ولم يَذكر دليلاً على أنه يُستَفهَم بها سوى هذا الخبر، وقد تقدَّم لنا الكلام معه في أنه مخالف للنحاة في إثبات القواعد النحوية بما ورد في الآثار، كهذا الأثر وغيره، وبيَّنَّا العلة التي عدَل النحويون لأجلها عن الاستشهاد بذلك.
وقوله ويقال كَيْءٍ وكاءٍ وكَأٍ وكَايٍ تقدمت اللغة الأصلية التي ذكروا فيها أنها مركبة من كاف التشبيه ومن أيَّ، وهي أفصح اللغات فيها.
وهذه اللغة بياء ساكنة بعد الكاف وبهمزة مكسورة منونة، وهذه اللغة حكاها المبرد، قال المصنف في الشرح: «وأصله كَيَّأٍ، بتقديم الياء على الهمزة، ثم عُوملت معاملة مَيَّت، فقيل: كَيْءٍ، ثم أُبدلت ياؤه ألفًا، فقيل: كاءٍ، وبه قرأ ابن كثير، ثم حُذفت ألفه، فقيل: كَأٍ.
وأمَّا كَايٍ فمقلوب كَيْء، وبه قرأ ابن مُحيصن والأشهب» انتهى.
ودلَّت قراءة ابن محيصن والأشهب بها على صحتها، وحكاها ابن كَيسان والأعلم.
وزعم ابن خروف أنَّ الأعلم غلطَ فيها، وإنما هي كايٍ بالألف والياء.
وليس ذلك بغلط لِما ذكرناه /مِن قراءةِ مَن قرأ بها، ولِحكاية ابن كيسان لها، وضبطًها ضبطًا لا يلبس، قال ابن عصفور: «وأمَّا ما قاله ابن خروف مِن أنها
كايٍ بالألف والياء، فلم يَحك ذلك غيره، وهي جائزة في القياس، كما أبدلوا الهمزة في راس، فقالوا راس، لَما كانت كَايٍ أبدلوها» انتهى.
وليست جائزة في القياس، بل كونها مسهَّلة لقلبها ياءً بعد الألف هو على غير قياس.
وأمَّا كائن فهي تلي كأيِّن في الفصاحة، واختلفوا في تعليل تغييرها من كأيَّن:
فقال المبرد: حذفوا الياء الأولى من كأيَّن، وجعلوا التنوين عوضًا من الياء المحذوفة.
والذي يوجبه مذهبه أنهم بنوا من كأيِّن اسمًا على وزن فاعِل، الكاف منه فاء الفعل، وبعد الكاف ألف فاعِل، وبعدها الهمزة التي هي أوّل أيّ في موضع عين الفعل، والياء الباقية في موضع لام الفعل، ودخل عليه التنوين الذي كان في أيّ، فسقطت الياء لاجتماع ساكنين، فصار كاء، ولزمت النون عوضًا.
وقال الزجاج: لّما صَيَّروا الكاف مع أيَّ كالكلمة الواحدة أبدلوا الهمزة ألفًا، على حدِّ قولهم في سألَ: سال، وخفضوا الياء، فصار كايٍ، فدخل في باب قائل وبائع، فهُمز.
وقال الفارسي: قلبوا، فصار: كَيَّأٍ، ولحق الهمزةَ التنوينُ كما لحق الياءَ المشددة، وجاز القلب فيما تركْب من كلمتين ــ وحكمُه أن يكون في كلمة واحدة، نحو قِسِيّ ــ لكونهما صارا كالكلمة الواحدة، ولكثرة الاستعمال، كما قالوا: رَعَمْلِي في لَعَمْرِي، ثم حُذفت الياء المتحركة كما حذفت من كَيّنُونة، فقالوا: كَيْنونة، فصار كَيْءٍ، مثال كَيْعٍ، وإذا كانوا قد حذفوها من أيِّ قبل التركيب في نحو قول الشاعر:
تَنَظّرتُ نَصْرًا والسِّماكَينِ أَيْهُما... عَلَيَّ مِنَ الغَيثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهْ
فالأحرى بعد التركيب؛ لأنَّ الطول أدعى للتخفيف، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفًا، كما قالوا في دُوَيْبَّة: دُوَابَّة، وكما قالوا طائيّ في النسب إلى طيِّئ.
قال أبو علي في «البغداديات»: «وهذا قول بعض البصريين.
إلا أنه لم يشرحه هذا الشرح».
وقال ابن خروف: قلبوا الياء المتحركة قبل الهمزة، ثم قلبوها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفوا الياء الساكنة، وكسروا الهمزة لَما صارت طرفًا، وكان السبب في حذف الياء الساكنة على هذا اجتماعها مع النون، وهي ساكنة.
قال بعض أصحابنا: «وما ذهب إليه الفارسي أولى؛ لأنَّ ما ادَّعاه من القلب والتخفيف قد ثَبَتَ في هذه الكلمة سماعًا؛ بدليل قولهم فيه كَيْءٍ، فوجب أن يُجعل أصلاً لـ (كاءٍ) لقربه منه، وأن يُقَدَّر أن ألف كائن بدل من ياء على حدِّ دُوابَّة في دُوَيْبّة.
وما ذهب إليه المبرد والزجاج وابن خروف لم يرد به سماع، وإنما أجازوه بالقياس من عندهم» انتهى.
وفي الوقف أيضًا على كائن خلاف: فابن كيسان والمبرد يقفان بالنون.
وعلة ابن كيسان ما تقدم في وقفه على كَأَيِّ.
وعلة المبرد أنَّ النون صارت عوضًا من الياء المحذوفة، فلزمت لذلك.
وذهبت جماعة إلى الحذف؛ لأنها التنوين الذي كان في أيَّ، فحُذف كما حذف.
وأجاز الفارسي الوجهين، قال في «الحجة»: «فأمَّا النون فهو التنوين، وقياسه الحذف وتسكين الهمزة المجرورة للوقف، وقياسُ من قال مررت /بِزَيدِي أن يقول: كائي، فيبدل من التنوين ياء.
ولو قال قائل: إنه بالقلب الذي حدث في الكلمة صارت بمنْزلة النون التي من نفس الكلمة، كما جعلت النون في لدن بمنْزلة التنوين الزائد في قول من قال: لَدُنْ غُدْوةً ــ لكان قولاً».
وقال ابن يسعون: «يمكن أن يكون كائن مشتقَّا من قولهم: كاءَ يكيء كَيْئا وكَيْئة: إذا رجع وارتدع، وأيضًا إذا هاب، فهو كاء من هذا اللفظ، كجاءٍ ونحوه، ثم أُلزم الاستعمال بمعنى كم من حيث كان الرجوع والارتداع تردُّدًا وانضمامًا واجتماع بعض الشيء إلي بعضه؛ وهذا المعنى قريب من العدد والكثرة»
وينبغي أن يكون الوقف عليه في هذا القول بحذف النون لأنها تنوين.
وهذا القول فاسد لأنها لو كانت اسم فاعل من كاءَ في الأصل لجاز إضافتها إلى التمييز كإضافة ما هي في معناه، وهي كم؛ إذ لا مانع من ذلك، لكنها بمنْزلة المحكي، فتمتنع الإضافة.
وحكى قطرب عن يونس أن كائن اسم فاعل من كان، وعلى هذا تثبت النون وقفًا وخطَّا لأنها من نفس الكلمة.
وهذا فاسد؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن لبنائه وجه إلا حمله على كم من حيث استُعمل في معنى كم، ولو كان كذلك لوجب أن تكون نونه متحركة حتى يكون بناؤه على حركة؛ لأنه معرب في الأصل، طرأ البناء عليه.
وأيضًا فإن قولهم فيه كَأَيِّنْ وكَيْءٍ يبين فساد ذلك.
وأمَّا كَيْءٍ فإنه لما قلب، وحذفت الياء تخفيفًا، لم تقلب الياء ألفًا.
ومن قال كَايٍ فكأنه قلبُ من هذا مراجعة للأصل؛ إذ الهمزة في الأصل متقدمة على الياء، ولكثرة تلعبهم بهذه الكلمة.
وأمَّا كَئنْ فانه كائن في الأصل حذفوا الألف منه اجتزاءً بالفتحة عنها، كما قالوا: أمَ والله لقد كان كذا، ولو تَرَ أهل مكة، أي: أمَا، ولو ترى.
وقال ابن جني: «من قال كَأٍ فإنه حذف الياء من كَيْءٍ».
وهذا الوجه يَرجح الأولَ بقلَّة العمل، ورَجَحه الأول بكون المحذوف قد بقي ما يدلُّ عليه بعد الحذف، وهو الفتحة.
وفي الوقف على هذه اللغات خلاف: فمنهم من يحذف لأنه التنوين الذي كان في أيِّ، فحَكم له بحكمه.
ومنهم من يُثبته لأنها كالنون التي هي من نفس
الكلمة، فجعل الكاف مع أيِّ كالكلمة الواحدة.
وإنما جُعلت هذه اللغات كلها مغيرة من كأيِّن لتقاربها في الحروف واتحادها في المعنى.
وقد انتهى الكلام في تعليل هذه اللغات وجريانها على قوانين العربية،
وذكرنا اختلاف الناس فيها، وهي جميعها تسويد للورق، وإكثار في الكلام، ولا طائل تحته، فالأولى ادَّعاء البساطة في هذه الكلمة؛ إذ هي الأصل، ويكون التغيير فيها كالتغيير الذي جاء في لَدُنْ، وفي رُبَّ، وفي حيث، وما أشبهها.
ولو كانت أحكامُ نحوية مكان هذه التعاليل والاختلاف لكان الاشتغال بها أَولى وأنفع، ولكن كل علم لا بد فيه من فضول.
والأفصح اتصال تمييزها بها مجرورًا بـ «مِنْ» وكذا وقعت في القرآن ﴿وكأين من نبي قتل﴾ و ﴿وكأين من ءاية في السموات والأرض﴾...، ﴿فكأين من قرية أهلكنه، و {وكأين من قرية عنت﴾.... ويجوز الفصل بينهما بالجمل، وبالجار /والمجرور، وبالظرف، قال الشاعر، وهو عمرو بن شأس: وكائنْ رَدَدْنا عَنكُمُ مِنْ مُدَجَّجٍ... يَجيء أَمامَ الَحيِّ... يَرْدي... مُقَنَّعا وقال الفرزدق: وكائنْ اليكم قادَ مِن رأسِ فِتنةٍ... جُنودًا، وأمثالُ... الجِبالِ... كَتائبهْ وقال السُّليك: وكائنْ حَواها مِن رئيسٍ، سِلاحُهُ... إلى الرَّوعِ صَحْنٌ، مائلِ الشَّقَّ أَبْكَمِ وقال ذو الرمة: وكائنْ تَري مِن رَشْدةٍ في كَريهةٍ... ومِن غَيَّةٍ تُلْقَى عليها الشَّراشِرُ وقال أيضًا:
وكائنِ ذَعَرْنا مِن مَهاةٍ ورامِحٍ... بِلادُ العِدا ليستْ لهُ... بِبِلادَ وقال الكميت: وكائنْ تَرَي فينا مِنِ ابْنِ أَخيذةٍ... أَبَى العِتْقُ مِنْ خالاتِهِ أنْ تُغَيَّرَا وقال آخر: وكائنْ تَرَي فينا مِنِ ابْنِ سَبِيَّةٍ... اذا لَقِيَ الأَبْطالَ يَضْرِبُهُمْ هَبْرَا وقال آخر: وكائنْ تَرَي مِنْ يَلْمَعِيِّ مُحَظْرَبٍ... وليسَ... لهُ عندَ العَزائمِ جُولُ وقال الآخر: وكائنْ... بالأَباطِحِ... مِنْ صَديقٍ... يَرانِي... لو أُصِبْتُ هو الُمصابا وقال الأدْهَم بن أبي الزَّعراء: وكائنْ بنا مِن ناشِصٍ قد عَلِمتُمُ... إذا نَفَرَتْ كانتْ بَطيئًا... سُكُونُها وجاءت هذه اللغة كثيرة في كلام العرب خصوصًا في أشعارها، وهي تلي في الفصاحة لغة كأيَّن، وقراءة الجمهور (كأين)، وقرأ ابن كثير بهذه اللغة.
ومن غريب الحكايات في هذه اللغة ما حدثني به بعض أدباء تونس ــ والعهدة عليه ــ أنَّ الفقيه المحدَّث أبا القاسم بن البراء كان يحرِّض شيخنا الأديب الحافظ المستبحر أبا الحسن حازم بن محمد بن حازم على أن يشتغل بالفقه، ويكفّ عن الأدب، فحضر حازم وجماعة عند المستنصر أبي عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكرياء ملك إفريقية، وذكروا
قراءة ابن كثير (وكائن)، واستغربوها،
وقالوا: لم يجئ منها في كلام العرب إلا قول الشاعر: /
وكائنْ بالأَباطِحِ مِنْ صَديقٍ.....................................
فقال لهم حازم: قد جاء منها ما لا يُحصى.
فطلبوا منه ذلك، فأنشدهم من هذه اللغة ألف بيت، فدفع له المستنصر ألف دينارٍ من الذهب، فجاء بها إلى ابن البراء، فقال له: هذه مسألة من الأدب، أخذت فيها ألف دينار، فأرنى أنت مسألة من الفقه حصل للمخبر بها ألف دينار؟ انتهى.
والذي أقوله إنَّ هذه المسألة كانت ـــ والله أعلم ـ مبَّيتة، طُولِع فيها دواوين العرب أيامَا كثيرة، على أنَّ حازمًا كان من الحفظ في غاية لا يشاركه فيه غيره من أدباء عصره.
وأمَّا ثلاث اللغات الباقية فنقلها النحويون، ولم يُنشدوا فيها شعرًا فيما علمت.
وقوله وقلَّ ورود كذا مفردًا أو مكررًا بلا واو كنّا قد ألّفنا كتابًا في أحكام كذا، سميناه بـ «كتاب الشذا في أحكام كذا» بسؤال قاضي القضاة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الوهاب الأنصاري الحنفي، عرف بابن الحريري،
أولَ قدومه من الشام متوليًا قضاء الديار المصرية، وجمعنا في آخره الأحكام مجردةً، ثم اخترنا منها ما قام عليه الدليل من لسان العرب، وأناالآن أسرد تلك الأحكام، وأذكر ما اخترناه منها، حرفًا بحرف من ذلك الكتاب، فنقول:
أمَّا الكاف فأصلها التشبيه، و «ذا» أصلها أنها اسم إشارة للمفرد المذكر، فمتى أُبقيت كل واحدة منهما على موضوعها الأصلي فلا تركيب فيها، ولا تكون إذ ذاك كناية عن شيء، وإن أُخرجت عن موضوعها الأصلي فإنَّ العرب استعملتها كناية عن عدد وعن غير عدد، وفي كلتا الحالتين تكون مركبةً، ولذلك لا يثنَّى ذا، ولا يجمع، ولا يؤنَّث، ولا يُتبَع بتابع، لا نعت، ولا عطف، ولا تأكيد، ولا بدل، ولا تتعلق الكاف بشيء، ولا ًتدلُّ على تشبيه؛ لأنهما بالتركيب حدث لهما معنًى لم يكن قبله، ولا تلزم الصدر، ولا تكون مقصورة على إعراب خاصّ، بل تُستعمل في موضع رفع، وفي موضع نصب، وفي موضع جر بالإضافة وبالحرف.
ومن النحويين مَن حكم على موضع الكاف بالإعراب، وجعلها اسمًا
ومنهم مَن حكم عليها بالزيادة، ولزمت، وكل هذا فرار من دعوى التركيب فيها.
فإذا كانت كناية عن غير عدد، فتكون مفردةً ومعطوفة، تقول العرب:
مررتُ بدارِ كذا، ونزل المطرُ مكانَ كذا فمكانَ كذا، وقالت العرب: أمَا بمكانِ كذا وكذا وجْذٌ؟ فقال: بلي، وجاذًا.
ولا يراد بالمتعاطفين أنَّ المكان يوصف بصفتين معطوفة إحداهما على الأخرى.
وهو كناية عن معرفة، ومن وقوعه على النكرة قوله:
وأَسْلَمَنِي الزَّمانُ... كَذا... فلا طَرَبٌ ولا أَنَسُ
أوقع كذا موقع الحال، وهي نكرة.
وتقول العرب: مررت بدارٍ كذا،
فتصف به النكرة، فدلّ على أنه نكرة، وبدارِ كذا، واشتريته بثمن كذا، وله عندي كذا.
فإذا كانت كناية عن عدد فاختلف النحويون في ذلك:
فمذهب البصريين أنَّ تمييزها يكون مفردًا، سواء أكانت مفردة أم معطوفة، وأريد بها عدد قليل أو عدد كثير، فتقول: له عندي كذا درهمًا، وله عندي كذا وكذا درهمًا.
وبه قال ابن طاهر وابن خروف.
وقد نازع ابنُ خروف في إفرادها /في العدد، فزعم أنه غير مستعمل في كلام العرب.
وأمَّا الكوفيون فذهبوا إلى أنها تُفسَّر بما يُفسَّر به العدد الذي هي كناية عنه، فمن الثلاثة إلي العشرة بالجمع المخفوض، نحو: له عندي كذا جوارٍ، وتكون هي مفردة.
وعن المركب بالمفرد المنصوب، وتُركّب هي، فتقول: كذا كذا درهًما.
وعن العقود بالمفرد المنصوب، وتُفرد هي، نحو: له عندي كذا درهمًا.
وعن المعطوف بالمفرد المصوب، وتكون هي معطوفةً علي مثلها، نحو: له عندي كذا وكذا درهمًا.
وعن المئة والألف بالمفرد المجرور، وتُفرد هي، نحو: له عندي كذا درهمٍ.
وقد وافق الأخفشُ ـــ على مت نقله صاحب البسيط ـــ والمبردُ وابنُ الدَّهَّان وابن مُعط وابن عصفور الكوفيين في هذا الفصل.
وذكر أبو بكر عتيق بن داود اليماني موافقة الأخفش وابن كيسان والسيرافي في المركب والمعطوف
للكوفيين، إلا أنَّ ابن عصفور قال في الكناية عن الثلاثة إلى العشرة، وعن المئة والألف: «له عندي كذا من الدراهم»، فردَّ التمييز إلى الجمع، وعرَّفه، وأدخل عليه مِن، كما يفعل في العدد المركب وغيره من التمييز المفرد إذا أراد إدخال من عليه، تقول: له عندي أحدَ عشرَ من الدراهم.
وأمَّا حكاية ابن السَّيْد من أنَّ الكوفيين والبصريين اتفقوا على أنَّ كذا وكذا كناية عن الأعداد المعطوفة، وأنَّ كذا كذا كناية عن الأعداد المركبة ــ فوجهُ الجمع بينه وبين ما نقلناه من مذهب البصريين أنَّ ابن السِّيْد وقف على قول المبرد أو على قول مَن حكى عنهم عتيقُ اليماني، فتوهم أنه قول البصريين؛ لأنَّ المبرد ومَن ذكر عنه ذلك من كبراء البصريين، ولم يحفظ خلاف غيرهم من البصريين، فجعل ذلك اتِّفاقًا.
وقول ابن عصفور إنه يظهر له أنَّ اتفاق البصريين والكوفيين على أنَّ كذا وكذا كناية عن العدد المعطوف، وكذا كذا كناية عن العدد المركب ــ إما هو سماع من العرب، ولذلك لم يختلفوا فيه، بناء من ابن عصفور على ما نقل ابن السِّيْد من الاتفاق؛ لأنَّ ابن عصفور ذكر ذلك مستندًا إلى نقل ابن السِّيْد.
وقد ذكرنا نحن أنَّ مذهب البصريين خلاف ما ذكره ابن السِّيّْد، وتأوَّلنا قول ابن السِّيْد في نقل اتفاقهم.
وقد تقدَّم قول ابن خروف في: كذا كذا درهمًا، وزعمُه أنَّ ذلك لا يستعمل في كلام العرب.
وتحصل مما لخصناه أنَّ المذاهب ثلاثة:
مذهب البصريين غير المبرد ومن وافقه أنها كناية عن العدد مطلقًا، سواء أكان مركبًا أم معطوفًا أم عقدًا أم غير ذلك من سائر العدد.
ومذهب الكوفيين ومن وافقهم أنها كناية عن العدد، فتطابق هي وتفسيرها ما هي كناية عنه من إفراد وتفسير بجمع مجرور، أو تركيب وتفسير بمفرد منصوب، أو إفراد وتفسير بمفرد منصوب، أو عطف وتفسير بمفرد منصوب، أو إفراد وتفسير بمفرد مجرور.
ومذهب ثالث ــ وهو مركب من هذين المذهبين ــ وهو موافقة الكوفيين في المركب والعقد والمعطوف، ومخالفتهم في المضاف، وهو الثلاثة إلى العشرة، والمئة والألف واللام مجرور بـ «مِنْ»، وهو اختيار ابن عصفور، وزعم /أنه مذهب البصريين.
وقد اضطرب في ذلك قول أبي علي الفارسي، فمرة قال بقول البصريين على ما حكيناه نحن، ومرة قال بقول الكوفيين.
فلمَّا اطَّلعنا على مذاهب الناس في هذه المسألة واختلافهم فيها رجعنا عند الاختلاف إلى السماع من العرب؛ فما وجدناه منقولاً عنهم أخذنا به، وما لم يُنقل من لسانهم اطَّرحناه، وذلك مذهبنا في إثبات القواعد النحوية، إنما نرجع فيها إلى السماع، فلا نثبت شخصيَّا من الأحكام إلا بعد إثبات نوعه، ولا نثبت شيئًا منه بالقياس؛ لأنَّ كل تركيب له شيء يخصه، فلو قسنا شيئًا
على شيء لأوشك أن نثبت تراكيب كثيرة، ولم تنطق العرب بشيء من أنواعها والقياس الذي نذكره نحن في النحو إنما هو بعد تقرَّر السماع، فلا نُثبت الأحكام بالقياس، إنما نُثبتها بالسماع من العرب، ويكون في الأقيسة إذ ذاك تأنيس وحكمه لذلك السماع، ومَن تأمَّل كلام س وجده في أكثره سالكًا هذه الطريقة التي اخترناها من إثبات الأحكام بالسماع، فنقول: المسموع من لسان العرب أن «كذا» إذا كانت كناية عن غير عدد كانت مفردة، ومعطوفة خاصةً، ولا يُحفظ تركيبها، فإذا كانت
كناية عن عدد فلا يُحفظ إلا كونها معطوفة، ولا تحفظ مفردة ولا مركبة، ولذلك لم يمثَّل بها س والأخفش والفارسي في الأعداد إلا معطوفة.
ثم ذكر س أنها كناية للعدد، فلم يحصّ عددًا من عدد، بل ذكر أنه مبهم في الأشياء، وبذلك ورد السماع، قال الشاعر:
عِدِ النَّفسَ نُعْمَي بعدَ بُؤساكَ ذاكِرًا... كذا وكذا لُطفًا به نُسِيَ الجهدُ
وسائر التركيب التي أجازها الكوفيون ومن وافقهم ليست من لسان العرب؛ ألا ترى أنَّ ابن خروف قال عند ذكر قول المبرد: «هو دعوى وقياسُ في اللغة، وإن توقيفه كذا وكذا على المعطوف قياس في اللغة، ولا تؤخذ إلا عن أفواه العرب بالمشافهة».
وقال ابن عصفور في إجازة الكوفيين: كذا درهمٍ، وكذا دراهمَ: «لم يرد به سماع، ولا يقبله قياس، ونهايتهم أن قالوه بالقياس».
وقال ابن أبي الربيع حين حكى مذهب الكوفيين: «وهذا كله إما قالوه بنوع من القياس، ولم يرد به سماع».
وقال أبو علي حين سأله أبو الفتح عن التفصيل في كذا وتنزيله على مذهب الكوفيين، فقال: «هذا من استخراج الفقهاء، وليس هو في النحو كذا، إنما كذا بمنْزلة عدد منوَّن».
وقد خطّأ هو والزجاجيُّ وابن أبي الربيع وابنُ عصفور من جَرَّ التمييزَ بعد «كذا».
وقال الزجاجي في «شرح مقدمة أدب الكاتب»، وقد بحث في كذا: «إنه عُملت عليه مسائلُ كالمصطلح عليها، وهي عندي غير جائزة».
ثم سرد تلك التراكيب على مذهب الكوفيين.
وقال المصنف في الشرح، وقد ذكر التفصيل في كذا: «مستندُ هذا التفصيلِ الرأيُ لا الرواية».
وقال ضياء الدين أبو عبد الله بن العلج، وقد ذكر موافقة الأخفش للكوفيين: «ما ذكره صحيح في القياس، فإن ساعده النقل أخذ به، /وإلا تُرك، وأمََّا تجويزهم بعد كذا الرفعَ فخطأ؛ لأنه لم يُسمع من لسانهم، وإنما تجويز ابن قتيبة الخفضَ بعد كذا وكذا المعطوف فمنصوص على أنه لحن؛ إذ هو مخالف لما حكي عن العرب من النصب بعد المعطوف، وأمَّا كذا درهمٍ بالخفض فلا يجوز، لا على الإضافة ولا على البدل، خلافًا لزاعميهما».
فهذه النصوص كلها تدلُّ على أنَّ مذهب الكوفيين في ذلك وتفصيلهم ليس
بمسموع، وإنما قالوه بالقياس.
وقد ذكرنا أنَّ كل تركيب شخصي ليس له
أصل في لسانهم من تركيب نوعيّ فهو ليس معدودًا من كلام العرب.
فعلى هذا الذي اخترناه لو قال قائل: له عندي كذا وكذا درهمًا ــ لنَزَّلناه على درهم واحد، إلا أن قال: أردتُ به عددًا أكثر من ذلك ــ فُيرجع في ذلك إلي تفسيره.
وكذلك لو قال «كذا كذا درهّما» لم نجعله تركيبًا، بل نجعله مما حُذف منه حرف العطف على مذهب من يُجيز ذلك.
وكذلك لو قال «كذا درهمًا» لم نجعله مفردًا، بل يكون مما حُذف منه المعطوف، وإنَّ أصله: كذا وكذا.
كل ذلك حفظُ لما استقرَّ في كلامهم من أنَّ «كذا» لا تُستعمل في العدد إلا معطوفة.
وكذلك لو لحنَ، فخفض الدرهم، أو رفعه؛ لأن اللحن لا يبطل الإقرار.
وقد اختلف مذاهب الفقهاء في الإقرار بهذه الكناية اختلافًا كثيرًا جدّا، واذا لم يكن للناس عُرف فيها، ولا اصطلاح خاصُّ لبعضهم ـــ وجبَ حملها على اللغه، وإذا نظرنا في لغة العرب لم نجد لهم ما يتحقق إثباته فيها من التراكيب إلا ذلك التركيب الذي ذكرناه؛ فوجب الحمل عليه إذ ذاك.
وقد ذكرنا في «كتاب الشذا» أقاويل الفقهاء في ذلك، والعجب أنه لم يقل أحد منهم بما يوافق اللغة.
وفي قول المصنف وقلَّ ورود كذا مفردًا أو مكررًا بلا واو دليل على وروده كذلك في لسان العرب، لكنه لم يستشهد على ذلك بشيء.
وتقدَّم من قولنا إنها إذا كانت كنايةً عن غير عدد كانت مفردة ومعطوفة، وإذا كانت كناية عن عدد فالعطف، فينبغي أنه وردت مفردة في غير العدد يؤول ذلك على حذف المعطوف، وإذا وردت مكررة بلا واو حُملت أيضًا على حذف حرف العطف، كما كانت كَيْتَ كَيْتَ بمنْزلة كيتَ وكيتَ، وذَيْتَ ذَيتَ كذَيِّةَ وذَيَّة.
-[ص
: باب نِعْمَ وبِئْسَ
وليسا باسْمَينِ فَيَلِيَا عواملَ الأسماء، خلافًا للفراء، بل هما فعلان لا يتصرفان للزومهما إنشاء المدح والذمّ على سبيل المبالغة.
وأصلهما فَعِلَ، وقد يَردانِ كذلك، أو بسكون العين وفتح الفاء أو كسرها، أو بكسرهما، وكذا كل ذي عين حلقية من فَعِلَ فعلاً أو اسمًا، وقد تُجعل العين الحلقيَّة مُتبَعةَ الفاء في فَعيِل، وتابعتَها في فَعْل، وقد يُتبَع الثاني الأولَ في مثل نَحَوٍ ومَحَمُول، وقد يقال في بئس: بَيْسَ.]-
ش: مناسبة هذا الباب لِما قبله هي أنَّ نِعمَ وبئسَ قد يكون معهما تمييز كما كان ذلك في الباب الذي قبله، وقد ذكره بعض النحويين عقب باب الفاعل، وهو مناسب وأفرد بالذكر لأنه جرى الفاعل فيهما على طريقة لم /في غيرها.
وقوله وليسا باسْمَين إلى قوله بل هما فِعلان أورد النحويون الخلاف في نعم وبئس على طريقتين:
الطريقة الأولى: قالوا: في كونهما فعلين خلاف: ذهب أكثر النحويين ومنهم البصريون والكسائي ــــ إلى أنهما فعلان.
واستدلّوا على ذلك بوجوه:
أحدها: أنه يرتفع بعدهما الفاعل كما يرتفع بعد الفعل، فتقول: زيدُ نِعمَ الرجلُ، وبكرُ بئسَ الرجلُ.
الثاني: أنه يُضمر فيهما كما يُضمر في الفعل، تقول: نِعمَ رجلاً زيدُ، ويبرز في بعض الكلام على ما حكي، وسيأتي بيانه، فتقول: نعما رجلَين الزيدان، ونِعمُوا رجالاً الزيدون، ونَعِمْن نساء الهنداتُ، حكاه الكسائي والأخفش.
والثالث: أنهما تلحقهما تاء التأنيث مع المؤنث، وتسقط مع المذكر على حد غيرهما، فتقول: نعمَ الرجلُ زيدُ، ونعْمَت المرأةُ هندُ.
والرابع: بناؤهما على الفتح كسائر الأفعال الماضية.
والخامس: أنا لم نجد في كلامهم مضمرًا فيه المرفوع على شريطه التفسير إلا فعلاً، نحو: ضَربَني وضربتُ زيدًا.
وذهب الفراء وكثير من الكوفيين إلى أنهما اسمان.
واستدلُّوا على ذلك بوجوه:
أحدها: كونهما لا مصدر لهما.
الثاني: كونهما لا يتصرفان.
الثالث: الإخبار عنهما بجعلهما مبتدأ، قال الرؤاسي: سمعت العرب تقول: فيك نِعمَتِ الخَصلةُ.
الرابع: عطفهما على الاسم.
قال الفراء: سمعت العرب تقول: الصالحُ وبئسَ الرجلُ في الحقِّ سواُء.
الخامس: دخول حرف الجر عليهما، قال رجل من بني عُقيل، وقد وُلدت له بنت، فقيل له: نِعمُ الولدُ، فقال: «والله ما هي بِنِعْمَ الولدُ، نَصرُها بكاءُ، وبرُّها
سَرِقةُ».
وقال بعضهم: «سِرتُ على عَيري هذا خمسةَ عشرَ ميلاً»، فقيل له: «نِعْمَ السَّيرُ على بِئسَ العَيرُ».
وقال حسان بن ثابت:
أَلَستُ بِنِعْمَ الجارُ، يُؤْلَفُ بَيتُهُ... كذي العِرض ذا مالٍ كثيرٍ ومُصْرِما
السادس: إضافتها إلى ما بعدها، قال الشاعر:
صَبَّحَك الله بِخَيرٍ عاجلِ... بِنعْمَ طَيرٍ، وشَبابٍ باكِرِ
وقال آخر:
فقد بُدِّلتُ ذاك بِنِعْمَ مالٍ... وأيامٍ، لَياليها قِصارُ
واستعمالها مبتدأ يقتضي دخول النواسخ عليها، فتقول: كان نَعمَ الرجلُ زيدًا، وإنَّ نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وظننتُ نِعمَ الرجلُ زيدًا.
السابع: النداء، قالوا: «يا نِعمَ المولى ويا نِعمَ النَّصيرُ».
الثامن: دخول لام الابتداء عليها في خبر إنَّ، ولا تدخل على الماضي.
التاسع: أنه سُمع فيها: نَعِيمَ الرجلُ، على وزن فَعِيل، وهو من أوزان الأسماء لا أوزان الأفعال.
وتأول القائلون بالفعلية جميع ما احتجَّ به هؤلاء:
أمَّا كونهما لا يتصرفان فلا حجة في ذلك على الاسمية؛ /لأنَّ لنا ما لا يتصرف، وهو فعل بالإجماع بيننا وبينكم، وهو عسى، إلا قولاً شاذَّا إنَّ عسى حرف.
وأمَّا كونهما لا مصدر لهما فلا حجة فيه أيضًا لوجهين: أحدهما أنهما في ذلك كعسى.
والثاني على مذهبكم، وذلك أنَّ المصدر هو فرع عن الفعل في الاشتقاق، فلا يلزم من وجود الفعل أن يُشتق منه مصدر.
وأمَّا دخول حرف الجر والنسق على الاسم فهو مما حُذف فيه الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، تقديره: فيك خَصلةُ نِعمَت الخَصلةُ، والصالحُ ورجلٌ بئسَ الرجلُ في الحقَّ سَواءُ.
وحسَّن ذلك ـــ وإن كانت الصفة غير خاصة ـــ دلالة نِعمَت الخصلةُ وبئسَ الرجلُ على الموصوف المحذوف.
ونظيرُ دخول حرف الجر على الفعل بإجماع قول الشاعر:
واللهِ ما زيدٌ بِنامَ صاحُبِهْ... ولا مُخالِطِ اللَّيَانِ جانِبُهْ
تقديره: والله ما زيدٌ برجل نامَ صاحبُه.
وأمَّا إضافتها إلى ما بعدهما فـ «نِعْمَ» في قوله «بنِعْمَ طيرٍ» و «بِنعْمَ بالٍ» اسم بدليل إضافتها إلى ما بعدها، ولا يضاف إلا الاسم، وكأنها في الأصل نِعْمَ التي
هي فعل، فسُمَّي بها، وحُكيت، ولذلك فُتحت الميم منها مع دخول حرف الجر.
ونظير ذلك: قيلَ وقالَ، فإنَّ العرب لّما جعلتهما اسمين للقول حُكيا.
وقالوا «ما رأيته مُذْ شُبَّ إلى دُبَّ»، فجعلهما اسمين، وحكي فيهما لفظ أصلها، وهو الفعل، وعرضت الاسمية فيهما كما عرضت في «لا» في قول الشاعر:
بُثَينُ، الْزَمِي «لا»، إنَّ «لا» إنْ لَزِمْتِهِ... على كَثرِة الواشينَ أَيُّ مَعُونِ
فأوقع الزمي على «لا»، ثم أجراها مجرى اسم، فعاملها معاملة الأسماء، وأدخل عليها إنَّ ولا يلزم من ذلك أن يُحكم بالاسمية إذا لم يُستعمل هذا الاستعمال.
وأمَّا دخول حرف النداء فلا حجة فيه لأنه يدخل على الفعل، نحو قوله:
ألا يا اسْقِيانِي قَبلَ خَيلِ أَبي بَكرِ...................................
وعلي الحرف، نحو ﴿يا ليتني كُنتُ مَعَهُمَ﴾، وقوله:
فيا رُبَّ يومٍ قد لَهَوتُ ولَيلةٍ... بِآنِسةٍ، كأنَّها خَطُّ تِمثالِ
وعلى هذه الطريقة حكى الخلافَ فيهما المصنفُ في الشرح وأكثر أصحابنا.
وأمَّا دخول اللام عليها في خبر إنَّ فلأنها قرُبت من الأسماء بعدم التصرف والزمان والمصدر، فبعُدت عن الماضي، فجاز ذلك فيها.
وهذا على مذهب مَن يُجوِّز ذلك فيها.
ومِن النحويين مَن منع دخول اللام عليها في خبر إن.
وأما كونها سمع فيها «نَعِيمَ» فهو من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه فخُرّج على الإشباع، كقول الشاعر:
................................ يُحِبَّكِ عَظمٌ في التُّرابِ تَريبُ
يريد: تَرِبُ، فأشبع، وكقوله...:
................................................ تَنْقادُ الصَّياريفِ
يريد: الصيارف، جمع صَيْرَف.
والطريقة الأخرى من ذكر الخلاف فيهما حرَّرها الأستاذ أبو الحسن بن عصفور في تصانيفه المتأخرة، /قال: لم يختلف أحد من النحويين البصريين والكوفيين في أنَّ نِعمَ وبئس من قولك: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ الرجلُ عمرٌو، وأشباه ذلك ـــ فعلان، وأنَّ الاسم المرفوع بعدهما فاعلُ بهما، وإنما الخلاف بين البصريين والكوفيين فيهما بعد إسنادهما إلى الفاعل:
فذهبت البصريون إلى أنَّ «نِعمَ الرجلُ جملة»، وكذلك: بئسَ الرجلُ.
وذهب الكسائي إلى أنَّ قولك نِعمَ الرجلُ وبئسَ الرجلُ اسمان محكيَّان بمنْزلة: تأبَّطَ شرَّا، وبَرَقَ نَحرُه، فـ «نِعمَ الرجلُ» عنده اسم للممدوح، و «بئسَ الرجلُ» اسم للمذموم، وهما جملتان في الأصل، نُقلا عن أصلهما، وسُمَّي بهما.
وذهب الفراء إلى أنَّ الأصل في نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ الرجلُ عمرٌو: رجلٌ نعمَ الرجلُ زيدٌ، ورجلٌ بئسَ الرجلُ عمرٌو، فحُذف الموصوف الذي هو «رجل»، وأقيمت الصفة التي هي الجملة من نِعمَ وبئسَ وفاعلهما مقامه، فحُكم لهما بحكمه، فنِعمَ الرجلُ، وبئس الرجلُ ـــ عندهما ـــ رافعان لزيد وعمرو، كما أنك لو قلت: ممدوحٌ زيدٌ، ومذمومٌ عمرٌو ـــ لكان زيد مرفوعًا بممدوح، وعمرو مرفوعًا بمذموم.
وقد رُدَّ مذهب الكسائي والفراء بأنه لو كان محكومًا لهما بحكم الأسماء لوقعا في مواضعها في فصيح الكلام، فكنت تقول: إنَّ نِعمَ الرجلُ قائمٌ، وإنَّ بئسَ الرجلُ منطلقٌ، وظننت نِعمَ الرجلُ قائمًا، وظننتُ بئسَ الرجلُ منطلقًا، وكان نعمَ الرجلُ منطلقًا، وكان بئسَ الرجلُ ضاحكًا، فلمَّا لم يُسمع ذلك في فصيح الكلام دلَّ على بطلان ما ذهبا إليه.
وقد يجاب عن ذلك بأنهما لَمَّا خَرجا عن أصلهما: إمَّا بكونهما صارا اسمين محكيين، أو صارا خلفًا من موصوف لم يُنطق بموصوفهما ــ التُزم فيهما طريقة واحدة في باب المبتدأ والخبر.
فلم يُتصرَّف فيهما بالنواسخ لذلك، كما التُزم في بعض المبتدآت الرفع بالابتداء، فلم يتصرَّف فيه بدخول النواسخ عليه، نحو «ايْمُن» في القسم، ونولُك أن تفعل.
وقال صاحب البسيط فيه: «القائلون بأنَّ نِعمَ وبئسَ اسمان فما بعدهما مما هو فاعل عندنا ينبغي أن يكون تابعًا عندهم لنِعمَ إمّا بدلاً أو عطفًا، ونِعمَ اسم يراد به
الممدوح، فكأنك قلت: الممدوحُ الرجلُ زيدٌ، وهو مشتقٌ لتضمُنه معنى المدح، وأصله أن يكون بالحرف، فكأنه تضمَّنه» انتهى.
وقوله «ينبغي» يدلٌّ على أنه لم يقف على النقل في إعراب نعمَ الرجلُ زيدٌ على قولِ مَن قال بأن نِعمَ وبئسَ اسمان، والنقل عنهم في إعراب ذلك ما نقله ابن عصفور.
وقد رُدَّ مذهب الكسائي بأنه إمَّا أن يكون اسمًا لممدوح معلوم أو لممدوح منكور، فالأول مقصور على السماع، لا يقاس عليه، نحو قولهم: شابَ قَرْناها، فإنه سُمِّي بذلك مِن فَوره، ولا يمكن أن يُدَّعى أنه لمعروف في الناس كتَأَبَّطَ شَرَّا، ولا لمنكور؛ إذ المعنى ليس عليه.
وقوله (لا يَتَصرَّفان للزُومهما إنشاءَ المدح والذمّ على سبيل المبالغة) ووجه امتناع تصرُّفهما أنَّ نِعمَ لَزِمَت المدح، وبِئسَ لزمت الذمّ، فلم تخرجا عن المدح والذمّ، وقد كانا قبل أن يُرَكَّبا هذا التركيب يُستَعمَلان في غير المدح والذمّ؛ /لأنَّ نِعمَ منقولة مِن قولك نَعِمَ الرجلُ: إذا أصابَ نعمةً، وبئسَ منقولة مِن بَئِسَ: إذا أصاب بؤسًا.
وقال العبديّ: هذان الفعلان قد خالفا سائر الأفعال الموضوعة للمدح والذمّ؛ لأنَّ كل فعل استعملته لجهة من المدح كان مقصورًا عليها لا يتعدى إلى غيرها، وكذلك الذمّ، نحو: كَرُمَ الرجلُ، إذا وصفتَ جوده، ولَؤمَ الرجل، إذا وصفتَ بخله، وسَخُفَ الرجل، إذا وصفتَ بذاء لسانه، وشَعُرَ إذا وصفتَ ما يختصُّ به النظم من بيانه، وليس كذلك نِعمَ؛ لأنَّ صفة كل مدح تدخل تحتها، وبِئسَ كل صفة ذم تدخل تحتها، ولذلك استُعمل معها الاسم الشائع.
والمضمر هنا بمْنزلة الأجناس التي فيها الألف واللام، ولهذا فُسَّر بالنكرة.
وقال بعض أصحابنا: الفعل القاصر منه لزم معنًى من المعاني، وسُلبت عنه دلالته على الزمان بحسب صيغته، فامتنع التصرف فيه، وعلى المصدر، فلا ينصبهما، كأفعال المدح والذمّ.
ومنه ما بقي على أصله، كغيرها من الأفعال.
وإنما سُلبت ذلك لأنها لزمت المدح والذمّ، وهما لا يكونان إلا بما ثَبت واستمرّ، ولا يُمدح بمعدوم، فلزم الاستمرار، فدلّ على وقوع مستمرّ، ولذلك لا يقال: نِعمَ الرجلُ أمس أو غدًا أو الآن، وقد يُقطع استمرارها بـ (كان)، تقول: لقد كان نِعمَ الرجلُ، ويدلُ على الصيرورة إلى ذلك بـ (صار)، فتقول: لقد صار نِعمَ الرجلُ.
وقال ابن أبي الربيع: «لم يتصرفا لنقلهما عما وُضعا له من الدلالة على الماضي؛ ألا ترى أنك إذا قلت: زيدُ نِعمَ رجلاً، أو بِئسَ رجلاً ــ فالمعنى أنه في حال مدح أو ذمّ، وإذا أردتَ الماضي أدخلتَ كان، فتقول: كان زيدُ نِعمَ رجلاً، وإذا أردتَ المستقبل قلتَ: سيكون زيدُ نِعمَ رجلاً» انتهى.
ويجوز أيضًا: سيكون نِعمَ رجلاً زيدُ.
وقوله إنشاءَ المدح والذمّ أي أنَّ نِعمَ لإنشاء المدح، وبئسَ لإنشاء الذمّ.
وقد يُسند نِعمَ إلى مَن يراد تقديمه في أمرٍ ونفوذُه فيه وإن كان ذمّا، وبئسَ حيث يراد التأخر وعدمُ النفوذ وإن كان مدحًا، قال الحطيئة:
فَنِعْمَ الشَّيخُ أنتَ لدى الَمخازي... وبِئْسَ الشَّيخُ أنتَ لَدى الَمعالي
وقوله على سبيل المبالغة ولذلك جاء في صفة الله تعالى والأنبياء.
وربما تُوُهَّمَ أنَّ ذلك ليس على سبيل المبالغة في المدح والذم، روي أنَّ شُرِيك بن عبد
الله النَّخعي القاضي ذكر علي بن أبي طالب ـــ كرَّم الله وجهه ـــ فقال جليس له: نِعمَ الرجلُ عليُّ.
فغضب، وقال: أَلعَليَّ تقول: نِعمّ الرجلُ؟ فأمسك القائل عن شريك حتى سكن غضبه، ثم قال له: يا أبا عبد الله! ألم يقل الله تعالى (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون)، (فقدرنا فنعم القدرون)، (نعم العبد إنه أواب)؟ قال شريك: بلى.
فقال: ألا ترضى لعليٍّ ما رضيه الله لنفسه ولأنبيائه؟ فنَّبهه على موضع غلطه.
وقوله (وأصلهما فَعِلَ، وقد يردان كذلك، أوبسكون العين وفتح الفاء، أو كسرها، أو بكسرهما) قال المنصف في الشرح: «وفيهما أربع لغات: نَعِمَ وبَئسَ، وهو الأصل، /ونَعْمَ وبَاسَ بالتخفيف، ونِعِمَ وبِئِسَ بالإتباع، ونِعْمَ وبِئْسَ بالتخفيف بعد الإتباع، وهذه اللغة أقعد من الأصل وأكثر في الاستعمال.
وحكى أبو علي: بَيْسَ، بياء ساكنة بعد فتحة، وهو غريب» انتهى.
وأصل بَيْسَ: بَاسَ، أبدلت من الهمزة ياء على غير قياس.
وهذه الأوجه التي ذكروها جائزة فيهما وهما غير متصرفين كانت جائزةً فيهما وهما متصرفان.
وتقدَّم قول من قال في نِعْمَ: نعيم، وأنه على سبيل الشذوذ، فلا يجعل ذلك لغةً.
وظاهر قوله وقد يَردانِ كذلك إلى آخره أنه ورد كذلك من لسان العرب مسموعًا ذلك فيهما، والذي يظهر أنَّ بعض تلك الأوجه هو بالقياس، فأمَّا نِعْمَ فسُمع فيها الأصل، قال:
فَفِداءٌ لَبِنِي قَيسٍ على... ما أَصابَ الناسَ مِنْ سُرِّ وَضُرْ
خالَتِي والنَّفسُ قِدْمًا إنَّهم... نَعِمَ السَّاعُونَ في القومِ الشُّطُرْ
وأمَّا نِعِمَ بالإتباع فقال تعالى ﴿إن الله نعما يعظكم به﴾، و ﴿إن تبدوا الصدقت فنعما هى﴾.
وأمَّا نِعْمَ بالسكون بعد الإتباع فهي الكثيرة الفاشية، ووجه فشُوها أنَّ التغيير يأنس بالتغيير، وأنّ في الإتباع ثقلاً بتوالي كسرتين.
وأمَّا نَعْمَ بفتح النون وسكون العين فلم يذكروا شاهدًا عليه من السماع.
وأمَّا بِئْسَ فقال بعض أصحابنا: إنه لم يسمع فيها إلا لغتان: إحداهما بِئْسَ مخففة عن الإتباع، وبَيسَ مخففة عن الأصل، فدلَّ هذا على أنَّ بِئِسَ بكسر الباء والهمزة، وبَاسَ بفتح الباء وسكون الهمزة، غير مسموع، وأنه إنما قيل بالقياس.
وما حكاه المصنف أنَّ أبا علي حكى بَيْسَ ـــ وهو غريب ـــ قد حكاه الأخفش.
ووجه ذلك أنَّ أصله بَئِس، فخُففت الهمزة بأن جُعلت بين الهمزة والياء، ثم سكنت بعد التسهيل، وأخلصت ياءً على حد قولهم في يومئذ: يوميذ.
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: «وأجاز السيرافيُّ في بِئْسَ: بِئِسَ وبِئسَ وبَأسَ، والمسموع إنما هو بِئْسَ، بالهمز وتركه، وحكى الأخفش: بَيْسَ» انتهى.
قال بعض أصحابنا: الأفصح نِعْمَ، وهي لغة القرآن، ثم نِعِمَ، وعليه ﴿فِنعِمَّا هِيَ﴾، ثم نَعِمَ، وهي الأصلية، ثم نَعْمَ، وهي في الرتبة الرابعة.
وقوله (وكذا) إلى (أو اسمًا) مثاله شَهِدَ وسَئِمَ ونَعِمَ وسَخِرَ ووَغِرَ، ووَحِرَ، ووَحِلٌ وفَخِدٌ وسَهِكٌ ووَغِرٌ وفَئِرٌ ووَغِلٌ (10) وزَعِرٌ (11)، وسواء أكان الاسم اسمًا أو صفة، فكل هذه يجوز فيها ما ذكر المصنف.
وقد أطلق المصنف وغيره هذا، وينبغي أن يقيد ذلك بشرط ألاَّ يكون مما شذَّت العرب في فكه، نحو: لَحِحَتْ عينُه (12)، أو اتَّصل بآخر الفعل ما يُسَكَّن له، نحو شَهِدتُ، أو كان اسمَ فاعلٍ من فَعِلَ معتلَّ اللام، نحو: ضِحٍ، من قولهم: ضَحِيَ
الثوبُ ضَحًى فهو ضَحٍ إذا اتَّسخ، وسَخًى فهو سَخٍ أيضًا إذا اتَّسخ، وسَخِيَ البعيرُ: ظَلَعَ مِن وُثوبه بالحِمل الثقيل، فتعترضه الريح بين الجلد والكتف، وهو بعير سَخٍ، فإنَّ هذه لا يجوز تسكين عينها.
وأنشدوا: /
لو شَهْدَ عادًا في زَمانِ عادِ... لابْتَزَّها مَبارِكَ الجِلادِ
وقال آخر:
إذا غابَ عَنَّا غابَ عَنَّا رَبيعُنا... وانْ شِهْدَ أجدى خَيرُهُ ونَوافِلُهْ
وقوله (وقد تُجعَل العين الحلقيَّة متُبَعة الفاء في فَعيِل، وتابِعتَها في فَعْل) مثال المسألة الأولى شَهيد وضَئيل وبَعير وصَغير ونَحيف وسَخيف وبَخيل، وسواء أكان اسمًا أم صفة، ومؤنثًا بالتاء كبهيمة أو غير مؤنث، وسواء أكانت الصفة بمعنى فاعِلٍ أو بمعنى مفعول، نحو رَئيّ من الجن،
فيجوز في هذه كلها إتباع فاء الكلمة في الحركة لحركة العين، وهي لغة تميم
ومثال المسألة الثانية فَحْم وقَعْر ودَهْر ونَخْل وكَأس ووَغْد.
وهذه المسألة فيها خلاف:
ذهب البصريون إلي أنَّ هذا النوع مقصور على السماع؛ لأنَّ الوارد من ذلك هو مما جاء فيه لغتان: الفتح والسكون، فليس الأصل السكون، ثم عَرض له الفتح لأجل حرف الحلق، وليس أصله الفتح، ثم سُكَّن طلبًا للتخفيف.
وذهب الكوفيون إلي أنَّ بعضه فيه اللغتان، وبعضه أصله السكون، ثم فُتح لأنَّ الفتحة من الألف، وهو من حروف الحلق، فكان في جعلها على العين ـــ والعينُ حلقية مسبوقة بفتحة ــــ مشاكلةُ ظاهرة ومناسبات متجاورة، قاله المصنف في الشرح.
وقوله (وقد يُتْبَعُ الثاني الأول في مثل نَحَو ومَحَمومٍ) قال المصنف في الشرح: «واختار ابن جني مذهب الكوفيين» ــ يعني في نحو فَحْم ــ قال: «مستدلاَّ بقول بعض العرب في نَحْو: نَحَو، وفي مَحْمُوم: مَحَمُوم، فقال: لو لم تكن الفتحة عارضة لزم انقلاب الواو ألفًا، لكنها فتحة في محل سكون، فعومل ما جاورها بما كان يعامل مع السكون، ولم يُعتدّ بها.
وكذا فتحة مَحَموم، لو لم تكن عارضة لزم ثبوت مَفَعُول أصلاً، ولا سبيل إلى ذلك، لكن فتحة الحاء منه في محل سكون، فأُمن بذلك عدم النظير، وكان هذا التقدير أحسن تقدير» انتهى.
وهذا في العُروض شبيه جَيْئَلَ وتَوْءمٍ ويَسَعُ ويَضَعُ وبُيوت إذا قلت: جَيَلُ وتَوَمٌ، فلم تقلب الياء والواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم تقل يَوْسَعُ ويَوْضَعُ كَيوْجَلُ لعُروض هذه الفتحة؛ إذ الأصل يَوْسِعُ ويَوْضِعُ، ولم تَعتدّ بكسرة بِيُوت فاحتملتها لعُروضها، ولم تحتمل في فِعُل المفرد.
وقوله وقد يقال في بِئْسَ: بَيْسَ تقدَّم نقل ذلك عن أبي عليٍّ في كلام المصنف في الشرح، ونقلناه نحن عن الأخفش، وتقدَّم توجيهه.
وقال المصنف في الشرح: «الوجه فيه أنَّ أصل بَيْسَ: بئْسَ، فخفف: بِيسَ، ثم فُتحت الباء التفاتًا إلى الأصل، وتُرك ما نشأ عن الكسرة؛ لأنَّ استعمالها أكثر، فكانت جديرةً بأن تُنوى مع رجوع الفتحة لشبهها بالعارضة في قلة الاستعمال» انتهى.
وهو توجيه مخالف لما ذكرناه نحن في توجيه ذلك.
-[ص: فاعلُ نِعْمَ وبِئْسِ في الغالب ظاهر معروف بالألف واللام، أو مضافُ الى المعرَّف بهما /مباشرًا أو بواسطة، وقد يقوم مقام ذي الألف واللام «ما» معرفًة تامةً، وفاقًا لسيبويه والكسائي، لا موصولةً، خلافًا للفراء والفارسيّ.
وليست بنكرة ممّيزة، خلافًا للزمخشريّ والفارسيّ في أحد قوليه.
ولا يؤكد فاعلهما توكيدًا معنويَّا، وقد يُوصَف، خلافًا لابن السّرّاج والفارسيّ، وقد ينكرّ مفردًا أو مضافًا.]-
ش: تقدَّم القول في نِعمَ الرجلُ وبِئسَ الرجلُ في ذكر الخلاف، وكيف يكون إعرابهما على مذهب من ادَّعى فيهما الاسمية.
وأمَّا القائلون ببقائهما على الفعلية فالأكثرون على أنَّ ما بعدهما مرتفع بهما على أصله من الفاعلية.
وذهب ابن الطَّراوة إلى أنه مركب بمْنزلة حبَّذا للزومه طريقةً واحدة وتغيُّر الفعل عن أصله، وذلك يدلُّ على التركيب، فيكون عنده على مذهبه في تغليب الاسم في باب حبَّذا، فيكون بمعنى الممدوح، فَيقرُب من مذهب الكوفيين.
ورُدَّ عليه بأنهم لو رَكَّبوا لَبَنَوُا الآخر علي الفتح كخمسةَ عشرَ، ولأنهم لم يلزموا به طريقةً واحدةً؛ ألا تراه يكون بالمضاف وبـ «من» و «ما» وبالنكرة على
مذهب من أجاز ذلك، فقد تصرَّف، ولم يُسمع مثله في حبَّذا، وبأنَّ التاء تلحق لتأنيث الفاعل، وكل ذلك لا يدلُّ على التركيب.
وقوله في الغالب لأنه يجيء على خلاف ما ذكر مما سيذكر إن شاء الله.
ومثالُ ما عُرِّف بأل ﴿نعم المولي ونعم النصير﴾، ﴿ولبئس المهاد﴾
ومثال ما أضيف إلى ذي أل مباشرًا ﴿ولنعم دار المتقين﴾، ﴿فبئس مثوى
المتكبرين﴾.
ومثال ذلك بواسطة قول الشاعر:
فإنْ تَكُ فَقْعَسٌ بانَتْ وبِنَّا... فَنِعْمَ ذَوُو مُجامَلةِ الَخليلِ
وقول الآخر:
فَنِعْمَ ابنُ أُختِ القومِ غيرَ مُكَذَّبٍ... زُهَيرٌ حُسامٌ مُفْرَدٌ مِن حَمائلِ
ولم يتعرض المصنف لـ «أل» هذه، وفيها خلاف:
ذهب الجمهور إلى أنها جنسية، واختلف هؤلاء:
فقال قوم: هي جنسية حقيقية، فإذا قلت: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، فالرجل عامّ،
والجنس كله هو الممدوح، وزيد مندرج تحت الجنس لأنه فرد من أفراده، فأل فيه للجنس.
واستدل على أنها للجنس بوجهين:
أحدهما: التزام أل في فاعلهما أو فيما أضيف إليه فاعلهما، ولو لم تكن للجنس لكان فاعلهما كل اسم، والمفرد المعروف بأل تكثير إرادة الجنس به، كما قالوا: أهلكَ الناس الدينارُ الصُّفْرُ والدرهمُ البيضُ، وقال تعالى ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا﴾، فاستثني من (الإنسان)، وهو مفرد، فلولا أنه أريد به الجنس لما حسُن الاستثناء، وقال الشاعر:
بِهم هَدى اللهُ جميعَ الإنسانْ... مِنَ الضلال، وهُم كالعُمْيانْ
وقال آخر:
إنْ تَبْخَلِي ــــ يا جُمْلُ ـــــ أو تَعْتَلِّي... أو تُصْبِحي في الظاعِنِ المُوَلِّي
/وكذلك المضاف إلى ما عُرِّف بهما، كقوله: (مَولى القومِ منهم)؛ ألا ترى أنه يريد بذلك جميع الموالي.
والوجه الثاني: قول العرب في فصيح كلامها: نعمَ المرأةُ هندٌ، وبئسَ المرأةُ جُملٌ، فلا تلحقهما تاءَ التأنيث، ولا يقولون «قامَ فلانةُ» في فصيح الكلام، فدلَّ ذلك على أنَّ أل للجنس، فمن ذَكَّرَ فلأنَّ الجنس مذكر، ومن أَّنَّثَ فَرَعْيًا للَّفظ،
كقولهم: قال النساء، وقالت النساء، أحدهما على الجمع، والثاني على الجماعة، كذلك
هنا على الجنس واللفظ.
واختلف الذاهبون إلى أنَّ أل للجنس حقيقة في سبب كونه جنسًا وتوجيه المدح فيه للشخص مع أنه واقع على الجنس:
فقيل: لَمَّا كان الغرض عموم المدح واستغراقه في الثبوت للممدوح المخصوص، وكان الأبلغ في إثبات الشيء أن يُجعل للنوع الذي الممدوح منهم، حتى لا يكون طارئًا عليه، ويحسب أنه يزول ويرتفع ـــ عدلوا إلى مدح الجنس،
فكأنك قلت: زيدٌ نِعمَ جنسُه وقوله أي: ثَبَتَ لهم الوصف الجميل والصلاح، وما ثَبَتَ للجنس ثَبَتَ لأفراده، فَتثُبت للممدوح تلك الفضيلة، ولا تكون إلا بالاستغراق في واحد واحد، وهذا تأويل س، ولذلك قال: «لأنك تريد أن تجعله من أُمَّة كلُّهم صالحٌ»، ولذلك شبهه بقولك: زيدُ فارهُ العبد، تريد أنَّ في ملكه العبد الفارهَ لا عبدًا بعينه.
وقد رُدَّ هذا بوجهين:
أحدهما: أنك إذا مدحت الجنس جعلت المقصود بالمدح تبعًا لهم، فيصير المقصود غير مقصود، ولأنَّ ما ثَبت للشيء على جهة الشَّركة فيه لا يكون مدحًا يؤثر ميلاً إلى الممدوح بخصوصيته، والمراد بالمدح ذلك.
والثاني من وجهي الرد: أنه يؤدي إلى التكاذب في مدح الجنس وذمه إذا قلت: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ الرجلُ عمرٌو، ولا يكون الشيء ممدوحًا مذمومًا، وقال تعالى ﴿نِعْمَ الَعَبَدُ﴾ يعني أيوب، وليس كل العبد ممدوحا.
وقيل: السبب في ذلك أنه لَما كان الفعل عامَّا في المدح جعلوا فاعله عامَّا ليطابق الفعل؛ إذ لا يكون الفعل عامَّا والفاعل خاصَّا.
وقيل: السبب في ذلك أنهم أرادوا الإبلاغ في المدح حتى تعدَّى إلى جنسه بسببه؛ كما يقال: شَقِيَ بابنه، وعَظُمَ بأخيه، إذا كان ذلك سبب تعظيمه لكونه بحيث يعظُم غيره بسبه، فمعناه: زيدٌ يُمدَح جنسه لأجله، فُترك هذا للعلم به، كما تقول لمن لبس ثيابًا: أنتَ الآن حسنٌ، تريد: بسبب ثيابك.
وقد رُدَّ هذا بأنه لو كان المعنى على هذا لَلُفِظ بالسبب في بعض المواضع،
ولم يُلفَظ به، فدلّ على فساد هذا القول.
وقال قوم: هي جنسية مجازًا، فإذا قلت «زيدٌ نِعمَ الرجلُ» فزيدُ جعلتَه جميع الجنس مبالغةً، ولم تقصد غير مدح زيد بذلك، وكأنك قلت: نِعمَ زيدٌ الذي هو جنس الرجال، كقولهم: أكلتُ شاةً كلَّ شاة، جُعلت لَمِّا كانت هذه من الوفور والسَّمن كأنها كلُّ الشَّياة، وكقولهم: كُلَّ الصَّيدِ في جَوفِ الفَرا، وهو حمار الوحش، جُعل لجلالته كأنه بمنْزلة جميع الصَّيد.
ووجه التثنية على هذا أنَّ /كل واحد من الشخصين كأنه على حدته جنس، فاجتمع جنسان، فثنِّيا، فأنك قلت: الزيدانِ نِعمَ الرجلان اللذان كلُّ واحد منهما جنس.
وذهب بعض النحويين إلى أنَّ أل في نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ الرجلُ عمرٌو، عهدية.
واختلف هؤلاء على مذهبين:
أحدهما: أنه معهود ذهبي لا خارجي، كما نذكره في تعريف أل؛ إذ من أنواعها التعريف الذهني، فتشير إلى ما في الأذهان من تصور رجل، كما تقول:
اشتريتُ اللحمَ، ولا تريد الجنس ولا معهودًا تقدَّم، فكذلك هذا.
وصحَّ أن يكون خبرًا على ما نذكره بعد إن شاء الله.
المذهب الثاني: أنها للعهد في الشخص الممدوح، فكأنك قلت: زيدٌ
نعمَ هو.
وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو إسحاق بن مُلكون من أصحابنا، وأبو منصور الجواليقي اللغوي من أهل بغداد.
واستُدلَّ لهذا المذهب بتثنية المرفوع بهما وجمعه، فلو كانت أل للجنس أو للعهد الذهني لا الخارجي لم تجز تثنيته ولا جمعه؛ لأنها إذا كانت للجنس استَغرقت جميع أفراده، ولأنها إذا كانت للعهد الذهني كانت لمعقول الماهية، وذلك شيء مفرد، فلا يصحُّ فيها إذ ذاك لا تثنية ولا جمع.
وهذا المذهب لا يتأتى إلا على مذهب الأخفش في كون الرابط يكون تكرار المبتدأ بغير لفظه، كما أجاز: زيدٌ قام أبو عمرو، إذا كان أبو عمرو كنية زيد.
وقد أبطلوا مذهب الأخفش في كون الربط يكون بهذا، وما ابتنى على الباطل.
وأمَّا على مذهب س في أنَّ أل للعموم فلا ينبغي أن تصح التثنية ولا الجمع.
وأمَّا من جعله للجنس مجازًا فيسوغ له ذلك؛ لأنك تجعل كل واحد من المثَّنى والمجموع كأنه جميع الجنس مجازًا.
وقد نُوزع أهل هذا المذهب في كون الجنس لا يثنَّى، وزعموا أنه قد جاء مثنَّى في قول الشاعر:
فانَّ النارَ بالعُودَينِ... تُذْكَى... وانَّ الَحربَ أَوَّلُها... الكَلاُم
ألا ترى أنه لا عهد في قولك: فإنَّ النارَ بالعُودَين.
وقال بعض أصحابنا: «فإن قيل: كيف طريق الاستقراء في هذا، ولم يسمع النحوي سوى نِعمَ واسمٍ بعدها معرَّف بالألف واللام، والاسمُ المعرَّف بالألف واللام مشترك بين الجنس والعهد، فما الذي حمله على أن يقول: لا تكون إلا للجنس؟
فالجواب: أن ذكر حذف التاء في (نعمَ المرأةُ هندٌ) في الفصيح والتزام أل في فاعلها، ولا يُلتزم في اسمٍ من جهة الإخبار عنه إلا لأحد أمرين: إما لحصرِ الصنف، وإما لعهدٍ في شخص، وكلُّ ما تكون فيه أل للعهد يَسوغ زوالها منه وتصريفه على غير معنى العهد؛ إذ معنى العهد عارض في الكلام وراجع إلى وضعٍ باختيار من المتكلم، وأل الُمنبئةبالحصر لا يمكن زوالها؛ لأنها مبيِّنة لحقيقة الاسم، تنَزل من الكلام منْزلة بنية الجمع؛ ألا ترى أنه لا سبيل لك إلى هدم بنية الجمع من الإخبار؛ لأنه لا تؤدي بنية المفرد معناه، وأل العهدية ليس لها من جهة حقيقة الاسم في نفسه /زيادة سوى تخصيصه، والتخصيصُ أمرٌ زائد عليه، ووجدنا العرب قد التزمت أل هنا، فعرفنا أنها لم تلتزمها إلا لكونها تفيد في حقيقة الاسم ما لا يمكن تحصيله دونهما من جهة ضرورة الإخبار.
فإن قيل: هاتان الدلالتان اللتان ذكرنا غايُتهما أن تؤثرا ظَّنا في الموضع لا قطعًا، وربما يُعترض فيهما، فيقال: قولهم: نِعْمَتِ الرأةُ، ونِعمَ المرأةُ في فصيح الكلام ــ إنما سقطت التاء لأنَّ الفعل غير متصرَّف فيه كما تُصُرَّفَ في سائر الأفعال، ولا يلزم عليه اطَّراد ذلك في ليس، وإن كانت لم تتصرف؛ لأنه ما ثبتَ فيه حكم أصل قوي لا يُسأل عنه لأي شيء ثبت فيه، إنما يُسأل عنه إذا لم يثبت فيه، فهذه الدلالة الواحدة معترضة.
والدلالة الثانية كذلك؛ لأنَّ مجرد التزام أل لا
يدل على الجنس؛ إذ يمكن أن تكون للعهد، وتكون أولا موضوعة عليه، فإذا كان الكلام موضوعًا عليه كان المعنى لا يحصل دونه، فلا سبيل إلى إزالتها؛ لأنها أن أزيلت لم يبق ما يدل على ما وُضع الكلام عليه؛ ألا ترى أنَّ هذه الجملة ـــ أعني جملة المدح والذمَّ ـــ كيف التُزم فيها أن تكون خبرًا لمبتدأ، هو المخصوص بالمدح أو الذمّ إن تقدم، أو مفسَّرًا فاعلها به إن تأخر، فلا بدَّ من ذكره على كل حال، فتلك إحالة عليه، ولا مانع من هذا التصور.
فإن قيل: قد ذكرت الدلالتين ومعارضتهما، وأوجبتَ عند ذاك أن تكون أل عهدية، أو حَّملت الموضع ذلك، فهلاً بسطت القول في معنى المحتملين؛ إذ هما متباينان، وتنسب ذلك لمعنى المدح أو الذمّ، فربما يلوح عند ذلك أحد المحتملين، فُيصار إليه، ويُعوَّل عليه، أو يتكافأ الامران، فتكون، المسألة مسألة خلاف.
قلت: أمَّا المعنى المؤدَّى بأل الجنسية منسوبًا لمدح أو ذمّ في حق المخوص بأحداهما فهو بطريق سراية، ولهم في ذلك منْزعان:
أحدهما: أنك إذا قلت زيدٌ نعمَ الرجلُ كنت مادحًا لزيد بإسنادك بنية المدح لجنسه، وإذا كنت قد مدحت جنسه ضمن ذلك مدحه، وهذا هو الذي جرى عليه أكثرهم، والجنس مع هذا مأخوذ على الحقيقة.
والمْنزع الآخر: هو أن تجعل الممدوح هو جميع الجنس مبالغة، فإذا قلت: زيدٌ نعمَ الرجلُ، فكأنك قلت: زيدُ نِعمَ زيدُ، ولكن وضعتَ اسم الجنس موضعه مضمنًا تشبيه زيد بجنسه، والجنسية مستفادة على هذا.
وجعل صاحب هذا المْنزع هذا المعنى من باب:
وليسَ لِلَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ... أنْ يجمَعَ العالَمَ في واحدِ
ومثل المعنى في قولهم «أكلتُ شاةً كلَّ شاةٍ» إذ جعلت الشاة المذكورة كأنها جميع الشياه مبالغةً.
قال: ومثل قولهم: «كلُّ الصيَّد في جوف الفَرَا».
قلت: هذا لا يُنكر في المعاني، وهو من قبيل المبالغة وتشبيه الأقل بالأكثر، وإقامة الجزء مقام الكل عند وصف فيه مستحسن من باب التجوز، ولكن لم ترد العرب هذا المعنى إلا /بألفاظ تنصّ عليه، وموضعنا هذا ليس فيه من التنصيص على هذا المعنى قليلُ ولا كثيرٌ، فهو حال لا يعوَّل عليه.
واعلم أنَّ النحوي ليس في استطاعته فهم هذا من العربي إلا لو شرحه ونظره، وهذا لم يُنقل فعله عن العرب، فلا سبيل إليه إلا أن يكون المدح يسري إلى زيد من ذكر جنسه بعد صيغة المدح على المنْزع الأول.
وأمَّا إذا أخذنا أل عهدية فتقول: زيدٌ نِعْمَ الرجلُ، أو نِعْمَ الرجلُ زيدٌ، وعنيت بالرجل زيدًا، وبزيد الرجل، كنت قد قرنت بنية المدح بالعبارة الداَّلة بمطابقة على الممدوح من غير تكلُّف.
لكن بقي عليك أن يقال: ما فائدة ذكرك الرجل مع زيد إذ هو هو، هلاَّ قلت «نِعْمَ زيدٌ» إذا أردت مدحه، كما تقول: ما أحسنَ زيدًا! إذا أردت التعجب منه من غير زيادة شيء آخر؟
فنقول: قد كان ذلك لهم لو اختاروه، ولكن جرت طباعهم على أن يذكروا الممدوح أو المذموم بعبارتين، إحداهما ليس لها به اختصاص؛ لأنها صادقة على آحاد
جنسه، ثم يبينونها بالعبارة المختصة به ليكون أمداح له وأبين لحقيقته؛ إذ الاسم الدالُّ عليه مفردًا إذا اجتمع مع الاسم الذي يفهم بالجنس لم يبق إشكال على السامع.
وهذا، وليناسب الإسهاب المألوف في المدح والترقي من الإبهام إلى الشهرة، وهو حسنُ.
ومما يُسَنِّي هذا، بل يُنَزَّل منْزلة البرهان على أنَّ المقصود بالاسم المعروف بأل ذات المخصوص بالمدح والذم ــــ كونه يثنَّى بتثنيته، ويُجمع بجمعه، ويُفرد لإفراده، ولو كان عبارة عن الجنس ــــ كما زعموا ـــ لم يَسغ ذلك؛ ألا ترى أنَّ المستفيض: الزيدان نعمَ الرجلان، ونعمَ الرجلان الزيدان، والزيدون نعمَ الرجالُ، فقد وضح صحة هذا المعنى وسهولة المنْزع في اللفظ الدال عليه.
نذكر ارتباط الجملة بالمبتدأ بعد هذا، إن شاء الله» انتهى كلامه، وهو ترجيح لمذهب من ذهب إلى أنَّ أل عهدية في الشخص خارجًا لا في الذهن.
وقال أبوبكر خطّاب الماردي مؤلف كتاب «الترشيح في النحو»:)) كل شيء لا نظير له، ولا هو واحد من جنس يَشرَكه في اسم ـــ لا يجوز وقوع نعمَ وبئسَ عليه، لو قلت: نِعْمَت الشمسُ هذه، ونِعمَ القمر هذا ـــــ لم يجز من حيث جاز: نِعمَ الرجلُ، ولو قلت: نِعمَ القمرُ زيدٌ، ونِعمَت الشمسُ هندٌ، ــــ لجاز على التشبيه، ولو قلت: نِعمَ القمرُ ما يكون لأربعَ عشرةَ، ونِعمَت الشمسُ شمسُ السُّعود ــ جاز ذلك؛ لأنك أردت تفضل أحوالهما، كما تقول: هذه الشمس حارّة، وهذه الشمس باردة» انتهى.
وهذا بناء على أنَّ أل جنسية، وشرط في الجنس أنه لا يكفي تصوره بل وجوده في الخارج في أشخاص.
وقوله وقد يقوم إلى قوله في أحد قوليه قال المصنف في الشرح
«ما في نحو نِعمَ ما صَنَعتَ عند س والكسائي فاعلُ بمنْزلة ذي الألف واللام، وهي معرفة تامَّة، أي: غير مفتقرة إلى صلة.
وهي عند الفراء 4 والفارسي فاعلة موصولة مكتفًى بها وبصلتها عن المخصوص.
وأجاز الفراء أن تُرَكَّب نِعمَ وبئسَ مع ما تركيب حبَّ مع ذا، فيليهما مرفوع بهما، كقول العرب: بِئْسَما /تزويجُ ولا مهرَ.
والصحيح جعلُ (ما) فاعلة ببئسَ، وكونهما خبر: تزويجُ ولا مهرَ، والتقدير: بئسَ الترويجُ تزويجُ مع انتفاء المهر.
وجعل الزمخشري والفارسي ـــ في أحد قوليه ـــ ما نكرة مميزة، وسيأتي إبطال ذلك».
وقال أيضًا (10) «ويَقَوِّي تعريف ما بعد نِعْمَ كثرةُ الاقتصار عليها في نحو: غَسَلتُه غَسلاً نِعِمَّا (11)، والنكرة التالية نِعمَ لا يُقتصر عليها إلا في نادر من القول، كقول الراجز (12):