التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 59-98

ويحتمل أن يكون هذان التقديران في الأدب، أي: ملاك الشيمة الأدب مني، أو أدبي.
قال ابن عصفور: "ومما يبين لك بطلان هذا المذهب/ أنه لا يحفظ إلغاء ظننت أو شيء من أخواتها إذا وقعت صدر كلام".
وقال ابن هشام الخضرواي: "رأي بعض المتأخرين إلغاء الفعل متقدمًا لأنه جاء عنهم مثل: علمت زيد منطلق، وقد علمت إن زيدًا ذاهب، يعني بالكسر.
وقال بعض المتأخرين: الأصل في ظننت ألا تعمل، فجعل هذا مما جاء على الأصل" انتهى.
وما حكاه ابن هشام مخالف لقول ابن عصفور.
وقد اختلف من هذا الأصل - وهو أن تتصدر أول الكلام - في مسائل: الأولى: ظننت يقوم زيدًا، وظننت قام زيدًا: ذهب الكوفيون والأخفش إلى أنه لا يجوز النصب في زيد، وأجاز ذلك سائر البصريين لأن النية بالفعل التأخير.
الثانية: أظن نعم الرجل زيدًا، ووجدت نعم الرجل زيدًا: ذهب الفراء إلى جواز ذلك، وهو مقتضى مذهب البصريين، ولم يجز الكسائي ذلك في أظن، وأجاز ذلك في وجدت.
الثالثة: ظننت قائمًا زيدًا: ذهب البصريون إلى جوازها، ومنعها الكوفيون إن أردت بقائم الفعل، وإن أردت الخلف جازت عندهم أكثرهم.
قال ابن كيسان: هي قبيحة لأن الخبر يكون الاسم، فقبحت لأن الخبر مخالف للاسم، لأنه يقع موقع الجملة، ويلزم من أجازها أن يقول: ظننت يقوم زيدًا، فيولي الظن

الفعل، فيحل الفعل محل المفعول الأول، والفعل لا يكني عنه بالهاء كما يكنى عن المفعول، وكذلك الجمل.
وذلك كله جائز عند البصريين على التقديم والتأخير كما جاز في كان.
الرابعة: أظن آكلًا زيدًا طعامك، أجازها البصريون، ومنعها الكوفيون.
الخامسة: طعامك أظن أكلًا زيدًا، أجاز ذلك البصريون والكسائي.
وقال الكسائي: النية فيه: أظن زيدًا آكلًا طعامك.
وقال الفراء: لا يجوز لأنك أوقعت الظن على فاعل الظن على فاعل لم يكن عنده معنى لفعل، فصار لا يتقدم عليه، و"طعامك" صلته، فلا يفرق بينهما بشيء.
وقوله وبضعفه في نحو: متى ظننت زيد قائم يعني أنها إذا لم تتصدر وتقدمت على المفعولين.
قال المصنف في الشرح: "وعدم تصدرها بكونها سبقها معمول لها، نحو: متى ظننت زيد منطلق، أو "ما" النافية، نحو قوله: ......................... وما - إخال - لدينا منك تنويل ألغى إخال وإن كانت متقدمة على المبتدأ والخبر لما لم تقع صدرًا، بل جاءت بعد "ما"، كأنه أراد أن يقول: وما لدينا منك تنويل، فاعترض بـ "إخال" بين "ما" والجملة المنفية بها، أو بـ "أن" نحو قوله: ....................... أني وجدت ملاك الشيمة الأدب" انتهى.

ولم يذكر س في «أين تظن زيدًا منطلقًا» إلا الإعمال، ويجوز الإلغاء على قلة، فإن كان المتقدم حرفًا/ لم يجز الإلغاء أصلاً، وذلك: أتظن زيدًا منطلقًا؛ لأنه لم يتقدم معمول أصلاً.
وقول المصنف «وبضعه في نحو: متى ظننت زيد قائم» إبهام في التشبيه، وكان ينبغي أن يأتي بقانون كلي، وهو: ألا تتصدر، وأن تتقدم على المفعولين.
وكلامه دائمًا كثير الإجمال والإبهام والتلفيف، هذا المثال الذي مثله أفهم أنه يضعف فيه الإلغاء، وهذا فيه تفصيل، ذكره النحويون، وهو أنه لا يخلو أن تجعل «متى» معمولة للخبر، أو معمولة لظننت، فإن كانت معمولة للخبر جاز إلغاؤها وإعمالها لأنها لم تقع صدر كلام، فإن اعملت فلبنائك على الظن، وإن ألغيت فلأنك أردت أن تقول: متى زيد منطلق، ثم اعترضت بظننت بين «متى» وبين «زيد منطلق».
وإن كانت معمولة لظننت لم يجز إلا الإعمال؛ لأن الظن إذ ذاك لا يكون معترضًا به بين أجزاء الجملة، بل داخلاً على الجملة من المبتدأ والخبر واقعًا صدر كلام.
ولم يذكر س في «أين تظن زيدًا منطلقًا» إلا الإعمال، وذكر غيره الإلغاء على قلة على ما فصل.
فإن كان المتقدم حرفًا لم يجز الإلغاء، وذلك: أتظن زيدًا منطلقًا؛ لأنه لم يتقدم معمول أصلاً.
ومن صور هذه المسألة- وهي ألا تتصدر ظننت، وأن تتقدم على المفعولين-

صورة لا يجوز فيها إلا الإلغاء، ولا يجوز الإعمال، وهي مقابلة المسألة المتأخرة قبل هذه المسألة، وتلك الصورة هي ما حكاه الأخفش: إن زيدًا لظننت أخوه منطلق، ألغى ظننت لما توسطت بين لام إن والجملة التي في موضع الخبر.
ولا يجوز إعمالها هنا لأن لام إن إذ ذاك داخلة على ظننت، وهو ماضٍ متصرف، ولام إن لا يجوز دخولها على الماضي المتصرف إذا وقع خبرًا، فإذا لام الابتداء داخلة على الجملة الواقعة خبرًا لـ «إن»، وأعترض بظننت بينهما.
وقوله وبجوازه بلا قبح ولا ضعف في نحو: زيد قائم ظننت، وزيد- ظننت- قائم يعني أنه يجوز الإلغاء والإعمال إذا تأخرت عن المفعولين، أو توسطت بينهما.
قال ابن عصفور: والسبب في جواز إلغائها متأخرة ومتوسطة أنك إذا ابتدأت بغيرها تكون قد بنيت كلامك على الإخبار من غير أن تقصد جعل ذلك الخبر مما تعلمه أو تظنه، ثم تريد بعد أن يتبين أن ذلك في علمك أو في ظنك، فتأتي بالفعل معترضًا بين أجزاء الكلام، أو ملحقًا له آخر الكلام لتبين ما قصدت من ذلك.
وأجاز الأستاذ أبو علي أن يكون السبب في إلغائها متوسطة أو متأخرة كونها ضعيفة العمل لما تقدم ذكره من أن عملها إنما هو بحق الشبه بأعطيت وأخواتها، والعامل إذا تقدم معموله/ عليه يضعف عمله، ولذلك يجوز أن تقول: لزيد ضربت، فتوصل ضربت إلى زيد باللام لما ضعفت بتأخيرها عنه، ولو كانت متقدمة عليه لم يحسن ذلك.
قال: فلما كانت ظننت وأخواتها ضعيفة في العمل، وازدادت ضعفًا بتأخرها عن المعمول- جاز لذلك ألا يراعى شبهها بأعطيت، فتلغى عن العمل.

وقال ابن عصفور: هذا التوجيه باطل عندي، بل سبب الإلغاء ما قدمناه من أنه يجوز إلغاؤها مع تقدمها على المفعولين إذا وقعت حشوًا؛ ولو كان السبب ما ذكر لما جاز الإلغاء في مثل هذا؛ لأن المعمول فيه متأخر عن الفعل.
ومن إلغاء الفعل متأخرًا قول الشاعر: هما سيدانا يزعمان، وإنما... يسوداننا إن يسرت غنماهما وقول الآخر: آت الموت، تعلمون، فلا ير... هبكم من لظى الحروب اضطرام وقول الآخر: القوم في أثري، ظننت، فإن يكن... ما قد ظننت فقد ظفرت وخابوا ومن إلغائها متوسطة قول الشاعر: أبالأراجيز- يا بن اللؤم- توعدني... وفي الأراجيز- خلت- اللؤم والخور هكذا أنشده س على أن القصيدة رائية، وأنشده الجاحظ: ............................................ خلت اللؤم والفشل

وهو للعين المنقري، وقبله: إني أنا ابن جلا إن كنت تنكرني... يا رؤب، والحية الصماء والجبل

وروي أيضًا: وفي الأراجيز رأس النوك والفشل.
والذي قبله: الصماء في الحبل.
وبعد هذا البيت:

ما في الدوابر من رجلي من عنت... عند الرهان، ولا أكوى من الفعل

وهذا الذي ذكره المصنف من جواز الإلغاء مع التأخر والتوسط له شرطان، أهملهما: أحدهما: ألا تدخل لام الإبتداء على الإسم، فإن دخلت فلا يجوز إلا الإلغاء، نحو: لزيد قائم ظننت، ونحو: لزيد- ظننت- قائم.

الشرط الثاني: ألا تكون منفية، فإن كانت منفية فلا يجوز إلا الإعمال، نحو: زيدًا منطلقًا لم أظن، وزيدًا لم أظن منطلقًا؛ لأنه لا يجوز لك إذ ذاك أن تبني كلامك على المبتدأ والخبر، ثم تعترض بالظن المنفي؛ ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول «زيد منطلق» إلا وأنت عالم بصحة ذلك أو ظان له، وهذا المعنى لا

يتصور مع قولك لم أظن أو لم أعلم، فلم يبق إلا أن يكون الكلام مبنيًا على الظن المنفي أو العلم المنفي، ولا يبطل هذا الذي/ ذكرناه بقول الشاعر: ........................................ وما- إخال- لدينا منك تنويل

بإلغاء «إحال» مع دخول أداة النفي عليها ظاهرًا؛ لأن أداة النفي إنما هي داخلة في المعنى على ما بعد «إخال» لا على «إخال»، كما تقدم تبيينه.
ومن صور هذا الذي ذكرناه أن يكون الخبر جملة شرطية أو جملة اسمية، فتقدمه مع المبتدأ على الفعل، أو توسط الفعل بينهما، نحو: زيد أبوه منطلق ظننت، وإن تكرمه يكرمك خلت عمرو، فيجوز فيه الإلغاء والإعمال.
وإذا جاز الإعمال والإلغاء وتوسطت اختلفوا: فقيل: الأرجح الإعمال؛ لأن الفعل أقوى من الإبتداء؛ لأنه عامل لفظي، والإبتداء عامل معنوي.
وقيل: هما سواء؛ لأنه عادل قوتها تأخرها، فضعفت لذلك، فقاومها الإبتداء بالتقديم؛ ألا ترى حسن: لزيد ضربت، وقبح: ضربت لزيد.
وإن تأخرت فالإلغاء أقوى عند الجميع؛ لأن المبتدأ قد وليه الخبر، فأزداد الفعل ضعفًا بالتأخير، بخلاف ما إذا توسطت.
وقال س: «فإن أردت الإلغاء فالتأخير فيه أقوى»، أي: عبد الله ذاهب أظن، أقوى من قولك: عبد الله أظن ذاهب.
ثم اعتل س، فقال: «لأنه إنما يجئ بالشك بعد ما يمضي كلامه على اليقين».
وقال الفراء: إذا وقعت ظننت بين اسم وخبره بطلت مذاهبها، وكذلك

هي إذا تأخرت بعد الخبر.
قال: وإنما بطلت مذاهبها إذا توسطت أو تأخرت لأنها في الأصل حكاية، والحكاية لا تنفرد بخبرٍ ولا بأسمٍ لأن الخبر والإسم كلمة، فلا تقع الحكاية على كلمة.
وقول ابن سعدان قريب من كلام الفراء.
ثم إن الفراء أجاز بعد أن يعمل الظن متوسطًا، فقال: وتقول: عبد الله أظنه قائم، فيسنح لك فيها أربعة معان: إن جعلت الهاء لعبد الله رفعته بعودتها عليه، ونصبت قائمًا لأنه حال للهاء.
وإن شئت جعلت الهاء أنها لعبد الله، وألغيتها، ورفعت عبد الله وفعله، كأنك قلت: عبد الله قائم أظنه.
وإن شئت جعلت الهاء كناية عن مصدر، فرفعت عبد الله وفعله، كأنك قلت: عبد الله أظن ذاك قائم.
وإن شئت جعلت الهاء لرجل قد جرى له ذكر، فتنصب عبد الله لأنه خبر الهاء، وتنصب قائماً على القطع.
انتهى.
وتلخص من هذا الكلام أنها إذا توسطت أو تأخرت بطل الإعمال، إلا أن الفراء أجاز الإعمال مع التوسط، وهو في الوجه الرابع الذي ذكره أخرًا في هذه المسألة.
وينبغي أنها إذا تأخرت أن تلغى، ولا يقدم على الإعمال إلا بسماع، وإن كان القياس يقتضيه.
فرع: زيد ظننت ماله كثير، يجوز فيه الإلغاء والإعمال: فإن الغيت رفعت/ زيدًا، و «ماله كثير» خبر عنه لأن الظن متوسط.
وإن أعلمت نصبت زيدًا، وكانت الجملة من قوله «ماله كثير» في موضع نصب على أنها المفعول الثاني.
وزعم الفراء أن الإلغاء هنا قبيح، قال: لأن بعد الظن حرفين، فكأنها مبتدأة.
يعني أن بعد «ظن» ما يمكن أن يعمل فيه، وهما جزأ الجملة، فكأنك هيأتها للعمل، ثم ألغيتها.

وقوله وتقدير ضمير الشأن أو اللام المعلقة في نحو ظننت زيد قائم أولى من الإلغاء وكان المصنف قد قدم أن حمل هذا على الإلغاء قبيح، ورأى هنا أن تأويله على إبقاء الفعل على عمله لأجل تقدمه أولى من حمله على إبطال عمله وهو متقدم، ويكون أصله: ظننته زيد قائم، فالمفعول الأول ضمير الشأن، والثاني الجملة، وهي في موضع نصب، كما حذفوه في قولهم: إن بك زيد مأخوذ، التقدير: إنه، أو يكون أصله: ظننت لزيد قائم، فحذف لام الإبتداء، وهي مرادة، فكان ظننت إذ ذاك معلقة، والجملة من قولك «لزيد قائم» في موضع معموليها، وعلى هذا الوجه خرجه س، وحمل عليه قول الشاعر: .................................. وإخال إني لاحق مستتبع بالكسر على تقدير: إني للاحق.
وإنما كان هذان التاويلان أولى من تأويل الإلغاء فيه إبطال العمل لـ «ظن»، وهي متقدمة، وفي هذين إبقاؤها عاملة، إما في اللفظ إذا أضمرت ضمير الأمر، وإما في المعنى إذا علقت.
فإن قلت: أي التأويلين أرجح؟ قلت: يظهر في باي الراي ترجيح الأول لأن ظننت فيه عاملة في اللفظ، وأما الثاني فهي عاملة في الموضع لا في اللفظ.

والذي يقتضيه النظر ترجيح ما ذهب إليه س لأنه كثيرًا ما يلحظ المعنى، ففي ما أختاره حذف حرف مؤكد لا عمل لـ «ظن» فيه، ولا موضع له من الإعراب، ولم يخل الفعل من العمل في الموضع.
وفيما ذكره المصنف حذف اسم معمول لـ «ظن»، وحذف غير المعمول أولى من حذف المعمول.
وأيضًا فإنه مبهم يفسره ما بعده، فالقياس يقتضي ألا يجوز حذفه، كما لم يجز بعد رب، ولا بعد نعم وبئس، ولا في باب التنازع.
وأيضًا فحذف مفعولي ظن لدلالة المعنى على الحذف في غاية الندور.
وأيضًا فكما لا يجوز حذف المفسر وإبقاء تفسيره فكذلك لا يجوز هذا.
قال المصنف: «ومما ينبغي أن يحمل على هذا قول كعب بن زهير، رضي الله عنه: أرجو وآمل أن تدنو مودتها... وما إخال لدينا منك تنويل

التقدير: وما إخاله لدينا منك تنويل» انتهى.
وهذا الذي ذكره المصنف محتمل، وتقدم التأويل فيه، وهو أن حرف النفي دخل على الجملة، ثم اعترض الفعل بين الحرف/ والجملة، ولا إضمار إذ ذاك في الفعل لأنه ملغى.

وهذا الترتيب -أعني: ظننت زيد قائم- قد ذكرنا تنازع ابن هشام وابن عصفور في سماع مثل هذا عن العرب، وقد أجازه س في كتابه على التأويل الذي ذكرناه من حذف لام الإبتداء، وجوازه لا يدل على سماعه؛ إذ يمكن أن أجازه بالقياس.
وقوله وقد يقع الملغى بين معمولي إن، وبين سوف ومصحوبها، وبين معطوف ومعطوف عليه مثال الأولى قوله: إن المحب- علمت- مصطبر... ولديه ذنب الحب مغتفر ومثال الثانية قوله: وما أدري وسوف- إخال- أدري... قوم آل حصن أم نساء ومثال الثالثة قوله: فما جنة الفردوس اقبلت تبتغي... ولكن دعاك الخبز- أحسب- والتمر والمسألة الأولى دخلت فيها بين ما أصله المبتدأ والخبر، بخلاف المسألتين الأخريين.

وقوله وإلغاء ما بين الفعل ومرفوعه جائز لا واجب، خلافًا للكوفيين مثال ذلك: قام أظن زيد، ويقوم أظن زيد.
منع الكوفيون غعمال هذا، ووجوب الإلغاء جار على مذهبهم في منع إعمال مثل: ظننت يقوم زيد، وظننت قام زيد، وقد تقدمت هذه المسألة.
قالوا: والصحيح مذهب البصريين في أنه يجوز في ذلك الإلغاء والإعمال، وبذلك ورد السماع، قال الشاعر: شجاك- أظن- ربع الظاعنينا... ولم تبعأ بعذل العاذلينا ينشد برفع «ربع» ونصبه.
والذي يقتضيه القياس أنه لا يجوز إلا الإلغاء؛ لأن الإعمال مترتب على كون الجزأين كانا مبتدأ وخبرًا، والجزآن هنا لا يكونان مبتدأ وخبرًا البتة؛ لأن النحويين منعوا من تقديم الخبر إذا كان رافعًا ضمير المبتدا المستكن أو البارز المتصل على المبتدأ، والإعمال يؤدي إلى ذلك، فلا يجوز.
ومن الإلغاء قول الأفوه الأودي: ألا عللاني، وأعلما أنني غرر... وما- خلت- يجديني الشفاق ولا الحذر هكذا روي برفع الشفاق.

وفي البسيط: وأما إن يكون الخبر فعلا وتقدم، نحو: يقوم ظننت زيد-فالبصريون على جواز الإلغاء والإعمال، لكن عند الإلغاء يجب على مذهبهم ان يرتفع الاسم بالفعل كما كان في الابتداء.
وينبغي أن يقبح للفصل بالأجنبي؛ لأنه/ليس معمولا للفعل ولا مؤكدا لمعناه، والأحسن التأخير.
وقال الكوفيون: لا يكون إلا إلغاء ظننت في هذا؛ لأن الأول يطلب فاعله، والاسم فاعل له في المعنى، فلا يمنع عنه؛ لأنه يكون إلغاء لما لا يجوز إلغاؤه.
وقال بعض المتأخرين: إن صورة هذه المسألة تكون من باب إعمال الفعلين، فينبغي أن تجري على الخلاف فيه.
وهذا الي ذكره لا يصح؛ لأنها لا تدخل في باب الإعمال إلا بتقدير أن تعمل ولا تلغى، وأما بتقدير الإلغاء فلا تدخل؛ لأنه لا يحتاج إلى إضمار فيها ولا حذف، فليست هذه الصورة داخلة في الإعمال مطلقا.
وفي الإفصاح: منع الكوفيون: قام ظننت زيدا، أو يقوم خلت محمداً، وأجازوا الرفع على الفاعل لا على الابتداء وقالو: لا ينصب إلا ما كان مبتدأ قبل طننت، ولا يبتدأ بالاسم إذا تقدمه الفعل.
والبصريون: أجازوا النصب لأن العامل الآن فعل، فلا يكون فعل أقوى منه.
والمسألة عندي من إعمال الفعلين، فأما الرفع فاختلفوا فيه، والصحيح ما رآه الكوفيون؛ لأن الظن كلا شيء، والفعل قد تفرغ لما بعده.
وقوله وتوكيد الملغى بمصدر منصوب قبيح مثاله: زيد ظننت ظنا منطلق.

والسبب عند س وحذاق النحويين في قبح إلغائه إذا عمل في صريح المصدر أن العرب قد تقيم المصدر إذا توسط مقام الظن، وتلغيه مع ذلك، وتجعله بدلا منه.
فتقول: زيد ظنا بـ"ظننت"مضمرا، وجاز إضمار الفعل لدلالة الكلام عليه من جهة أنك إذا قلت زيد ظنا منطلق علم من ذلك أنك لم تقل هذا الكلام إلا بعد أن ظننته كذلك، فلما كانوا يجعلون المصدر إذا توسط ورفعوا الاسمين عوضا من ظننت كرهوا أن يجمعوا بينهما؛ لأن الجمع بين العوض والمعوض منه قبيح؛ ولذلك لم يظهرا الناصب لـ"سقيا لك"فلم يقولوا سقى الله سقيا لك لما جعلوا المصدر عوضا من ذلك الفعل الناصب له.
وزعم ابن خروف أنه إنما قبح ذلك من جهة أنك تكون قد ألغيت الظن وأعملته، والإلغاء والإعمال متدافعان.
وهذا الذي ذهب إليه باطل بدليل أنك تقول: زيد ظننت اليوم قائم، فتعمل ظننت في الطرف، وتلغيه عن المفعولين، ولا يستقبح ذلك، فلو كانت العلة ما ذكر لم يستقبح هذا.
وقوله وبمضاف إلى الياء ضعيف مثاله: زيد ظننت ظني قائم.
وقوله وبضمير أو اسم إشارة أقل ضعفا مثال الضمير: زيد ظننته منطلق.
ولما قبح الجمع بين الفعل وصريح مصدره قبح أيضا بين الفعل وضمير المصدر

إجراء لضمير المصدر مجرى المصدر من حيث كان إياه في المعنى؛ إلا أن قبح الإلغاء مع المصدر أشد من قبحه مع ضمير/المصدر؛ لأن المجعول عوضا من الفعل إنما هو المصدر لا ضميره.
وقال ابن خروف: زيد ظننته منطلق أحسن من قولك زيد ظننت ظنا منطلق من جهة ان الضمير مبني، لا يظهر لظننت فيه عمل.
وهذا الذي ذكره ابن خروف هو على ما قدم من السبب في الأعمال في صريح المصدر وإلغاء ظن.
وضمير المصدر يكون بلفظ المذكر المفرد كما مثلناه.
وأجاز هشام وأصحاب س: عبدالله أظنها ذاهب، بمعنى: أظن الظنة، ونظيره قول الشاعر: فإنكما إن تنظراني ساعة... من الدهر تنفعني، أرى أم جندب أي: تنفعني النظرة.
وأجازوا: عبد الله أظنها ذاهب، أي: أظن الظنتين.
وأجازوا: أظنهن، كناية عن الظنات.
ولا يجيز الفراء التأنيث فيقوا"أظنها"إلا مع المؤنث.
وهذا التخصيص لا معنى له؛ لأن القصد إنما هو إلى المصدر، والمصدر للمذكر والمؤنث واحد.
وأجاز هشام: زيد ظان أنا قائم.
وكذا: زيد أنا ظان قائم، يلغي الظن-يعني: وإن كان في جملة اسمية-كما يلغيه في جملة فعلية.
قال: فإن أراد المصدر جاء بالهاء، فقال: زيد ظانه أنا قائم، وإن شاء قال: أنا ظانها، يريد: الظنة، وظانهن، يريد: الظنات.

وقال الفراء: كلام العرب: زيد ظانا أنا قائم، بالنصب لأن الظن معلق بالجملة.
قال النحاس: جعل الفراء ظانا مصدرا مثل"اللهم عائذا بك من النار"،أي: عوذا.
وهذا كله خطأ عند البصريين، و"فاعل"مصدرا لا يقاس عليه.
والذي أجازه هشام لا يحسن إلا أن يكون من كلامين، فتقول: زيد ظان أنا قائم، أي: زيد قائم أنا ظان ذلك.
ومثال اسم الإشارة: زيد ظننت ذاك منطلق.
ولم يذكر الفارسي في"الإيضاح" "ذاك"إذا أردت به المصدر، وذكره س. وباتفاق هو أحسن في الإلغاء من لفظ المصدر عند من يجيز إلغاءه.
واختلفوا أهو أحسن في الإلغاء من الضمير أو الضمير أحسن منه أو هما في ذلك سواء: فظاهر كلام س أنه أضعف في الإلغاء من الضمير لأنه اسم ظاهر منفصل، فهو أشبه بلفظ المصدر.
وقال الزجاج: الهاء أضعف لأنه يتوهم منها أنها راجعة إلى زيد.
وما قاله الزجاج لا يظهر لأن"ذلك"يمكن أن يكون إشارة إلى"زيد"أيضا.
وقوله وتؤكد الجملة بمصدر الفعل بدلا من لفظ منصوبا، فيلغى وجوبا مثاله: زيد منطلق ظنك، أو: زيد ظنك منطلق، ناب ظنك مناب ظننت، ونصبه نصب المصدر المؤكد للجمل، فإلغاؤه واجب،/ فلا يجوز أن تقول: زيد أظنك منطلقا؛ لأن المفعولين إذ ذاك من صلة المصدر، وإذا كانا من صلته لم يكن

للفعل المضمر ما يدل عليه.
وقوله يقبح تقديمه قال المصنف في الشرح:"لأن ناصبه فعل تدل عليه الجمله، فقبح تقديمه كما قبح تقديم حقا.
من قولك: زيد قائم حقا، ولذلك لم يعمل؛ لأنه لو عمل وهو مؤكد لاستحق التقديم بالعمل، والتأخير بالتوكيد، واستحقاق شيء واحد تقديما وتأخيرا في حال واحد محال"انتهى.
وهذا القبح الذي هنا هو بمعنى أنه لا يجوز.
وأجاز ذلك الأخفش، قال: وتقول"ظنك عبد الله حسن"إذا ألغيت الظن، ونصبت ظنك بالفعل، كأنك قلت: عبد الله حسن تظن ظنك، أو: ظننت ظنك.
ورد النحاس هذا على الأخفش بوجهين: أحدهما: أنه ألغى الظن في أول الكلام.
ولا يلزمه ذلك لأن مذهبه أن تلغى ظننت متقدمة جوازا وإن لم يكن حسنا عنده، ولأنه النية به عنده التأخير، فليس مثل: ظننت زيد قائم؛ لأن ظننت هنا وقعت موقعها، ولا ينوى بها التأخير.
والوجه الآخر: هو أنه لا يجوز إضمار مالا يعرف معناه.
وهذا يجوز أن يكون المعنى على المضي وعلى الاستقبال؛ ألا ترى أنه قدر: تظن ظنك، أو: ظننت ظنك، وهذا لازم في حالة التوسط والتأخر، إذا قلت: زيد ظنك قائم، أو: زيد قائم ظنك-فينبغي ألا يجوز لعدم تعين الفعل المحذوف العامل في المصدر؛ إذ يحتمل أن يكون ماضيا ومتقبلا.
وملخص هذا الكلام في المصدر أنه لا يخلو أن تأتي بالفعل معه أو لا تأتي

بالفعل: فإن أتيت بالفعل كان مؤكدا للفعل، ثم الفعل غما أن يكون متقدما فالإعمال، نحو: ظننت ظنا زيدا قائما، وسواء اتيت بالمصدر صريحا أم بضميره أم باسم إشارة إليه، أو متأخرا، فالفصيح الإعمال، ويجوز الإلغاء، وهو قليل جدا، فإن أتيت بصريح المصدر كان جائزا على قبح، أو بالضمير أو اسم الإشارة كان دون صريح المصدر في القبح.
وإن لم تأت بالفعل فإما أن يتأخر المصدر أو يتوسط أو يتقدم، ولا يكون إذ ذاك إلا صريح المصدر، لا ضميره ولا اسم إشارة [إليه]:فإن تأخر أو توسط فالإلغاء، وهو إذ ذاك بدل من الفعل الملغى، فلا يجتمع معه، وإنما يجتمع مع الفعل العامل، ولا يكون بدلا من الفعل العامل فيعمل لكونه بدلا منه.
وذهب أبو العباس والزجاج وأبو بكر على جواز إعماله، فعلى مذهبهم تقول: زيدا ظنك منطلقا، وزيدا منطلقا ظنك، فتعمله لأنه عندهم بدل من الفعل العامل.
وإن تقدم فالصحيح/أنه لا يجوز التقديم.
وأجاز الاخفش وغيره التقديم.
واختلف مجيزوه في جواز إعماله، فمنهم من أجاز ذلك، فيقول: ظنك زيدا قائما.
والصحيح عند أكثر من أجاز التقديم أنه لا يجوز الإعمال، قالو: لأنه لا دليل أذ ذاك على الفعل المحذوف.
وهذا التفريغ كله على مذهب من يرى أنك مجيز في الإلغاء، وتقدم انه قول الجمهور.
وأما على مذهب الأخفش ففيه التفصيل السابق.

وقوله ويقل القبح في: متى ظنك زيد ذاهب.
قال المصنف في الشرح:"وكما قل القبح متى في متى تظن زيد ذاهب يقل في: متى ظنك زيد ذاهب"انتهى.
ومن أجاز النصب في ظنك زيدا ذاهبا كان عنده هنا أجوز، فيقول: متى ظنك زيدا ذاهبا؛ لأن أدوات الاستفهام طالة للفعل، فجاز إضمار الفعل بعدها لذلك.
وممن ذهب إلى إجازة ذلك ومنعه ظنك زيدا قائما بالإعمال ابن عصفور.
وقوله: وإن جعل متى خبرا لظن رفع، وعمل وجوبا، فتقول: متى ظنك زيدا قائما؛ لأنه إذ ذاك ليس بمصدر مؤكد ولا بدل من اللفظ بالفعل، وإنما هو مقدر بحرف مصدري والفعل، وكما تقول: متى ضربك زيدا.
وقوله وأجاز الأخفش والفراء إعمال المنصوب في الأمر والاستفهام قال المصنف في الشرح:"لأنهما يطلبان الفعل، نحو: ظنك زيدا منطلقا، ومتى ظنك زيدا منطلقا، بمعنى: ظن ظنك زيدا منطلقا، ومتى ظننت ظنك زيدا منطلقا"انتهى.
وهذا الذي حكاه المصنف عن الأخفش والفراء هو القياس، فكما جاز ذلك في نحو: ضربا زيدا، أي: اضرب زيدا، وقوله: أعلاقة أم الوليد.................................................

أي: أتعلق أم الوليد، جاز ذلك في باب ظن.
وقال صاحب الملخص:"تقول: ظنا زيدا منطلقا، كما تقول: ضربا زيدا، وتعمل ظنا كما تعمل ظننت إذا تقدمت، وكذلك لو وسطت ظنها أو أخرته فالإعمال، ولا يجوز الإلغاء لأنها في نية التقديم، ولأن الأمر طالب بالفعل، ومبنى الكلام عليه، فإن جئت بـ"ظنا"بعد ما بنيت الكلام على الإخبار بلا عمل لظن جاز، كما تقول: زيد منطلق ظن، تريد: ظن هذا موجودا، وتقول: أظنا زيدا منطلقا، ليس إلا الإعمال لتقدمها، فإن توسط أو تأخرت جاز الإلغاء والإعمال كما يجوز في الخبر".

-[ص: وتختص أيضا القبيلة المتصرفة بتعديها معنى لا لفظا إلى ذي استفهام، أو مضاف إليه، أو تالي لام الابتداء أو القسم/أو (ما) أو (إن) النافيتين أو (لا)،ويسمى تعليقا.]-

ش: التعليق ترك العمل في اللفظ لا في التقدير لمانع.
وإنما قلنا"في اللفظ لا في التقدير"لأن الجملة التي لا يؤثر فيها العامل لفظا لها محل من الإعراب في التقدير.
ويدل على ذلك أنه يجوز العطف على ذلك المحل، فيجوز أن تقول: علمت لزيد منطلق وعمرا قائما، فتعطف نصبا على محل: لزيد منطلق.
وهذا التعليق هو بخلاف الإلغاء-كما قدمناه-ترك العمل في اللفظ والتقدير لغير مانع.
وقال المصنف في الشرح:"التعليق عبارة عن إبطال العمل لفظا لا محلا على سبيل الوجوب، بخلاف الإلغاء، فهو إبطاله لفظا ومحلا على سبيل الجواز" انتهى.

ويرد عليه أن من التعليق شيئا يكون على سبيل الجواز لا على سبيل الوجوب، وسيأتي بيان ذلك حيث تكلم عليه المصنف.
وقوله وتختص أيضا القبيلة الاختصاص ينافي قوله بعد"ويشاركهن فيه كذا وكذا"، فالاختصاص والمشاركة لا يجتمعان.
وليس كل أفعال القلوب يعلق؛ ألا ترى أن الإرادة والكراهة ونحوهما من أفعال القلوب، ولا تعلق لأنها لا تدخل على الابتداء، ولا لها معنى يدخل على الابتداء بحسب الأصل.
ثم اختلفوا: فقال السيرافي وجماعة: ما كان من هذه يجوز تعليقها مطلقا.
وقالت طائفة: لا يكون منها معلقا بحق الأصل إلا ما جاز إلغاؤه، وهو المتعدي إلى اثنين، وهو رأي ابن السراج وأبي علي وابن الباذش وابن طاهر وجماعه، سواء أكان علما او ضده، وما عداه فبالحمل عليه.
واحتجوا بأنه منع للعمل، وما لا يتعدى إلى اثنين كيف يمنع عنهما، ولأن التعليق لا يكون إلا فيما يستقل بغير الفعل، ومعمول ما يتعدى إلى واحد لا يستقل، فلا بد من تأويله.
وذهب ابن كيسان وثعلب-وحكي عن المبرد-أنه لا يعلق إلا العلم منها،

وأما الظن ونحوه فلا يعلق.
قال الأستاذ أبو العلا: وهو الوجه عندي.
وزعم أنه رأي س على ما فهم عنه؛ لأنه ما مثل به في أبواب التعليق.
قال أبو العلا: والذي يدل عليه أن آلة التعليق بالأصل حرف الاستفهام وحرف التأكيد، أما التحقيق فلا يكون بعد الظن لأنه نقيضه، ولذلك قال ثعلب: فإذا قلت: ظننت إنك لقائم، تريد ما غل عليك من اليقين، فتكون ظننت بمعنى علمت-فهو جائز، وإن أردت الشك كنت كالكذاب.
وأما الاستفهام فالمراد الإبقاء مع أنك قد زال ترددك، فإذا دخلت ظننت بمعنى التردد فلا فائدة في/التسوية لأنك شاك مثله، فلا تدخلها على الاستفهام.
فإن قيل: فقد قال س: ظننت زيدا أبو من هو، فعلق.
قيل: هو بمعنى العلم إن سلمنا أنه تعليق، وإلا منعنا؛ لأنه إنما دخل على جملة خبرها الاستفهام، فعملت فيما يمكن أن تعمل، وبقي ما كان مستفهما على أصله.
فإن قيل: قد حكى س عن الخليل ويونس أن هذه اللام لا تدخل على كل فعل، فلا تقول: وعدتك إنك لخارج، وإنما تدخل على العلم والظن وما كان نحوه.

قيل: يحمل الظن على العلم، أو يكون مذهبًا لهما.
قال صاحب "البسيط": وهذا تكلف في التأويل، ولو سلمنا ذلك لقلنا: فما المانع من أن يعلق الظن بغير هذه من الحروف كـ (ما) و (لا) مما لا يعدم فيها ذلك.
وقوله المتصرفة احتراز من تعلم بمعنى: اعلم، ومن هب بمعنى: ظن، على زعمه، وتقدم قول ابن عصفور: إن هب بمعنى اجعل التي بمعنى صير.
وقوله إلى ذي استفهام يشمل ما يلي استفهاما، نحو: علمت أزيد في الدار أم عمرو، وعلمت أخرج عبد الله أم قعد، وما ضمن استفهامًا، نحو: علمت أيهم في الدار.
وقوله أو مضاف إليه مثاله: علمت أبو أيهم زيد.
وقال ابن كيسان: الفرق بين الظن والعلم هنا أن العلم يكون بالمسألة والبحث والنظر الذي يقع بعده الاستفهام، كأنك قلت: سألت فعلمت، ونظرت فعلمت، كما تقول، اسأل أيهما قام، أي: سل الناس فقل أيهم قام، والظن إنما هو شيء من نفسك وتمييز برأيك، وليس السؤال من غيرك، ثم يصير معلومًا.
وذهب بعض النحويين إلى أن ذلك حسن في علمت وقبيح في غيرها.
وقوله أو تالي لام الابتداء مثاله ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾، وظننت لزيد قائم.

وقوله أو القسم مثاله قول الشاعر: ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها وأكثر أصحابنا لا يذكرون في التعليق لام القسم.
وفي "الغرة": ولام القسم لا تعلق، كقوله: لقد علمت أسد أننا لهم يوم نصر لنعم النصر فهذه لام القسم، ولا تعلق علمت، كما تقول: علمت أن زيدًا ليقومن، فتفتح ان.
وأنشد المصنف عقب إنشاده هذا البيت قول الشاعر: لقد علم الإخوان لو أن حاتمًا يريد ثراء المال أمسى له وفر ووجه إنشاده أنه جعل "لو" معلقة للفعل كما علقته لام القسم لأن "لو" تجيء بعد القسم.
قوله أو ما مثاله ﴿وظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾، {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا

هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ}.
وفي "البسيط": /ذهب الخليل وجماعة إلى أنه يعلق بـ"ما" النافية لأنها لها الصدر كالاستفهام، تقول: علمت ما عبد الله قائم، ولأنها تشبه إن واللام؛ لأنها يتلقى بها القسم، وهل يجوز ما تقدم من العمل في بعض والإلغاء عن بعض، كقولك: علمت زيدًا ما أبوه قائم؟ واختلف المجوزون: فقيل: لا تكون إلا التميمية؛ لأن الحجازية كالفعل، والفعل لا يدخل على الفعل، فلا تقول: علمت ليس زيد قائم.
وقيل: يجوز لأنها ليست بفعل.
وقيل إن (لا) بمعنى (ما) يجوز أن تعلق، نحو: علمت لا رجل في الدار ولا امرأة.
وهل تكون فيه (لا) التبرئة؟ فيها ما في الحجازية لأنها عاملة، لكنها دونها لأنها محمولة على إن، وإنما تكون كـ (ما) التي بمعنى ليس.
وفي كتاب الصفار: "الذي يعلق به اللام الداخلة على المبتدأ والخبر، واللام المقرونة بإن، واللام الداخلة على الفعل، نحو ليقومن في جواب القسم، و (ما) و (لا) في جوابه، على خلاف في (ما) و (لا).
وهذه المعلقات كلها تكون في جواب القسم، ويحذف القسم، وتبقى دونه إلا (ما) و (لا)، فإنهما لا تبقى واحدة منهما دون القسم؛ لأنه لا يفهم القسم، بخلاف اللام وإن.
والمعلق عن هذه الأشياء قيل: هذه الأشياء في موضع المفعول للفعل.
وقيل: لما ضمنت معنى القسم لم تحتج إلى معمول.
وقيل: القسم مضمر بعد

الأفعال، وهو وجوابه في موضع المعمول للفعل المعلق.
والصحيح الأول.
ورد الثاني بأنه يحتاج الفعل إلى معمول ضرورة، والثالث أنهم علقوا الفعل عما أوله (ما)، وقد قلنا إن القسم لا يحذف مع (ما)، فثبت أن الأفعال مضمنة معنى القسم" انتهى.
وكنت قد ذكرت في "منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك" أنه ظهر لي أن من المعلقات (لعل)، ومنه ﴿ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، ﴿ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، ﴿وإنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾، ورأيت مصب الفعل في هذه الآيات على جملة الترجي، فهي في موضع نصب بالفعل المعلق، إلى أن وقفت لأبي علي الفارسي على شيء من هذا، قال وقد ذكر ﴿ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ﴿ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ما نصه: والقول في لعل وموضعها إنه يجوز أن تكون في موضع نصب، وأن الفعل لما كان بمعنى العلم علق عما بعده، وجاز تعليقه لأنه مثل الاستفهام؛ ألا ترى أنه بمنزلته في أنه غير خبر، وأن ما بعده منقطع مما قبله، ولا يعمل فيه، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يقع موقع المفعول كما يقع الاستفهام موقعه، فعلى هذا تكون لعل وما بعدها بعد هذه الأفعال في موضع نصب.
وقوله أو إن النافيتين مثاله ﴿وتَظُنُّونَ إن لَّبِثْتُمْ إلاَّ قَلِيلاً﴾.
وقوله أو لا من أمثلة ابن السراج: أظن لا يقوم زيد.

ولم يذكر /أصحابنا أن (لا) من المعلقات، وذكرها النحاس.
وذكروا إن وفي خبرها اللام، نحو: علمت عن زيدًا لقائم.
ويمكن اندراج هذه المسألة تحت قوله "أو تالي لام الابتداء".
وكسر إن وفي خبرها اللام بعد علمت وظننت على سبيل التعليق هو قول جميع النحاة، إلا أن أبا العباس حكي عن المازني إجازة الفتح مع اللام في ذلك، وحكي أن سعيد بن جبير قرأ ﴿إلاَّ إنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ﴾ بالفتح.
وأجاز الفراء الفتح إذا طال الكلام، وأنشد لطرفة: وأن لسان المرء ما لم يكن له حصاة على عوراته لدليل وزعم أنه قرئ ﴿إنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾.
وفي هذه الجمل التي هي مصدرة بإن المكسورة وفي خبرها اللام، أو بلام الابتداء، أو بلام القسم، أو بـ (ما) النافية، أو بـ (لا) خلاف: فمذهب س والبصريين وابن كيسان أنها في موضع نصب.
والحجة لـ (س) أن الاعتماد على خبر الظن، فصار المعنى إذا قلت ظننت ما زيد منطلقًا: في ظني، قال تعالى ﴿وظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾.
قال ابن كيسان: ما هنا جحد، وهي وما بعدها في موضع مفعول الظن لأنه جملة، والجملة فيها اسم وخبر، فقد أدت عن

مفعولي الظن، كما تقول: ظننت أن يقوم زيد.
وقال الكوفيون: أضمر بين الظن وبين هذه الحروف القسم.
فعلى قولهم لا يكون لهذه الجمل موضع من الإعراب؛ لأن الجمل المتلقي بها القسم لا موضع لها من الإعراب، فإن كان مسموعًا من لسان العرب: علمت لزيد منطلق وعمرًا مقيمًا، بالنصب كان ذلك حجةً واضحةً على الكوفيين، وإلا فيحتمل ما قالوه.
وقال أصحابنا: إن هذه الأفعال تضمن معنى القسم، فتتلقى بما يتلقى به القسم، وتعلق إذ ذاك عن العمل.
وهذا جنوح لمذهب الكوفيين.
وإذا ضمنت معنى القسم لم تكن تلك الجمل لها موضع من الإعراب؛ لأنه وغن كان متعديًا ضمن معنى ما لا يتعدى، فلم يتعد، كما أن نبئت في الأصل لا تتعدى، فلما ضمنت معنى ما يتعدى إلى ثلاثة تعدت تعديته.
وهذا الذي صححه ابن عصفور في "شرح الجمل"، وهو ضعيف جدًا؛ لأن هذه الأفعال تحتاج بوضعها إلى معمول، ولا تقول إنها خرجت بالكلية عن معناها حتى لم تبق تطلب معمولًا، وأنت ترى مضمون الجملة مقيدًا بالعلم أو بالظن، فلم تتنزل منزلة جملة القسم من كل جهة.

والصحيح مذهب س، وهو أن الجملة إذ ذاك لها موضع من الإعراب على حسب الفعل في التعدي /إلى واحد أو إلى اثنين.
وأما مذهب الكوفيين وهو إضمار القسم بين هذه الأفعال والحروف فلا أنقل عنهم أن تلك الجملة القسمية وجوابها في موضع المعمول.
ونقل بعض أصحابنا أن القسم مضمر بين هذه الأفعال وهذه الحروف، لكنه لم يعزه للكوفيين ولا لمعين، ونقل أن مذهب هذا القائل أن القسم وجوابه في موضع معمول الفعل.
وأبطل هذا المذهب بأنه علق الفعل عن الجواب الذي أوله (ما) و (لا)، والقسم لا يحذف مع (ما) و (لا) البتة؛ لأن القسم لا يفهم مع واحدة منهما إن حذف، بخلاف اللام وإن، فإنهما لا يكونان إلا في القسم، فلذلك ساغ أن يحذف القسم معهما.

-[ص: ويشاركهن فيه مع الاستفهام نظر وأبصر وتفكر وسأل وما وافقهن أو قاربهن لا ما لم يقاربهن، خلافًا ليونس، وقد تعلق نسي.]-

ش: قال المصنف في الشرح: "علق أيضًا مع الاستفهام نظر بالعين أو القلب"، ومثل بقوله تعالى ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾، وقوله: ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ﴾.
والضمير في "فيه" عائد على التعليق، فظاهر قوله "مع الاستفهام"

أن نظر وما ذكر معها لا تعلق إلا مع الاستفهام، فليس كذلك، بل قد أجاز النحويين في ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ أن تكون ما نافية، والجملة في موضع نصب، وتفكر ليست من الأفعال التي تتعدى لمفعولين، والذين ذكروا التعليق في أفعال القلوب لم يذكروا أن شيئًا منها يختص بالاستفهام.
وهذا الذي ذكره من أن النظر بالعين يعلق هو قول ابن عصفور، قال: والتعليق يخص أفعال القلوب إلا انظر البصرية وسل، فإنهم قالوا: انظر أبو من زيد، وسل أبو من عمرو، لكونهما سببين للعلم، فأجري السبب مجرى المسبب.
وقد نقد شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع ذلك على ابن عصفور.
قال أستاذنا أبو جعفر بن الزبير: لم يذهب أحد إلى تعليق انظر سوى ابن خروف، وتبعه أبو الحسن بن عصفور، وقد ذكر س تعليق انظر، لكن حمل الناس ذلك على النظر بمعنى التفكر، وصرح بذلك ابن عصفور في "شرح الكتاب"، وإنما الذي ذكره النحاة من غير أفعال القلوب "سل"، و"ترى" البصرية في قول المازني.
وجعل ابن خروف من تعليق النظر البصري قوله تعالى {أَفَلا

يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} من جهة تعدية النظر بإلى.
قال: ولا يعدى بـ (إلى) إلا ما كان بمعنى الإبصار.
وقوله وأبصر مثاله ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾.
هكذا مثل المصنف، ولا يتعين أن يكون تعليقًا لأبصر؛ إذ يحتمل أن تكون (أيكم) موصولةً لا استفهاميةً، وتكون مفعولًا، والباء زائدة، وصدر الصلة محذوف، التقدير: فستبصر ويبصرون الذي هو المفتون منكم.
وقد جاء تعليق "تبصر" بمعنى: انظر وتأمل، /قال الشاعر: تبصر خليلي، هل ترى من ضغائن سوالك نقبًا بين حزمي شعبعب والأظهر أنها هنا من الإبصار بالعين.
وقوله وتفكر مثاله ما أنشد المصنف: حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهةً تفكر آإياه يعنون أم قردا وتفكر هي من أفعال القلوب، فلا ينبغي أن تذكر مع نظر وأبصر البصريتين؛ لأنها قد اندرجت في قوله "وتختص أيضًا القلبية المتصرفة" الأفعال التي ذكرها في هذا الباب الذي هو باب ظن من أفعال القلوب، فيمكن أن تكون

"تفكر" من المشارك لها فيما ذكر.
وقوله وسأل مثاله ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾.
وقوله وما وافقهن قال في الشرح: "أشرت بـ (ما وافقهن) إلى نحو: أما ترى أي برق هنا؟ بمعنى: أما تبصر، حكاه س" انتهى.
وهذا الذي اختاره من كون ترى هنا بصريةً هو مذهب للمازني خاصة، وأما شرح "الكتاب" فحملوا ما حكاه س على أن ترى فيه بمعنى: تعلم، قال ابن عصفور: "ولا يعلق من غير أفعال القلوب إلا سل، نحو: سل زيدًا أبو من هو، وذلك أنه سبب لفعل القلب؛ ألا ترى أن السؤال سبب من أسباب العلم، فأجري السبب مجرى المسبب.
وزعم المازني أنه يجوز أن تعلق رأيت بمعنى أبصرت، وإن لم تكن من أفعال القلوب، فتكون إذ ذاك بمنزلة سل؛ لأنها سبب من أسباب العلم.
واستدل على ذلك بقول العرب: أما ترى أي برق ههنا، فإذا أمكن حمله على العلمية كان أولى؛ لأن التعليق بابه أن يكون في أفعال القلوب" انتهى كلام ابن عصفور.

وقول المصنف "بمعنى أما تبصر" من تمثيله لا من تمثيل س، وظاهر كلامه يشعر أنه من تمثيل س. وقال المصنف فى الشرح: "وإلى نحو ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ " يعني أن استنبأ معناها استعلم، فهي طلب للعلم.
وقوله أو قاربهن قال المصنف: "أشرت إلى قوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ". ولا يتعين ان يكون هذا تعليقًا، بل يجوز ان تكون ﴿أَيُّكُمْ﴾ موصولة، حذف صدر صلتها، فبنيت، وهي بدل من الخطاب بدل بعض من كل، والعائد محذوف، والتقدير: ليبلوكم الذي هو أحسن عملاً منكم.
وقوله لا ما لم يقاربهن، خلافًا ليونس قال في الشرح: "أجاز يونس تعليق ما لم يوافقهن ولم يقاربهن، وجعل من ذلك قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، فضمة (أشد) عنده ضمة إعراب، وعند س ضمة بناء و (أي) موصولة، وقد مضى ذلك" انتهى./ ويعنى أنه مضى في " [3: 22/ب] باب الموصولات" وخلاف الناس في تخريج قوله ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾.
وقوله وقد تعلق نسى حملاً على ضدها، وهو الذكر بالقلب.
وقال المنصف في الشرح: "وعلق نسى لأنه ضد علم، والضد قد يحمل على

الضد" انتهى.
وليس ضد العلم النسيان، ولكن ضده الجهل، وضد النسيان الذكر بالقلب كما قلنا.
وأنشد المصنف على تعليق نسي قول الشاعر: ومن أنتم؟ إنا نسينا من أنتم وريحكم من أي ريح الأعاصر؟! قال: "ومثله على أحد الوجهين قول الآخر: لم أر مثل الفتيان في غبن الأيـ ـام، ينسون ما عواقبها" ويعني بأحد الوجهين أن تكون (ما) في موضع رفع استفهامًا، وعُلِّقَ ينسون، والجملة في موضع مفعول لينسون.
والوجه الآخر: أن تكون (ما) موصولة مفعولة بينسون، وارتفع (عواقبها) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عواقبها، وهذه الجملة صلة لـ (ما).
وهذا الذي جوزه في هذا البيت يجوز في البيت الذي قبله، إذ يجوز أن يكون التقدير: إنا نسينا من هم أنتم، ولا تخصيص لذلك بالبيت الثاني.
وإذا احتمل البيتان هذا التأويل لم يكن في ذلك حجة على تعليق نسي، ولذلك - والله أعلم - لم يذكر أصحابنا تعليق نسي.
ص: ونصب مفعول نحو "علمت زيدًا أبو من هو" أولى من رفعه، ورفعه ممتنع بعد "أرأيت" بمعنى أخبرني.
وللاسم المستفهم به والمضاف إليه مما بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة.

ش: إذا تقدم على الاستفهام أحد المفعولين نحو ما مثله المصنف جاز أن ينصب باتفاق؛ لأن العامل مسلط عليه، ولا مانع يمنعه من العمل.
واختلفوا في رفعه: فأجاز ذلك س، وإن كان المختار عنده النصب؛ وذلك لأنه من حيث المعنى مستفهم عنه، إذ المعنى: قد علمت أبو من زيد، وهو نظير قولك: إن أحدًا لا يقول ذلك؛ ألا ترى أن أحدًا إنما يقع بعد نفي، لكنه لما كان ضميره قد نٌفي عنه الفعل - وهو وضميره واحد - صار كأن النفي دخل عليه.
وذهب ابن كيسان إلى أنه يجوز الرفع، قال: لأنك لا تقول: قد علمت زيد قائم، ولا بد من عمل علمت فيه.
قال: ولو جاز هذا فيما خبره استفهام لجاز فيما خبره غير استفهام.
والصحيح ما ذهب إليه س للقياس والسماع، أما القياس فهو ما ذكرناه من أن الشيء تجري عليه أحكام الشيء إذا كان إياه من حيث المعنى، كما ذكرنا في: إن أحدًا لا يقول ذلك.
وأما السماع فقول الشاعر: فوالله ما أدري غريم لويته أيشتد إن قاضاك أم يتضرع / هكذا روي برفع غريم وإن كان نصبه أجود، وليس كونه مستفهمًا عنه في المعنى علة موجبة للتعليق، إذ لو كانت موجبة لما كان المختار النصب فيه - وقد نص السيرافي على أن التعليق في هذا أضعف الوجهين - وبه بدأ س، وقواه، وهو الجائز باتفاق، والرفع باختلاف.

وزعم الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أن الأولى التعليق، قال: لأن الاعتناء بالمعاني أولى وآكد عندهم.
وهذا التعليل الذي ذكره غير محصل أن الأولى التعليق؛ لأن معنى قولهم إن الاعتناء بجهة المعنى آكد أنه إذا كانت رعاية اللفظ تُخِلُّ بالمعنى، وكانت رعاية المعنى تُخِلُّ بجهة اللفظ - غلب رعي المعنى، أما إذا كان رعي اللفظ لا يخل بشيء من جهة المعنى أصلاً كمسألتنا، وكان رعي المعنى يُخِلُّ بجهة اللفظ - فلا ينبغي أن يُراعى المعنى أصلاً ويترك اللفظ، بل في مسألتنا رعاية للفظ والمعنى، فلأي شيء يترك اللفظ، وليس في رعيه إخلال بجهة المعنى بوجه؟ وقوله ورفعه ممتنع بعد أرأيت بمعنى أخبرني قال س: "وتقول: أرأيتك زيدًا أبو من هو، وأرأيتك عَمرًا أعندك هو أم عند فلان، لا يحسن فيه إلا النصب في زيد؛ ألا ترى أنك لو قلت: أرأيت أبو من أنت، أو أرأيت أزيد ثم أم فلان - لم يحسن لأن فيه معنى: أخبرني عن زيد، وهو الفعل الذي لا يستغنى السكوت على مفعوله الأول، فدخول هذا المعنى فيه لم يجعله بمنزلة أخبرني في الاستغناء، فعلى هذا أُجري، وصار الاستفهام في موضع المفعول الثاني" انتهى كلام س، ومحصوله أن أرأيتك دخلها معنى أخبرني، ولا يجوز في الاسم بعدها إلا النصب، ولا يجوز التعليق فيه فيرفع، كما جاز في: علمت زيد أبو من هو؛ لأنها في معنى أخبرني، وأخبرني لا تعلق.
قال أبو إسحاق: "ولا يجوز الرفع لأن معنى هذه المسألة: أخبرني عن زيد، ففيه معنى الحرف، فلذلك لم يجز إلا النصب" انتهى.
والجملة الاستفهامية بعد الاسم المنصوب في موضع المفعول الثاني، وليس

أرأيتك معلقًا عنها، إذ لو كان معلقًا عنها لجاز أن يعلق عن المفعول الأول كما جاز في علمت، بل هي كالجملة التي ليست استفهامية في نحو: ظننت زيدًا أبوه قائم.
واستدل على أنه لا يجوز تعليقها بأنك لو قلت أرأيت أبو من أنت لم يحسن؛ لأنهم لم يجروها مجرى علمت في جواز التعليق ومجيء الجملة الاستفهامية سادة مسد المفعولين، ولوحظ فيه أصله من تعديه إلى اثنين، فلم يقتصر فيه على مفعول واحد، ولم يستغن به - وإن دخله معنى أخبرني - كما يستغني في أخبرني.
وقال: / أبو علي الفارسي في كتابه (التذكرة): "أنبأ ونبأ ضًمنًا معنى أعلم، فيوافقاته، ولا يمتنع مع التضمين تعديتهما بحرف الجر على الأصل، كما لا تمتنع الحكاية بمعنى تقول، وكما لم يمنع أرأيت بمعنى أخبرني عن نصب مفعولين، لكن منع من التعليق، لا تقول: أرأيت زيد أبو من هو؛ لأنه بمعنى أخبرني، فحفظ له من الحكمين أقواهما، وهو الإعمال" انتهى كلام أبي علي.
وقد انتقد كثير من النحاة على س، واعترضوا عليه، وقالوا: كثيرًا ما تعلق أرأيت، والدليل على ذلك السماع، قال تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ

إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ}، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾، َ ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾، ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾، فهذه مواضع من القرآن تدل على تعليق أرأيت، وهو خلاف قول س: "أرأيت أبو من أنت، وأرأيت أزيد ثم أم عند فلان، لم يحسن"، ولا يجوز أن تكون هذه الجمل الاستفهامية جوابًا للشرط؛ لأنه كان يلزم دخول فاء الجواب على تلك الجمل إلا ما كان منها بهمزة الاستفهام، فلا يجوز دخول الفاء عليها، ولا مجيء الفاء بعدها، ولا وقوعها جوابًا للشرط، بل جواب الشرط محذوف، ولذلك لم يأت فعل الشرط في هذه الآيات إلا ماضي اللفظ، ولم يجيء مضارعًا في موضع من المواضع.
وقد انفصل أبو الحسن بن عصفور وغيره عما اعترض به على س من هذه الآيات بأن جعل المفعول الأول قد حذف حذف اختصار، كما يحذف في علمت حذف اختصار كما تقدم - وقد يحذفان اختصارًا - وتقديره: قل أرأيتكم عذابكم إن أتاكم، أي: أخبروني عنه كيف يكون، لو رديتموه ما جرؤتم هذه

الجرأة.
قال: "ولا يمنع س هذا النوع من الحذف، وإلا فما يفعل في قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ ألا ترى أن المفعول الثاني محذوف، والمعنى: أرأيتك هذا الذي كرمت علىّ ما الذي أوجب له ذلك، فكما يحذف الخبر - وهو المفعول الثاني - كذلك يحذف المبتدأ، وهو المفعول الأول" انتهى كلامه.
ولا يلزم في قوله ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أن يكون المفعول الثاني محذوفًا، بل الظاهر في الآية أنه مذكور، / وهو قوله ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِي﴾؛ لأن اللام مؤذنة بجملة قسم محذوف، فهذه الجملة القسمية مع متعلقها هي في موضع المفعول الثاني، ألا ترى انعقاد ما بعد أرأيتك مبتدأ وخبرًا، أي: هذا الذي كرمت عليّ أقسم لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن.
والذي عندي في هذه الآيات أنها تتخرج على الأعمال، وذلك أن فعل الشرط تنازع الاسم بعده، و"أرأيت" تنازعته، فأعمل فعل الشرط إذ هو الثاني، وأضمر في الأول منصوبًا، وحذف لأن الأفصح حذفه لا التصريح به مضمرًا، والتقدير في الآية الأولى: قل أرأيتكموه - أي: العذاب - أغير الله تدعون لكشفه.
وفي الثانية: من إله غير الله يردهما عليكم.
وفي الثالثة: هل يهلك به إلا القوم الظالمون.
وفي الرابعة: الرابط مصرح به.
وفي الخامسة: من إله غير الله يأتيكم بضياء بدله.
وفي السادسة كذلك.
وفي السابعة والثامنة الرابط مصرح به، ويضمر في أرأيت معمول فعل الشرط الذي يمكن تسلط أرأيت عليه.
وهذا الذي تأولناه تأويل سهل، يقرر ما ذهب إليه س، وتقدم من قول س إن الجملة الاستفهامية بعد أرأيتك زيدًا في موضع المفعول الثاني لـ "أرأيتك زيدًا".

وقال ابن كيسان: "الذي أذهب إليه أنا أن "ما صنع" بدل من أرأيت زيدًا، فتفهمها، فإن فيها غموضًا، وذلك أنك لو قلت أرأيت زيدًا لم يكن كلامًا إلا أن تريد رؤية العين، ولكنه قال أرأيت زيدًا وهو يريد أن يقول: ما صنع زيد فيما ترى، فابتدأ أولاً بـ (أرأيت) ليعلمه أن سؤاله عن رأيه رأي له، كذا عملها في زيد؛ لأنه أراد: خبرني عن زيد، ثم ترك هذا، واعتمد على ما قصد له من صنعه.
ومثله: ........ وحِنْتَ، وما حسبتك أن تحينا فـ "أن" مبدلة من الكاف، ولو اقتصر على الكاف لم يكن كلامًا، ولو قلت أرأيت ما صنع زيد، و (ما) استفهام، لم يكن كلامًا؛ لأنك أوقعت أرأيت على الاستفهام" انتهى كلامه.
وتقدم الكلام في كاف أرأيتك هل لها محل من الإعراب أم لا ومذاهب الناس فيها في باس اسم الإشارة.
وأرأيت هذه التي بمعنى أخبرني كثيرة الدور في القرآن، ولها أحكام شاذة، ونحن نذكر منها ما تيسر لنا، فنقول: من أحكامها أنها يجوز حذف الهمزة منها، فتقول: أريت، وقد قرأ بذلك الكسائي، وقال الشاعر:

جارٍ التحميل