التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 47-86

الكسائي على زيادة (من)، وعلى هذا ينبغي عنده أن يحمل ما حكاه أبو عبيد في (الأموال) له من أنه -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى خزاعة: "أما بعد، فإن من أكرم أهل تهامة علي وأقربهم رحمًا أنتم ومن تبعكم".
وكذلك أيضًا تأول ما حكاه من كلام العرب "إن هكذا الدهر" على أن يكون (هكذا) اسم (إن)، والدهر: الخبر.
واستدل على أن (هكذا) تستعمل اسمًا بما حكاه عن بعض العرب من أنه قيل له: "كان هكذا وهكذا"، فقال: "ليس بهكذا"، فأدخل على (هكذا) حرف الجر.
وإنما ذهب الكسائي إلى زيادة (من) في "من أشد" و"من أكرم" لأن مذهبه أن حذف هذا الضمير لا يجوز إذا أدى ذلك إلى أن يكون بعد (إن) وأخواتها اسم يصح عملها فيه، و (المصورون) و (أنتم) يجوز أن تعمل (إن) في ذلك، فتقول: (المصورين) و (إياكم).
والصحيح أن يكون هذا مما حذف فيه الضمير لا على زيادة (من)، ويؤيده اللفظ والمعنى، فأما اللفظ فإن العرب لم تلحظ هذا الذي لحظه الكسائي، بل قالوا: إن بك زيد مأخوذ، وكان يجوز لـ (إن) أن تنصب زيدًا.
وأما المعنى فإذا جعلتها زائدة كان المصورون أشد الناس عذابًا يوم القيامة، وليس كذلك إذ غيرهم أشد عذابًا منهم، ممن هو أعظم جرمًا.
ص: وإذا علم الخبر جاز حذفه مطلقًا، خلافًا لمن اشترط تنكير الاسم.
وقد يسد مسده واو المصاحبة والحال، والتزم الحذف في (ليت شعري) مردفًا باستفهام.

وقد يخبر هنا -بشرط الإفادة- عن نكرة بنكرة أو بمعرفة.
ولا يجوز نحو: إن قائمًا الزيدان، خلافًا/ للأخفش والفراء، ولا نحو: ظننت قائمًا الزيدان، خلافًا للكوفيين.
ش: حذف خبر (إن) وأخواتها للعلم به فيه ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز، وهو مذهب س، وسواء أكان الاسم معرفة أم نكرة، قال س: "ويقول الرجل: هل لكم أحد؟ إن الناس عليكم، فتقول: إن زيدًا وإن عمرًا، أي: إن لنا".
والثاني: مذهب الكوفيين، وهو أنه لا يجوز إلا إذا كان الاسم نكرة، نقله عنهم علي بن سليمان الأخفش.
والثالث: مذهب الفراء، زعم أنه لا يجوز، سواء أكان الاسم معرفة أم نكرة، إلا إن كان بالتكرير، نحو: إن محلًا، وإن مرتحلًا......................... ولا يجوز في غيره، نقله عنه أحمد بن يحيي.
قيل: كررت (إن) ليعرف أن أحدهما مخالف للآخر عند من يظنهما [غير] مختلفين.
وحكي الفراء أنه سمع أعرابيًا قيل له: الزبابة الفأرة، فقال: إن

الزبابة وإن الفأرة، قال: وتقديره: إن الزبابة زبابة، وإن الفأرة فأرة.
قال ابن تقي: كأنه قال: إن الزبابة شيء، وإن الفأرة شيء آخر.
قال الأستاذ أبو علي: "قال -يعني الفراء-: والخلاف الذي بين الاسمين يدل على أن الخلاف بين الخبرين والخلاف في البيت أن المحل خلاف المرتحل، وكأنه رد على من يزعم أنه ليس ثم إلا المحل الذي هو الدنيا، فقال: إن لنا محلًا، وإن لنا مرتحلًا مخالفًا للمحل" انتهى.
والصحيح من هذه المذاهب مذهب س للقياس والسماع: أما القياس فإجماع النحويين على إجازة حذف الخبر إذا عرف معناه في غير باب (إن)، فينبغي أن يجوز ذلك في باب (إن) إذا عرف المعنى.
وقال أبو العباس: حذف الخبر في المعرفة أولى لما يتعارف من أخبارها، وإن قولك "إن زيدًا" يعلم أنه رجل، فينبغي أن يجوز فيه ما جاز في (رجل).
وأما السماع فقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، تقديره: معذبون، لدلالة قوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ

أَلِيمٍ}، وقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وإنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾، وقول عمر بن عبدالعزيز لرجل ذكره بقرابته منه: "إن ذلك"، ثم ذكر له حاجة، فقال: "لعل ذلك"، أراد: إن ذلك حق، ولعل حاجتك مقضية، وقول الشاعر: /أتوني، فقالوا: يا جميل تبدلت بثينة أبدالًا، فقلت: لعلها أي: تبدلت.
وقول الجعدي: فأصبح عيشي قد سلا غير أنه وكل امرئ يلقى من الدهر قنطرا أي: أنه هالك.
قال ابن خروف: النكرة في هذا الباب أكثر من الكلام مع حذف الخبر الذي هو الظرف والمجرور، وبابه الكثرة والافتخار، وتقديره مع النكرة مقدم لأجل الابتداء بالنكرة.
وقال الأستاذ أبو علي: "لا يجوز أن يقول القائل هذا مبتدئًا، وإنما يقوله حين يسأل، فيقال: هل لك أو هل عندك مال أو ولد؟ فيقول: إن مالًا وإن ولدًا، ويضمر (لنا) لأنه قد دل عليه ما تقدم" انتهى.

وقول الشاعر: وما كنت ضفاطًا، ولكن طالبًا أناخ قليلا فوق ظهر سبيل أراد: ولكن طالبًا منيخًا أنا.
وقول الآخر: ولو أن من حتفه ناجيًا لكان هو الصدع الأعصما أي: لو أن على الأرض أو في الدنيا.
وقول الآخر: إن محلًا، وإن مرتحلًا وإن في السفر إذ مضوا مهلا ذهب س في هذا البيت إلى أن المعنى: إن لنا محلًا في الدنيا ما كنا أحياء، ومرتحلًا إذا متنا.
وقال أبو عمرو الشيباني: إن في الدنيا محلًا ومرتحلًا، أي: نعيمًا وبؤسًا.
وقال: سوى أن حيًا من قريش تفضلوا على الناس، أو أن الأكارم نهشلا أي: تفضلوا.
وحكاية س عن العرب "إن زيدًا وإنَّ عمرًا".

وزعم أحمد بن يحيي في هذه الحكاية أن (إن) بمعنى: نعم.
وقال أبو جعفر الصفار: "إذا كانت إن بمعنى نعم لم تعمل".
يريد بذلك الرد على ما تأوله أحمد بن يحيي.
ويمكن تأويل أحمد بن يحيي في حكاية س، ولا تكون (إن) بمعنى نعم عاملة، والنصب في "إن زيدًا وإن عمرًا" على إضمار فعل، لأنه لما قيل له: هل لكم أحد؟ إن الناس عليكم، كان معناه: هل تجدون أحدًا ينصركم؟ فأجابه بأن قال: نعم زيدًا، نعم عمرًا، أي: نجد زيدًا، نجد عمرًا.
ونظير هذا قول بعض العرب: أما بمكان كذا وكذا وجذ؟ فقال المسئول: بلى وجاذًا، أي: نعرف به وجاذًا؛ لأن قوله "أما بمكان كذا وكذا وجذ" معناه: أتعرف بمكان كذا وكذا وجذًا؟ فقال: بلى وجاذًا، أي: نعرف.
فرع: "إن رجلًا وزيدًا" لا يجيزه الكوفيون لأنه قد اختلط بالنكرة المعرفة، ولا يجيزون حذف الخبر إلا مع النكرة.
ويجوز ذلك على مذهب البصريين.
فلو أبدلت فقلت: "إن رجلًا أخاك" على حذف الخبر لم يجزه الفراء لأن الاعتماد هو على البدل، وخبر المعرفة لا يضمر عنده.
وأجاز هذا هشام على الترجمة.
والجواز مذهب البصريين.
مسألة: "إن غيرها إبلًا وشاءً): قال س: "غيرها: اسم إن، وإبلًا وشاءً/ تمييز، والخبر محذوف، أي: إن لنا غيرها إبلًا وشاءً".
ولا يجوز أن يكون (إبلًا وشاءً) اسم إن، و (غيرها) حال، والخبر محذوف تقديره: إن لنا إبلًا وشاءً في حال أنها غير هذه؛ لأنه لا عامل إلا (لنا)،

والمعاني لا تعمل مضمرة بإجماع إلا المبرد، فإنه أجاز ذلك في: .................................. وإذ ما مثلهم بشر ولا يجوز أن يكون (غيرها) اسم (إن)، و (إبلًا وشاءً) بدل، والتقدير: إن لنا غيرها إن إبلًا، أي: إن لنا إبلًا؛ لأنه متى اجتمع تابع ومتبوع فالباب أن يقدم الجامد منهما، وقد نص على ذلك س في قوله" فيها قائمًا رجل" حين عدل إلى النصب، ولم يجعل رجلًا بدلًا من قائم، فلهذا عدل هنا إلى النصب على التمييز.
مسألة: قول الشاعر: صوبنه، ولا تميلن، واحذر إنه اليوم إنما هو نار زعم بعض أصحابنا أن (إن) عاملة في الظرف، قال: "ولا يجوز أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة ما بعده عليه، فيكون التقدير: إنه نار اليوم؛ لأن س منع: أنت ظالم فإن فعلت، ويحذف الجواب لدلالة (أنت ظالم) عليه؛ لأن الفاء تقطع، وكذلك (إن) أيضًا مستأنفة بمنزلة الفاء، فلا يجوز ذلك مع ما فيه من إعمال المعنى مضمرًا؛ لأنه لا يعمل (نار) إلا بما فيه من معنى الفعل، فلذلك لم يجد بدًا من إعمال (إن) فيه، كأنه قال: أؤكد هذا في اليوم" انتهى.
وما ذكره لا يجوز لأن (إن) حرف كـ (ما) النافية وهمزة الاستفهام، ويأتي الكلام في ذلك في (باب الحال) حيث ذكر عمل الحرف في

الحال.
ويتخرج هذا البيت على أن (اليوم) منصوب بإضمار (أعني)، وتكون الجملة اعتراضية، وخبر (إن) الجملة بعده، وهو: إنما هو نار، كما خرجوا: فلا تلحني فيها، فإن بحبها........................... وأما تمثيله إياه بمسألة "أنت ظالم فإن فعلت" فتمثيل فاسد، لم يتقدم في البيت شرط، ولا حذف جواب شرط، بل تركيب البيت مثل قولك: احذر زيدًا إنه شرير، وأكرم زيدًا إنه عالم، فإنما فيه من جهة المعنى تعليل.
وقوله وقد يسد مسده واو المصاحبة مثاله ما حكاه س من قول العرب: "إنك ما وخيرًا"، يريد: إنك مع خير، وما: زائدة، وقول الشاعر: فدع عنك ليلى، إن ليلى وشأنها وإن ودعتك الوعد لا يتيسر وأنشد س: فمن يك سائًلا عني فإني وجروة لا ترود، ولا تعار على معنى: مع، أي: مع جروة، أي: فمن يسأل عني فإني ملازم لجروة، يعني فرسة، ولا يريد أنه وجروة يفعلان شيئًا، ثم استأنف، فقال: هي لا ترود ولا تعار.
وزعم الفارسي أن هذا من قبيل قوله:

/إن شرخ الشباب والشعر الـ ـأسود ما لم يعاص كان جنونا لما كان الشيئان متلازمين لا يفترقان أخبر عنهما إخبار الواحد، قال: "وكذلك عنترة لما كان لا ينفك عن فرسه وأنهما كالشيء الواحد أخبر عن أحدهما، فكان ذلك إخبارًا عنهما، فقوله (لا ترود ولا تعار) خبر عن جروة، وهو خبر عنهما في المعنى لأنهما كالشيء الواحد".
قال بعض أصحابنا: "وهذا حسن جدًا" انتهى.
وليس بحسن لأن ذلك لا يجوز إلا حيث تصلح نسبة الخبر لكل واحد من المخبر عنهما، ولو قال: فإن عنترة لا يعار لكان خلفًا من الكلام؛ لأنه لم تجر العادة بإعارة عنترة ونحوه، بخلاف جروة فرسه، فإن الخيل مما جرت العادة بإعارتها، فمهوم س في البيت هو الصحيح.
وحكي الكسائي: "إن كل ثوب لوثمنه" بإدخال اللام على الواو لسدها مسد (مع).
وقوله والحال قال المصنف: "قد يحذف أيضًا وجوبًا لسد الحال مسده، كما كان ذلك في الابتداء، فيقال: إن ضربي زيدًا قائمًا، وإن أكثر شربي السويق ملتوتًا.
ومثله قول الشاعر: إن اختيارك ما تبغيه ذا ثقة بالله مستظهرًا بالحزم والجلد" وقوله والتزم الحذف في (ليت شعري) مردفًا باستفهام قال المصنف في الشرح: "لأنه بمعنى: ليتني أشعر، ولا بد بعده من استفهام يسد مسد المحذوف متصلًا بشعري أو منفصلًا باعتراض، فالمتصل كقوله:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادْ، وحولي إذخر وجليل والمنفصل باعتراض قول أبي طالب: ليت شعري -مسافر بن أبي عمـ رو، وليت يقولها المحزون- أي شيء دهاك أم غال مر آك، وهل أقدمت عليك المنون" انتهى.
و (شعري) هنا مصدر حذفت منه التاء، قالوا: شعرة ودرية بالتاء، وهي هنا معلقة، والجملة الاستفهامية بعدها في موضع نصب بالمصدر، والخبر ملتزم الحذف، والتقدير: ليت شعري بكذا ثابت أو موجود أو واقع.
قال أبو علي الفارسي: "لو لم يكن المصدر مما يجوز أن يلغى فعله لم يجز أن تكون الجملة الاستفهامية في موضع نصب به" انتهى.
ويعني بالإلغاء هنا التعليق، وسماه إلغاء لأنه فيه ترك العمل، ولا يمكن أن يريد الإلغاء المصطلح عليه الذي يراد به ترك العمل لغير موجب؛ لأن الفعل الملغي بهذا المصطلح لا يعمل لا في اللفظ ولا في التقدير، بخلاف/ الإلغاء الذي أريد به التعليق؛ ألا ترى في قوله "الجملة الاستفهامية في موضع نصب".

وحكى أبو علي عن الزجاج قولًا آخر في هذه المسألة، وهو أن خبر (ليت) في هذا النحو في المبتدأ والخبر، فموضع الجملة الاستفهامية رفع لأنها خبر (ليت)، كأنه قال: ليت علمي واقع بكيفية حادث وصلها، ثم حذف، وأضاف اتساعًا.
انتهى.
ويعني في قول الشاعر: ألا ليت شعري كيف حادث وصلها وكيف تراعى وصلة المتغيب وما ذهب إليه الزجاج هو مذهب المبرد.
ولا يصح هذا المذهب لأنه يؤدي إلى وقوع الجملة غير الخبرية خبرًا لـ (ليت)، ولا يجوز ذلك لا في (ليت) ولا في أخواتها.
وأيضًا فإن الجملة الواقعة خبرًا، وليست المبتدأ في المعنى، لابد فيها من رابط يربط المبتدأ بالخبر، ولا رابط، فلا يجوز أن تكون خبرًا.
قال ابن يسعون: و (شعري) على هذا ملغي إذ هو أضعف حكمًا في مراعاة عمله من الفعل الذي يلغى، وقد فصل بين (شعري) والاستفهام بمصدر، قال الشاعر: ليت شعري ضلة أي شيء قتلك وبالظرف، قال الشاعر: يا ليت شعري عن نفسي أزاهقة نفسي، ولم أقض ما فيها من الحاج

وفي (الإفصاح): "شعري: معرفتي، والأصل: شعرت به، ولا يتعدى إلا بالباء، بخلاف (دريت)، فإنها تتعدى بنفسها وبالباء، ولا يستعمل (شعرة) إلا بالتاء، إلا مع (ليت)، فإنه يلزم معها حذف التاء.
ونظير ذلك قولهم: أبو عذرها، والأصل: أبو عذرتها، ولا ينطق بها إلا بالتاء، إلا مع الأب فإنه بغير تاء.
والجملة الاستفهامية بعد (ِشعري) في موضع الخبر، كذا قال س. وتحقيقه أن (شعري) بمعنى: معلومي، فالجملة نفس المبتدأ في المعنى، فلا تحتاج إلى ضمير.
ومن الناس من جعل الجملة معمولة لـ (شعري)، وأضمر الخبر، أي: موجود وثابت.
وقيل: الجملة معمولة لـ (شعري)، وسدت مسد الخبر.
وتقول العرب: ليت شعري بزيد قائم، وليت شعري عن زيد أقائم، قامت (عن) مقام الباء لما في الشعور بالشيء من الكشف عنه، وليت شعري زيدًا أقام.
قال الكسائي: العرب تقول: ليت شعري زيدًا ما صنع، وأنشد: ليت شعري -مسافر بن أبي عمـ ـرو.
البيت.
انتهى.
ومن نصب فعلى إسقاط حرف الجر، والاسم مجرورًا أو منصوبًا معمول لـ (شعري)، وما بعده خبر (ليت)، أو جملة في موضع البدل من المنصوب أو المجرور على القول بان (شعري) يعمل في الجملة، وأن الجملة تكون بدلًا من المفرد إذا جاز أن يتسلط عليها العامل الذي

يعمل في المفرد، كما قيل ذلك في: عرفت زيدًا أبو من هو، وهو قول أبي العباس"/ انتهى ملخصًا.
وقوله وقد يخبر هنا -بشرط الإفادة- عن نكرة بنكرة أو بمعرفة مثال الأول قول امرئ القيس في رواية س: وإن شفاء عبرة مهراقة فهل عند رسم دارس من معول وحكي س: إن ألفًا في دراهمك بيض، وإن بالطريق أسدًا رابض.
ومثال الإخبار عن نكرة بمعرفة قوله: كأن درية لما التقينا بنصل السيف مجتمع الصداع وقال آخر: كأن طيرًا سودها وحمرها وقوله: وما كنت ضفاطًا، ولكن طالبًا أناخ قليلًا فوق ظهر سبيل قال س: "أراد: ولكن طالبًا أنا".
وقال الشاعر:

وإن عناء أن تفهم جاهلًا.................................... وقال آخر: وإن حرامًا أن أسب مجاشعًا بآبائي الشم الكرام الخضارم وحكي س: إن قريبًا منك زيد، وإن بعيدًا منك زيد.
وقال الجرمي في (الفرخ): يبتدأ بالنكرة ويخبر عنها في هذا الباب.
وجاز لهم أن يجعلوا اسم (إن) نكرة والخبر معرفة لأنهم لا يقدمون خبر (إن) كما يتوسعون في (كان)، وأعطوا (إن) ما منعوا (كان)، وقدموا خبر (كان)، ومنعوا أن يكون اسمها نكرة وخبرها معرفة، فأعطوا كل واحد منهما ما منع صاحبه.
وأجازوا في قوله: فليت كفافًا كان خيرك كله................................... أن يكون (كفافًا) اسم (ليت).
وقد منع هذا الوجه أبو علي في (التذكرة)، وقال: "يقبح الابتداء بالنكرة، ولأنه ليس في الجملة بعده ذكر يعود عليه، ولا هو هي".
قال ابن هشام: "وهذه غفلة من حبر، والتقدير: كأنه خيرك، ونظيره

أحد قولي س في: إن أفضلهم كان زيد، أي: كأنه زيد، وإضمار خبر (كان) لا يحصى، وحذفه كحذف سائر الضمائر إذا كان في حكم الموجود، ونصب هذه الحروف للنكرات لا ينحصر، ويخبر المعرفة، وهذا غريب لا يجوز في الابتداء ولا في (كان)، وقدر س: ولكن طالبًا منيخًا أنا.
وإنما جاز هذا عندي بأن تكون المعرفة خبرًا عن النكرة أن الأول لما كان الثاني كان المعنى واحدًا، وكان الاسم بها منصوبًا، فصار كأنه غير مسند إليه وفضلة، فجاز تنكيره، وكان الخبر معرفة لأنه لما كان مرفوعًا صار كأنه مسند إليه لا مسند، وكأن هذا من تتميم شبهه بالفاعل" انتهى كلام ابن هشام.
وهذه المسألة تكررت للمصنف هنا، فإنه ذكر في (باب كان) ما نصه/: "وقد يخبر هنا وفي باب إن بمعرفة عن نكرة اختيارًا".
قال السهيلي: "هذا يجوز في (إن) إذا قدمن خبرها أن يرجع اسمًا لها، بخلاف (كان)، فإنك إذا قلت (كان حليم زيدًا) لم يجز لأن النكرة لا يخبر عنها، وذلك أن (كان) فعل يجوز الإخبار به، و (إن) ليست كذلك.
وأيضًا فإن اسمها يعود منصوبًا مؤخرًا، وليس هذا حكم المخبر عنه، وأما (إن) فاسمها إذا قلت (إن قائمًا زيد) لم يخرج عن حكم الأسماء المحدث عنها لأنه عاد مرفوعًا، وهو الأصل فيه، فكان القلب في (إن) وأخواتها أحسن منه في كان" انتهى.

ولو قلت "إن قائمًا ويقعد أخواك" لم يجز عند الكوفيين لأن (قائمًا) لا يقع موقع (يقوم).
وقال ابن كيسان: "وهذا عندي جائز لأن (إن) إنما لا تقع على الفعل لشبهها به وأن الفعل لا يعمل في الفعل، فإذا فرق بينهما جاز أن يرد الثاني إلى الفعل.
وأيضًا فقد يقع في المعطوف ما لا يكون في المعطوف عليه، وليس يلزم أيضًا هذا -يعني جعله ملاصقًا لقوله (إن قائمًا) - إذا قدرت أن ذلك من وصف واحد؛ ألا ترى أنك لو قلت (إن ذاهبًا وجائيًا أخوك) لم يجز لك أن تقول: إن ذاهبًا أخوك وجائيًا؛ لأنك إنما تريد: إن رجلًا ذاهبًا وجائيًا -أي جامعًا هذين- أخوك، فالثاني من تمام الأول، فإن أردت أن يكونا من صفة اثنين جاز التأخير، كما تقول: إن زيدًا أخوك وعمرًا، تريد: وإن عمرًا أخوك، ولا يجوز (إن قائمًا أخوك ويقعد) لأن (يقعد) لا ينفصل من (قائم) لأنه لا يقوم مقام ما وصفه" انتهى كلام ابن كيسان.
والذي تقتضيه قواعد البصريين أنه لا يجوز: إن قائمًا ويقعد أخواك، كما ذهب إليه الكوفيون.
ولو قلت: إن قائمين أخواك فيها، وإن فيها قائمين أخواك قيامًا حسنًا، لم يجز عند الكوفيين لأن (قائمين) عندهم اسم لا ينصرف إلى فعل ويفعل، فلا يفرق بينه وبين صلته.
وكذلك لا يجيزون: إن آكلًا زيد طعامك.
قال الفراء: لا يخلو (آكل) من أن يكون اسمًا أو خلفًا، ولا يفرق بينه وبين صلته.
قال أبو جعفر الصفار: وذا كله جائز عند البصريين، إلا أن تجعل (آكلًا) نعتًا أو يكون بمنزلة (رجل)، فلا يعمل شيئًا بحال من الأحوال.

وقوله ولا يجوز نحو (إن قائمًا الزيدان) خلافًا للأخفش والفراء جواز هذا متفرع من جواز (قائم الزيدان) دون استفهام ولا نفي، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك في "باب المبتدأ" وترجيح المصنف جوازه وترجيحنا نحن منعه.
وفي (البسيط): "وتقول: إن قائمًا زيد، ترفع زيدًا بقائم، وهو ساد مسد الخبر، كما كان في قولك: أقائم زيد؟ وفي التثنية: إن قائمًا الزيدان، وهو قول البصريين، وأما الكوفيون فلا يجيزون إلا أن تقول: إن قائمين الزيدان، ولا يجوز إفراد اسم الفاعل لأن/ المفرد في قوة الفعل، و (إن) لا تلي الفعل" انتهى.
وفي موضع آخر نقل بالعكس.
وقوله ولا نحو ظننت قائمًا الزيدان، خلافًا للكوفيين قال المصنف: "يلزم من أجاز (إن خبيرًا بنو لهب) من البصريين أن يجيز دخول (ظننت)، كما فعل الكوفيون، فيقول: ظننت خبيرًا بنو لهب.
والصحيح أن يقال: إعمال الصفة عمل الفعل فرع إعمال الفعل، فلا يستباح إلا في موضع يقع فيه الفعل، فلا يلزم من تجويز (قائم الزيدان) جواز: إن قائمًا الزيدان، ولا: ظننت قائمًا الزيدان؛ لصحة وقوع الفعل موقع المتجرد من (إن) و (ظننت) وامتناع وقوعه بعدهما.
واستدل الكوفيون على (ظننت قائمًا الزيدان) بقول الشاعر:

أظنَّ ابن طرثوث عتيبة ذاهبًا بعاديتي تكذابه وجعائله ولا حجة فيه لاحتمال أن يريد قائله: أظن ابن طرثوث عتيبة شخصه ذاهبًا، فحذف المفعول الأول للعلم به، كقوله تعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾، الأثل: بخلهم هو خيرًا لهم، فحذف المفعول الأول، وترك الثاني" انتهى.
وذكره مسألة (ظننت) هنا من باب الاستطراد.
وفي (الإفصاح): يجوز على مذهب أبي الحسن والكوفيين في (كان) و (إن) إذا أعملتهما أن يرفع اسم الفاعل، ويسد مسد الخبر، يعتمد اسم الفاعل عندهما على (كان) و (إن)، فيقولون: إن ضاربًا عمرو وزيد، وكان ضارب عمرو وزيد.
ويجوز عندهم أن يضمر الأمر ويرفع لأنه في موضع الخبر، فاعتمد، كما تقول: زيد ضارب أبوه عمرًا، وجعلوا المفرد هنا يفسر الضمير لأنه بمنزلة الجملة الفعلية، وكذلك يقولون: ظننته ضارب زيد عمرًا.
ويجيزون النصب بعد (ظننته) لأنه مفعول ثان، وسد مسد الجملة المفسرة.
وهذا كله باطل، ولم يسمع منه شيء.

-[ص: فصل يستدام كسر (إن) ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر، فإن لزم التأويل لزم الفتح، وإلا فوجهان.
فلامتناع التأويل كسرت: مبتدأة، وموصولًا بها، وجواب قسم، ومحكية بقول، وواقعة موقع الحال موقع خبر اسم عين، أو قبل لام معلقة.
وللزوم التأويل فتحت بعد (لو) و (لولا) و (ما) التوقيتية، وفي موضع مجرور، أو مرفوع فعل أو منصوبه غير خبر.]-

ش: قال المصنف في الشرح: " (إن) بالكسر أصل لأن الكلام معها جملة غير مؤولة بمفرد، و (أن) الفتح فيها فرع لأن الكلام معها مؤول بمفرد، وكون المنطوق به جملة من كل وجه أو مفردًا من كل وجه أصل لكونه جملة من وجه ومفردًا من وجه.
ولأن المكسورة مستغنية بمعموليها عن/ زيادة، والمفتوحة لا تستغني عن زيادة، والمجرد من الزيادة أصل للمزيد، ولأن المفتوحة تصير مكسورة بحذف ما تتعلق به، كقولك في عرفت أنك بر: إنك بر، ولا تصير المكسورة مفتوحة إلا بزيادة، كقولك في إنك بر: عرفت أنك بر، والمرجوع إليه بحذف أصل للمتوصل إليه بزيادة، ولكون المكسورة أصلًا قلت: يستدام كسر إن" انتهى.

وقال غيره: الأصل المكسورة لأنها تفيد معنى واحدًا، وهو التأكيد، والمفتوحة تفيده، وتعلق ما بعدها بما قبلها، ولأنها أشبه بالفعل إذ كانت عاملة غير معمولة كما هو أصل الفعل، والمفتوحة عاملة ومعمول فيها كالمركب، والمكسورة كالمفرد، والمفرد أصل للمركب، ولأنها مستقلة، والمفتوحة كبعض اسم إذ كانت وما عملت فيه بتقديره.
وقال قوم: المفتوحة أصل للمكسورة.
وقال آخرون: كل واحدة أصل بنفسها.
والصحيح الأول.
وفي (البسيط): قيل: إن المفتوحة مغيرة من المكسورة، فتفتح دليلًا على اتصال العامل بما دخلت عليه، وهو قول الفراء.
وتميم وقيس يبدلون من همزتها عينًا، فيقولون: أشهد عن محمدًا رسول الله.
وقوله ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر لما كانت (إن) و (أن) متقاربتين في اللفظ ومتفقتين في بعض الأحكام -ألا ترى دخولهما على المبتدأ والخبر واتفاقهما في معنى التأكيد- احتيج إلى قانون تميز به أماكن المكسورة من المفتوحة، فذكر أنها متى أولت هي ومعمولاها بمصدر لم تكسر.
وما ذهب إليه المصنف من أنها إذا فتحت أولت بمصدر هو قول الأكثر من النحويين.
وإذا كان خبرها فعلًا أو اسمًا ملاقيًا للفعل في الاشتقاق من المصدر تقدرت بمصدر من لفظ الفعل أو ذلك الاسم، نحو: بلغني أنك تنطلق، أو أنك منطلق، فتقدر: بلغني الانطلاق.

فإن كان الخبر ظرفًا أو مجرورًا يقدر المصدر من لفظ الاستقرار العامل في الظرف أو المجرور، نحو: لغني أنك عند زيد، أو في الدار، يقدر: بلغني استقرارك في الدار، أو استقرارك عند زيد.
وإن كان اسمًا جامدًا، نحو: بلغني أن هذا زيد، فالتقدير: بلغني كون هذا زيد.
وإنما ساغ ذلك لأن كل خبر جامد تصح نسبته إلى المخبر عنه بلفظ الكون، فتقول: هذا زيد، وإن شئت: هذا كائن زيدًا، فيكون معناه كمعنى قولك: هذا زيد.
وقال السهيلي: "قول كثير من النحاة (أن وما بعدها في تأويل مصدر) وتقديرهم: بلغني أنك منطلق، أي: انطلاقك، ليس كما زعموا إنما هي في تأويل الحديث، كذلك قال س، وإنما التي في تأويل المصدر (أن) الخفيفة الناصبة للفعل؛ لأنها أبدًا مع الفعل هي/ تدل على مصدره، وأما (أن) المشددة فقد يكون خبرها اسمًا محضًا، نحو: علمت أن الليث الأسد، فهذا لا يشعر بالمصدر لأنه لا فعل له" انتهى كلام السهيلي.
وتلخص منه أن (أن) وما بعدها لا تتقدر بالمصدر، خلافًا لأكثر النحويين.
وقوله فإن لزم التأويل لزم الفتح، وإلا فوجهان يعني: إن لزم أن تؤول بالمصدر لزم فتح (أن).
وقال أبو علي الفارسي في ضبط المكسورة والمفتوحة: كل موضع يتعاقب عليه الاسم والفعل فـ (إن) فيه مكسورة، وكل موضع ينفرد بأحدهما فـ (أن) فيه مفتوحة.
فالأول نحو: إن زيدًا قائم، يجوزُ: زيدٌ

قائم، ويقوم زيد.
والثاني نحو: بلغني أن زيدًا قائم.
والثالث نحو: لو أن زيدًا قائم.
قالوا: وهذا القانون ليس بصحيح لأنه ينكسر بـ (إذا) التي للمفاجأة، فإنه لا يليها إلا الاسم، وتكسر (إن) بعدها.
وقال س: كل موضع هو للجملة فـ (إن) فيه مكسورة، وكل موضع هو للمفرد فـ (أن) فيه مفتوحة.
قالوا: وهذا ينكسر بقولهم "لو أن زيدًا قائم" لوقوعها موقع الجملة الفعلية، ومع هـ 1 اهي مفتوحة، هذا على مذهب س على ما سيأتي بيانه.
ومن النحويين من ضبط ذلك بتعداد المواضع.
وقوله فلامتناع التأويل كسرت مبتدأة أخذ المصنف في تعداد أماكن المكسورة، فذكر أنها تكسر إذا كان مبدوءًا بها لفظًا ومعنى، نحو: إن زيد قائم، أو معنى لا لفظًا، نحو: ألا إن زيدًا قائم.
وفي قوله (مبتدأة) إبهام لأن المبتدأ في الاصطلاح معروف، ولا يراد هنا إذ يلزم على ذلك الكسر في نحو: عندي أنك فاضل، ولا يجوز ذلك، وإنما أرد بقوله (مبتدأة) أي: أول الكلام.

وليس ما ذكر من أنها تكسر في ابتداء الكلام مجمعًا عليه؛ إذ قد ذهب بعض النحويين إلى جواز الابتداء بـ (أن) المفتوحة أول الكلام كما سبق في (باب الابتداء)، فتقول: أن زيدًا قائم عندي.
وقوله وموصولًا بها مثاله ﴿وآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ﴾.
فإن جاء ما ظاهره أنه فتحت فيه (أن) بعد موصول، نحو قولهم: "لا أصحبك ما أن في السماء نجمًا"، فإن صلة (ما) محذوفة، و (أن) معمولة لذلك المحذوف، تقديره: ما ثبت أن في السماء نجمًا، كذا قاله المصنف في الشرح.
وقال أبو علي الفارسي: "إذا وقعت بعد الاسم الموصول، كقولك: أعطيته ما إن شره خير من جيد ما معك" انتهى.
وكذا يقول أصحابنا.
وعلى ما زعم س ليست (إن) صلة الاسم الموصول، بل (إن) عنده على إضمار قسم، والقسم وجوابه هو الصلة، و (إن) هو جواب القسم المحذوف.
ولا يجيز س بعد القسم في (إن) إلا كسر/ همزتها.
وقوله وجواب قسم هذه المسألة -وهي: والله إن زيدًا قائم- فيها أربعة مذاهب: أحدها: إجازة الكسر والفتح واختيار الفتح، وهو مذهب الكسائي

والبغداديين.
والثاني: إجازتهما واختيار الكسر.
والثالث: وجوب الفتح، وهو مذهب الفراء، وقال أبو جعفر الصفار: "قال الكسائي والطوال: تقول: والله أن زيدًا منطلق، بفتح أن".
والرابع: وجوب الكسر، وهو الذي صححه أصحابنا، وهو مذهب البصريين، وهو القياس÷ وبه ورد السماع، قال تعالى ﴿حم (1) والْكِتَابِ المُبِينِ (2) إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، ﴿الْحَمْدُ لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ (2) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا﴾.
قال أبو الحسن بن خروف: "ولم يسمع فتحها بعد اليمين، ولا وجه له في القياس" انتهى.
وقد سمع من لسان العرب "حلفت أن زيدًا قائم" بالفتح والكسر، فغلط سماع ذلك من أجاز الفتح والكسر في قولك: بالله إن زيدًا قائم؛ لأن التقدير: حلفت بالله إن زيدًا قائم، فكما يجوز الكسر والفتح مع

التصريح بالفعل فكذلك يجوز مع إضماره.
وبيان الغلط فيه أن من كسرها بعد (حلفت) لم يجعل (حلفت) إلا قسماً, و (إن) وما بعدها جواباً لها, ومن فتحها بعد (حلفت) جعل (حلفت) إخباراً عن قسم متقدم, ولم يجعلها قسماً وتكون (أن) وما بعدها في موضع معمول لها, ولا يتصور هذان التقدير إذا كانت (حلفت) مضمرة, لأن العرب لا تضمر (حلفت) وتريد بها غير القسم, بل إذا أضمرتها بل إذا أضمرتها كانت قسماً لا إخباراً عنه, فلذلك كسرت (إن) بعد (حلفت) المضمرة.
وقد خالف المصنف قوله هنا في أرجوزته حيث قال: بعد (إذا) فجاءه أو قسم... لا لام بعده بوجهين نمي فيعني بقوله (نمي) أن ذلك مروي, وليس كذلك بل السماع إنما ورد بالكسر.
وإلى جواز الفتح والكسر ذهب أبو القاسم السهلي من أصحابنا, كما ذهب إليه المصنف في الأرجوزة قال السهلي:" جواز فتحها وكسرها بعد القسم لأن القسم جملة تؤكد أخرى فإن كسرت (إن) فلأنها عليه, يعمل فيه أحلف وأقسم" انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع شيخنا:"إذا كانت جواباً للقسم في اللفظ كسرت, وهي في قولهم (حلفت أن زيداً منطلق) جواب في المعنى ومعمولة لفعل الحلف في اللفظ فلذلك تفتح".
وفي (البسيط): وأما القسم فذهب البصريون إلى أنه يكسر ليس إلا, وذهب غيرهم إلى الفتح وأصل هذا الخلاف أن جمليتي القسم والمقسم.

عليه هل إحداهما معمولة للأخرى فيكون المقسم عليه مفعولاً لفعل القسم أولا؟ فذهب بعضهم إلى أنه في موضع مفعول ففتح (أن) / بتقدير: أحلف على كذا.
ومنهم من جعل القسم تأكيداً للمقسم عليه لا عاملاً فيه فانتفي ألا يكون به تعلق فكسر ليس إلا, ومن جوز الأمرين أجاز الوجهين.
وقوله ومحكيه بقول نحو: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾.
ويأتي الكلام في فتحها بعد القول حيث تعرض لذلك المصنف في (باب ظننت) إن شاء الله.
وقوله وواقعة موقع الحال مثاله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ وقال: ما أعطياني ولا سألتهما... إلا وإني لحاجزي كرمي وقوله وموقع خبر اسم عين مثاله: زيد إنه منطلق.
وهذه مسألة خلاف ذهب البصريون إلى جواز ذلك, واستدلوا على صحة ذلك بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وبقول الشاعر: أراني- ور كفران بالله- إنما... أواخي من الأقوام كل بخيل وقول الآخر:

إن الخليفة إن الله سربله... سربل ملك به ترجى الخواتيم وقول الآخر: منا الأناة وبعض القوم يحسبنا... إنا بطاء وفي إبطائنا سرع وقال الفراء:" لا تقول في الكلام: إن أخاك إنه ذاهب".
قال:" وإنما جاز في الآية لأن المعنى كالجزاء أي: من كان مؤمناً أو على شيء من هذه الأديان فالله يفصل بينهم" انتهى.
وما استدل به البصريون ليس هو في عين المسألة لأن الحكم هو أنه تكسر إذا وقعت خبر اسم عين, والمستدل به هو أنها كسرت إذا وقعت خبراً لـ (إن) وإن كان الاستدلال بما ذكر يستلزم جواز ذلك لأن (إن) و (أراني) و (يحسبنا) نواسخ للابتداء, فيقال: كما جاز ذلك مع النواسخ يجوز غفي الابتداء, نحو: زيد إنه ذاهب, ويمكن أن يقال إنه تحدث مع النواسخ أحكام لا تكون مع الابتداء, فيمكن أن يكون هذا منها.
وقوله أو قبل لام معلقة مثاله قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ وقول الشاعر: ألم تر إني وابن أسود ليلة... لنسري إلى ناريين يعلو سناهما فلولا اللام لفتحت.
وقد انتهت المواضع التي يجب فيها الكسر, وهي سبعة.

ونقصه موضع آخر وهو أنه يجب كسرها بعد (حيث) نحو: اجلس حيث إن زيداً جالس.
وقد أولع عوام الفقهاء في قراءاتهم بفتحها يقولون: من حيث أنه, بالفتح.
وقوله وللزوم التأويل فتحت/ بعد (لو) أي: وللزوم تأويلها بالمصدر.
ومثال ذلك بعد (لو) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾.وقال الشاعر: فلو أن قومي أنطقتني رماحهم... نطقت ولكن الرماح أجرت والتقدير: ولو صبرهم, ولو إنطاق لرماح قومي إياي, فموضع (أن) وما دخلت عيه رفع.
واختلفوا على ماذا ارتفع: فذهب الكوفيون وبعض البصريين, منهم المبرد والزجاج وتبعهما الزمخشري وجماعة إلى أنه مبني على فعل محذوف.
قال ابن هشام: وقول الكوفيين عديم النظير لأن الفعل لم يحذف بعد (لو) قط إلا أن يكون مفسراً, نحو قوله تعالى: ﴿لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ وقولهم في المثل:" لو ذات سوار لطمتني".

قال:" وزعم البصريون أن الخبر لـ ـ (أن) بعد (لو) لم يجيء إلا فعلاً أو اسم فاعل ليكون بمعنى الجملة الاسمية, ولا يجوز: لو أن زيداً أخوك لأكرمتك" انتهى.
وليس مذهب البصريين بصحيح أن كان يصح نقله عنهم.
فذهب البصريون إلى أنه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف, وهكذا ذكر الأستاذ أبو علي أنه مذهب البصريين.
وقال ابن هشام: مذهب س أن (أن) مع معموليها مبتدأه, والخبر محذوف, لا يجوز إظهاره, كحذفه بعد (لولا), وهو قول أكثر البصريين, وذهب بعضهم أنه مرفوع بالابتداء ولا خبر له لطوله وجريان المسند والمسند إليه في الذكر.
قال ابن عصفور: وهذا الذي أحفظه عن البصريين.
انتهى.
وقد جوز المبرد هذا الوجه والوجه الأول حكي عنه ابن السراج في كتاب (الأصول) أنه قال: إن (أن) المفتوحة بعد (لو) مع صلتها بتقدير مصدر, ووقوعها بعدها على ضربين: أحدهما: أن المصدر يدل على فعله, فيجزي منه.
قال: فإن قال قائل: إذا قلت" لو أنك أجبتني لأكرمتك" فلم لا تقول: لو إجابتك لأكرمتك؟ قيل: لأن الفعل قد لفظت به في صلى (أن) والمصدر ليس كذلك, ألا ترى أنك تقول: ظننت أنك منطلق فتعديه إلى (أن) وهي وصلتها اسم واحد لأنها قد صار لها اسم وخبر فدلت على المفعولين, وغيرها من الأسماء لابد معه من مفعول ثان.

قال: والوجه الآخر أن الأسماء تقع بعد (لو) على تقدير تقديم الفعل الذي بعدها, فـ (لو) على كل حال, وإن كان ذلك من أجل ما بعدها, ولذلك وليتها (أن) لأنها اسم, وامتنعت المكسورة لأنها حرف جر جاء لمعنى التوكيد, فمما وليها من الأسماء قول الله عز وجل: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ وكذلك: لو أنك جئتني, أي: لو وقع مجيئك.
والصحيح أن (أن) ومعموليها في موضع رفع بالابتداء وذلك أن في كل من المذهبين خروجاً لـ (لو) عما استقر فيها, لأن العرب لا تقول: لو زيد/ قائم لأكرمتك, ولا تقول: لو قيام زيد لأكرمتك, إنما تحذف الفعل بعدها, وتجعل ما بعده معمولاً له إذا كان ثم ما يفسره, وهو مع ذلك قليل, وأن يليها الفعل هو الكثير,فإذا جعلنا ذلك مبتدأ- ولا يحتاج إلى خبر لجريان المسند والمسند إليه في صلتها وإغناء ذلك عنه- كان أولى لأن هذا الوجه ليس فيه حذف, والوجه الآخر يحتاج إلى تكلف حذف.
وما ذكره المبرد من أن السبب في ذلك جريان ذكر الفعل في صلة (أن) ليس بشيء لأن (أن) الواقعة بعد (لو) قد لا يكون خبرها الفعل, نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ وما ذكره الأستاذ أبو علي أنه مذهب البصريين أنه يقدر بمبتدأ محذوف الخبر فهو مرجوح لأنه إذا أمكن أن يحمل الكلام على أن لا حذف كان أولى من جمله على حذف.
وقد ذكرنا أيضاً الكلام على (أنَّ)

بعد (لو) في كتاب (التكميل) في الفصل الثاني من (باب عوامل الجزم) وأمعنا الكلام في ذلك هناك, لكن فيما ذكرناه هنا مزيد فوائد.
وقوله و (لولا) مثاله قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ﴾, وقول الشاعر: لكم أمان ولولا أننا حرم... لم تلف أنفسكم من حتفها وزرا وقوله و (ما) التوقيتية مثاله قول العرب فيما حكاه ابن السكيت: لا أكلمك ما أن في السماء نجما, وفيما حكاه الليحاني: لا أفعل ما أن حراء مكانه, التقدير: ما ثبت أن ما في السماء نجماً وما ثبت أن حراء مكانه.
وقوله وفي موضع مجرور, أو مرفوع فعل أو منصوبة غير خبر مثال ذلك: عجبت من أنك منطلق, وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ و ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ وأنشد س: تظل الشمس كاسفة عليه... كآبة أنها فقدت عقلا ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا﴾, ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾, ﴿وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم﴾

واحترز بقوله"غير خبر" من نحو قوله: حسبت زيداً إنه قائم, فـ"إنه قائم" في موضع نصب, لكنه خبر في المعنى لأن (حسب) داخلة على المبتدأ والخبر.

-[ص: ولإمكان الحالين أجيز الوجهان بعد (أول قولي), و (إّا) المفاجأة وفاء الجواب.
وتفتح بعد (أما) بمعنى حقاً وبعد (حتى) غير الابتدائية وبعد (لا جرم) غالباً وقد تفتح عند الكوفيين بعد قسم ما لم توجد اللام.]-

ش: يعني بـ"إمكان الحالين" اعتبار التقدير بالمصدر واعتبار التقدير بالجملة, فباعتبار المصدر تفتح، وباعتبار الجملة تكسر.
وقوله أجيز الوجهان بعد (أول قولي) هذه مسألة ذكرها س, وهي قولهم: أول ما أقول/ إني أحمد الله, وأحالها المصنف إلى: أول قولي, فسبك من (ما) والفعل مصدراً وأضاف إليه (أول) وسيأتي احتمال (ما) أن تكون اسماً موصولاً وكما ذكرها س ذكرها أ [وعلي في (الإيضاح) ولم يسبك من (ما) والفعل مصدراً فمن فتح (أن) قدرها بالمصدر كأنه قال: أول ما أقول حمد الله فأول: مبتدأ و"أني أحمد الله" في موضع الخبر, و (ما) مصدرية كأنه قال: أول قولي حمد الله, وهذا إخبار بمعنى عن معنى لأن (قولا) مصدر, والمضاف إليه مصدر و (حمد) مصدر أخبر به عن مضاف لمصدر.
فإن قلت: أيجوز مع فتح "إني أحمد الله" أن تكون (ما) موصولة بمعنى (الذي) أو نكرة موصوفة بمعنى (شيء) والفعل بعدها صلة, أو

صفة, والعائد محذوف, وهو مفعول القول, ويكون التقدير: أول الألفاظ التي أقولها وأول ألفاظ أقولها حمد الله؟ قلت: منع ذلك بعضهم, قال: لأن" حمد الله" ليس من الألفاظ المقولة, فكيف يقع خبراً لما هو لفظ؟ والخبر إذا كان مفرداً فلا بد أن يكون المبتدأ, نحو: زيد أخوك, أو منزلا منزلته, نحو: زيد زهير, و"حمد الله" ليس أول الألفاظ ولا منزلاً منزلته.
وأجاز ابن خروف مع فتح (أني) أن تكون (ما) موصولة بمعنى (الذي) ونكرة موصوفة.
وهذا لا يتصور إلا أن يجعل "حمد الله" من قبيل الألفاظ فكأنه يقول: أول ألفاظي هذا اللفظ أي: حمد الله.
ومن كسر, فقال: أول ما أقول إني أحمد الله فأول: مبتدأ و (ما) موصولة بمعنى (الذي) أو نكرة موصوفة أو مصدرية أريد بها المفعول كما قالوا: درهم ضرب الأمير, أي: مضروبة وكذلك هذا, تقديره: أول قولي.
أي: مقولي.
ومعمول (أقول) إذا كانت (ما) بمعنى (الذي) أو موصوفة محذوف كما قدرناه إذا فتحت (أن) والخبر عن المبتدأ الذي هو (أول): إني أحمد الله كما تقول: أول ما أقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾, ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ خبر عن (أول) ولا تحتاج هذه الجملة إلى رابط لأنها نفس المبتدأ في المعنى.
هكذا فسر الناس كلام س في هذه المسألة, أغني أن "أول ما أقول" مبتدأ و"إني أحمد الله" خبر عنه فسره كذلك المبرد والزجاج والسيرافي وابن طاهر وأكثر مقرئي كتاب س بالأندلس.

ولأبي علي الفارسي فيه ارتباط وخبط, زعم أن" إني أحمد الله" معمول لـ (أقول) في قوله " أول ما أقول إني أحمد الله" فكسرت من أجل أنها معمولة للقول محكية به, فاحتاج من أجل ذلك إلى تقدير خبر للمبتدأ الذي هو (أول) فقدره (ثابت) فصار المعنى: أول قولي إني أحمد الله ثابت.
ورد الناس على أبي علي هذا التقدير وقالوا: يغير معنى الكلام, والكلام تام دون هذا التقدير.
وممن رد عليه في هذه المسألة أبو الوليد الوقشي وأبو الحسين بن الطراوة وأبو الحجاج بن معزوز, وقالوا:/ هذا التقدير غير معقول لأنه يؤدي إلى أن يكون أول قوله: إني أحمد الله, وهو مثلاً قوله: إني موجود ويفهم من دليل الخطاب أن آخره غير موجود وهذا بلا شك لا يمكن أن يقصده عاقل.
وزعم بعض أصحابنا أن "إني أحمد الله" معمول لـ (أقول) لكنه خبر للمبتدأ من حيث المعنى, وسد المفعول مسد الخبر لأنه في معنى ما لا يحتاج إلى خبر, والتقدير: أقول قبل كل شيء إني أحمد الله, ونظير ذلك: أقائم الزيدان, فقد سد الفاعل مسد الخبر وأغنى عنه, فكذلك هذا, سد فيه المفعول مسد الخبر, وأغنى عنه.
وانفصل هذا الزاعم بهذا الذي قرره عما اعترض الناس به على أبي علي, وقال: لم يرد أبو علي أن هناك ثابتاً أو موجوداً وإنما أراد أن

" أول ما أقول إني أحمد الله" كله بمنزلته لو كان ثم (ثابت) أو (موجود), قال: فذلك تمثيل منه وإن لم يتكلم به ليتحقق وجه الانفراد.
وهذا الذي ذهب إليه ليس بشيء, لأنه إنما سد في " أقائم الزيدان"لاجتماع المسند والمسند إليه في هذا الكلام, فالمعنى متفق وإن اختلفت جهتا التركيب وأما في تلك المسألة فإن قوله"إني أحمد الله" جعله مفعولاً لـ (أقول) فضلة في الكلام, فلم يجتمع فيه مسند ومسند إليه ولم تكن الفضلة لتنوب عما هو أحد جزأي الكلام الذي يتوقف عليه معقولية المحكومة عليه والمحكوم به, ثم إن هذا التأويل الذي تأوله على أبي علي لا ينزل عليه لفظ أبي علي لأنه صرح بأن "أول ما أقول" مبتدأ محذوف الخبر, وزعم أن تقدير ذلك الخبر المحذوف (ثابت) أو (موجو) ولو أراد ما ذهب إليه هذا المنفصل لقال: و"أول ما أقول إني أحمد الله" مفرد بمنزلته لو كان هناك (ثابت) أو (مستقر) ملفوظاً به.
وذهب الأستاذ أبو علي إلى أنه ليس"إني أحمد الله" معمولاً لـ (أقول) ولا كسرها لأجل كونها معمولة له, وإنما كسرها لأتنها بعد (أول) وهو قول من حيث أضيف إلى القول وقدر الخبر محذوفاً - أي ثابت- كما قدره الفارسي, قال: أترى أن معنى أول ما أقول إني أحمد الله ثابت أو موجود: قولي إني أحمد الله المتقدم على كل كلام ثابت أو موجود.
وهذا الذي ذهب إليه الأستاذ أبو علي خطأ لأن (إن) لا تكسر حكاية لفعل أو مصدر إلا وهي معمولة و (أول) لا يعمل وإن كان مصدراً في المعنى لأنه ليس بمصدر في اللفظ وإن كان في معناه, ألا ترى أن المصدر إنما عمل لانحلاله إلى (أن) والفعل أو (ما) والفعل, و (أول) ليست كذلك لأنه لم يستعمل من لفظها فعل.

وذهب ابن عصفور إلى أنه يتخرج كلام أبي غلي على أن تكون (ما) مع الفعل بتأويل المصدر, كأنك قلت: أول قولي إني أحمد الله, والمصدر قد يراد به/ المرة الواحدة, وقد يراد به أكثر كما أريد به في قوله تعالى ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾, والحمير ليس لها صوت واحد وإنما لها أصوات فإّا أريد بالمصدر في المسألة المرة الواحدة لزم الفساد المتقدم فلم يبق إلا أن يراد التكثير وكأنه قال: أول أقوالي إني أحمد الله ثابت قبل, أي: ليس هذا بأول حمد حمدت الله تعالى بل لك أزل أحمده فيما تقدم.
وحكي عن الملك عضد الدولة بن بويه- وهو أحد من أخذ عن أبي علي الفارسي - أنه أجاز أن تكون (ما) من قوله "أول ما أقول" مصدرية, و (أول) المضاف إليها مبتدأ وخبره محذوف والتقدير: أول ما أقول قولي إني أحمد الله و (إني) في صلى (قولي) المحذوف الذي هو خبر لـ (أول).
وارتضاه بعض شيوخنا, ورده بعضهم لأن فيه حذف الموصول وإبقاء ما هو من صلته, وهو معمولة وهذا بابه الشعر.
ويجوز ذلك في قول البغداديين وينبغي ألا يمتنع هنا لأن القول قد كثر إضماره في كلام العرب حتى صار يجري مضمراً مجراه مظهراً لكنه بعد ذلك فيه مجاز الإضمار وإذا جعلت "إني أحمد الله" في موضع الخبر فلا إضمار وكلام س في هذه المسألة واضح جداً.
وتلخص من هذا كله أن كسر (إن) في هذه المسألة إما لكونها خبراً

عن (أول) وهو مذهب الجمهور والمتفهم من كلام س, أو عن (قولي) المضمرة معمولة له, وهو منسوب إلى عضد الدولة.
أو لكونها معمولة لـ (أقول) والخبر محذوف وهو قول الفارسي.
أول لـ (أول ما أقول), والخبر محذوف وهو قول الأستاذ أبي علي.
أو لا يحتاج إلى الخبر لسد المعمول مسده, وهو قول بعض أصحابنا.
وتحقيق الكلام في هذه المسألة أن (القول) ينطلق على معنيين: أحدهما الحدث, وهو تأخيذ الصوت في أشخاص الكلام أو في بعض أشخاصه, والثاني أشخاص الكلام أنفسها ومثال ذلك: هذا ضربي, تشير إلى تأخيذ الحركات وهذا درهم ضرب الأمير, تريد: مضروبة.
فإذا أردت الحدث فتحت, وكان التقدير: أول تكلمي تحميد الله فوقعت موقع المفرد.
وإذا أردت المقول كسرت, وكان التقدير: أول كلامي إني أحمد الله وذلك أن (أول) هي أفعل التي للمفاضلة بدليل أن مؤنثها (الأولى) كالأفضل والفضلى, وأفعل التي يراد بها المفاضلة هي من جنس ما تضاف إليه, فهي كلام, وإذا كان كلاماً أخبرت عنه بما هو كلام, لأن الخبر هو المخبر عنه في المعنى وإذا كان كذلك لزم كسر (إن) لأنها إذا كسرت كانت مع معمولها كلاماً وإذا فتحت كانت بتقدير المفرد, والمفرد ليس بكلام.
وقوله وبعد (إذا) الفجائية مثاله قول الشاعر: وكنت أرى زيداً كما قيل سيداً... إذا إنه عبد القفا واللهازم روي بالكسر على عدم التأويل بالمصدر وبالفتح على تأويل (أن) ومعموليها بمصدر مرفوع بالابتداء.
قال المصنف في الرشح:" والخبر محذوف والأول أولى لأنه لا يحوج إلى تقدير محذوف" انتهى.

وقد تقدم لنا أن مذهب أصحابنا أن الخبر هو (إذا) الفجائية فلا يكون الخبر محذوفاً فلا أولوية بل يكون الوجهان متساويين في الجودة أعني الفتح والكسر في (إن).
وقوله وفاء الجواب عبر عنها المصنف في غير هذا بفاء الجزاء.
فإذا وقعت بعد فاء الجواب جاز فيها الفتح والكسر مقاله: من يقصدني فإني أكرمه, بالفتح والكسرة, قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ قرئ بالفتح وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ قرئ بالكسر, وقال تعالى: ﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قرئ بالفتح والكسر, فالفتح على تقديرها بمصدر وهو خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: من يحادد الله ورسوله فجزاؤه كينونة النار له, وكذلك: فجزاؤه الغفران.
الكسر على أنها جملة باقية على أصلها, وهو أحسن في القياس لأن الفتح يؤدي إلى تكلف الإضمار, والكسر لا إضمار معه.
قال المصنف:" ولذلك لم يجئ في القرآن فتح إلا مسبوق بـ (أن) المفتوحة, فإن لم تسبق (أن) المفتوحة فكسر (إن) بعد الفاء مجمع عليه من القراء السبعة نحو ﴿إِنَّهُ مَن يَاتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ و ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾, ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ انتهى.

وقال الزمخشري في قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ الآية ما نصه: " ويجوز أن يكون ﴿فَأَنّ﴾ معطوفاً على ﴿أَنَّهُ﴾ على أن جواب ﴿مَن﴾ محذوفة, وتقديره: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأن له نار جهنم".
وقال:" وقيل: معناه فله, و (أن) تكرير لـ ﴿أَنَّ﴾ في قوله: ﴿أَنَّهُ﴾ توكيداً.
وهذا الذي جوزه الزمخشري والذي نقله عن غيره لا يجوزان: أما الأول فلأنه قد تقرر في علم العربية أنه إذا حذف جواب الشرط لدلالة الكلام عليه لزم مضي فعل الشرط, نحو قولهم: أنت ظالم إن فعلت ولا يجوز أن يأتي مضارعاً إلا في ضرورة الشعر, وهنا في الآية قد جاء مضارعاً وهو قوله: ﴿يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ فلا يجوز إذا ذاك حذف الجواب, ويتعين أن يكون الجواب غير محذوف.
وأما الثاني فلا يجوز أن يكون ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾ تكريرا لـ ﴿أَنَّ﴾ على سبيل التوكيد لوجوه: الأول: أن الفاء تمنع من التوكيد لما فيها من التعقيب والتوكيد هو المؤكد فلا تعقيب بينهما/ ولا يمكن جعل الفاء زائدة لأنها لا تزاد إلا إن كان ذلك في شعر إن وجد.
الثاني: أن الحرف إذا كرر على سبيل التوكيد فلا يكرر إلا بما دخل عليه, ومتعلق ﴿أَنَّهُ﴾ غير متعلق ﴿فَأَنّ﴾ لأن تلك اسمها ضمير الشأن, وخبرها الجملة الشرطية وهذه اسمها ﴿نَارَ جَهَنَّمَ﴾ فلا يمكن أن تكون ﴿فَأَنّ﴾ توكيداً لـ ﴿أَنَّهُ﴾

الثالث: أنه إذا جعلت ﴿أَنَّ﴾ كررت توكيداً لم تكن داخلة في جواب الشرط, وهي بلا شك داخلة فيه إذ ينسبك منها مع معموليها مصدر, فإذا تنسبك منها مصدر هو داخل في جواب الشرط لم تكن توكيداً, فتناقضا لأنها من حيث هي تكرير على سبيل التوكيد لا تكون داخلة في جواب الشرط, ومن حيث هي مصدرية هي داخلة فيه إذ هي جزء الجواب.
وقوله وتفتح بعد (أما) بمعنى حقاً روي س "أما إنك ذاهب" بكسر (إن) على أن (ما) للاستفتاح كـ (ألا) وبفتحها بمعنى حقاً, كذا قال المصنف في الشرح: إن (أما) بمعنى حقا.
والذي شرح به أصحابنا كلام س هو أنك إذا كسرت فـ (أما) استفتاح كـ (ألا) أو فتحت الهمزة للاستفهام و (ما) بمنزلة حق, وذلك أن (ما) عامة, فتجعلها بمنزلة: شيء وذلك الشيء حق, فكأنك: أحقاً أنك ذاهب؟ وانتصابه على الظرف.
قال المصنف في الشرح:" وإذا وليت (أن) (حقا) فتحت لأنها حينئذ مؤولة هي وصلتها بمصدر مبتدأ و (حقا) مصدر واقع ظرفاً مخبراً به ومنه قول الشاعر:

جارٍ التحميل