كما جاز مع العامل.
وقد استخرج من س هذا القول، فقال: تقول: إياك أنت وزيد، ولا تقول: إياك وزيد؛ لأنه المضمر المرفوع لا يعطف عليه حتى يؤكد، والظرف كهذا في النيابة.
وذهب أبو زيد السهيلي إلى أنه "لا يصح ارتفاع اسم بعد الظرف والمجرور بالاستقرار على أنه فاعل، وإن كان في موضع خبر أو نعت، بل بالابتداء، كما يرتفع في "قائم زيد" بالابتداء".
قال: "فإن قيل: أليس يرتفع بـ"قائم" إذا اعتمد، فليرتفع هنا به؟ وقد توهم قوم أن هذا مذهب س، وأنه يجوز أن يرفع الظرف إذا قلت: زيد في الدار أبوه، ومررت برجل معه صقر، وليس مذهبه، وقد بين السيرافي مراده، وشرح وجه الغلط بما فيه غنية.
فالجواب: أن الفرق بين الظرف واسم الفاعل أن اسم الفاعل مشتق، وفيه لفظ الفعل/ موجود، فإذا اقترنت به قرينة من القرائن التي يقوى بها معنى الفعل عمل عمله، والظرف لا لفظ للفعل فيه، إنما هو معنى يتعلق بالحرف، ويدل عليه، فلم يكن في قوة القرينة التي اعتمد عليها أن تجعله كالفعل، كما لم يكن في قوته إذا كان ملفوظًا به دون قرينة أن يكون كالفعل حتى يجتمع الاعتماد المقوي لمعنى الفعل مع اللفظ المشتق من الفعل، فيعمل حينئذ عمل الفعل.
ووجه آخر من الفرق: إذا قلت "مررت برجل قائم أبوه" فالقيام مسند إلى الأب في المعنى، وإلى رجل في اللفظ، واتفق لما كان للكلام لفظ ومعنى، فكان في اللفظ جاريًا على ما قبله، وفي المعنى مسندًا إلى ما
بعده، وأما الظرف والمجرور فليس للصفة المشتقة لفظ يجري على ما قبله، وإنما هو معنى يتعلق به الجار، وذلك المعنى مسند إلى الاسم المرفوع وخبر عنه، فصح أنه مبتدأ، والمجرور خبر له، والجملة في موضع نعت أو خبر.
فإن قيل: يلزمكم إذا قدرتم الظرف في موضع خبر، وقدرتم فيه ضميرًا يعود على المبتدأ، أن تجيزوا: في الدار نفسه زيد، وفيها أجمعون إخوتك، وهذا لا يجيزه أحد، وفي هذا حجة للأخفش ولمن رفع بالظرف.
قلنا: إنما قبح توكيد المضمر لأن الظرف في الحقيقة ليس هو الحامل للضمير، إنما هو متعلق بالاسم الحامل للضمير، وذلك الاسم غير موجود في اللفظ حتى يقال إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وإذا لم يكن ملفوظًا به فهو في المعنى والرتبة هو المبتدأ، والمجرور المقدم قبل المبتدأ دل عليه، والدال على الشيء غير الشيء، فلهذا قبح "فيها أجمعون الزيدون" لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد" انتهى.
وفي الإفصاح: المجرورات إذا كانت معتمدة على ما قبلها، أي صفة أو حالًا أو خبرًا عنه فأكثر النحويين على أن ما بعد المجرور يرتفع به ارتفاع الفاعل لا غير، والمجرور في موضع الصفة أو الحال أو الخبر.
ومنهم من قال: المجرور في هذه المواضع خبر مقدم، وما بعده مبتدأ، وتكون الجملة في موضع الصفة أو الحال أو الخبر.
ومنهم من أجاز الوجهين، كما يرى أبو الحسن في المجرورات
والظروف وإن لم تعتمد.
وكلام س محتمل، وكل تأول على مذهبه.
وقوله وربما اجتمعا لفظًا مثاله ما ورد من قول الشاعر:
لك العز إن مولاك عز، وإن يهن فأنت لدى بحبوحة الهون كائن
وفي هذا البيت دليل على أن العامل في الظرف هو اسم فاعل إذ ظهر في هذا البيت.
ومثل هذا البيت قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ﴾ فـ"مستقرًا" حال، والعامل فيها محذوف، وقد ظهر في هذا، وهو امس فاعل لا فعل.
وقال ابن الدهان: ﴿مُسْتَقِرًا﴾ ليس عاملًا/ في الظرف، وإنما (عنده) للرؤية، و ﴿مُسْتَقِرًا﴾ حال من الهاء.
-[ص: ولا يغني ظرف زمان غالبًا عن خبر اسم عين ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتًا دون وقت، أو تعم إضافة معنى إليه، أو يعم واسم الزمان خاص أو مسؤول به عن خاص.
ويغني عن خبر اسم معنى مطلقًا، فإن أوقع في جميعه أو أكثره وكان نكرة رفع غالبًا، ولم يمتنع نصبه ولا جره بـ"في"، خلافًا للكوفيين.
وربما رفع خبرًا الزمان الموقوع في بعضه.]-
ش: لا تقول: زيد اليوم، ولا: بكر غدًا.
واحترز بقوله: "غالبًا" من قول امرئ القيس "اليوم خمر وغدًا أمر"، وقول الشاعر:
جارتي للخبيص، والهر للفأ ر، وشاتي إذا أردت مجيعا
فشاتي: مبتدأ، وهي جثة، وإذا ظرف زمان، وقد وقع خبرًا للجثة.
وكذا "اليوم خمر"، الخمر جثة، واليوم ظرف زمان، وهو خبر عنه.
وقوله ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتًا دون وقت مثاله: الهلال الليلة، والرطب شهري ربيع، والطيالسة ثلاثة أشهر، والصيد شهري ربيع؛ وزيد حين بقل وجهه، وزيد حين طر شاربه، والجباب شهرين، والثلج شهرين، والحجاج زمان ابن مروان، ومتى أنت وبلادك؟ أي: متى عهدك ببلادك؟
واختلف النحويون في هذا:
فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع ظرف الزمان خبرًا عن الجثة من غير تفصيل، سواء أجئت بالظرف منصوبًا أم جررته بفي، وتأولوا ما ورد من ذلك على حذف مضاف.
وأجاز ذلك قوم بشرط أن يكون فيه معنى الشرط، نحو: الرطب إذا جاء الحر.
وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا يمتنع ذلك إذا أفادت، وإن لم يكن فيه معنى الشرط، وإذا وصفت الظرف، ثم جررته بفي، جاز وقوعه
خبرًا للجثة، نحو: نحن في يوم طيب، ونحن في يوم صائف.
وقال أبو الحسين بن عبد الوارث -وهو ابن أخت أبي علي الفارسي-: "الهلال الليلة هو على ظاهره لا على حذف مضاف؛ لأن الهلال يكون ظاهرًا، ثم يستنير، ثم يظهر، فلما اختلفت به الأحوال جرى مجرى الأحداث التي تقع مرة، وتزول أخرى، فجاز جعل الزمان خبرًا عنه".
قال عبد القادر الجرجاني: "ويوضح ما قاله أن الهلال ليس باسم وضع علمًا للنير كالشمس والقمر، وإنما هو اسم يتناوله في حال دون حال، والاسم الموضوع له "القمر"، فلما كان كذلك صار إذا قيل: "الهلال" كأنه قيل: استنارة القمر، أو بدو القمر، فهو إذًا متضمن لمعنى الحدوث، فيجوز أن تجعل "الليلة" خبرًا عنه، ولهذا قال ابن السراج: لو قلت: الشمس اليوم، والقمر الليلة، لم يجز لأنه غير متوقع، فلا يتضمن الدلالة على الحدوث".
وقال السهيلي:/ "فإن قلت: فقد قالوا: زيد حين بقل وجهه، وطر شاربه.
قلنا: إنما جاز ذلك بقرينة أخرجته عن معنى الظرف من الزمان إلى معنى الوصف بمقدار السنين، وهي إضافة الوجه إليه، ولو قلت: "حين بقل وجه عمرو" لم يجز مع أنه أيضًا مخصوص بلفظ "حين"، ولو قلت "زيد يوم بقل وجهه" لم يجز لما في لفظ "حين" من لفظ حان يحين الذي يصح أن يكون خبرًا عن زيد".
وقوله أو تعم إضافة معنى إليه ثبت في بعض النسخ عوض هذا قوله: "أو تنو إضافة معنى إليه", مثاله: أكل يوم ثوب تلبسه؟ وأكل ليلة ضيف يؤمك؟ وقال الراجز:
أكل عام نعم تحوونه يلقحه قوم, وتنجونه
وقال الشاعر:
أفي كل عام مأتم تبعثونه على محمر ثوبتموه, وما رضا
التقدير: تجدد ثوب, وإحراز نعم, وحدوث مأتم.
وقوله أو يعم واسم الزمان خاص مثاله: نحن في شهر كذا.
وقوله أو مسؤول به عن خاص مثاله: في أي الفصول نحن؟ وفي أي شهر نحن؟ وفي أي عام نحن من تاريخ خلافة فلان؟ لأن مثل هذا قد يجهل.
وقوله ويغني عن خبر اسم معنى مطلقا يعني بقوله: "مطلقا" سواء أوقع المعنى في جميعه أو في بعضه.
وقوله فإن أوقع في جميعه مثاله:} وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ
شَهْرًا ﴿, وقوله تعالى:﴾ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴿.
وقوله أو أكثره:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ {
وقوله وكان نكرة لأنه إن كان معرفة فيجوز فيه الرفع والنصب باتفاق من الكوفيين والبصريين, نحو: قيامك يوم الخميس, وصومك اليوم, إلا أن النصب هو الأصل والغالب.
وقوله رفع غالبا, ولم يمتنع نصبه ولا جره بـ "في", خلافا للكوفيين تقدم تمثيل رفعه, وأما نصبه وجره بـ "في" فلا يمتنع عند البصريين, ومنع ذلك الكوفيون.
وحجتهم صون اللفظ عما يوهم التبعيض فيما يقصد به الاستغراق.
وهذا مبني على قول بعضهم إن "في" للتبعيض, حكاه السيرافي.
وليس بصحيح, وإنما "في" للظرفية بحسب الواقع في مصحوبها, فإن كان يستغرق فلا تمنع منه "في" ولا معناها, ولذلك يقال: في الكيس درهم, وفي الكيس ملؤه من الدراهم.
انتهى شرح هذا ملخصا من كلام المصنف في شرحه.
ونقول: الظرف الزماني إما أن يقع خبرا لزمان أو لمصدر, وقد تقدم الكلام عليه مع الجثة.
فإن وقع خبرا لزمان غير أيام الأسبوع, وهو على قدر المبتدأ, فالرفع فقط, تقول: زمان خروجك الساعة, وإن كان أعم جاز الرفع والنصب, تقول: زمان خروجك يوم الجمعة, فيوم الجمعة بالنصب حقيقة, ويوم بالرفع مجاز, تجعل الخروج طويلا/ قد استغرق اليوم أجمع.
وإن كان من أيام الأسبوع فالرفع, نحو: الأحد اليوم, وكذلك أسماء الأيام جميعها إلا الجمعة والسبت, فإنه يجوز رفع اليوم ونصبه.
هذا مذهب البصريين, وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك عند تعرض المصنف له.
وإن وقع خبرا لمصدر, وكان معرفة, فالرفع والنصب.
وإن كان نكرة فذهب هشام إلى أنه يلتزم فيه الرفع, فتقول: ميعادك يوم ويومان.
وذهب الفراء إلى أن المنكور من المواقيت يرفع وينصب كالمعرفة, وهو مذهب البصريين, هذا نقل أبي بكر بن الأنباري.
وحكي السيرافي أنه يجوز الرفع والنصب باتفاق معرفة كان أو نكرة.
وحكي النحاس عن الكوفيين رفعه نكرة ونصبه معرفة.
وحكي غيرهما التفصيل عن الكوفيين: فإن كان معدودا فالاختيار الرفع, وقل النصب, نحو: القتال يومان؛ لأنه صار في معنى ما الثاني فيه الأول؛ ألا ترى أن المعنى: أمد ذلك يومان, فالأول إذا هو الثاني, فيكون الرفع مختارا.
وإن كان غير معدود فالنصب أحسن, نحو: القتال يوم الجمعة؛ لأن هذا ليس بأمد؛ ألا ترى أن المعنى: وقت الجمعة.
ومستندهم أن السماع ورد به, قال تعالى:} غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا
شَهْر}.
ولا يدل إلا على أن الرفع في المعدود أحسن منه في غير المعدود, وأما أن يكون أحسن من النصب فلا؛ لأن النصب هو الحقيقة.
وهذا كله إذا لم يكن الحدث مستغرقا للزمان.
فإن كان مستغرقا فمذهب البصريين أنه يجوز فيه الرفع والنصب, ومذهب الكوفيين انه لا يجوز فيه إلا الرفع, فإذا قيل: "قيامك يوم" فالقيام آخذ بجملة اليوم, فإن كان القيام في بعض اليوم فهو منصوب مع النعت أو الصلة, فتقول: قيامك يوما مباركا من الدهر, فإن قلت: "قيامك شهر" فالرفع والنصب على المعنيين المختلفين, والمضاف للمصدر كالمصدر, نحو: أفضل قيامك يوم الجمعة, برفع "يوم الجمعة" ونصبه, والمصادر كلها تنتصب على الأوقات.
فإذا وقعت خبرا لزمان, وكان أعلم من الزمان, جاز الرفع والنصب, نحو: زمان خروجك خلافة الحجاج, أو مساويا فالرفع نحو: زمان خروجك خفوق النجم.
وإن وقعت خبرا لغير زمان جار عند البصريين الرفع والنصب من غير تفصيل, قيل: فتقول: قيامي صياح الديك, وخروج الأمير وخروجكم, وخروجنا, ويجوز الرفع على قبح على أن القيام وقت الخروج.
وفصل الكوفيون, فقالوا: إن كان معدودا فالرفع عندهم أحسن, نحو: خروجي خلافة الحجاج.
وإن لم يكن معدودا فالنصب خاصة إن كان أعلم, نحو: ولادة زيد ظهور الأزراقة.
ولم يشترط الكوفيون في نصب المصدر ميقاتا أن يكون فيما يعرف.
ولا نقل أحفظه عن البصريين/ في ذلك إلا ما حكي عن الزجاج أنه لا يجيز هذا إلا فيما يعرف, نحو: قدوم
الحاج, وخفوق النجم, ولو قلت: لا أكلمك قيام زيد, تريد: وقت قيام زيد, لم يجز لأنه لا يعرف.
ولا يكون المصدر وقتا إلا أن يكون مصرحا, فمن قال: يعجبني أن تقوم, وما تقوم, لا يقول: خروجنا أن يصيح الديك, ولا: ما يصيح الديك.
وإذا كان المصدر خبرا للمصدر, ولم يرد به زمن البتة وجب الرفع, ويكون بمنزلة قوله:
وظني بها حفظ بعين ورعية لما استودعت, والظن بالغيب واسع
أراد: ومظنوني بها كذا, أو: وصاحب ظني كذا, فهو مصدر لم يخرج إلى الزمان.
وقوله وربما رفع خبرا الزمان الموقع في بعضه مثاله: الزيارة يوم الجمعة, وسواء أكان الظرف معرفة أم نكرة, وقال:
زعم البوارح أن رحلتنا إذا وبذاك خبرنا الغداف الأسود
يروى بنصب غد ورفع.
قال المصنف في الشرح: "والوجهان في هذا النوع جائزان بإجماع, إلا أن النصب أجود لأن الحذف معه أقيس, واستعماله أكثر" انتهى.
وما ذكر من أن الوجهين جائزان بإجماع ليس بصحيح, فقد ذكرنا أن هشاما يوجب الرفع في النكرة, ولا يجيز النصب, وأن الفراء يجيزهما في النكرة كالبصريين.
ص: ويفعل ذلك بالمكاني المتصرف بعد اسم عين: راجحًا إن كان
المكاني نكرة, ومرجوحا إن كان معرفة, ولا يخص رفع المعرفة بالشعر, أو بكونه بعد اسم مكان, خلافا للكوفيين.
ويكثر رفع المؤقت المتصرف من الظرفين بعد اسم عين مقدر إضافة بعد إليه.
ويتعين النصب في نحو: أنت مني فرسخين, بمعنى: أنت من أشياعي ما سزنا فرسخين.
ش: أي: ويفعل ذلك أي: الرفع.
واحترز بقوله: "المتصرف" مما لا يتصرف, نحو: عندك, وانتصب "راجحا" على الحال من اسم الإشارة.
ومثال رجحانه في المكاني النكرة: المسلمون جانب والمشركون جانب, ونحن قدام وأنتم خلف.
"والنصب جائز عند البصريين والكوفيين ومن زعم أن مذهب الكوفيين في هذا التزام الرفع فقد وهم".
وقوله ولا يخص رفع المعرفة بالشعر, أو بكونه بعد اسم مكان, خلافا للكوفيين المختار عند البصريين نحو: زيد خلفك, ويجوز الرفع نحن: زيد خلفك, وأمامك, وسواء أكان خبرا لاسم مكان أو ذات غيره نحو: داري أمام دارك, وزيد أمام دارك.
وقد قصر الكوفيون جواز الرفع على الشعر, أو على أن يكون خبرا لاسم مكان, وهذا معنى الذي ذكره المصنف في شرحه كلامه.
وفيه تفصيل, فنقول:
الظرف المكاني إذا وقع خبرا فإما أن يكون خبرا للأسماء غير المواضع والمصادر, أو للمواضع, أو للمصادر: إن وقع خبرا للأول فإما أن يكون مضافا أو غير مضاف: إن كان مضافا فإما لنكرة أو لمعرفة:/ إن
كان مضافاً لنكرة نحو: زيد خلف حائط, وبكر وراء جبل, فاتفق البصريون والكوفيون على جواز رفعه ونصبه.
وإن أضيف إلى معرفة نحو: زيد خلفك, فمذهب البصريين جواز رفعه ونصبه, ومذهب الكوفيين أنه لا يجوز إلا النصب, هذا إن لم يملأه, فإن ملأه فالرفع عندهم أحسن من النصب, نحو: زيد مكانك, تجعله المكان لأنه قد ملأه, فصار كأنه هو, فأما قول الشاعر:
.................................... إلا جبرئيل أمامها
فقالوا: لما كان لعظمه يملأ الأمام رفع الأمام, ولا فرق عند البصريين بين أن يملأ أو لا يملأ, يجيزون الرفع والنصب.
وإن لم يكن مضافا فإما أن يكون مصحبا من أو غير مصحب من: إن كان مضحبها جوزوا كلهم رفعه ونصبه, نحو: زيد قريبا منك, وقريب منك, والقوم ناحية من الدار, وناحية من الدار, قال س: "قال يونس: العرب تقول: هل قريبا منك أحد؟ ". وقال الكسائي والفراء وهشام: يقال: عبد الله قريب منك, وقريبا منك, وبعيد منك, وقليل في كلام: بعيدا منك, وإنما قل لأنهم لما قالوا: عبد الله قربك, وبقربك حسن ذلك مذهب المحل في قريبا منك, وحين لم يقولوا: عبد الله بعدك, وببعدك قبح ذلك مذهب المحل في: بعيدا منك, وهو جائز في القياس.
وأجازوا:
إن قريباً منك الماء, بنصب الماء ورفعه, وقال الكسائي والفراء وهشام: كلام العرب: إن بعيدا منك الماء, برفع الماء, ونصبه قليل, وأنشدوا قول الراجز:
إن قريبا منك صقرا صائدا
وإن كان غير مصحب بـ "من" فإما أن يكون بألف ولام, أو بغير ألف ولام: إن كان بألف واللام فالرفع عند الكوفيين والبصريين, وأما النصب فلا يجوز عند الكوفيين, ويجوز عند البصريين, فتقول: زيد الأمام, وزيد الشمال, وبكر اليمين.
وإن كان بغير ألف ولام فإما أن يعطف عليه منكور مثله أو لا يعطف: إن عطف فالاختيار عند الكوفيين الرفع, ويجيزون النصب على غير اختيار.
والبصريون يسوون بين الرفع والنصب, فيقولون: القوم يمين وشمال, ويمينا وشمالا, وزيد مرأى ومسمعا, ومرأى ومسمع.
وإن لم يعطف عليه مثله رفعه الكوفيون لا غير, وجوز البصريون رفعه ونصبه, فقالوا: زيد خلف وخلفا.
فإن كان الظرف مختصا لم يرفع ولم ينصب, نحو: زيد دارك أو دارك, لا يجوز لا برفع ولا بنصب إلا فيما سمع نحو قولهم: زيد جنبك, ولا يقاس عليه: زيد ركن الدار, لا برفع ولا بنصب.
وإن وقع الظرف المكاني خبرا للمواضع نصب ورفع, نحو: مكاني خلفك وخلفك, وقالت العرب: منزله شرقي الدار, رفعوا على أن المنزل هو الشرقي؛ ونصبوا على مذهب الناحية/.
فإن كان الظرف المكاني مختصا فالرفع, نحو: موعدك ركن الدار,
وموعدك المسجد والمقصورة, لا ينصب شيء من هذا, فأما: موعدك باب البردان وباب الطاق, فيرفع على أن الموعد هو الباب, وينصب على معنى: موعدك ناحية باب البردان, وناحية باب الطاق, والمستعمل بالنصب من المختصات لا يقاس عليه غيره مما لم يكثر استعماله, ولذلك من قال: موعدك بيت المقدس, ومدينة أبي جعفر, وطاق الحراني, لا ينصب شيئا منه وهو يقصد الناحية لأنه لم يكثر به استعمال.
وإن وقع الظرف المكاني خبرا للمصادر, نحو: القتال خلفك, والضرب قدامك, فالنصب, والنص على أنه لا يجوز "خروجك وراؤنا" بالرفع.
وقد اتضح بهذا الذي ذكرناه ما في كلام المصنف من التقصير في نقل الأحكام والخلل: أما التقصير فإنه لم يستوف ما يكون الظرف المكاني خبرا له من أسماء المواضع ومن المصادر ومن غيرهما من الأسماء كأسماء الناس وغيرهم.
وأما الخلل فقوله "إنه يرفع المكاني المتصرف بعد اسم عين راجحا إن كان المكاني نكرة", وإذا كان نكرة ففيه ما ذكرناه من التفصيل من أنه لا يخلو أن يكون مضافا لنكرة أو مصحبا بمن أو غير مصحب, فإن كان مضافا لنكرة أو مصحبا بمن جاز الرفع والنصب, أو غير مصحب بمن معطوفا عليه منكور مثله فالاختيار الرفع عند الكوفيين,
ويجوزون النصب على غير اختيار, والبصريون يسوون بينهما, أو غير معطوف عليه مثله فالوجهان عند البصريين, وأما الكوفيون فلا يجوز عندهم فيه إلا الرفع, هذا هو الصحيح في النقل عن الكوفيين لا ما زعم المصنف في الشرح من قوله "إن من زعم أن مذهب الكوفيين في هذا التزام الرفع فقد وهم".
قال أبو بكر بن الأنباري: إذا أتى خبرا لأسماء الناس, وأفرد من الإضافة, رفعه الكوفيون لا غير, وجوز البصريون رفعه ونصبه, فقالوا: زيد خلف وخلفا, وأبطل الكوفيون: زيد خلفا.
وقال الفراء: العرب تقول: التقى الجيشان فالمسلمون جانب والروم جانب, ولا يجوز في جانب وجانب إلا الرفع لتنكيرهما, فإذا قلت: "فالمسلمون جانب الروم والروم جانب المسلمين" لم يكن في الجانبين إلا النصب لتعريفهما, فإن قالوا: "فالمسلمون جانب من الروم والروم جانب من المسلمين" جاز في جانب وجانب الرفع والنصب, أدنته "من الإضافة, وشبهته بما يكون مضافا بغير من, قال الشاعر:
فيما بي من حمى ولا مس جنة ولكن عمي الحميري كذوب
عيشة لا عفراء منك بعيدة فتسلو, ولا عفراء منك قريب
معناه: مكان قريب.
ومن الخلل الواقع في كلام المصنف قوله "ولا يخص رفع المعرفة بالشعر أو بكونه بعد اسم مكان, خلافا للكوفيين", فأفهم أن الكوفيين
يخصون رفع المعرفة/ بالشعر أو بكونه خبرا لاسم مكان, وهذا عند الكوفيين فيه تفصيل, قالوا: ما يحسن من المحال فيه "في" يختار رفعه في أخبار المواضع, ويجوز نصبه, وما لا يحسن فيه "في" يختار نصبه, ويجوز رفعه, فالذي يؤثر فيه الرفع: منزله ذات اليمين وذات الشمال؛ لأن "في" يحسن, فيقال: في ذات اليمين وفي ذات الشمال.
والذي يؤثر نصبه: منزلي خلفك, لا يحسن فيه: في خلفك.
وقوله ويكثر رفع الموقت المتصرف من الظرفين بعد اسم عين مقدر إضافة بعد إليه الموقت هو المحدود كيوم ويومين وثلاثة أيام وفرسخ وميل.
واحترز بقوله: "المتصرف" من الظرف الذي التزم فيه النصب على الظرفية كـ "ضحوة" معينا.
ويعني بقوله: "من الظرفين" ظرف الزمان وظرف المكان, ومثال ذلك: زيد مني يومان أو فرسخان, أي: بعد زيد مني يومان أو فرسخان.
فلو كان مختصا لم يجز الرفع ولا النصب نحو: زيد دارك وبستانك, وزيد البيت والمسجد, إلا فيما سمع نحو: زيد جنبك, ولا يقاس عليه: زيد يديك ورجليك وكتفيك وعضديك, ما لم يقع به استعمال, أو إلا أن يقصد المقدار, وقام على ذلك دليل, نحو: زيد مني المسجد الجامع, ولا يكون فيه إذ ذاك إلا الرفع, حكي الكسائي والفراء "زيد مني الكوفة" على هذا المعنى, ولا وجه لنصب الكوفة, وأجاز الفراء: هو مني مكان الحائط منك, النصب على المحل, والرفع بتأويل: قدره مني كقدر مكان الحائط منك.
ويجري مجرى الظرف في ذلك المصدر, قالوا: هو مني فوت اليد, وهو مني دعوة رجل وعدوة فرس, بالرفع والنصب, فإذا رفعوا أضمروا القدر, وإذا نصبوا بنوا على المحل.
وقوله ويتعين النصب في نحو: أنت مني فرسخين, بمعنى أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين إنما تعين النصب على الظرف لأن قوله: "أنت مني" بمعنى: من أشياعي, مبتدأ وخبر, بخلاف قولك: أنت مني فرسخان, وأنت تريد: بعدك مني, فإن "مني" متعلق بذلك المقدر المحذوف, وليس في موضع خبر, وإنما الخبر "فرسخان", فمن رفع فالتقدير: بعد مكانك مني فرسخان, ومن نصب فعلى الظرف, وهو في موضع الخبر, وإذا كان "أنت مني" بمعنى: أنت من أشياعي, فيكون كقوله:} فَمَن تَبِعَنِى فَإنَّهُ مِنّىِ {, وينتصب فرسخين بالخبر الذي يتعلق به مني, أي أنت تابع من أتباعي في فرسخين, أي في سيرنا فرسخين.
وظاهر كلام المصنف أن "فرسخين" منصوب بذلك الذي قدره, وهو: ما سرنا فرسخين, وليس بجيد لأن "ما سرنا" "ما" فيه مصدرية ظرفية, و "سرنا" صلة "ما", و "فرسخين" معمول لصلة "ما", ولا يجوز حذف الموصول والصلة وإبقاء معمولها.
وقال س: "أنت مني فرسخين تقديره: أنت مني ما دمت تسير فرسخين".
وهو شبيه بتقدير المصنف, إلا أن س جعل صلة "ما" "دام" الناقصة, وحذف "ما" و "دام" وخبرها, وأبقى/ معمول الخبر, فهو أبعد من تقدير المصنف.
وقد رد أحمد بن يحي على س قوله, فقال: ليس على هذا الإضمار دليل, ولا يدعو إليه اضطرار, ولا ينبغي أن يطالب الإضمار إذا قام الكلام الظاهر بنفسه.
والذي ينبغي أن يخرج عليه كلام س وتقديره إنما هو تفسير المعنى لا تفسير الإعراب؛ لأنه إذا كان تابعا من أتباعه في فرسخين دل على أنه لا يكون تابعه في أكثر منها, فهذا معنى قول س: "ما دمت تسير فرسخين", فإذا كان تفسير معنى بطل رد أحمد بن يحي.
وفي البسيط: هو مني فرسخان, لا يجوز النصب لأنك تريد: بيني وبينه هذه المسافة, فلا عمل فيه إلا أن تريد معنى المصاحبة, أي: هو مصاحبي, كما قاله س.
وقد قيل: إن منه: هو مني عدوة الفرس, ودعوة الرجل, وفوت اليد, ولذلك لم يكن فيه النصب.
وأما قولهم: "أنت مني مرأى ومسمع" فرفعوه- وإن لم يكن فيه المعنى المذكور- لأنهم جعلوه كـ "قريب" لكثرة استعماله في هذا المعنى, وقد ينصب لعدمه.
"وأما داري خلف دارك فرسخا" فكيف انتصب والمعنى: بين داري ودارك هذا القدر من خلفها, فهو متأول: أما س فجعل الخبر في خلف, ونصب فرسخا على التمييز لاستقلال الكلام, ولأنه مبين للمقدار الذي بينهما.
ونصبه المبرد على الحال؛ لأنه لما قال: "داري خلف دارك" علم أنها تبعد عنه أو تقرب, فلو قال بعيدة أو قريبة لصح على الحال, فجعل فرسخا بمنزلة "بعيدة", ولو قال: "خطوة" لكان حالا كـ "قريبة".
ورد تأويل س بأن التمييز مقدر بـ "من", ولا يصح هنا.
ورد بأنه يلزم في قولك: "أفضلهم رجلا" أن يكون تمييزا لأنك لا تقول: "من رجل", فكما يقدر هنا: أفضلهم من الرجال؛ لأن الأول رجل, كذلك
هنا معناه: قدر ما بين داري وداره فرسخ من الفراسح.
وفيه نظر, والوجهان محتملان.
وقد قيل: إن مراد س بالبيان الحال.
ويجوز أن ترفع فرسخا, فتقول: داري خلف دارك فرسخ, إذا ألغيت خلف, ويقوى الإلغاء إذا قلت: من خلف دارك.
وقال يونس: إن من لا تضعف الظروف- وإن جر بها- لأنها تدخل على غير المتمكنة كعندك, فلا تخرجها عن الظرفية, فكذلك في المتمكن.
ورضيه س.
-[ص: ونصب اليوم إن ذكر مع الجمعة ونحوها مما يتضمن عملا, خلافا للفراء وهشام, وفي الخلف مخبرا به عن الظهر رفع ونصب, وما أشبههما كذلك, فإن لم يتصرف كالفوق والتحت لزم نصبه.]-
ش: تقول: اليوم الجمعة, برفع اليوم ونصبه.
ويعني بقوله "ونحوها مما يقتضي عملا" مثل يوم السبت والعيد والفطر والنوروز والأضحى والمهرجان, فكل هذه تقتضي عملا لأن في الجمعة معنى الاجتماع, وفي السبت معنى القطع, وفي العيد معنى العود, وفي الفطر والأضحى معنى
الإفطار والتضحية,/ وفي النوروز والمهرجان معنى السرور, فكل هذه يجوز في "اليوم" معها الرفع والنصب, فتقول: اليوم الجمعة, وكذلك باقيها.
وذكر المصنف أن الرفع والنصب في اليوم مع هذه الأسماء جائز بلا خلاف, إلا أنه لم يذكر الأضحى والمهرجان, وذكر غيره أن ذلك يجوز في اليوم معها.
وقوله لا إن ذكر مع الأحد ونحوه نحوه هو الاثنان والثلاثاء والأربعاء والخميس.
وقوله: مما لا يقتضي عملا لأن الأحد بمنزلة الأول, والاثنين بمنزلة الثاني, والثلاثاء بمنزلة الثالث, والأربعاء بمنزلة الرابع, والخميس بمنزلة الخامس, فهذه لا يلحظ فيها معنى عمل, فلا يجوز فيها إلا الرفع لأن انتصابها إنما هو على معنى أنه كائن فيها شيء, ولا شيء كائن فيها, بخلاف "اليوم الجمعة" فإن في الجمعة معنى الاجتماع, وهو معنى تصلح كينونته في اليوم, فيكون اليوم ظرفا له.
وقوله خلافا للفراء وهشام يعني أنهما أجازا الرفع والنصب في اليوم مع سائر أسماء الأيام, فإذا رفع اليوم جعل الذي بعده بعينه, وإذا نصب بني على الآن, ومعنى هذا أن الآن أعم من الأحد والاثنين, فتجعل الأحد والاثنين واقعا في الآن, كما تقول في هذا الوقت: هذا اليوم.
قال المصنف في الشرح: "وقد قال س ما يقوى هذا؛ لأنه قد أجاز "اليوم يومك" بنصب اليوم بمعنى الآن, وقال: "لأن الرجل قد
يقول: أنا اليوم أفعل ذلك, ولا يريد يوما بعينه".
فهذا مما يقوي قول الفراء.
وللمحتج لـ "س" أن يقول: إن قول القائل: اليوم يومك, بمعنى: اليوم شأنك وأمرك الذي تذكر به, فأجريا مجرى واقع وموقوع فيه, بخلاف: اليوم الأحد" انتهى كلامه.
وتقضي قواعد البصريين في غير أسماء الأيام من أسماء الشهور ونحوها الرفع في نحو: الوقت الطيب المحرم, وأول السنة المحرم, واليوم يومك, على تقدير: هذا الوقت وقتك, ولا يجوز النصب في شيء من هذا.
وقوله وفي الخلف مخبرا به عن الظهر رفع ونصب تقول: ظهرك خلفك, فمن نصب فعلى الظرف, ومن رفع فلأنه في المعنى الظهر, وهو ظرف متصرف.
وقوله وما أشبهها كذلك أي: ما أشبه الخلف والظهر.
ومعنى كذلك أي: في جواز الرفع والنصب, نحو: رجلاك أسفلك, أو نعلاك أسفلك, وقرئ:} وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ {برفع (أسفل) ونصبه.
وقوله فإن لم يتصرف إلى آخره قال الأخفش: "العرب تقول: فوقك راسك, فينصبون الفوق لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفا, والقياس أن يرفع لأنه هو الرأس, وهو جائز, غير أن العرب لم تقله.
قال: وتقول: تحتك رجلاك, لا يختلفون في نصب التحت".
وقال خطاب الماردي: إن أخبرت عن شيء من هذه الظروف بخبر
رفعته بالابتداء, وكانت أسماء لا تتضمن شيئا كسائر الأسماء, فتقول: خلفك واسع, وأمامك ضيق, كما تقول: زيد قائم.
وقال بعض النحويين: إنه يجوز هذا فيما كان في الجسد, كقولك: فوقك رأسك, وخلفك ظهرك, وتحتك رجلاك, فهذا كله/ مبتدأ وخبر, ويعنون بالخلف الظهر, وبالأمام الصدر, وبالفوق الرأس, وبالتحت الرجلين, والأكثر أن تكون ظروفا, في الجسد كانت أو غيره, وهذا قول الأخفش.
وقيل: إن من قال: فوقك راسك لا يقول: فوقك قلنسوتك, وتحتك نعلك؛ لأن القلنسوة والنعل ليستا من الجسد.
قال: وهذا قياس من النحويين, وأما كلام العرب فنصب في هذا كله من الجسد والقلنسوة.
وقال غيره: وأما خلفك واسع فهو عربي جيد.
انتهى.
مسألة: أجاز يونس وهشام: زيد وحده, ومنعه الجمهور, أجراه يونس وهشام مجرى عنده, وتقديره: زيد موضع التفرد, وعلى هذا يجوز تقديمه, فيقال: وحده زيد, كما يقال: في داره زيد.
وقال هشام قولا آخر, قال (زيد وحده" نصب بفعل مضمر, يخلف الفعل المضمر وحده, كما قيل: زيد إقبالا وإدبارا, والمعنى: يقبل إقبالا, ويدبر إدبارا, والتأويل عند هشام: زيد وحده.
وقال هشام: حكي الأصمعي عن العرب وحد يحد.
يذهب هشام إلى أن
وَحْدَه خلف وحد كخلافة الإقبال والإدبار أقبل وأدبر.
قال هشام: ومثل زيد وحده في مثل هذا المعنى: زيد أمره الأول, وسعد قصته الأولى, وحالة الأولى.
يذهب هشام إلى خلافة هذا المنصوب الناصب كما خلف الوحد وحد, وكان يسمى هذا منصوبا على الخلاف.
وقال: لا يجوز: وحده عبد الله, كما لا يجوز: إقبالا وإدبارا عبد الله, ولا يصلح قصته الأولى زيد, من قبل أن الفعل لا يضمر إلا بعد الاسم.
وقال أحمد بن يحي: لا يضمر الفعل إلا بعد الاسم لأنه ثان للاسم, ترتيب الاسم أن يكون, ثم يفعل, فلم يضمر إلا في مكانه الأصلي السابق ليكون ذلك أقرب إلى الفهم وأبعد من اللبس.
انتهى.
ويعني بقوله: "ترتيب الاسم أن يكون, ثم يفعل" أن ترتيب الاسم في الابتداء أن تنطق به أولا, ثم تخبر عنه بقولك يفعل في نحو: زيد إقبالا وإدبارا, وما جرى مجراه, فلذلك لا يجوز تقديم المصدرين على المبتدأ لأن العامل فيهما المحذوف رتبته أن يكون بعد المبتدأ, فكما لا يجوز تقديم الفعل كذلك لا يجوز تقديم ما خلفه, وهو معموله.
وحجة الجمهور أن "وحده" اسم جرى مجرى المصدر.
قال س في: "مررت بعبد الله وحده": تأويله أفردت عبد الله بالمرور به, فالوحد صفة عبد الله, وتقديره: إفراده.
وقال بعض النحويين: وحده مما نصب على الحال, وهو في لفظ
التعريف, كما فعل ذلك في: رجع عوده على بدئه, وإذا كان اسما جرى مجرى المصدر أو مجرى الحال لم يصح أن يقع خبرا عن زيد.
وقد رد على الجمهور بما نقل عن العرب من أنهم قالوا: "زيد وحده", فجعلوا وحده خبرا, وإذا جعلته العرب خبرا لم يصلح أن يقع حالا من حيث لم يجز: زيد قائما, ولا: عمرو جالسا, ونص العرب على قولهم: "زيد وحده" هو حجة هشام ويونس.
مسألة: قال الكسائي: العرب تقول: القوم خمستهم وخمستهم,/ وكذلك عشرتهم وعشرتهم, من رفع الخمسة رفعها بالقوم, ومن نصبها ذهب بها مذهب وحدهم, ولم يقل وحده إلا بالنصب في هؤلاء الأمكنة.
وقال س: "مررت بالقوم خمستهم وخمستهم, خمستهم تقديره كلهم, لم ادع منهم أحدا إلا مررت به, وخمستهم تقديره وحدهم, مررت بهم إفرادا أفردتهم بالمرور دون غيرهم" انتهى.
وعلى ما قدره س لا يصلح أن يكون "خمستهم" خبرا, سواء أكان بمعنى كلهم أم بمعنى وحدهم على مذهب س في وحدهم, من جهة أنه لا يصح أن تقول: زيد وحده, وقد نقلوا أن العرب قالت: زيد وحده, والقوم خمستهم بالرفع والنصب, فوجب قبوله وإن خالف رأي س أو غيره.
مسألة: لا يجوز "زيد دونك" بالرفع عند س, وأنت تريد المكان, وأجازة غيره, قاله ابن أصبغ.
وقال الفراء: سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك لا تجعل أسماء مرفوعة, فإذا قالوا قام سواك وبدلك ومكانك ونحوك ودونك نصبوا, ولم يرفعوا على اختيار, وربما رفعوا, قال أبو ثروان: أتاني سواؤك, فرفع سواءك.
وقال الفراء أيضا: الرفع في سوى وبدل وغيرهما أقوى منه في دون لأن انفراد هذه الحروف أكثر من انفراد دون, فقد قالوا: هما سواء, وقد يفردون دون, فيقولون: هذا رجل دون, يريدون خسيسا, وإذا قصدوا هذا أعربوا دونا بوجوه الإعراب.
وقال س: "أما دونك فلا ترفع أبدا لأنها مثل, وإن قيل: "هو دونك في السن والنسب"؛ لأن هذا مثل, كما أن قولهم: "هذا مكان هذا" في البدل ذكر مثلا".
قال ابن الأنباري: يذهب س إلى أن كونه وصفا لم ينقله عن مذهب الظرف الذي يجب له فيه النصب, فعارضه أحمد بن يحيي بأنه لما جوز "زيد خلفك" وجب عليه أن يلزم دونك من جواز الرفع ما ألزمه خلفك.
مسألة: لا يجوز: زيد مثل عمرو, بالنصب عند أحمد من البصريين, وأجازه الكوفيون, وذلك أن "مثلك" عندهم من القسم الثاني من القسمة التي قسموها المحال, وهو الذي يعرب في مواضع النعوت والأخبار
بتعريب الأسماء، وينصب في كل حال، وإذا وقع موقع أسماء الفاعلين من الماس رفع، ولم ينصب.
وهذا القسم هو عندهم هذه الأسماء: قرنك وسنك وشبهك ولدتك ومثلك، قالوا: يقال: عبد الله سنك وسنك، ومثلك ومثلك، وهذا رجل شبهك وشبهك، ومررت برجا مثلك ومثلك، فإذا قالوا قام مثلك، وجاءني سنك وشبهك ولدتك، رفعوا ولم ينصبوا.
ولتجويزهم أن مثلك يكون محلًا أجازوا أن يقع صلة لموصول.
ولا يجيز البصريون أن يكون مثلك محلًا، فإن نقل عن العرب "زيد مثلك" بالنصب، وكثر، وجب قبوله، وأما ما استدلوا به في صلة الموصول في تأوله البصريون.
مسألة: الظرف المقتطع قبل وبعد لا يخبر به، ولا يوصف/ به، ولا يوصل به، ولا يكون حالًا، ولم يعتلوا لذلك إلا بضعفها حسب، وشبهها سيبويه والفارسي بالأصوات.
قال ابن الدهان: والصحيح عندي أنهم لم يجمعوا عليها حذف العامل فيها ومعمولها وجعلها معتمدًا لفائدة، فأما قوله:
فأضحت زهير في السنين التي خلت وما بعد لا يدعون إلا الأشائما
فـ "ما: زائدة، وبعد منصوب الموضع عطفًا على موضع الجار والمجرور.
وقوله تعالى ﴿ومِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ فليست ﴿مَا﴾ موصلة (ومن قبل) الخبر، وإنما ﴿مَا﴾ زائدة.
فإن قيل: ما العامل في (من قبل)؟ فالجواب أن المعنى بالعامل هو الفعل هنا، وإنما حرف جر موصل له، فموضعها نصب.
انتهى.
وقد نص س على أن الظرف المتقطع عن الإضافة لا يقع خبرًا للمبتدأ، وقد هم الومخشري وغيره في تجويزه ذلك في قوله (ومن قبل ما فرطتم)، إذا جعل (ما) مصدرية في موضع المبتدأ، و (من قبل) خبر، أي: ومن قبل تفريطكم في يوسف، وقد رددناه عليه في "البحر المحيط" في التفسير من تأليفنا.
ص: ويُغني عن خبر اسم عين باطراد مصدر يؤكده مكررًا أو محصورًا، وقد يرفع خبرًا، وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر من مصدر أو مفعول به أو حال.
وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا بعطف وغير عطف، وليس من ذلك ما تعدد لفظًا دون معنى، ولا ما تعدد لتعدد صاحبة حقيقة أو حكمًا، وإن توالت مبتدآت أخبر عن آخرها مجعولًا هو وخبره متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويضاف غير الأول إلى ضمير متلوه، أو يجاء بعد خبر الآخر بروابط المبتدآت أول لآخر، وتال لمتلو.
ش: مثاله مكررًا: زيد سيرًا سيرًا، ومثاله محصورًا: ما أنت إلا سيرًا، يسير سير سيرًا، فحذف الفعل، واستغنى عنه بمصدره، وجعل تكراره بدلًا من اللفظ بالفعل، فامتنع إظهاره لئلا يجتمع عوض ومعوض عنه، والحصر قام مقام التكرار في سببية التزام الإضمار.
ومثل المصنف في الشرح المحصور بقوله: إنما أنت سيرًا، ومثله س ب"ما" و"إلا"، وسواء أكان في المصدر الألف واللام أو لم تكن نحو: ما أنت إلا الضرب الضرب، وما أنت إلا سير البريد سير البريد، وهذه مثل س. وتقول: م أنت إلا تسير سيرًا، فتظهر الفعل.
فإن قلت: كيف الجمع بين هذا وبين قولك فيما تقدم إنه بدل من اللفظ بالفعل، فلا يظهر الفعل، وهنا قد ظهر؟
فالجواب أن الإخبار إذا كان عن شيء متصل بزمان الإخبار لم ينقطع فالفعل واجب الإضمار، وإذا أردت أنه سار، ثم انقطع السير، أو أخبرت أنه يسير في المستقبل، فإن الفعل يظهر، ذكر ذلك س.
وقوله وقد يرفع خبرًا مثاله: زيد سير سير، وما أنت إلا شرب الإبل، تجعل الآخر هو الأول على سبيل المبالغة.
وإذا أخبرت بالمصدر عن عين فثلاثة مذاهب: أحدها مذهب س أن ذلك على سبيل المبالغة، حيث جعلت الذات نفس المصدر مبالغة.
ومذهب
الكوفيين أنه محرف عن أصله، فإذا قلت زيد عدل فمعناه عادل.
ومذهب أبي العباس أنه على حذف مضاف تقديره: ذو عدل.
وقوله وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر من مصدر مثاله: زيد سيرًا، أي يسير سيرًا، فأما قول بعض العرب: "إنما العامري عنته" أي: يتعمم عمته، فهذا من المصدر المحصور نظير: ما أنت إلا سيرًا، فهو من الكثير المقيس.
وقوله أو مفعول به مثاله ما روى: "إنما العامري عمامته"، التقدير" يتعهد عمامته، وقوله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ) و (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) التقدير: يقولون ما نعبدهم،: فيقال لهم أكفرتم.
قال المصنف: "ومن ذلك ما رواه الكوفيون من قول العرب: حسبت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها، أي: فإذا هو يساويها".
ولا يجوز أن يكون إياها قد شذ وقوعه في موضع رفع كما شذ في موضع جر، كقول العرب: مررت بإياك، حكاه الفراء عنهم، ثم قال: وأنشد الكسائي"
وأحسن، وأجمل في أسيرك إنه ضعيف، ولم يأسر كإياك آسر
انتهى.
وتقديره: فإذا هو يساويها، لما حذف الفعل انفصل الضمير.
وهذا الذي ذكر أن الكوفيين رووه عن العرب هي المسألة التي جرت بين الكسائي والفراء، وبين سيبويه بحضرة هارون الرشيد، وقيل: بل حضرة يحي بن خالد البرمكي، وتسمى المسألة الزنبورية، واختلف النقل فيها: فقيل: أجازة س بقوله: فإذا هو إياها، وقال الكوفيون: فإذا هو هي، وقيل: أجازه س بقوله: فإذا هو هي، وقال الكوفيين: فإذا هو إياها.
وكلا الجوابين له توجيه من العربية:
فمن قال: "فإذا هو إياه" فـ "إياها" مفعول بفعل محذوف يدل عليه المعنى، فلما حذف الفعل انفصل الضمير.
ومن قال: "فإذا هو هي" فليس المعنى أن الزنبور هو العقرب حقيقة، وإنما هو من باب زيد زهير، أي: فإذا هو مثلها في اللسع لا أشد لسعًا منها.
وقد نظم هذا المعنى شيخنا الإمام العلامة رئيس الأدباء غير مدافع في عصره أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم الأنصاري الأندلسي، أنشدنا لنفسه بمدينة تونس من قصيدة له في النحو قوله:
والعرب قد تحذف الأخبار بعد "إذا" إذا عنوا فجأة الأمر الذي دهما
فإن تلاها ضميران اكتسي بهما وجه الحقيقة من إشكاله غممًا
لذاك أعيت على الإفهام مسألة أهدت إلى سيبويه الحتف والغمما
وقد كانت العقرب العوجاء أحسبها أشد لسعة من لسعة الزنبور وقع حما
وفي الجواب عليها هل "إذا هو هي" أو هل "إذا هو إياها" قد اختصما
وغاط عمرًا علي في حكومته يا ليته لم يكن في مثلها حكمًا
كغيظ عمرو عليًا في حكومته يا ليته لم يكن في مثلها حكمًا
وفجع ابن زياد كل منتخب من آله إذا غدا منه يفيظ ذما
كفجعة ابن زياد كل منتخب من آله إذا غدا منه يفيض دما
وفي البسيط: فإذا هو هي.
وقال الكسائي والكوفيون: فإذا هو إياها
حجة البصريين أن "هو" مبتدأ، والخبر إما أن يكون "إذا" التي للمفاجأة لأنها مكان، فيلزم أن يكون الثاني حالًا، و"إياها" لا يكون حالًا.
وأما أن يكون الخبر الضمير الثاني، و"إيا" من ضمائر النصب، فلا يكون خبرًا فتعين أن يكون ضمير رفع خبرًا للمبتدأ.
واحتج الوفيون من وجهين:
أحدهما: أن العرب شهدوا بذلك، وأقروا به.
والثاني: أن "إذا" التي للمفاجأة يجوز أن يرتفع ما بعدها بالمبتدأ والخبر، وأن ينصب على إضمار وجد، وعلى ذلك جاءت الحكاية.
وقال ثعلب: هو عماد، أي: وجدته إياها.
وهو ضعيف لأنها لا بد لها من مفعولين، وليسا في الكلام، ولا يكون "هو" عمادًا- أعني فصلًا- لأن الفصل يكون بين اسمين، وليسا هنا.
وقوله أو حال مثاله ما روى الأخفش من قول بعض العرب: زيد قائمًا، والأصل: زيد ثبت قائمًا، أو عرف قائمًا.
وروى عن علي رضي الله عنه أنه قرأ" بالنصب.
وما حكاه الأزهري من قول بعض العرب: حكمك مسمطًا، أي" حكمك لك مثبتًا، فـ "لك" خبر حذف، واستغنى عنه بالحال، وليس نظير: صربي زيدًا قائمًا، وعلى ذلك يخرج فول النابغة الجعدي:
وحلت سواد القلب، لا أنا باغيًا سواها، ولا في حبها متراخيًا
أي: لا أنا أرى باغيًا، فحذف "أرى" وهو خبر "أنا" وأنا: مبتدأ، ودل عليه المعمول، وهو أولى من جعل "لا" عاملة في المعرفة.
وقوله وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا بعطف وغير عطف مثاله بغير عطف قوله تعالى (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وقول الراجز:
/ من يك ذا بت فهذا بتي مقيط مصيف مشتي
وقوله:
ينام بإحدى مقلتيه، ويتقي بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع
ومثاله بعطف: زيد فقيه وشاعر، ويجوز فيما قبله دخول الواو.
وقوله وليس في ذلك ما تعدد لفظًا دون معنى مثاله: هذا حلو حامض، بمعنى مز، وهذا أعسر يسر، بمعنى أضبط، أي: عامل بكلتا يديه، فهذان قام مقام خبر واحد في اللفظ والمعنى، ولا يستعمل فيه العطف لأن مجموعة بمنزله مفرد، فلو استعمل فيه العطف لكان عطفه بعض كلمة على بعض، وأجاز ذلك أبو علي، فيقول: هذا حلو وحامض.
وقوله ولا تعدد لتعدد صاحبة حقيقة مثاله: بنو زيد فقيه وشاعر وكاتب، وقول الشاعر:
يداك يد خيرها يرتجي وأخرى لأعدائها غائظه
ولا تستعمل هذه الأخبار إلا بحرف العطف.
وقوله أو حكمًا مثاله في قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)، وقول الشاعر:
والمرء ساع لأمر ليس يدركه والعيش شح وإشفاق وتأميل
ولا يستعمل هذا أيضًا دون عطف.
انتهى ما شرح به الكلام في تعداد الأخبار، وهو ملخص من شرح المصنف.
ونقول: إذا تعدد المبتدأ في اللفظ أو في المعنى فخبره مطابقة في اللفظ أو في المعنى، نحو: الزيدان قائمان، الزيدان قائم وقاعد، وزيد وعمرو شاعران، وزيد وعمرو شاعر وكاتب، والزيدون قائمون، والزيدون قائم وقاعد ومضطجع، وزيد وعمرو وبكر قائمون، وزيد وعمرو وبكر شاهر وكاتب وفقيه.
وإذا اتحد لفظًا ومعنى ففي جواز تعدد الخبر مع اتحاد المبتدأ خلاف: منهم من أجاز مطلقًا، سواء أكان الخبران فصاعدا من قسم المفرد أم من قسم الجمل أم مركبًا منهمًا، نحو: زيد كاتب شاعر، وزيد أبوه قائم أخوة خارج، وهند منطلقة أبوها خارج، وزيد أمه منطلقة خارج.
ومنهم من قال: لا يقضي إلا خبرًا واحدًا، فإن قضيته أكثر فلا بد من حرف التشريك، نحو: زيد قائم ومنطلق، أو زيد قام أخوه وأبوه مسافر، إلا أن تريد اتصافه بذلك في حين واحد فيجوز، نحو: هذا حلو حامض، أي: مز، فإذا لم ترد أن يتصف بذلك في حين واحد، وكان ذلك في وقتين، فلا يجوز، نحو: زيد ضاحك راكب، وهذا هو اختيار من عاصرناه من الشيوخ.
وإذا كان للمبتدأ خبران في حين واحد، وكانا بغير تشريك، وهما مشتقان الاشتقاق الذي يتحمل صاحبه/ الضمير، نحو: هذا حلو حامض،
وزيد قائم قاعد، أي: مضطرب الرأي، وقوله:
ينام بإحدى مقلتيه، ويتقي بأخرى الأعادي، فهو يقظان هاجع
أي: متحذر أو متخوف، فهل فيما ضميران أم الأول خال من الضمير، والثاني محتمل ضمير المبتدأ؟ فيه نظر: نقل لنا عن أبي علي الفارسي أنه ليس إلا ضميرًا واحد تحمله الخبر الثاني؛ لأن الأول تنزل من الثاني منزله الجزء منه، وصار الخبر إنما هو بتمامها.
والذي أختاره أن كلًا منهما تحمل ضميرًا من المبتدأ، وأن كونهما خبرين في وقت واحد لا يخرجهما عما استقر في الخبر المشتق من تحمله الضمير.
وثمرة هذا الخلاف تظهر إذا جاء بعدهما اسم ظاهر، نحو قولك: هذا البستان حلو حامض رمانه، فإذا قلنا: لا يحتمل الأول ضميرًا تعين أن يكون الرمان مرفوعًا بالثاني، وإذا قلنا إنه يتحمل أن يكون من باب الإعمال، ولا التفاف لمن شرط في باب التنازع أن العاملين لا يتنازعان سببًا مرفوعًا، وسيأتي القول في ذلك في بابه إن شاء الله.
وقال بعض أصحابنا: قال أبو علي: "إن ارتفعا بأنهما خبر فلا يكون؛ لأنه لا يوجد رافع لاسمين هكذا، ولأنه محمول على الفاعل، ولا
فاعل هكذا.
ولا يصح في حامض أن يكون صفة لامتناع وصف الحلو به، ولا بدلًا لأنه لا يراد أحدهما، ولا خبر مبتدأ محذوف لصيرورة الكلام جملتين، وإنما يريد أنه جمع الطعمين لا أنه هو هذا وهذا".
وقيل ليس بخارج عن الصفة، فكان الخبر هو الأول موصوفًا بهذا، أي: حلو مكسور بحموضة، كما تقول إذا كان مبتدأ، نحو: الحلو الحامض هو السكنجبين، فالحامض صفة، فكذلك في الخبر، والصفات قد توصف إذا تنزلت منزلة الجوامد، نحو: مررت بالضارب العاقل، وكذلك: هو زيد المنطلق، وهذا رجل منطلق، وقد جوز س فيهما الخبرية على الجمع، لكت ينتقض الوصف إذا كان أحدهما معرفة والآخر نكرة، نحو: هذا زيد قائم، وقد جوزه س على الجمع.
ومثل هذين الخبرين لا يعطف الثاني فيه على الأول لأن الواو لا تدخل إلا حيث تستقل الإفادة.
وقيل: تدخل واو الجمع كما تدخل في: اختصم زيد وعمرو، وإن كان الفعل لا يتم بالأول
وإذا لم يحضر الخبرين لفظ واحد، وقصدت الجمع، كان في الأمر الأكثر منزله: هذا حلو حامض، في الأكثر: ومنه قراءة عبد الله (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا)، ومنه (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى.
نَزَّاعَةً لِلشَّوَى)، وقوله: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ.
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) وقول الشاعر:
من يك ذا بت فهذا بتي مقيظ مصيف مشتي
أي: صالح للقيظ والصيف والشتاء.
ويصلح هنا العطف، ويحسب قصدك الجمع/ بحذفهما، والخبران هنا ليس متنافيين، ويصلح أن يستقل كل واحد منهما بالخيرية، بخلاف: هذا حلو حامض.
وقال صاحب البديع: "قد يرد للمبتدأ خبران فصاعدا، قالوا: هذا حلو حامض، وهذا أبيض أسود، وعليه قوله: "وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ)، وهذان الخبران وقعا جميعًا خبرًا للمبتدأ لمتشابهتهما الجمل، فلا يجوز الفصل بينهما ولا تقدمهما على المبتدأ عند الأكثرين، ولا تقدم أحدهما تأخر الآخر، وأجازه بعضهم، والضمير يعود على المبتدأ من معنى الكلام، كأنك قلت: هذا مز، لأنه لا يجوز خلو الخبرين من الضمير لنقص ما تقرر من اضطرار اسم الفاعل إليه، ولا يجوز أحدهما به لأنه ليس أولى من الآخر، ولا يجوز أن يكون فيهما ضمير واحد لأن عاملين لا يعملان في معمول واحد، ولا يجوز أن يكون فيهما ضميران لأنه يصير التقدير: كله حلو وكله حامض، وليس هذا الغرض منه.
وقال الأخفش: الخبر الثاني وقع كالصفة للأول، وإنما أرادوا بالإخبار أن هذا حلو فيه حموضة" انتهى.
وفي "الغرة" أن ابن جني أجاز تقديم أحد الخبرين على المبتدأ، ونشد في كتاب "التمام":
بان الخليط الذي ما دونه أحد عندي، ولو لم يكن يرضى به أحد
فيجوز أن يكون "دونه و"عندي" خبرين للمبتدأ.
وقال الأخفش في "المسائل الكبير": "اعلم أن قولهم: هذا حلو
حامض، وهذا أبيض أسود، إنما أرادوا أن هذا حلو فيه حموضة، فينبغي أن يكون الثاني صفة للأول، وليس قولهم إنهما جميعًا خبر واحد بشيء، وكيف يكون؟ هذا ليس له مذهب في العربية".
وذكر أبو الفتح أنه راجع أبا علي في هذا الفصل نيفًا وعشرين سنة في عود الضمير حتى يتبين له.
وقوله وإن توالت مبتدآت إلى آخره: في ذلك طريقان: أحدهما جعل الروابط في الأخبار.
والثاني جعله في المبتدآت:
فمثال الأول: زيد هند الأخوان الزيدون ضاربهما عندها بإذنه، والمعنى: الزيدون ضاربو الأخوين عند هند بإذن زيد.
ومثله من الموصول: الذي التي اللذان التي أبوها أبوهما أختها أخوالك أخته زيد، قال ابن الخباز: فلا تدخل العرب موصولًا على موصول، بل ذلك من وضع النحويين، وهي مشكلة جدًا.
ومثال الثاني: زيد أمه أخواها عمها قائم، والمعنى: عم أخوي أم زيد قائم.
وقد ذكر هذه المسألة الأستاذ أبو الحسن بن عصفور، وطول فيها، وهي من واضح المسائل.
وقد ذكرها غيره من أصحابنا.
وذكر على ثلاثة أوجه: فالوجهان ما سبقا.
والثالث ما تركب منهما، وهو على ضربين:
أحدهما أن يتقدم بعض المبتدآت المعراة، ويتأخر بعض عن
المعرى، فيحتاج الأولى إلى/ ضمائر أخيرة، كقولك: زيد عمرو هند أبوها أخوه منطلق من أجله عنده، وتلخيصها: أخو أبي هند منطلق من أجل عمرو عند زيد.
والثاني بالعكس كقولك: زيد غلامه أبوه عمرو العمران منطلقان من أجله عنده، وتلخيصه، العمران منطلقان من أجل عمرو عند أبي غلام زيد.
وقد تتركب تركيبًا آخر ثلاثيًا بأن يتقدم المعرى، ثم تثنيه بالمشتغل، ثم تثلثه بالمعرى، وبالعكس، فيكثر المفروض.
وهذه المسائل التي وضعها النحويون للاختبار، ولا يوجد نظير تراكيبها في لسان العرب، وإنما اقتضتها صناعة النحو.
ونظير ذلك أن نقول: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا حسنًا أمامك يوم الجمعة ضاحكًا وهندًا عائشة منطلقة إعلاميًا قبيحًا وراءك يوم الخميس باكية، فمثل هذا التركيب اقتضته صناعة النحو، ولا يوجد مثله في كلامها البتة.
في كتاب "المقتضب" لأبي العباس وكتاب "اللباب" للحوفي من هذا النوع مسائل وضعت للاختبار وتمرين الذهن، وأما أن تلك التراكيب توجد في كلام العرب فلا.
ونبهت هنا على هذا لئلا يتوهم أن مثل هذا التركيب الذي ركبه النحويين هو موجود في كلام العرب.
-[ص: فصل تدخل الفاء على خبر المبتدأ وجوبًا بعد أما إلا في ضرورة أو مقارنة قول أغنى عنه المقول، وجوازًا بعد مبتدأ واقع موقع من الشرطية أو ما أختها، وهو أل الموصولة بمستقبل عام، أو غيرها موصولًا بظرف أو شبهه، أو يفعل صالح للشرطية، أو نكرة عامة موصوفة بأحد الثلاثة، أو مضاف إليها مشعر بمجازاة، أو موصوف بالموصول المذكور، أو مضاف إليه.]-
ش: خبر المبتدأ مرتبط بالمبتدأ ارتباطًا المحكوم به بالمحكوم عليه، فلا يحتاج إلى حرف يربط بينهما، كلا لا يحتاج الفعل والفاعل إلى ذلك، فكان الأصل أن لا تدخل الفاء على شيء من خبر المبتدأ، لكنه لما ألحظ في بعض الأخبار معنى ما تدخل الفاء فيه دخلت، وهو الشرط والجزاء.
فمثال ذلك في "أما" قوله تعالى" (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ)، وقد تقررت كيفية دخولها مع "أما" في آخر الفصل الخامس من "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك".
ومثال حذفها في الضرورة قوله:
فأما القتال لا قتال لديكم................
أي: فلا قتال.
وقوله أو مقارنه قول أغنى عنه المقول مثاله {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ