرع على باب المبتدأ والخبر، ومبني على مسألة: عبد الله بالجارية كفيلٌ، فالرفع في (كفيل) واجب عند البصريين، وهو المختار عند الكوفيين، وزعموا أن من العرب من يقول: عبد الله بالجارية كفيلًا، بالنصب.
وقال أبوجعفر النحاس: لا حُجة في البيت لأنه إن كان مسموعًا بالنصب فإنه على قولك: أنا بالله وبك، على معنى الانقطاع والملازمة.
وقوله ولا يُخص حذف الاسم المفهوم معناه بالشعر قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "يجوز حذف أسماء هذه الحروف في فصيح الكلام إذا كان في الكلام ما يدل عليه، نحو قوله:
فلو كنت ضبيًا عرفت قرابتي ولكن زنجيٌ عظيم المشافر
يريد: ولكنك زنجيٌ.
ومن ذلك قوله:
فليت دفعت الهم عني ساعةً فبتنا على ما خيلت ناعمي بال
يريد: فليتك".
وذكر أبو الحسن علي بن عبد الصمد السخاوي في (شرح المفصل) أن ذلك لا يجوز إلا ضرورة.
وقوله وقلما يكون إلا ضمير شأن قال المصنف: "ويجوز حذف الاسم إذا فهم معناه، ولا يخص ذلك بالشعر، بل وقوعه فيه أكثر، وحذفه وهو ضمير الشأن أكثر من حذفه وهو غيره، ومن وقوع ذلك في غير الشعر قول بعضهم: إن بك زيد مأخوذ، حكاه س عن الخليل، يريد: إنه بك زيد مأخوذ.
وحكي الأخفش: إن بك مأخوذ أخواك، بحذف الاسم، وهو ضمير المخاطب، وجعل (مأخوذ) خبرًا مرتفعًا به (أخواك)، كما كان يرتفع بـ (يؤخذ)، وتقديره: إنك بك مأخوذ أخواك، ولا يجوز أن يكون التقدير: إنه بك مأخوذ أخواك؛ لأن الصفة المرتفع بها ظاهر بمنزلة الصفة المرتفع لها مضمر في أنها لا تسد مسد جملة، ولا يكون مفسر ضمير الشأن إلا جملة محضة مصرحًا بجزأيها.
ومن حذف الاسم في الشعر/ قول الشاعر:
فلو كنت ضبيًا...........................................
وقوله:
فليت دفعت.............................
البيتين، التقدير: وكلنك زنجي، وفليتك.
ويحتمل أن يكون التقدير: فليته.
وكذا قول الآخر:
فلا تخذل المولى وإن كان ظالمًا فإن به تثأى الأمور، وترأب
التقدير: فإنه، والهاء إما للمولى وإما ضمير الشأن.
ومما لا يكون المحذوف إلا ضمير الشأن قوله:
ولكن من لم يلق أمرًا ينوبه بعدته ينزل به وهو أعزل
ومثله قول الآخر:
فلو أن حق اليوم منكم إقامة وإن كان سرح قد مضى، فتسرعا
ومثله:
إن من لام في بني بنت حسا ن ألمه، وأعصه في الخطوب
وقال:
كأن على عرنينه وجبينه أقام شعاع الشمس، أو طلع البدر
وقال:
كأن في أظلالهن الشمس
وقال آخر:
ليت على رجلي تسعى سودا يا سود إن القوم قوم أعدا
وذكر س: أن إياك رأيت، وإن أفضلهم لقيت، ثم قال: (فأفضلهم منتصب بلقيت، وهو قول الخليل، هو في هذا ضعيف لأنه يريد: إنه إياك رأيت، فترك الهاء).
وهذا تصريح بالجواز دون ضرورة" انتهى.
ولم يجزه الفراء لأنه لا يكون الاسم الواحد معمولًا لعاملين.
قاله في البسيط.
وجوزوا أن يكون المحذوف من قوله "فلو أن حق اليوم" ضمير خطاب، أي: فلو أنكم.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "لا يجوز حذف الاسم وهو ضمير الشأن إلا في ضرورة شعر، نحو قوله:
إن من لام.
البيت.
وإنما لم يجز حذف امس هذه الحروف إذا كان ضمير أمر وشأن لأن الجملة الواقعة خبرًا له هي مفسرة له، فأشبهت الجملة لذلك -وإن كانت في موضع الخبر- الجملة الواقعة صفة، فقبح حذفه وإبقاء الجملة، كما يقبح حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إذا كانت الصفة جملة، وأيضًا فإنه يستعمل في مواضع التعظيم، والحذف مناقض لذلك".
وقال الأستاذ أبو الحسن أيضًا: "ذهب جمهور البصريين إلى أنه يحسن حذفه في الشعر، ويقبح في الكلام، إلا أن يؤدي حذفه إلى أن يلي (إن) وأخواتها فعل، فإنه إذ ذاك يقبح في الكلام والشعر لأنها حروف طالبة للأسماء، فاستقبحوا لذلك مباشرتها للأفعال".
وذهب أبو الحسن إلى أن حذفه/ يحسن في الكلام وفي الشعر إذا لم يؤد الحذف إلى أن يكون بعد (إن) وأخواتها اسم يصح عملها فيه، نحو: إن في الدار قائم زيد، ومن ذلك قوله:
كأن على عرنينه وجبينه أقام شعاع الشمس أو طلع البدر
وكذلك قوله:
فلا تشتم المولى................................................
وقوله:
إن من يدخل الكنيسة..........................................
وقوله:
ولكن من لا يلق.................................................
الأبيات؛ لأن اسم الشرط لا يحسن عمل (إن) فيه.
فإن أدى حذفه إلى أن يكون بعدها اسم يصح عملها فيه لم يجز الحذف، نحو قولك: إن زيد قائم، لا يجوز عنده حذف هذا الضمير إلا أن يكون ذلك الاسم لفعل بعده، أو مبتدأ قد رفع ظاهرًا سادًا مسد خبره، فإنه إذ ذاك يجوز حذفه، نحو قولك: إن أفضلهم كان زيد، وإن في الدار جالس أخوك.
وإنما ساغ ذلك مع إمكان أن تعمل (إن) فيما بعدها، فيقال: إن أفضلهم كان زيدًا، وإن في الدار جالسًا أخو؛ لأن المباشر في التقدير لـ (إن) في المسألة الأولى إنما هو (كان)؛ لأن النية بالخبر التأخير، وفي الثانية اسم قد عومل معاملة الفعل.
وذهب الكسائي والفراء إلى أن حذف الضمير لا يجوز إذا أدى ذلك إلى أن يكون بعد (إن) وأخواتها اسم يصح عملها فيه، وسواء أكان الاسم
معمولًا لفعل متأخر أم مبتدأ قد رفع ظاهرًا سد مسد خبره أو لم يكن.
فإن وقع بعد (إن) وأخواتها فعل قد تقدم عليه معموله، وهو ظرف أو مجرور، نحو قولك: إن في الدار قام زيد، وإن عندك جلس عمرو، فذهب الكسائي إلى أن (إن) مبطلة في اللفظ عاملة في معنى الفعل، قال: لأنك إذا رددت الفعل إلى الدائم انتصب، فقلت: إن في الدار قائمًا زيد، وإن عندك جالسًا عمرو.
وإنما لم يجز عنده أن يكون على إضمار الأمر لأن الأم إذا أتى به في مثل هذا إنما هو وقاية لـ (فعل) و (يفعل)، فلا يجوز إسقاطه لذلك، كما أن (ما) من قولك "إنما قام زيد" لا يجوز إسقاطها لأنها دخلت وقاية لـ (فعل) و (يفعل).
وقال الفراء: اسم (إن) في المعنى، وما ذكره من أن الضمير في مثل "إنه قام زيد" إنما أتى به وقاية ليس كذلك، بل أتى به لإرادة تعظي الأمر، فأبهم أولًا لأن التعظيم من توابع الإبهام، ثم بين بعد إبهامه.
ومما حذف منه الضمير -والحرف بعده اسم يصح عمله فيه- ما رواه الخليل من أن ناسًا يقولون: إن بك زيد مأخوذ، ومن ذلك قول جميل:
ألا ليت أيام الصفاء جديد ودهر تولى -يا بثين- يعود
في رواية من رفع الأيام.
وفي (الإفصاح): مذهب أبي علي أن هذا -يعني حذف ضمير الأمر إذا كان اسمًا لـ (إن) - يختص بالشعر.
وأبو الحسن يجعله جائزًا في الكلام، ويقيسه، ويمثل به، وهو مذهب/ وهو عند س ضعيف في الكلام جائز في الشعر كثير فيه.
وأجازه الجرمي في الكلام، وأجاز: إن فيها قائم أخواك، قال: تضمر لـ (إن) اسمًا، وقائم: مبتدأ، ويرتفع (أخواك) بفعلهما، وإن فيها قائمان أخواك، على أن يكون (أخواك) مبتدأ، وقائمان: خبر مقدم، وأضمرت الاسم.
وقال: لا قائم في الدار إلا زيد، إن علقت (في الدار) بـ (قائم) لم يجز إلا رفع (زيد)، وإذا قلت (لا قائم إلا زيد) فإنما أردت: لا يقوم إلا زيد، ولا يجوز فيه إلا الرفع.
قلت: قد يقال في هذا: لا يصح لأن (لا) لا تعمل في الفعل، فكذلك فيما جرى مجراه.
ومذهب البصريين أن جميع هذه الحروف في حذف ضمير الشأن سواء على ما قرر، والكوفيون إنما ذكروا ذلك في (إن)، ولم يعدوا ذلك إلى غيرها كـ (ليت) و (كأن).
وقوله وعليه يحمل إلى قوله خلافًا للكسائي قال المصنف في الشرح: "المصورون هكذا رواه الثقات بالرفع"، وجعله من قوله عليه السلام.
وقال ابن عصفور: "وأما قول العرب: إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون"، فجعل هذا الكلام من قول العرب.
وتأوله