التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 5-44

-[ص:

باب الحال

وهو ما دَل على هيئهٍ وصاحبِها متضمنًا ما فيه معنى «في» غيرَ تابعِ ولا عُمدهٍ وحقٌه النصب, وقد يُجَر بباء زائدة.
واشتقاقُه وانتقاله غالبان لا لازمان.]- ش: الحال تذكر وتؤنث, يقال: نحن في حالٍ حَسَنهٍ, وفي حالٍ حسن.
والحال في إذاصطلاح قد رسمه المصنف فقوله ما دل على هيئه جنس يشمل الحال ونحو: تربعت, والقهقرى, ومتكئ في قولك: زيد متكئ, وراكب في قولك: مررت برجل راكب, فكل هذه تدل على هيئه.
وقوله وصاحبها فصل يخرج الفعل واسم المعنى,لأن تربع والقهقرى لا يدلان إذا على هيئه فقط لا على صاحبها.
وقوله متضمنا ما فيه معنى «في» فصل يخرج ما ليس معنى «في» في نفسه ولا في جزء مفهومه مما هو يدل على هيئه وصاحبها, نحو: بنيت صومعة, فان هذا التركيب من مجموع بنيت صومعة يدل على هيئه وصاحبها, ولم يتضمن هذا التركيب شيئاً فيه معنى «في», بخلاف الحال وما يحترز منه بعد.

واحترز بقوله ما فيه معنى «في» مما معنى «في» لمجموعه لا لجزء مفهومه, نحو: دخلت الحمام, فان معناه: دخلت في الحمام, فليس بعض الحمام أولى بمعنى «في» من بعض, بخلاف الحال وما يتحرز منه بعد, فان معنى «في» مختص بجزء مفهومه، لأنك إذا قلت جاء زيد ضاحكاً ف «ضاحك» دل على الهيئة وصاحبها, ويتقدر معنى «في» بجزء مفهوم ضاحك -وهو المصدر- على حذف مضاف, إذ التقدير: جاء زيد في حال ضحك.
وقوله غير تابع احتراز من نحو: مررت برجل متكئ,فانه يصدق عليه: في حال اتكاء.
واختلفوا من أي باب نصب الحال: فقيل: نصب المفعول به, وهو قول أبى القاسم, يجعلها من أصول المفاعيل.

وقيل: نصب الشبيه بالمفعول به, وهو قول أبى على وأبى بكر, وهو ظاهر مذهب س, لأنه قال: «وليس بمفعول كالثوب في قولك: كسرت الثوب زيداً» ولأن الظرف أجنبي من إذاسم, والحال هي إلاسم الأول.

وقوله ولا عمدة احتراز من نحو: زيد متكئ, فانه يصح تقديره: زيد في حال اتكاء.
انتهى شرح هذا الرسم للحال, وهو في غاية الطول وكثره الفضول وهو منتزع من شرح المصنف له.
وقال في الشرح: «ولا يعترض على هذا بما لا يجوز حذفه من إذاحوال, نحو: ضربي زيداً قائماً, فيظن أنه قد صار بذلك عمده, فان العمدة في إذاصطلاح: ما عدم إذاستغناء عنه أصيل لا عارض كالمبتدأ والخبر, والفضلة في إذاصطلاح: ما جواز إذاستغناء عنه أصيل لا عارض, كالمفعول والحال.
وان عارض للعمدة جواز إذاستغناء عنها لم تخرج بذلك عن كونها (عمده, وان عرض للفضلة امتناع إذاستغناء عنها لم تخرج بذلك عن كونها) فضله.. انتهى.
أما عروض امتناع إذاستغناء عن الفضلة فهو موجود في: ضربي زيدا قائماً, وقوله ﴿وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:130], وقوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان:38], وما أشبه هذا.
وأما عروض إذاستغناء عن العمدة فلا نعلمه موجوداً في لسان العرب, إذا إن كان يعنى بذلك الحذف, كحذف المبتدأ, أو الخبر, أو إذاغناء عنه بالفاعل, فيمكن ذلك, ولا نقول فيما حذف من العمد وهو مراد انه عرض له جواز إلاستغناء عنه.

وقوله وحقه النصب إنما كان ذلك لأنه فضله, وإعراب الفضلات النصب.
وقوله وقد يجر بباء زائدة استدل المصنف على جواز جره بباء زائدة بقول رجل فصيح من طيئ: /

كائن دعيت إلى بأساء داهية... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل

ويستدل له أيضاً بقول الشاعر:

فما رجعت بخائبة ركاب... حكيم بن المسيب منتهاها

التقدير عنده: فما انبعثت مزؤوداً ولا وكلاً, وتقدير البيت الثاني: فما رجعت خائبة ركاب.
ولا حجه في هذا على ما ادعاه, إذا تحتمل الباء فيهما إذا تكون زائدة, بل الباء فيهما للحال:

أما في البيت الأول فالتقدير: فما انبعثت ملتبسا بمزؤود, ويعنى بذلك المتكلم نفسه, إذا ترى أنه قد يسند الحكم إلى اسم ظاهر, ويعنى بذلك نفسه, نحو قوله: لقد صحبك منى رجل صالح, ولو جئتهم بى لجئت بفارس بطل, أي: لجئت ملتبسا بفارس بطل, وهو يعنى نفسه.

وأما البيت الثاني فالتقدير: فما رجعت ملتبسة بحاجه خائبة ركاب.
وإذا احتمل أن تكون للحال لم يكن في ذلك دليل على زعمه أن الحال قد تجر بباء زائدة.
ولو فرضنا أن الباء زائدة في هذين البيتين لم يصح إطلاقه قوله «وقد يجر بباء زائدة», لأن محسن دخول الباء الزائدة إنما هو تقدم النفي قبلها, كما جاء

ذلك محسناً في قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَإذارْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾, فكان ينبغي أن يقيد ذلك بالنفي.
وذكر في (باب حروف الجر) أن «من» الزائدة ربما دخلت على حال, ومثل ذلك بقراءة من قرأ} ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء ﴿مبنياً (نتخذ) للمفعول الذي يُسم فاعله, أي: نتخذ م دونك أولياء.

وقوله واشتقاقه وانتقاله غالبان لا لازمان إذاشتقاق في الوصف كونه مصوغاً من إذاسم دإذا على معقولية إذاسم وشيء آخر لأجله كان الصوغ, حو راكب, فانه يدل على ذات متصفة بالركوب.
وإنما قلنا «مصوغاً من إذاسم» ليشمل ما اشتق من المصدر, نحو راكب ومضروب, وما اشتق من إذاسم غير المصدر, نحو قولهم: رجل أظفر, أي طويل الظفر, ونحو قولهم: طين مستحجر, وبغاث مستنسر, فإنهما مشتقان من الحجر والنسر, وليسا مشتقين من مصدر.
وإذانتقال هو كون الوصف غير لازم.
وقال المصنف في الشرح: «ومن ورود الحال بلفظ غير مشتق قوله تعالى﴾ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ ﴿, وفَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ {, و﴾ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً {» انتهى.
ف (أربعين) عنده منصوب على الحال.

وانتصاب (أربعين) عندي على أنه تمييز منقول من الفاعل, والتقدير: فتمت أربعون لميقات ربه.
ويجوز انتصابه على الظرف, لأن التقدير في قوله} ووعدنا موسى ثلثين ليله ﴿: وواعدنا موسى المناجاة ثلاثين ليله, فتم ميقات ربه, وهو ما وقته وحدده له من المناجاة في أربعين ليله.

وقال المصنف في الشرح: «ومن وروده دإذا على معنى غير منتقل قوله تعالى﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴿» انتهى - ويحتمل أن يكون (مفصلاً) انتصب نعتاً لمصدر محذوف, أي: إنزإذا مفصلاً- قال﴾ وَخُلِقَ إذانسَانُ ضَعِيفًا ﴿,﴾ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴿,﴾ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {, ومن كلام العرب: (خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها).
ولما كانت الحال خبراً في المعنى, والخبر يكون مشتقاً وغير مشتق, ومنتقلاً وغير منتقل, جاءت الحال كذلك.
وكثيراً ما يسميها س خبراً, وقد يسميها مفعولاً فيها, / وصفه, فسماها خبراً في تمثيله: فيها عبد الله قائماً, وفي: مررت بكل قائماً, وفي: هذا مالك درهماً.
وسماها مفعولا فيها في

مسألة: كلمته فاه إلى في.
وسماها صفه في: أما صديقاً مصافياً فليس بصديق مصاف.

وقال الفارسي: «الحال تشبه الظرف من حيث كانت مفعولاً فيها, كما أن الظرف كذلك, وذلك قولك: جاء زيد راكباً, وخرج زيد مسرعاً, فمعنى هذا: خرج زيد في حال إذاسراع ووقت إذاسراع, فأشبهت ظرف الزمان».
وإنما سماها مفعولاً فيها على طريق المجاز لشبهها بالمفعول فيه من جهة المعنى إذا أفادت ما يفيد «وفت كذا».
كما سماها مفعولاً صحيحاً تشبيهاً بالمفعول به, إذا نصبها الفعل لا على تقدير «في», ولا بعد واو «مع», ولا على إسقاط لام العلة, كما نصب المفعول به كذلك.

وقول المصنف «واشتقاقه وانتقاله غالبان لا لازمان» فيه الهام, ونحن نوضح القول في ذلك, فنقول: الحال قسمان: مبنية, ومؤكده, فالمبنية, لابد أن تكون منتقلة أو مشبهه بالمنتقلة, فالمشبهة بالمنتقلة نحو قولك: خلق زيد أشهل, وولد قصيراً, فالشهولة والقصر ليسا من إذاوصاف المنتقلة, لكنها شبيهه بالمنتقلة, فقد خلق وولد لأنه كان يمكن أن يخلق ويولد غير أشهل وغير قصير, وقال الشاعر:

فجاءت به سبط العظام, كأنما... عمامته بين الرجال لواء

ف «سبط العظام»:منصوب على الحال, وليست بمنتقلة, ولكنها مشبهه بالمنتقلة لمجيئها بعد «جاءت به» بمعنى: ولدته.

وأما الحال المؤكدة فيجوز أن تكون غير منتقلة, ومنه قوله تعالى وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ﴿,﴾ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا ﴿,﴾ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ ﴿,﴾ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴿,﴾ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا}, وقال الشاعر:

ولا عيب فيها غير شكله عينها... كذاك عتاق الطير شكلاً عيونها

فهذه أحوال مؤكده لا مبينه, لأنه لم ينبهم ما قبلها فتكون مبينه له, وإنما هي مؤكده لما قبلها.

ولا يجوز أن تكون الحال غير منتقلة ولا شبيهه بالمنتقلة إذا إذا كانت مؤكده, فأما قوله: إذا قلت: هاتى نولينى, تمايلت... على هضيم الكشح ريا المخلخل ف «هضيم» منصوب على المدح لا على الحال, لأنها صفه لازمه, وليست بمؤكده, وكذلك قوله تعالى} قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴿. وأما قوله﴾ إِلَهًا وَاحِدًا}

فبدل.
وقد أنكر الفراء - وتبعه السهيلي - وجود الحال المؤكدة, وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله عند ذكر المصنف الحال المؤكدة.
وفي البسيط: أما الثابتة فقد اختلف فيها: فقال بعضهم: لا تكون حالا إذا بعد كلام تكون بالإضافة إليه ممكنه أن تكون وإذا تكون, نحو: ولد زيد أزرق, ولو قلت جاء زيد أزرق لم يجز, وجعلوا ما ورد من قولهم: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها, وقوله: فجاءت / به سبط العظام..........................................................................

محمولاً على التأكيد لأنه في حكم المعلوم.
وقال آخرون: لا يشترط فيها ذلك, لأنه لا يلزم أن تقيد الفعل تقييداً, بل تفيد وصفاً في الإسم, بخلاف المنتقلة, فإنها تفيد تخصيصاً في الفعل كالظرف, لذلك قدرت ب «في» بخلاف هذا, فتقول: مررت بزيد أكحل, ولقيته أسود, تريد: لقيته بهذا الوصف, وعلى هذه الحال, وهذه جبتك خزاً, ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:53], ودعوت الله سميعاً.

-[ص: ويغني عن اشتقاقه وصفه, أو تقدير مضاف قبله, أو دلالته على مفاعله, أو سعر, أو ترتيب, أو أصالة, أو تفريع, أو تنويع, أو طور واقع فيه تفضيل.
وجعل «فاه» حالا من «كلمته فاه إلى في» أولى من أن يكون أصله جاعلاً فاه إلى في, أو: من فيه إلى في.
ولا يقاس عليه, خلافاً لهشام.
]-

ش: مثال إغناء الوصف عن الانشقاق قوله تعالى} فتمثل لها بشراً سوياً { ومثال تقدير مضاف قبله قول العرب: «وقع المصطرعان عدلي عير, يريدون: مثل عدلي عير».
قال المصنف في الشرح: «أو كقول الشاعر:

تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت... به زينب في نسوه خفرات»

انتهى.
يريد: مثل مسك.
والأجود عندي أن يكون «مسكاً» منصوباً على التمييز, وهو منقول من الفاعل وهو أمدح.

ومثال دلالته على مفاعله: كلمته فاه إلى في, أي: مشافهه, وبايعته يداً بيد, أي: مناجزة, وفسر س, فقال: «بايعته نقداً», وهو تفسير معنى, لأن المعنى على التعجيل والمناجزة.
ولا يصح أن تقدر: جاعلاً يداً بيد, لأنك لم ترد أنك جعلت يدك في يده, ولا أن يكون اسما وضع موضع المصدر, لأنه لا مصدر له من لفظه, وهو حال من الضمير في بايعته, والمعنى: ذا يد, أي: في حال أنه ذو يدٍ على ملكه, ويصح أن يكون حالا من المبيع المحذوف, والمعنى: بايعته شيئاً في حال أن ذلك الشيء المبيع ذا يد, أي: مجعولاً عليه اليد.
وبعته رأساً برأس, أي: مماثله.
ولا يقتصر على «فاه», ولا على «يداً», ولا على «رأساً», بل يلزم الجار فيه لزومه في مثل: سادوا كابراً عن كابر, وابتع هذا ناجزاً بناجز.
ومثال دلالته على سعر قولهم: بعت الشاء شاه ودرهما, والبر قفيزاً بدرهم, والدار ذراعاً بدرهم, أي: مسعراً ويجوز رفع «شاه ودرهم, وقفيز بدرهم, وذراع بدرهم» على الابتداء, وهو مبتدأ محذوف منه الصفة,التقدير: شاه منها, وقفيز منه, وذراع منه.
فأما قولهم بعته ربح الدرهم درهم فلا يجوز فيه إذا الرفع, والجملة حال, أي: ومربوح الدرهم درهم.
وكذلك: بعت دارى الذراعان بدرهم.

وأجاز بعض الكوفيين نصب / الربح والدرهم, ونصب الربح ورفع الدرهم, وذلك على إسقاط الباء, أي: بعت المتاع بربح الدرهم درهما, أي: بأن ربح الدرهم درهماً أن جعلت المصدر مضافا إلى الفاعل, وبرفعه وان جعلته مضافاً للمفعول, أي: بأن ربح الدرهم درهم.
وتقول: قامرت فلاناً درهماً في درهم, أي: باذلاً, وأخذت منه الزكاه درهماً لكل أربعين, أي: فرضاً, وتصدقت بمالي درهما درهما.
ومثال دلالته على ترتيب: ادخلوا رجلاً رجلاً, وتعلمت الحساب بابا بابا, أي مفصلاً أو مصنفاً, وادخلوا أول أول, أي: مرتبين واحداً بعد واحد.
ولا يفرد شيء من هذه الألفاظ.
وتقول: لك الشاء شاه بدرهم شاه بدرهم, وان ألغيت «لك» فلم تجعله خبر المبتدأ قلت: شاه بدرهم شاه بدرهم, وإذا قلت: الشاء لك - فيجوز الرفع والنصب.

وفي نصب الثاني من المكرر نحو علمته الحساب باباً باباً خلاف:

ذهب أبو علي الفارسي إلى أن باباً الأول لما وقع موقع الحال جاز ان يعمل في الثاني.
وذهب ابن جني إلى انه في موضع الصفة للأول, وتقديره: بابا ذا باب, ثم حذفت ذا, وأقمت الثاني مقامه, فجرى عليه جريان الأول, كما تقول: زيد عمرو, أي: مثل عمر, هذا نقل بعضهم.
ونقل بعضهم أن الفارسي زعم أن بابا الأول حال, لكن لا يفهم التفصيل به وحده, فجعل الباب الثاني صفه للأول, لأنه لا يجوز أن يجعل توكيداً, إذا لو كان توكيداً لأدى ما أدى الأول, وزعم أن الاسمين مركبان.

قيل له: فالتركيب ثلاثة أنواع: بناؤهما, نحو: خمسه عشر, والأعراب في الثاني: بعلبك, وإضافة الأول إلى الثاني: بعلبك, ولم يستقر رابع.
قال: قد جاء التركيب بإعراب الاسمين, قال: تزوجتها راميه هرمزيه..............................................................................

وزعم الزجاج أن الباب الأول حال والثاني توكيد.
قيل له: فكيف يكون توكيداً, ولا يفهم التفصيل إلا به؟

قال: قد قالت العرب: بعته الشاء شاه بدرهم, دون تكرار, وهو على معنى: شاه بدرهم, ولم تستعمل العرب: بينت له حسابه باباً باباً, إذا هكذا, ولو أفردت لفهمنا التفصيل كما فهمناه في: لك الشاء شاه بدرهم.
قال بعض أصحابنا: «ومذهب الزجاج أرجح من مذهب الفارسي, لأن التكرار للتأكيد ثابت من كلامهم, وأما التكرار للتفصيل فلم يثبت في موضع.
انتهى».
والذي اختاره غير ما قالاه, بل كلاهما منصوب بالعامل قبله, لأن مجموعهما هو الحال لا أحدهما, ومتى اختلف بالوصفية أو بكونه معمولاً للأول لم يكن له مدخل في الحالية, والحالية مستفادة منهما لا من احدهما, فصارا يعطيان معنى المفرد, فأعطيا إعرابه, وهو النصب, ونظير ذلك قولهم: هذا حلو حامض, فكلاهما مرفوع على الخبرية, والخبر إنما حصل بمجموعهما, فلما نابا مناب الفرد الذي هو مز أعربا / بإعرابه, وهو الرفع, كذلك هذا.
ولو ذهب ذاهب إلى أن النصب إنما هو بالعطف على التقدير حذف الفاء, وأن المعنى: بينت له الحساب باباً فباباً, وادخلوا أول فأول, لكان وجهاً حسناً عارياً عن التكلف, لأن المعنى: بينت له الحساب باباً بعد باباً, وادخلوا رجلاً بعد رجل.
والذي يدل على إرادة الفاء كونه يجوز ذلك في المرفوع والمنصوب والمجرور, فمثال المرفوع قول الشاعر:

كرة وضعت لصوالجة... فتلقفها رجل رجل

أي: فرجل.
ومثال المنصوب: (ونفلوا بعيراً بعيراً), أي: فبعيراً.
ومثال المجرور: (قيراط قيراط), أي فقيراط.
إذا انه يعكر على هذا المذهب ما زعم أبو الحسن من انه لا يجوز أن يدخل حرف العطف في شيء من هذه المكررات إذا الفاء في الموضع الذي يكون فيه الترتيب, نحو: ادخلوا الأول فالأول, ولا تقول: بينت له الحساب باباً فباباً, ولا بابا وبابا, ولا: ادخلوا رجلاً فرجلاً, ولا تقول لثلاثة: ادخلوا الأول فالأول, ولا لاثنين ادخلوا الأول فالأول.
انتهى.
والتكرار في نحو هذا لا يدل على أنه يراد به شفع الواجد, بل المراد به الاستغراق لجميع الأبواب والرجال ونحو ذلك.
ومثال دلالته على أصالة قوله تعالى} أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا {, ونحو: هذا خاتمك حديداً, وهذه جبتك خزاً, وهما من أمثله س.

ومثال دلالته على فرعيه الشيء: هذا حديدك خاتماً.
ومثال دلالته على النوع: هذا تمرك شهريزاً, وهذا خاتمك ذهباً.
هكذا مثل المصنف في الشرح, وليس ذهباً دالا على نوع الخاتم, بل هذا المثال من باب ما دل على أصالة, نحو ما مثل به المصنف عن س من قوله: هذا خاتمك حديداً وهذه جبتك خزاً.
ومثال ما دل على طور واقع فيه تفضيل قولك: هذا بسراً أطيب منه رطباً.
وقوله وجعل «فاه» حالا من «كلمته فاه إلى في أولى» من أن يكون أصله: جاعلاً فاه إلى في, أو: من فيه إلى في قال المصنف في الشرح: «مذهب س أنه نصب على الحال, لأنه واقع موقع مشافهاً ومؤد معناه» انتهى.
وزعم الفارسي أنه حال نائبه مناب جاعلا, ثم حذف, وصار العامل فيها كلمته, قال: «وهذا مذهب س» انتهى.
وقال المصنف في الشرح: «ومذهب الكوفيين أن أصله: كلمته جاعلاً فاه إلى في - يعنى فهو مفعول به - ومذهب الأخفش أن أصله: من فيه إلى في» انتهى.
ومال إلى قول الكوفيين أبو على في «الحلبيات».

فعلى مذهب س تكون «إلى في» ليست مبنية على «فاه», إنما جاءت للتبيين, كـ «لك» بعد «سقياً» في قولهم: سقياً لك.
وعلى مذهب الأخفش حذف منه الحرف كما / حذف في قوله} وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ {, أي: على عقده النكاح.
وعلى مذهب الكسائي والفراء وهشام يكون قد دل كلمني أو كلمت على جاعل.
ورد السيرافي على الكوفيين بامتناع: كلمته وجهه إلى وجهي, وعينه إلى عيني, ولو كان على الإضمار لم يمتنع هذا, لكنه لما كان على ما قال س لم يصح اطرداه, لأنه من وقوع الأسماء موقع الصفات, والأصل غير ذلك.
انتهى.
وأيضاً فالعرب ترفعه على المعنى الذي تنصبه, وليس للرفع وجه إذا الحال.
وقال الكوفيون كلهم: يجوز كلمني عبد الله فوه إلى في, وقالوا: «إلى» خبر «فوه» وعله رفعه أن معه واوا مضمره, أي: وهذه حاله, فلو أدخلت الواو لم يجز النصب.
وهذا الذي أجازه الكوفيون حكاه س عن العرب, وما قالوه من أن عله رفعه أن معه واوا مضمره لا يحتاج إلى هذه العلة, ولا يحتاج إلى تقدير واو مضمره بل يجوز الرفع على الابتداء دون الواو, لأن في الجملة ضميراً يعود على ذي الحال, وسيأتي الاحتجاج لذلك إن شاء الله.
وذهب السيرافي إلى أن ذلك اسم وضع موضع المصدر الموضوع موضع الحال, ومعناه: كلمته مشافهه, وبذلك قدره س, فوضع «فاه إلى في» موضع

مشافهة، ومشافهة موضع مشافهاً, فهو عنده بمنزله «الجماء الغفير» و «قضهم» إذا أن هذا اسم في الأصل نقل إلى المصدر, وذلك لم يستعمل قط إذا مصدراً, فهذا هو الفرق بينهما.
ورد ذلك بأن الاسم الذي تنقله العرب إلى المصدر لابد أن يكون نكره, كذا زعم س, وبأن الأسماء الموضوعة موضع المصادر لابد أن يكون لها مصادر من ألفاظها, كالدهن, والعطاء, و «فوه إلى في» ليس كذلك.
وقال الفراء: «أكثر كلام العرب: فاه إلى في, بالنصب, والرفع مقول صحيح.
وفيما أشبه هذا من قولهم: حاذيته ركبته إلى ركبتي, وجاورته منزله إلى منزلي, وناضلته قوسه عن قوسي, والأكثر فيه: ركبته, ومنزله, وقوسه, بالرفع.
وإذا كان نكره فالنصب المؤثر المختار, نحو: كلمته فما لفم, وحاذيته ركبه إلى ركبه, وناضلته قوساً عن قوس.
ورفعه وهو نكوه جائز على ضعف إذا جعلت اللام خبراً لفم, وكذلك غيرها من الصفات.
وان وضعت الواو موضع الصفة, فقيل: كلمته فوه وفي, وحاذيته ركبته وركبتي, فالواو تعمل ما تعمل إلى, والنصب معها سائغ على أعمال المضمر».
انتهى كلام الفراء ملخصاً.

ويعني بقوله «والنصب معها» أي: مع الواو في الثاني «سائغ على أعمال المضمر» يعنى: جاعلاً, فتقول: حاذيته ركبته وركبتي, وكلمته فاه وفي, أي: جاعلاً فاه, وجاعلاً ركبته.
وقال المصنف في الشرح مرجحاً مذهب س ما معناه: «ليس في مذهب س إذا تنزيل جامد منزله مشتق, وهو موجود في هذا الباب وغير بإجماع, ولا يلزم منه ليس ولا عدم نظير.
ومن الجامد / في هذا الباب: بعته يداً بيد, والبر قفيزًا بدرهم, والدار ذراعاً بدرهم, فلا خلاف في نصب هذه أحولا, لا مفعولاً بها بإضمار, ولا بعد إسقاط جار.
وأما إضمار جاعل أو من فلا نظير له في هذا الباب.
وفي تقدير من ضعف زائد, وهو أنه يلزم منه تقدير من في موضع إلى, ودخول إلى في موضع من, لأن مبدأ غاية المتكلم فمه لا فم المكلم, فلو كان معنى من مقصوداً لقيل: كلمته من في إلى فيه,على إظهار من, وكلمته في إلى فيه, على تقديرها» انتهى.
ورد بعد تسليم صحة معنى الكلام بأنه لم يوجد قط حذف حرف الجر ملتزماً.
وأيضاً فانه من القلة بحيث لا يقاس عليه.
وأيضاً فان العرب قد رفعته.
وزعم المبرد أنه تقدير لا يعقل, لأن الإنسان لا يتكلم من فم غيره, إنما يتكلم كل احد من فيه, واليه أشار المصنف فيما نقلناه عنه قبل,ومن المبرد أخذه.

وانفصل أبو علي عن هذا بأن العرب إذا ضمنت شيئاً ما معنى شيء علقت به ما يتعلق بذلك الشيء, دليله قولهم: زيد اليوم أفضل منه غداً, لا يتصور أن يعمل (أفضل) في ظرفي زمان, لكنه لما كان معناه: يزيد فضله اليوم على فضله غداً, جاز, فكذلك كلمته فاه إلى في, إنما يقال في معنى: كلمني وكلمته, فهو من ألمفاعله فإذا قلت كلمته فقد تضمن معنى كلمني, وكلمني من فيه صحيح, أي: لم يكلمني من كتابه ولا بوساطة, فصح لهذا النائب أن يتعلق به الجار.
انتهى.
فلو قدمت حرف الجر, فقلت: كلمني عبد الله إلى في فوه, لم يجز النصب بإجماع من الكوفيين, وتقتضيه قاعدة قول س في أن «إلى في» تبيين كـ «لك» بعد «سقياً», وتقديم «لك» على «سقيا» لا يجوز, فينبغي إذا يجوز هذا.
فلو قدمت «فاه إلى في» على كلمت فقلت: فاه إلى في كلمت زيداً - فأجازه س وأكثر البصريين لتصرف العامل, واتفق الكوفيون على منعه, وتبعهم بض البصريين, وعزى المنع أيضاً إلى س, ومن حجه منع أنها حال متأوله لم تقو قوه غيرها, ولم يسمع فيها تقديم.
فلو قتل فوه إلى في كلمني عبد الله لم يجز ذلك عند أحد من الكوفيين, ولا أحفظ نصاً عن البصريين في ذلك, والقياس يقتضى الجواز.
وقوله ولا يقاس عليه خلافاً لهشام يعنى أنه لا يقاس على «فاه إلى في», بل يقتصر على مورد السماع, وهو ما حكاه الفراء قبل, وماحكاه ابن خروف عنه أنه حكى: صارعته جبهته على جبهتي, بالرفع والنصب.
وأجاز هشام القياس

على ذلك, فتقول: ماشيته قدمه إلى قدمي, وكافحته وجهه إلى وجهي, ونحو ذلك.
وذكر المصنف في الشرح عن الفراء: جاورته بيته إلى بيتي, بالرفع والنصب, وقال في الشرح: «ولا يرد شيء من ذلك, ولكن الاقتصار على السماع أولى, لأن / فيه إيقاع جامد موقع مشتق, ومعرفه موقع نكره, ومركب موقع مفرد».

-[ص: فصل

الحال واجب التنكير, وقد يجئ معرفاً بالأداة, أو الإضافة, ومنه عند الحجازيين العدد من ثلاثة إلى عشره مضافاً إلى ضمير ما تقدم, ويجعله التميميون توكيداً, وربما عومل بالمعاملتين مركب العدد, و «قضهم بقضيضهم».
وقد يجئ المؤول بنكرة علماً.
]-

ش: قال المصنف في الشرح ما ملخصه: «انه لما كان الغالب على ذى الحال التعريف, والغالب عليها الاشتقاق, وهى خبر في المعنى - ألزمت التنكير لئلا يتوهم أنها نعت - يعنى إذا كان ذو الحال منصوباً, أو كانت هى لا يظهر فيها الأعراب - وأيضاً فلزومها ألفضليه استحق تثقيلها, فألزمت التخفيف بلزوم التنكير, إذا ترى أنها لا تقوم مقام الفاعل, بخلاف غيرها من الفضلات, فلذلك يعرف غيرها لأنه قد يقوم مقام الفاعل.
ولا يعترض بدخول من على بعض التمييزات, فيجوز إذ ذاك حذف الفاعل وإقامته بدخول من عليه مقام الفاعل, نحو: امتلأ الكوز من ماء, فتقول: امتلئ من ماء, لندور هذا في التمييز.
على أن الكسائى حكى: خذه مطيوبه به نفسى, فإذا كان التمييز قد تصرف فيه هذا التصرف وقد يلزم التنكير فأحرى أن يلزم ذلك في الحال» انتهى.

وزعم الأستاذ أبو علي أن سبب تنكيرها أنه يحصل بالتنكير ما يحصل بالتعريف, فلم تكن فائدة لتكلفه, ولذلك سبب تنكير التمييز.
ورد ذلك عليه بأن قوله هذا يقتضى إمكان التعريف فيهما, واجتزأوا بالتنكير لما كان المعنى يحصل به, وليس التعريف فيهما بممكن, لأنك إذا قلت جاء زيد اقتضى الفعل حالا منكورة يجئ الفاعل عليها إسراع أو إبطاء أو غضب أو رضاً أو نحو ذلك, ولم يدل على حال مختصة ولا معهودة فتكون معرفه.
وكذلك التمييز, وإذا قلت امتلأ إذاناء لما يكن بينك وبين المخاطب عهد في المالئ له, فلا يمكن أن يأتي معرفه, فلذلك وجب التنكير في الحال والتمييز.
وزعم الفراء ومن أخذ بمذهبه أن موجب التنكير كونها مبنية على معنى الشرط متصرحاً, نحو: يجئ عبد الله راكباً, المعنى: إن ركب, ومتى ركب,وغير متصرح في اللفظ, نحو: جاء زيد راكباً, لا يحسن: جاء زيد ان ركب, وحكمه حكم الشرط, لأن جاء مبنى على مجيء.
قال: والشرط منبهم, فلذلك كانت الحال نكره, إذا ترى أن معنى راكباً: إن ركب, فهو ركوب غير محدود, ولا يحصل بتعيين, لأنه ممكن أن يكون وإذا يكون.
ورد على الفراء قوله بأن مبنى الحال على الشرط دعوى لا دليل عليها, وبأن الحال قد تكون واقعه, فلا يدخلها إذا ذاك معنى الشرط الذي يمكن أن يقع وإذا يقع, نحو: جاء زيد / راكباً, فمعنى الركوب واقع فيما مضى.

وما ذكره المصنف من وجوب تنكير الحال هو مذهب الجمهور.
وزعم يونس والبغداديون أن الحال يجوز أن تأتى معرفه, نحو: جاء زيد الراكب, قياساً على الخبر, واستدلا لاً بما روى عن العرب في ذلك مما نذكره بعد.
وذهب الكوفيون إلى أن الحال إذا كان فيها معنى الشرط جاز أن تأتى على صوره المعرفة, وهى مع ذلك نكره, فأجازوا أن تقول: عبد الله المحسن أفضل منه المسيء, وعبد الله عندنا الغنى فأما الفقير فلا, وأنت زيداً أشهر منك عمراً, التقدير: عبد الله إذا أحسن أفضل منه إذا أساء, وعبد الله عندنا إذا استغنى فأما إذا افتقر فلا, وأنت إذا سميت زيداً أشهر منك إذا سُميت عمراً.
فان لم يكن في الحال معنى الشرط لم يجز أن تأتى معرفه اللفظ, لا يقال: جاء زيد الراكب, لأنه لا يتقدر عندهم بالشرط, إذا ليس المعنى: جاء زيد إن ركب, ولأنه قلما جاء منها معرفه في اللفظ مبنياً على المفعول.
وأجازوا أيضاً أنت تقول: عبد الله إياه أشهر منه إياها, على أن كل واحد من المكنيين منصوب على الحال لما في ضمير الغائب من الإبهام.
ولا يجوز ذلك عندهم في مكنى المخاطب والمتكلم, ولا يقال: زيد إياي أشهر من إياك, على أن ايأي وإياك منصوبان على الحال, لأنهما محصوران على الأخبار والخطاب, لا يتسع فيهما كما يتسع في الغائب.
دليل هذا قول العرب: رُبه رجلاً فاضلاً قد زارني, وربها امرأة عاقله قد أكرمتني, ولم يقولوا: رُبى ولا رُبك, لما في هاتين من الاختصاص.

وقال هشام: حكى الكسائي عن العرب: لذو الرمة ذا الرمـ... ه أشهر منه غيلانا فانتصب (ذا الرمة) و (غيلان) على الحال, وهما علمان, لأن المعرفة سدت هنا مسد النكرة, وإبقاء (أل) في ذا الرمة وترك إجراء غيلان دليل على بقاء تعريفهما, ولو أمحضا التنكير لقيل: لذو الرمة ذا رُمه أشهر منه غيلاناً.
قالوا: ونظير أقامه المعرفة مقام النكرة في هذا قول العرب: لا أبا حمزة عندك, ولا أبا عُمر لك, فنصبوا المعرفة كما نصبوا النكرة, ولم يجروا لأن أصله التعريف وأن يسد المعروف مسد المنكور.
وحكي الفراء عن العرب: «ان كان أحد في هذا الفج فلا هو يا هذا», فموضع «هو» نصب بـ (لا) وأنشد الفراء: فلا هي إذا ان تقرب وصلها... علاه كناز اللحم ذات مشاره وقول حسان: إذا ما ترعرع فينا الغلام... فما أن يقال له: من هوه /إذا لم يسد قبل شد الإزار... فذلك فينا الذي هوه فأعمل (لا) في (هو) كما يعملها في النكرة.

قال الفراء: دليل على هذا حذف الخبر الذي لا يحذف إذا مع المنكور حين يقال: لا درهم ولا دينار, ولا يقال: لا الدرهم ولا الدينار, حتى يظهر الخبر على اختيار واستحسان وكثره في كلام العرب.
وما ذهب إليه الكوفيون باطل عند البصريين, بل الحال عندهم أبداً بكره, والمحسن والمسيء في المثال الذي ذكروه منصوبان على خبر كان مضمره, أي: إذا كان المحسن أفضل منه إذا كان المسيء.
و «ذا الرمة» و «غيلان» منصوبان على أنهما مفعولان لفعل مضمر يدل عليهما المعنى, التقدير: إذا سمى ذا الرمة أعرف منه إذا سُمى غيلان.
وأما الضميران الغائبان فان سُمع ما أجازوه فهما منصوبان على خبر كان, أي: عبد الله إذا كان إياه أشهر منه إذا كان إياها, ولا يمكن حمل هذا التركيب على ظاهره, بل المعنى: عبد الله إذا كان مثله أشهر منه إذا كان مثلها.
وأما «لا أبا عمر لك» وشبهه فعلى حذف «مثل» وذلك قليل, وقد أجازه الخليل في «له صوت صوت الحمار» في جعله نعتاً للنكرة مراعياً فيه مثل.
وأما «لا هو» و «لا هي» فمبتدأ, والخبر محذوف, وذلك قليل, ولم تعمل, ولم تكرر.
ويدل على أنهما مرفوعان كونهما ضميري رفع, ولو كان منصوبين لقيل: لا إياها ولا إياه.
وقوله وقد يجئ مُعرفاً بالأداة ليس قوله «معرفاً بالأداة» بجيد, لأنه ليس معرفه على مذهب الجمهور, فكان ينبغي أن يقول «وقد يجئ فيه أل», لأنهما وان كانت بصوره المعرفة نكره عندهم من حيث المعنى.
والمسموع مما جاء من الحال مقروناً بأل قولهم: مررت بهم الجماء الغفير, وأوردها العراك, وادخلوا الأول فالأول.
وعلى هذه قاس يونس والبغداديون, فأجازوا: جاء زيد الضاحك.

فأما «الجماء الغفير» فأل فيهما زائدة, وقد قالت العرب: جاؤوا جماء غفيراً, وجماً غفيراً.
وحكي القإلى: الجماء الغفيرة, بالتاء, وجماء غفيره, بالتاء أيضاً والتنوين, وليس من بناء جماء غير منونه, وإنما هو فعال كالجبان والقذاف, وهمزته مجهولة, والمعنى واحد.
وهو عند س اسم موضوع موقع المصدر, أي: مررت بهم جموماً غفيراً.
وقد جعله غير س مصدراً, و (س) لا يرى ذلك لعدم تصرف الفعل منه.
والجماء الغفير: هي البيضة التي تجمع الرأس وتضمه, قاله الكسائى, وابن الأعرابي.
واختلفوا في هذه الأسماء المعارف لفظاً: فذهب الأخفش والمبرد إلى انها ليست بأحوال في الحقيقة, إنما الأحوال هي العوامل المضمرة الناصبة لها.
واختلف

هؤلاء: فبعضهم قدر تلك العوامل أفعالا, والأفعال نكرات, وهو مذهب الفارسي.
وبعضهم قدرها / أسماء مشتقه من تلك الأفعال.
وذهب أبو بكر بن طاهر الخدب وتلميذه أبو الحسن بن خروف في جماعه إلى أنها ليست معمولة لعوامل مضمره, بل واقعه موقع أسماء فاعلين منتصبة على الحال مشتقه من ألفاظها أو من معانيها, وزعم ابن خروف أنه مذهب س. فيكون التقدير في نحو أرسلها العراك أما: تعترك العراك, أو معتركه العراك, أو معتركه, على حسب المذاهب التي ذكرنا.
ورجع مذهب ابن طاهر بأنه ليس فيه تكلف إضمار.
وعورض بأن وضع المصدر موضع اسم الفاعل إذا لم يرد به المبالغة لا ينقاس.
وزعم ثعلب أن انتصاب «الجماء الغفير» ليس على الحال, بل ينتصب على المدح.
وأجاز الجرمى نحو «مررت بإخوتك الجماء الغفير».
قال أبو بكر بن الأنبارى: «ويجوز وجه ثالث, وهو مررت بإخوتك الجماء الغفير, بالرفع, كما تقول: مررت بإخوتك العقلاء الفاضلون, أي: هم.
وإذا كانت هذه الأوجه الثلاثة جائزة, وليس فيها مستضعف, كان نصب الجماء الغفير على الحال غير مختارٍ ولا مؤثر, إذا لم يدع إليه اضطرار» انتهى.
وقال الكسائى: العرب تنصب الجماء الغفير التمام, وترفعه في النقصان, قال:

كهولهم وطفلهم سواء... هم الجماء - في القوم - الغفير وأما «أوردها العراك» فتقدم توجيه الحال فيه, وقال لبيد: فأوردها العراك, ولم يذدها... ولم يشفق على نغص الدخال وزعم أحمد بن يحي أن العراك ليس منصوباً على الحال, وإنما انتصب على أنه مفعول ثان ل «أورد», كما تقول: أوردتك الحرب, وأوردتك الأمر العظيم,وقال تعالى} فأوردهم النار {, وقولهم «أرسلها العراك» مضمن عند الكوفيين معنى أوردها.
وزعم ابن الطراوة أن قولهم أرسلها العراك ليس بحال, وإنما هو صفه لمصدر محذوف, والمعنى: الإرسال العراك, وكذا فعل في جميع هذه الأبواب.
ورد عليه بأنه لم نجد صفه تلتزم فيها أل, بل المعهود في الصفات أن تكون معارف ونكرات.
وأما «ادخلوا الأول فالأول» فـ «أل» زائدة في قول بعضهم, وليست للعهد, إذ لا عهد لك في الأول, والمعنى: ادخلوا مرتبين, وهذا ونحوه مما لا ينقاس

عند البصريين, ولذلك كانت قراءه من قرأ} ليخرجن الأعز منها الأذل ﴿شاذة لمجيء (الأذل) حالا, وهو بصوره المعرفة.
قال بعض أصحابنا: وأما الكوفيون فينبغي على مذهبهم أن يكون من قبيل ما ينقاس, لأن الحال عندهم إذا كانت في معنى الشرط يجوز أن تأتى على لفظ المعرفة.
وذهب الأخفش إلى أنه ليس حالا, وهو منصوب بالفعل على أنه مشبه بالمفعول والتشبيه يكون في الفعل كما يكون في الصفات, كما ذهب إليه الكوفيون في﴾ بطرت معيشتها {. وذهب يونس إلى أنه حال / بنفسه, وهو معرفه, وحكي أن العرب تقول: قدم زيد أخاك, وهذا زيد سيد الناس, ومذهبه أن الحال تجئ معرفه ونكره كالخبر.
وذهب المبرد والسيرافي إلى أن «أل» معرفه لا زائدة, لكن الاسم لم يتعرف هنا على حد تعرف الأسماء, بل إنما يعلم كونه أولاً بعد ما يكون أولاً, فلما كانت «أل» على هذا الحد سهل ذلك فيها.

ومما خالفت فيه العرب القياس قولهم في الأمر للمؤنثات: ادخلن الأول فالأول, فالقياس: ادخلن الأولي فالأولي, لكنهم شذوا في إدخال أل.
فإذا قالوا: دخلوا الأول فالأول - بالرفع - كان بدلا, فإذا قلت: ادخلوا الأول لم يتصور البدل؛ لأنك لا تقدر أبدا أمرا لام وفاعله مضمر لا ظاهر, فارتفاعه علي فعل دل عليه هذا, تقديره: ليدخل الأول.
وقوله أو الإضافة هذا أيضا ليس بجيد؛ لأنه ليس علي مذهب الجمهور, بل أتي بصورة المعرفة وهو نكرة عندهم من حيث المعني, والمسموع من ذلك قولهم: كلمته فاه إلى في - وتقدم الكلام عليه - وطلبته جهدي وطاقتي, ورجع عوده إلى العشرة, وقضهم بقضيضهم.
فأما طلبته جهدي وطاقتي, وفعل ذلك جهده وطاقته, فالتقدير: جاهدا ومطيقا, أو: أجتهد جهدي, وأطيق طاقتي, أو مجتهدا جهدي, ومطيقا طاقتي, علي اختلاف المذاهب السابقة.
وزعم الكوفيون أن جهدي من قبيل المصادر المعنوية, التقدير: اجتهدت جهدي, وأطقت طاقتي.

وأما رجع عوده علي بدئه فعوده عندنا منصوب علي الحال, تقديره: رجع يعود عوده, أو عائدا علي اختلاف المذاهب.
وزعم الكوفيون أن عوده منصوب علي المصدر, المعني: عاد عوده علي بدئه.
وأجاز بعض النحويين نصبه علي المفعول به, أي: رد عوده علي بدئه.
فإذا انتصب عوده علي الحال لم يجز تقديم المجرور عليه لأنه من صلته, وان كان مفعولا به جاز.
ويجوز فيه الرفع, فتقول: رجع عوده علي بدئه.
وفي رفعه وجهان: أحدهما أنه فاعل برجع.
والثاني انه مبتدأ, وعلي بدئه في موضع الخبر, والجملة حالية.
ويجوز تقديم المجرور علي عوده في حالتي رفعه.
وأما مررت بزيد وحده, وجاء زد وحده, فذهب الخليل و «س» إلى أنه اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال, كأنه قال: أيحادا, أيحادا (وضع) موضع موحدا, فمع الفعل المتعدي هو حال من الفاعل, أي: موحدا له بمروري, ومفردا له بالضرب في: ضربت زيدا.
وذهب المبرد إلى انه يجوز أن يكون حالا من المفعول, أي: ضربته في حال أنه مفرد بالضرب.
ومذهب س أولي؛ لأن وضع المصادر التي تنوب عنها الأسماء موضع اسم الفاعل الأكثر من وضعها موضع المفعول.

وذهب ابن طلحة إلى أنه حال من المفعول ليس إلا؛ لأنهم إذا أرادوا الفاعل قالوا: مررت/به وحدي, كقوله: والذئب أخشاه أن مررت به... وحدي, واخشي الرياح والمطرا وذهب جماعة من النحويين إلى أنه مصدر موضوع موضع الحال: فمنهم من قال: هو مصدر علي حذف حروف الزيادة, أي: أيحاده.
ومنهم من قال: انه مصدر لم يلفظ له بالفعل كالأخوة.
ورد قول من ذهب إلى أنه مصدر بأن المصادر التي وضعت موضع الحال لا تتصرف, وهذا يتصرف.
وذهب يونس وهشام في أحد قوليه إلى أنه منصوب انتصاب الظروف, فيجريه مجري عنده فإذا قلت جاء زيد وحده فكأن التقدير: جاء زيد علي وحده, ثم حذف حرف الجر, ونصب علي الظرف, وحكي من كلام العرب: جلسا علي وحديهما.
وإذا قلت زيد وحده فكأن التقدير: زيد موضع التفرد, وينبغي علي هذا أن يكون مصدرا لأن الأصمعي حكي عن العرب وحد يحد.

ورد مذهب يونس بأن حذف حرف الجر لا يجوز بقياس.
وهذا ليس بشيء؛ لأن يونس لم يحذف الحرف بقياس, بل العرب حذفته, وذلك بعد ما أدخلته؛ ألا تري إلى ما يحكي يونس عن العرب: جلسا علي وحديهما, أي: موضع انفرادهما.
والذي يدل علي أنه منتصب علي الظرف لي علي الحال قول العرب: زيد وحده, فجعلته العرب خبرا للمبتدأ لا حالا ولو قلت زيد جالسا لم يجز ذلك.
وقد أجاز هشام في قول العرب زيد وحده وجها آخر, وهو أن يكون منصوبا بفعل مضمر يخلفه وحده, كما قالت العرب: زيد إقبالا وإدبارا, والمعني: يقبل إقبالا ويدبر إدبارا, وتأويله عنده: زيد وحد وحده, وقد تقدمت حكاية الأصمعي عن العرب: وحد يحد.
قال هشام: ومثل زيد وحده في هذا المعني: زيد أمره الأول, وسعد قصته الأولي وحاله الأولي.
يذهب هشام إلى خلاف هذا المنصوب الناصب كما خلف وحده وحد, وكان يسمي هذا منصوبا علي الخلاف للأول, وقال: لا يجوز: وحده زيد, كما لا يجوز: إقبالا وإدبارا عبد الله, وكذلك قصته الأولي زيد, من قبل أن الفعل لا يضمر إلا بعد الاسم.
وأما علي قول هشام الذي وافق فيه يونس - وهو أنه ينتصب علي الظرف - فيجوز أن تقول: وحده زيد كما يجوز: عندك زيد.
وأما «تفرقوا أيادي سبا» فيأتي الكلام عليه في آخر باب العدد أن شاء الله ومعناه: تبددا لا بقاء معه.
وقوله ومنه عند الحجازيين العدد من ثلاثة إلى عشرة مضافا إلى ضمير ما تقدم أي: ومما جاء مضافا إلى معرفة, وانتصب علي الحال تقول: مررت بهم

ثلاثتهم, ومررت بالقوم خمستهم, فلغة الحجازيين نصب هذا علي الحال, ومذهب س فيه كمذهبه في وحده من أنه اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال, كأنك قلت: مخمسا لهم, فوضع خمسة موضع خمس الذي هو مصدر خمسة القوم خمسا, وخمسا موضوع موضع مخمس.
وذهب يونس إلى أنها صفة في الأصل.
/ فتكون حالا بنفسها.
ورد بأنه لا يكون صفه إلا نكرة.
وذهب المبرد إلى أنه تقدر هنا لفظ الخمسة فعلا, تقول: مررت بالقوم فخمستهم.
وهذا تكلف لم ينطق به.
وذهب غيرهم إلى أنه ينتصب انتصاب الظرف, كما ذهب إليه في مررت بزيد وحده.
والدليل علي صحة هذا المذهب ما روي ألكسائي أن العرب تقول: القوم خمستهم وخمستهم, وكذلك عشرتهم وعشرتهم فمن رفع الخمسة رفعها بالقوم, ومن نصب نصب علي الظرف, فكونهم جعلوه في موضع الخبر دليل علي أنه ليس بحال؛ لأن قولك زيد جالسا لا يجوز.
وإذا أراد الحجازيون معني التوكيد لم يقولوا إلا كلهم وأجمعين, ولا يؤكدون بثلاثتهم إلى العشرة, وإنما ينصبوها علي الحال كما ذكرنا.
ولم يذكر س اثنيهما, وقد قاسه بعضهم علي ثلاثيهم, وقد غلط فيه, قاله في البسيط, قال: «والفرق بين الموضعين أنك إذا قلت لقيتهما فقد علم عدة ذلك, فلا يحتاج إلى زيادة, وإذا قلت لقيتهم لم يعلم عدتهم, فاحتيج إلى ذلك ليبين هذا القدر».

وفيه نظر؛ فان المراد هنا بإتيان ثلاثتهم وأربعتهم تجريدهم عن الانضياف إلى الغير, بمنزلة قولهم منفردين, وبهذا المعني يحسن دخول اثنيهما قياسا, كقوله ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ لما أراد التحريد, وقوله تعالى ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ لما أراد مجرد الاثنية.
وقوله ويجعله التميميون توكيدا أي يتبعون ذلك لما قبله في الإعراب, فيقولون: قام القوم ثلاثتهم, بالرفع, ورأيت القوم ثلاثتهم, بالنصب, ومررت بالقوم ثلاثتهم, بالجر, وإذا أرادوا معني الانفراد بالمرور لم يقولوا الا: وحدهم, نحو مررت بالقوم وحدهم.
والفرق بين النصب والإتباع أنك إذا نصبت كان التقدير أن المرور مقيد بهم خمسة, أما تقييد الحال علي مذهب س, وأما تقييد الظرف علي مذهب غيره, فلو مر بغيرهم معهم كانوا أكثر من خمسة إذا قلت: مررت بالقوم خمستهم, وإذا أتبعت جاز أن تكون مررت بغيرهم, وجاز أن تكون مررت بهم خاصة.
وقال بعض شراح الكتاب: «إذا نصبت فعلي الحال, كأنك قلت: مررت بهم في حال أنهم ثلاثة, فمحال علي هذا أن يكون معهم غيرهم, وإلا فيكون الكلام كذبا, فالحال اقتضت هذا المعني.
وأما الجر فعلي معني أنك مررت بالثلاثة كلهم ولا يقضي هذا أن يكون معهم غيرهم؛ لأنه إذا كان معهم غيرهم صح أن تقول: مررت بالثلاثة كلهم, ولا يكون كذبا, فلهذا فرق النحويون بينهما, أي: بين النصب والجر.

ويقولون في مررت بالقوم ثلاثتهم: إن ثلاثتهم توكيدا, واجمعوا علي ذلك, ولم يقل أحد انه بدل, وان كان يسبق إلى الخاطر جوازه.
وحملهم علي ذلك أنه يقال في معني أن القوم ثلاثة, وكذلك أربعتهم والمعني أنهم أربعة, وكذلك ما بقي, فلو قلنا انه بدل كان من بدل الشيء, وفيه ضمير القوم فيكون فيه إضافة الشيء, وفيه ضمير القوم فيكون فيه إضافة الشيء إلى نفسه, واحتمل ذلك في التأكيد؛ / لأنه في معني كل وقد استسهل في كل إضافتها إلى ما هو هي, فيقولون كل القوم لأنها نقيضة بعض, فسهل ذلك فيها.
فهذا هو الذي حملهم علي أنه تأكيد لا بدل» انتهي, وفيه بعض تلخيص.
والمؤنث كالمذكر في ذلك, فتقول: قام النساء ثلاثهن, إلى: عشرهن.
وقال المصنف في الشرح: «النصب عن الحجازيين علي تقدير جميعا, ورفعه التميميون توكيدا علي تقديرهم: جميعهم» انتهي.
فيظهر من كلامه هذا أنه لا يقدر بين المعنيين إلا من جهة الصناعة, أنه في النصب يقدر بجميعا, وفي التوكيد يقدر بجميعهم, وهذا خلاف ما فرق به الناس بينهما مما ذكرنا قبل.
وقوله وربما عومل بالمعاملتين مركب العدد يعني بالمعاملتين النصب علي الحال والأتباع علي التوكيد.
وفي انتصاب مركب العدد انتصاب ثلاثتهم وأخواته خلاف: منهم من أجاز ذلك, ومنهم من منعه, والصحيح الجواز وفيه إذا فسر العدد بواحد منصوب ثلاثة أوجه: أحدهما: حذف ذلك المفسر وإضافة المركب إلى ضمير الاسم, فتقول: جاؤوا خمسة عشرهم, وجئن خمس عشرتهن, أي: جميعا, حكاه الأخفش في «الأوسط» عن بعض العرب.
ومن أجاز ذلك قال: قام القوم عشرتهم.

والوجه الثاني: ألا تضيف العدد إلى ضمير, بل تأتي بالتمييز, فتقول: مررت بالقوم احد عشر رجلا.
والثالث: إن تحذف التمييز فتقول: مررت بالقوم احد عشر, ومررت بالقوم عشرين.
وقوله وقضهم بقضيضهم تقول: جاء القوم قضهم بقضيضهم, حكي س فيه الرفع والنصب, فإذا رفعنا فعلي التوكيد, فيتبع ما قبله في الرفع والنصب والجر, قال س: «ومثل خمستهم قضهم بقضيضهم, كأنه قال: مررت بهم انقضاضا.
هذا تمثيل, وان لم يتكلم به, كأنه قال: انقض آخرهم علي أولهم.
وبغض العرب يجعل قضهم بمنزلة كلهم, يجريه علي الوجوه» انتهي.
وقد حكي لقضهم فعل, قالوا قضضت عليهم علي أولهم, قال الشماخ أتتني تميم قضها بقيضها... تمسح حولي بالبقاع سبالها فهو من الانقضاض, أي: أتوني انقضاضهم, أي: منقضين, وهو كالجماء في أنه مأخوذ من الانقضاض لا مشتق للصفة, وهو بمنزلة جهدي في أنه للفاعل.

ويونس يجعله كالجماء وصفا فهو حال بنفسه, والإضافة غير محصنة, وهو ابعد من المصدر لكونه اسما.
والمبرد يقدر الفعل.
وقوله وقد يجئ المؤول بنكرة علما قالت العرب: جاءت الخيل بداد, وبداد علم جنس, وإنما جاز أن يقع حالا لتأويله بنكرة, ومعناه: جاءت الخيل متبددة.

-[ص: ان وقع مصدر موقع الحال فهو حال لا معمول حال محذوف, خلافا للمبرد والأخفش, ولا يطرد فيما هو نوع للعامل, نحو: أتيته سرعة, خلافا للمبرد, بل يقتصر فيه وفي غيره علي السماع, إلا في نحو: أنت الرجل علما, وهو زهير شعرا, وأما علما فعالم.
وترفع / تميم المصدر التالي «أما» في جوازا مرجوحا, وفي التعريف وجوبا.
والمنكر مفعول مطلق عند الأخفش.]-

ش: قال المصنف في الشرح: «تقدم التنبيه علي أن الحال خبر في المعني, وأن صاحبه مخبر عنه, فحق الحال أن يدل علي نفس ما يدل عليه صاحبه كخبر المبتدأ, وهذا يقتضي ألا يكون المصدر حالا لئلا يلزم الإخبار بمعني عن جثة, فان ورد عن العرب منه شيء حفظ ولم يقس عليه, كما يقاس علي وقوع المصدر نعتاً» انتهى.

ومجيء المصدر حالا أكثر من مجيئه نعتا, فمن المسموع (ثم ادعهن ياتينك سعيا), و (الذين ينفقون أموالهم بإلىل والنهار سرا وعلانية), (وادعوه خوفا وطمعا), و (إني دعوتهم جهارا), وقتلته صبرا, ولقيته فجاءة ومفاجأة, وكفاحا ومكافحة, وعيانا, وكلمته مشافهة, واتيته ركضا ومشيا وعدوا, وطلع بغتة, وأعطيته المال نقدا, وأخذت ذلك عنه سماعا وسمعا, ووردت الماء التقاطا, وقال الشاعر: فلأيا بلأي ما حملنا وليدنا... علي ظهر محبوبك السراة محنب واختلف النحويون في تخريج هذه الكلم المسموعة وما أشبهها من المسموع: فذهب الكوفيون والأخفش والمبرد إلى أنها مفاعيل مطلقة, واختلفوا: فقال الكوفيون: أنها منصوبة بالأفعال السابقة, وليست في موضع الحال؛ لأن أعطيت في معني نقدت, وقلته في معني: صبره, وطلع بغتة في معني: بغت بغتة.
وذهب الأخفش والمبرد إلى أن قبل كل مصدر منها فعلا مقدرا هو الحال, أي: زيد طلع يبغت بغتة, وقتلته أصبر صبرا, وأعطيته المال انقده نقدا وكذلك سائرها.

جارٍ التحميل