واسم الفاعل المبني من النيف إن كان أخره ياء جاز فيه فتح الياء وإسكانها، فتقول: جاء حادي عشر، وثاني عشر.
وإن لم يكن في أخره ياء لم يجز فيه ألا البناء ع الفتح.
وهذا البناء لأجل التركيب لا لتضمن معنى حرف العطف.
وقد خالفت هذا النوع ما كان البناء فيه جائزا نحو بعلبك، أنه خرج عن نظائره من المضافات لكونه ليس مضافا إليه ما بعده ولا معمولا له، لأن حادي عشر مثلا لو كان مضافا لو قع على واحد من عشرة، لأن المعنى يكون: واحد العشرة، وهو لا يقع إلا علي واحد من أحد عشر، لأنه لو كان معمولا له لكان له فعل يجري عليه بل هو مأخوذ من أحد عشر، ضم أليه عشر كما ضم أحد أليه ضم تركيب فلما خالف غيره بني مع أنه كثير الشياع، ألا ترى أنه يقع علي كل واحد من أحد عشر كائنا ما كان، وكذلك باقيها، نحو: تاسع عشر.
وزعم ابن السيد أن أصله: حادي عشر أحد عشر، حذف عشر من الأول لدلالة الثاني عليه، وحذف أحد لدلاله حادي عليه، فبني الاسم لحول كل واحد منهما من صاحبه محل المحذوف.
وكان الموجب لبنائه عنده وقوعه بني.
وقوله أو مضافا ألي المركب المطابق له يعني أنه يضاف التاسع عشر ألي تسعه عشر، إلي حاديه عشرة احدي عشره، ولا يتغير اسم الفاعل المركب ولا ما أضيف إليه من العدد المركب بحسب العوامل لأنهما مبنيان لأجل التركيب.
وقوله وقد يعرب الأول مضافا الي الثاني مبنيا عند الاقتصار ع ثالث عشر ونحوه وقال المصنف ف الشرح: «وقد يقتصر ع صيفه فاعل وتاليه.
مضافا ومضافا مع إعراب وبناء علي تقدير تركيبه مع ما صيغ منه فاعل، فيقال: هذا ثالث عشر، ورأيت ثالث عشر، ومررت بثالث عشر،
فحذف الصدر، ونوى بقاؤه، فاستصحب بناء العجز، وهذا شبيه بقول من قال: لا حول وقوة إلا بالله، بالتركيب والبناء، ثم حذف لا ونوى بقاءها، فاستصحب البناء» انتهي.
وهذا الذي ذكره المصنف من جواز هذا الوجه حكاه ألكسائي، وحكي من كلامهم: السواء ثالث عشر، بإعراب ثالث وبناء عشر، ووجه ما ذكر المصنف من انه جعل الثلاثة المحذوفة من قوله ثلاثة عشر مراده، فبني عشر من اجل ذلك، وحذف عشر من الأول، وهو لا يريده فأعرب ثالثا لذلك.
وأصحابنا قالوا: هذا من الشذوذ والقلة بحيث عليه.
وتلخيص في اسم الفاعل في هذه المسألة متفقا عليها ومختلفا فيها وجوه خمسه:
أحدهما: حادي عشر أحد عشر، تبنيهما، وتضيف المبني الأول إلي الثاني وهذا هو الأصل، وهو أقلها استعمالا، وأنكره بعض النحويين.
الثاني: حادي أحد عشر، بإعراب الأول وحذف عشر وبناء أحد عشر وهو أكثر استعمالا/من الأول.
الثالث: حذف العقد والنيف وبناء ما بقي مرادا ما حذف منهما.
الرابع حذفهما وإعراب ما بقي.
الخامس: إعراب اسم الفاعل مع حذف عقده، وبناء عشر ع حذف نيفه.
وتقول ف المؤنث: ثالثه عشرة، ثلاث عشره، وثالثه عشره فيمن بناهما.
قال صاحب البديع: «هذا مذهب س، يجمع بين تأنيثين.
قال السيرافي ف شرحه: (ولا أعلم خلافا في جواز: حاديه عشر)، يعني بحذف التاء من الثاني، وقال الزمخشري): الأول والثاني والثالث، والأولى والثانية والثالثة إلي العاشر والعاشرة، والحادي عشر والثاني عشر بفتح الياء وسكونها والحادية عشره والثانية عشرة إلي التاسع عشر والتاسعة عشرة، تبنى الاسمين ع الفتح كما تبنيهما ف أحد عشر)
ومعنى ثالث ثلاثة عشر: واحد من ثلاثة عشر، إلا أن بين المعنيين فرقا، وهو أنك مع لفظ الواحد لا يعلم هل هو الذي انتهى به العدد أم غيره، وأما مع ثالث ثلاثة عشر وثالث عشر وثالث ثلاثة فيعلم أنه الذي انتهى أليه العدد» انتهى كلام صاحب البديع.
وقوله مجعولا حاديا يعني أن اسم الفاعل هـ حاد مكان واحد، فتقول: حادي عشر، وحاديه عشرة.
وحكي الكسائي أنه سمع من الأزد أو بعض عبد القيس: واحد عشر.
وهذا هو القياس إذ فعله وحد يحد
وحادي عشر مقلوب من واحد عشر، فاؤه مكان لامه، فانقلبت ياء لكسر ما قبلها، وجعلت عينه مكان فائه.
وقال الفراء: ليس بمقلوب، بل هو من قولك يحدو، أي: يسوق، كأن الواحد الزائد يسوق العشرة، وهو معها.
وأنشد الفراء:
أسوق عشرا، والظليم حادي... كأنهن بأعلى الوادي
يرفلن في ملاحف جياد
-[ص: وإن قصد بفاعل المصوغ من ثلاثة إلي عشرة جعل الذي تحت أصله معدودا به استعمل مع المجعول استعمال «جاعل»،لأن له فعلا، وقد يجاوز به العشرة، فيقال: رابع ثلاثة عشر,أو رابع عشر ثلاثة.
أو رابع عشر ثلاثة عشر، ونحو ذلك، وفاقا لسيبويه، بشرط الإضافة.
وحكم «فاعل» المذكور في الأحوال كلها بالنسبة.
ألي التذكير والتأنيث حكم اسم الفاعل.]-
ش: إنما قال المصوغ من ثلاثة لأنه لا يصاغ من اثنين فاعل، فيضاف إلي واحد أو يعمل كاسم الفاعل، فلا يقال: هذا ثاني واحد، ولا ثان واحدا، هذا مذهب س، وإنما استعمل ثان مضافا إلي اثنين بمعني: أحد اثنين.
وأجار ذلك بعض النحويين قياسا، حكي هذا المذهب بعض أصحابنا، وقال الأستاذ أبو علي: (0 هو يعقوب، قال) ;قول: ثاني واحد)،وأظنه قياسا منه، لأن س نفاه، وهو ضابط لمثل هذا» وقال ابن الضائع: «بل هو محكي عنهم»
وقوله المصوغ من ثلاثة فيه تسامح وتقريب علي المتعلم، وبالحقيقة صوغه إنما هو من المصدر، وهو الثلث والربع، إلي التسع والعشر، وهذه المصادر علي وزن فعل كضرب لأن فعلها متعد، فيقاس المصدر فعل.
وقوله جعل الذي تحت أي: جعل الذي تحت أصل المصوغ معدودا به، ثالث اثنين، ورابع ثلاثة، وخامس أربعه، إلي عاشر تسعه.
وقوله استعمل هو أي كالمصموغ مع المجعول استعمال جاعل يعني جاعل بمعني مصير، وبهذا قدره النحويون، أي: تصير الاثنين بع ثلاثة، وتصبر الثلاثة بع أربعه، وكذلك إلي عاشر تسعة، أي تصير التسعة به عشرة.
قال المصنف في الشرح: «وأشرت باستعمال جاعل إلي أنه إذا كان بمعني المضي وجبت إضافته وإعماله، علي ما يفعل بجاعل وغيره من أسماء الفاعلين، وكان ذكر جاعل أولي لأنه موافق لفاعل المذكور وزنا ومعني» انتهي.
وتفسير النحاة ذلك ب «مصير» أوضح من تفسير المصنف ذلك بجاعل، لأن جاعلا اسم فاعل من جعل، وجعل مشتركه بيم معان، فجاعل مشترك بخلاف مصير، فإنه نص من حيث المعني في ذلك.
وقوله لأن لع فعلا أي يستعمل لاسم الفاعل مع العدد الذي تحته فعل، فتقول: ثلثت الاثنين، وربعت الثلاثة، فأنا ثالثهم رابعهم، وكذلك إلي العشرة، وقال تعالي ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسه إلا هو سادسهم﴾، ﴿سيقولون ثلاثة إلا هو رابعهم كلبهم يقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾
وأشار إلى استعمال رابع وثالث وأخواته اسم فاعل بقول لأن له فعلا إلي ان ما يكون له فعل مع العدد الذي يليه لا يكون حكمه حكم اسم الفاعل، كثالث ثلاثة لأن العرب لا تقول: ثلثت الثلاثة، ولا ربعت الأربعة.
قال المصنف في الشرح: «وينبغي أن يتنبه بهذا إلي جواز: هذا ثالث تسعه وعشرين؛ لأنه يقال: كانوا تسعه وعشرين فثلثتهم أي: صيرتهم ثلاثين» انتهي.
وقال أبو عبيد: «كانوا تسعة وعشرين فثلثتهم، أي: صرت لهم تمام ثلاثين، وكانوا تسعة وثلاثين فربعتهم، مثل لفظ الثلاثة والأربعة، وكذلك جميع العقود إلي المئة، فإذا بلغت المئة قلت: كانوا تسعة وتسعين فأمأيتهم، مثل أفعلتهم، وكانوا تسعمائة وتسعه وتسعين فألفتهم، ممدودة، وكذلك إذا صاروا هم كذلك قلت: قد أمأوا، وألفوا أي: صاروا مئة [ألفا]».
وقال أبو عبيد أيضا: «كانوا ثلاثة فربعتهم، أي: صرت رابعهم، إلي العشرة.
وكذلك إذا أخذت الثلث من أمولهم إلي العشر.
وفي العدد يثلث ويخمس إلي العشرة، وفي الأموال يثلث ويخمس إلي العشر، إلا ثلاثة فأربعوا، أي: صاروا أربعة، إلي العشرة، علي أفعل»
وهذا الذي ذكره النحويون في المختلف اللفظ من أن اسم الفاعل يجري مجري أسماء الفاعلين، فإن كان للمضي لم يعمل، وإن كان للحال أو الاستقبال.
جازت الإضافة، والعمل أجود قياسا علي أسماء الفاعلين علي /الإطلاق لم يذكر س فيه إلا معني المضي، ولم يذكر فيه إلا الإضافة، وقال: إنه قليل في كلام العرب، قال: «وتقول: هذا خامس أربعه,وذلك أنك تريد أن تقول: هذا الذي خمس الأربعة، كما تقول: خمستهم وربعتهم».ثم قال: «وإنما تريد: هذا الذي صير أربعه خمسة، وقلما تريد العرب هذا، وهو قياس، ألا تري أنك لا تسمع أحدا يقول: ثنيت الواحد,ولا: ثاني واحد».ثم قال في آخر الباب: «وتقول: هذا خامس أربع إذا أردت أنه صير أربع نسوة خمسة، ولا تكاد العرب تكلم به كما ذكرت لك.
وعلي هذا تقول: رابع ثلاثة عشر، كما قلت: خامس أربعة».
فهذا جملة ما تكلم عليه س في المختلف اللفظ، فلم يذكر فيه التنوين والنصب,ولا معني الحال والاستقبال، ولم يذكر فيه إلا معني المضي، وذكر انه قلما تكلم به العرب، وجعله قياسا فيما سمع من الماضي، وقاس عليه: رابع ثلاثة عشر، ويأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله.
وفي البسيط: وأما إن أضفته إلي غير لفظه، ثالث اثنين فهو علي معني الفعل أي: الذي صير الاثنين ثلاثة بنفسه، إلي عشرة، فتقول: عاشر تسعة، وكأنه مأخوذ من ثلثتهم وربعتهم وخمستهم، وقلله س كلام العرب، وذكر أنه قياس، ولم يذكر س النصب به، وتأوله علي الماضي، لأنه قال: «هذا الذي خمس الأربعة» فلم يجره مجري اسم الفاعل مطلقا، فإضافته علي هذا تكون محضة.
وذكر النحويين النصب به كالمبرد وغيره، وذلك - والله أعلم - قياس؛ لأنهم لم يسمعوه فيه، فتكون إضافته على هذا - إن قصد العمل بمعنى الحال والاستقبال - غير محضة.
وفي شرح الخفاف: لم يذكر س في الوجهين إلا الإضافة، ولم يذكر التنوين والنصب في المختلف اللفظ، وقدره بالفعل، فقال: (هذا الذي خمس الأربعة، كما تقول خمستهم وربعتهم).
وقال أيضا: (هذا الذي صير أربعة خمسة)، فقدره بالماضي، وصار بمنزلة: ضارب زيد أمس، ولو أراد العمل لقدره بالمستقبل, ونون، ونصب به، وقد ذكر غيره النصب، ويجعله بمنزلة اسم الفاعل، إذا كان بمعنى الماضي لم يكن إلا مضافا، وبمعنى المضارع أجازوا النصب والتنوين، ولم يستشهدوا على النصب بكلمة واحدة، فدل ذلك على أنه منهم قياس، وجاء القرآن بالإضافة في قوله تعالى ﴿إلا هو رابعهم﴾، وفي قوله ﴿رابعهم كلبهم﴾، إلا أن ابن السكيت حكي في ألفاظه عن الكسائى في ثاني اثنين وثالث ثلاثة إجازة النصب والتنوين، قال: (والخليل والفراء لا يجيزانه)، ولو حكاه عن العرب لم يسعهما منعه، فإذا كان قياسا منه فلا يعول عليه، مع أن إجازته ذلك فيما كان مضافا إلى جنسه لا يختلف في منعه، فلا يعول عليه.
وقال في الإصلاح له: (هو مضاف إلى العشرة، ولا ينون، فإذا اختلفا كان الوجهان).
وقد زعم س أن المختلف اللفظ قليل في استعمال العرب.
وقد ذكر الأخفش، قال: (ويقولون في هذا القياس: ثاني واحد وقال بعضهم: ثنيت الرجلين: صرت ثانيهما، ولا يقال: ثنيت فلانا، ولكن يقال: صرت له ثانيا، وثنيت الرجلين وأنت أحدهما ليس بقياس؛ لأن مثله لا يجرى على فعل، ولا ينون.
ومن استعمال الفعل في خامس أربعة قول عبد الله بن الزبير الأسدى:
ونحن قتلنا بالمنيح أخاكم... وكيعا، ولا يوفي من الفرس البغل
فإن تثلثوا نربع، وإن يك خامس... يكن سادس حتى يكون لنا الفضل
وإن تسبعوا نثمن، وإن يك تاسع... يكن عاشر حتى يبيركم القتل
وقال السيرافي: «أجمع النحويون على ذلك إلا ماحكاه ابن كيسان عن ثعلب أنه أجاز: ثالث
ثلاثة، وثلثت الثلاثة، والمعروف قول الجمهور».
وتقول في المؤنث: ثالثة ثلاث، تحكم لاسم العدد بالحكم الذي كان له حين كان مفردا، وتحكم لفاعل بحكمه أن لو انفرد.
وقوله وقد يجاوز به العشرة يعنى أنه يستعمل مع المركب كما استعمل مع اثنين وثلاثة، فيكون اسم فاعل مع المركب كما كان مع العدد الموافق له في الاشتقاق.
وقوله فيقال رابع ثلاثة عشر وأصله: رابع عشر ثلاثة عشر، فحذف عشر من الأول، وأعرب رابع، وأضيف إلى المركب الذي هو ثلاثة عشر، وكذلك باقيها.
وقوله ورابع عشر ثلاثة عشر هذا هو الأصل، فتجئ باسم الفاعل وعشر، وتبنيهما على الفتح، وتضيفه إلى ثلاثة عشر.
وقوله وفاقا لـ «س» بشرط الإضافة أجاز س وجماعة معه صوغ اسم الفاعل مع المركب على الوجهين اللذين ذكرهما المصنف، وهما أن يحذف عشر من اسم الفاعل، ويضاف هو إلى العدد المخالف الذي هو دونه.
وأن يثبت، ويبنى مع اسم الفاعل، ويضاف إلى ما بعده من العدد الذي هو دونه، وذلك بشرط الإضافة، فلا يجوز فيه أن ينصب ما بعده، سواء أحذف منه عشر أم أثبت، فلا تقول: رابع ثلاثة عشر، بتنوين رابع واعتقاد أن ثلاثة عشر في موضع نصب به، ولا: رابع عشر, فتعمله وهو مبنى، وتعتقد نصب ما بعده؛ لأن مثل هذا لم يسمع منه فعل، لا تقول: كانوا ثلاثة عشر فربعتهم، أي: صاروا بك أربعة عشر.
وترك المصنف وجها ثالثا في هذه المسألة على مذهب س، وذلك أنه قال: «هذا المختلف مثل الموافق»، فكما جاز في حادي عشر أحد عشر وأخواته حذف العقد من الأول وإضافته إلى الموافق، وإثباته والإضافة إلى الموافق، وحذف العقد من الأول وحذف نيف الثاني- كذلك جاز هنا.
والوجه الذي تركه المصنف هو: هذا خامس عشر، إما ببنائهما، وإما / بإعرابهما، على الخلاف الذي مر في الموافق.
قال بعض شيوخنا: وفي هذا الوجه إلباس بالمتفق اللفظ، فلا يجوز وهذا الذي أجازه س هو قياس كما ذكرناه، ولم تتكلم به العرب، ولا هو مسموع
منها، وخالفه الجمهور الأخفش والمازنى والمبرد والفارسي، قال الأخفش: «إذا قلت رابع ثلاثة فإنما تجريه مجرى ضارب زيد ونحوه؛ لأنك تقول: كانوا ثلاثة فربعتهم، وكانوا خمسة فسدستهم، ولا يجوز أن تبنى فاعلا من خمسة وعشرة جميعا؛ لأن الأصل: خامس عشر أربعة عشر».
وفي البسيط: قال الأخفش: ولا يجوز بمعنى العمل، فلا تقول: ثالث عشر اثني عشر.
قالوا: لأنه إنما جاز في الإفراد على معنى العمل لأنهم اشتقوا فعلا منه، نحو: خمستهم، وثلثتهم، بمعنى صيرتهم، ولم يشتقوا من خمسة عشر فعلا بهذا المعنى، فلم يجز، وقاسه النحويون المتقدمون، فجوزوه.
ومنعه الكوفيون في الوجهين محتجين بأنه لا يشتق من أكثر من اسم واحد.
والذي يظهر أنهم إن قالوا هذا قياسا ففيه نظر، وإن سمع فيرجع إليه، ويكون وجهه أنهم إذا قالوا ثالث عشر ثلاثة عشر أنهم اشتقوا من ثلاثة عشر ثالث عشر، فقالوا: ثالث ثلاثة عشر، أي: أحد الثلاثة التي هي مع العشرة ثم أقحموا عشر بيانا بأنه ليس ثالث ثلاثة خاصا، فلا يلزم ما قال الكوفيون.
فأما المجوزون في غير الموافق فيقولون: هذا ثالث عشر اثني عشر، اتكالا على المعنى، ولا يلتفت إلى خمستهم ونحوه؛ لأن القائل به لا يعمله، وإنما يكون
مضافا، كما تقول: خمسة عشر زيد؛ لما تقدم من أنه لا يشتق فعل منه، وإن كان معناه معنى المصير كما في اسم الفاعل بمعنى الماضي، لكنه لا يقصد هذا المعنى، وفيه نظر.
انتهى.
وقال المبرد: اسم الفاعل لا يكون من شيئين، والمختلف اللفظ في الآحاد جار على الفعل كاسم الفاعل.
وقال أبو على في الإيضاح: «ومن قال خامس أربعة لم يقل: رابع ثلاثة عشر، ولا: رابع عشر ثلاثة عشر؛ لأن اسم الفاعل الجاري على الفعل لا يكون هكذا) يعنى أنه لا يبنى من شيئين، كما قال المبرد.
وفي الإفصاح: هذا الوجه من القياس الذي قاسه س قال أبو العباس: «إنه مذهب المتقدمين»، قال: «وكان الأخفش لا يراه صوابا», وبه قال المازنى وأبو بكر وأبو على.
واستدل بما أشير إليه قبل من أن اسم الفاعل يكون جاريا على المضارع، فإذا كان اسم الفاعل مركبا لزم أن يكون المضارع مركبا ليصح جريانه عيه, والفعل لا يكون مركبا، فلا يصح جريان اسم الفاعل عليه، وجريانه عليه شرط لازم له، وإذا عدم الشرط عدم المشروط، وإذا لم يكن فعل لم يكن اسم فاعل؛ لأن اسم الفاعل لابد له من فعل يجرى عليه.
وقد رد بعض المتأخرين على هذا القول بأن العرب إنما تشتق من الصدر الأول، فلا تركب، ومنه اشتقت ثالث عشر ثلاثة عشر، اشتقت ثالثا من ثلاثة، ثم ركبته بعد مع عشر.
قال: والعرب تقول: ربعت الثلاثة عشر، أي: رددتهم أربعة عشر، فاشتقت من الصدر، ولم تركب الفعل، فكذلك تشتق/اسم الفاعل
من الصدر، ولا تركب.
وإنما قال س رابع ثلاثة عشر، ولم يعلم أنه محذوف من تركيب، واسم الفاعل تابع للفعل.
هكذا قال ابن الباذش.
ولا أرى أبا على يصحح ربعت الثلاثة عشر، وقد حكاه بعض أهل اللغة، وبعض ينكره، ويمكن أن يكون س ممن يراه، فيصح هذا التوجيه.
ويبعد عندي لأن العرب لم تتسع في الاشتقاق من اسم العدد هذا الاتساع؛ ألا ترى أنهم لم يقولوا؛ ثنيت الواحد, ولا ثالث ثلاثة، بالتنوين، لم يحكه س. وقال أبو الحسن: العرب لا تقول: خامس خمسة غدا، بالنصب، ولا: ثان اثنين غدا، بالنصب، وقد يجوز فيما دون العشرة أن تنون وتنصب، وأن تدخل الألف واللام، لأن ذلك بناء يكون في الأفعال، وإن كانت العرب لا تتكلم به هنا، ولكنه في القياس جائز أن تقول: الثاني اثنين أنا, والثالث ثلاثة أنا، وهذا نظير ما رواه الكسائى.
وهو كله تقول على العرب, وكذلك التنوين والنصب.
والمختلف اللفظ لم يصح به سماع، ومن قال رابع ثلاثة، وخامس أربعة - أشبه من ثالث اثنين بالتنوين؛ لأنك تريد: الذي جعل اثنين ثلاثة، ومع ذلك هو ضعيف لأنه ليس له فعل معلوم، إنما هو مشتق من العدد، وليس له مصدر معروف، فالوجه الإضافة، وإنما يجوز هذا في الألف واللام للضرورة لأن هذه الأشياء التي اتسعت فيها العرب مجراها مجرى الأمثال، ولا ينبغي أن يتجاوز بها استعمالهم، ومنع من قولك: أنا إياهما ثالث، وهؤلاء الثلاثة أنا إياهم رابع، وأشباه هذا وكل هذا حكاه أبو بكر عنه.
وقول س: «وعلى هذا تقول: رابع ثلاثة عشر»، ظاهره القياس، ولو لم يقس كان أجود.
وقول أبى الحسن «مجراها مجرى الأمثال» حسن جدا، لا يقاس ما لم يسمع على ما سمع, لا على أنه موقوف كله، لكن يقاس على ما سمع على النحو الذي سمع.
وقال س: «وليس قولهم ثالث ثلاثة عشر كثالث ثلاثة في الكثرة؛ لأنهم قد يكتفون بـ (ثالث عشر)»؛ ألا تراه قد قلل شيئا قياسه أن يكثر كثرة: ثالث ثلاثة، لكنه كما قال أولا استغنوا عنه بغيره.
وقال السيرافي: «أما من يقول: هذا ثالث اثنين، وعاشر تسعة - فإن كثيرا من النحويين يمنعون أن يقال فيما جاوز العشرة من هذا, وذلك أن القوم إذا كانوا تسعة، فصرت عاشرهم، جاز أن تقول: عشرتهم، وإذا كانوا عشرة فكملتهم أحد عشر لم يكن من هذا فعل مشتق في تكميلك العشرة، وهذا هو القياس.
ومنهم من يجيزه، ويشتقه من لفظ النيف، ويقول: هذا ثان أحد عشر، وثالث اثنى عشر، وينون».
قال: «وقد حكي نحو من هذا عن العرب، قال الراجز:
/أنعت عشرا والظليم حادى
أراد: حادي عشر».
وقال ابن طاهر: «أجيز ثاني أحد عشر على إجازة أبى الحسن ثاني واحد، ونفي س لسماعه مع إجازته لقياسه حملا على ثاني اثنين».
يريد أن س قاس على ثاني اثنين: ثالث اثني عشر؛ لأن كل رابع أربعة ونحوه يكون فيه رابع ثلاثة، فقياس المركب كالمضاف.
وذكر أبو على أن الياء في حادي عشر وثاني عشر يجوز فيها الفتح، وقياس المركب إذا كان في آخره ياء أن تسكن ولا تفتح، لكنه لما كانت تفتح في حادية عشر وثانية عشر لأجل تاء التأنيث أجراها بعض العرب على ذلك في المذكر.
وقوله وحكم فاعل إلى آخر الفصل يعنى أنه يكون بالتاء للمؤنث وبغير تاء للمذكر في جميع الأحوال؛ سواء أكان مفردا، نحو ثان وثالث، أم مضافا إلى غير مركب، نحو: ثالث ثلاثة، وثالث اثنين، وثالثة ثلاث، وثالثة اثنتين.
أو معطوفا، نحو: الثالث والثلاثون رجلا، والثالثة والثلاثون امرأة.
والثالث عشر ثلاثة عشر، والثالث ثلاثة عشر، وثالث عشر، والثالثة عشرة ثلاث عشرة، والثالثة ثلاث عشرة، وثالثة عشرة.
وعلى مذهب س في المختلف تقدم تمثيل المذكر.
وتقول في المؤنث: رابعة عشرة ثلاث عشرة، ورابعة ثلاث عشرة.
وعلى الوجه الثالث: رابعة عشرة.
وبقي الكلام في العقود، فنقول: أما عشرون وسائر العقود إلى تسعين والمئة والألف فلم يسمع من العرب بناء اسم فاعل منها، لم يقولوا عاشر عشرين، ولا: ثالث ثلاثين، ولا: رابع أربعين، والقياس يقتضى ألا يقال من ذلك إلا ما سمع؛ لأن الاشتقاق من الأسماء الجامدة لا يقاس لقلته.
والذي حكة من ذلك: هذا عاشر عشرين.
وقال الكسائى: «تقول: هذا الجزء العاشر عشرين»، وقياسه: الثالث ثلاثين، والرابع أربعين، إلى آخره.
وقال س والفراء: هذا الجزء العشرون، وهذه الورقة العشرون، على معنى: تمام العشرين، فتحذف التمام.
وقال بعضهم: تقول هذا متمم عشرين، أو مكمل عشرين.
وهذا ليس بشيء لأنه يلزم أن يتمم نفسه أو يكمل نفسه.
وقال أبو على في العقود كلها: هو الموفي كذا، وهى الموفية كذا، كقولك الموفي عشرين، والموفية عشرين.
وقال بعض أصحابنا: والصحيح أن تقول: هو كمال العشرين، أو تمام العشرين، أو تأتى بأسماء العقود، فتقول: العشرون، والثلاثون، والأربعون، إلى تمام العقود.
-[ص: فصل
استعمل كخمسة عشر ظروف، كيوم يوم، وصباح مساء، وبين بين.
وأحوال أصلها العطف، كتفوقوا شغر بغر، وشذر مذر، وخذع مذع، وأخول أخول، وتركت البلاد حيث بيث، وهو جاري بيت بيت، ولقيته كفة كفة، وأخبرته صحرة بحرة، وأحوال أصلها الإضافة، كبادي بدا، وبادي بدي، وأيدي سبا، وأيادي سبا.
وقد يجر بالإضافة الثاني من مركب الظروف، ومن بيت بيت وتالييه، ويتعيين ذلك للخلو من الظرفية، وقد يقال: بادي بدء، وبادي بداء أو بدء، وبدء ذي بدء أو ذي بدأة أو ذي بداءة.
/وقد يقال سبا بالتنوين، وحاث باث، وحوثا بوثا، وكفة عن كفة.
وألحق بهذا: وقعوا في حيص بيص، وحيص بيص، والخازباز.]-
ش: هذا الفصل ليس من أبواب العدد في شيء، إلا أنه استطرد إليه من حيث جعل اسمين اسما واحدا مركبا كخمسة عشر، ومناسب ما فيه من الظروف أن يذكر مع الظروف، وما فيه من الأحوال أن يذكر في باب الحال، وقد تكلم المصنف علي شيء من هذه الظروف في باب الظرف في الشرح، وأشار إليه في الفص في قوله «وألحق بالممنوع ما لم يضف من مركب الأحيان، كصباح
مساء، ويوم يوم»، وهذا النوع من الظرف المركب مسموع، والمسموع صباح مساء ويوم يوم، وأزمان أزمان، هذا من ظرف الزمان، ولا يقاس عليه فيقال: فلان يأتينا وقت وقت، ولا نهار ليل، ولا عام عام، ولا ساعة ساعة، وأما المسموع من ظرف المكان فبين بين، ولا يقاس عليه يقال: خلف خلف، ولا أمام أمام، وإذا لم ينقس ذلك في ظروف الزمان مع أنها أكثر فالأحري ألا يقاس علي ظرف المكان؛ إذ ظرف المكان تبع لها في هذا الحكم، كما أنه تبع لها في الإضافة إلي الجمل؛ إذ لم يضف منها إلا حيث، فأما ما جاء في حديث حذيفة من قول إبراهيم- صلي الله علي نبينا وعليه- (إنما كنت خليلا من وراء وراء) فمن رواه بالضم فهو قطع عن الإضافة، نحو: من تحت، ومن عل، والثاني توكيد، ومن رواه بالفتح كان ذلك بناء علي جهة الشذوذ، وكان القياس لما تصرف فيه بدخول من عليه ان يضاف الأول إلي الثاني، فيقال: من وراء وراء؛ لأنهم لما تصرفوا في مثل يوم يوم أضافوا الأول إلي الثاني، فقالوا:
ولولا يوم يوم....................................................................
وقال المصنف في الشرح» هذا - يعني الإضافة- حكم ما خرج عن الظرفية مما ركب من الظروف تركيب خمسة عشر».
وقال: «وعلي هذا أنشد س:
ولولا يوم يوم ما أردنا...............................................
البيت.
قال: «وأنشد أيضا:
ما بال جهلك بعد الحلم والدين... وقد علاك مشيب حين لا حين
أنشده، وقال (وإنما هو: حين حين، ولا بمنزلة ما إذا ألغيت)»،انتهي.
فجعل المصنف «حين لا حين» من باب «ولولا يوم يوم»، وليس كذلك لوجهين:
أحدهما: أن «يوم يوم» سمع فيه التركيب وجعلهما اسما واحدا في موضع نصب علي الظرف، ولم يسمع ذلك في «حين حين».
والثاني: أن قوله «ولولا يوم يوم» تصرف فيه بالخروج عن الظرفية، واستعمل مبتدأ، و «حين لا حين» في البيت هي ظرف، لم يتوسع فيها في البيت بالخروج عن الظرفية.
وقوله وأحوال أصلها العطف لما كانت الحال مشبهة للظرف حتى قيل فيها إنها مفعول فيها من حيث المعني أجريت مجراه في الجريان مجري خمسة عشر؛ والجامع بينهما تضمن معني حرف العطف، وتلك ألفاظ محفوظة لا يقاس عليها أيضا، وهي أكثر من الظروف، ولذلك كان منها أصله العطف وما أصله الإضافة، وليس في الظروف المركبة ما أصله /الإضافة.
قال المصنف في الشرح: «وكان الحال جديرا بالغلبة لأن الواقع حالا من هذا النوع قائم مقام مفرد ومغن عنه، كما أن مركب العدد قائم مقام مفرد ومغن عنه، وذلك أن ما دون العشرة إذا زيد عليه واحد استحق مفردا يدل علي الزائد والمزي عليه، كقولنا للاثنين المزيد عليهما واحد: ثلاثة، وهكذا إلي التسعة المزيد
عليها واحد، وأما العشرة المزيد عليها فترك فيها هذا الأصل، واستغني بالمركب عنه، ثم رجع إليه في تصنيف العشرة وما فوقه.
والأحوال المشار إليها بمنزلة مركب العدد في القيام مقام مفرد؛ لأن شغر بغر بمعني منتشرين، وشذر مذر بمعني متفرقين، وخذع مذع بمعني منقطعين، وأخول أخول في قوله:
........................................... سقاط شرار القين أخول أوخولا
بمعني متفرقا، وحيث بيث بمعني مبحوثة، وبيت بيت بمعني مقاربا، وكفة كفة بمعني مواجها، والصخرة بحرة بمعني منكشفا، وبادي بدا أو بدي بمعني مبدوءا به.
وسبب بناء ما أصله العطف كسبب بناء العدد المركب، وهو في مركب الأحوال أوكد؛ لأن تركبيه ألزم» انتهي.
يعني: والبناء في مركب الأحوال أو كد منه مركب الظروف؛ لن تركبيه في الأحوال الزم منه في الظروف؛ لأن الظروف المركبة قد يفك عنها التركيب وتضاف.
ويعني فيما أصله العطف.
قال المصنغ في الشرح: «وأما ما أصله الإضافة فسبب بنائه شبهه بما أصله العطف في التركيب من شيئين يؤديان معني واحدا، وفي لزوم معني في، وامتناع الألف واللام والإضافة والتصغير.
وبنيا علي حركة لأن لهما أصلا في لتمكن.
وكانت الحركة فتحة لأن مع التركيب ثقلا، فكرهوا اجتماع ثقلين لو جئ معه بكسرة أو ضمة» انتهي.
وفي البسيط ما ملخصه: إن حذف التنوين يكون من الثاني للإتباع، فيشبه بخمسة عشر، وليس بمنزلته، وحركة الإتباع ليست حركة إعراب، فهو
مخفوض في التقدير، والظروف والأحوال غير متمكنة، فكان ترك التنوين فيها أنسب، كما فعلوا ذلك في النداء، فقالوا: يا بن أم، ويا بن عم، ونحوه؛ لأن النداء باب لا تتمكن فيه الأسماء، فساغ لهم ذلك ترك التنوين، فهو محذوف لا للبناء، وذلك نحو: هو جاري بيت بيت، ولولا يوم يوم، وأتيتك صباح مساء، ولقيته كفة كفة، وبين بين.
وقال بعض النحويين: «إنها مركبة بمنزلة خمسة عشر، وعلة البناء أن أصلها العطف بالواو، فحذفت الواو، وضمن معناها، فبني كخمسة عشر؛ إذ الأصل: أتيتك صباحا ومساء، ويوم يوم، وكذلك في أخواتها.
وهو معزي إلي س لقوله (يجعله بعضهم كاسم واحد)، وليس يمتنع التنوين إلا بناء، وأيضا لا عهد بترك التنوين للإتباع.
وما ذكروه عن س فالظاهر خلافه؛ لأنه قال فيها: (والآخر من الأسماء في موضع جر)، ولو كانت كخمسة عشر ما كان في موضع شيء، فدل علي أن الإضافة عنده أصلها، وأن هذا طارئ عليها، وإنما يريد بقوله (كاسم واحد) أي بحسب/ ظاهره.
وقولهم إن التنوين لا يحذف للإتباع، قلنا: ليس الإتباع بما هو إتباع هو السبب، بل السبب جعله مع الأول كشيء واحد كخمسة عشر، فحذف من الآخر كما حذف التنوين من قولك: هذا زيد بن عمرو، وحكم الطرف كحكم الوسط، ولتأويله تأويل اللفظ الواحد جاز الإتباع فيه كما جاز في اللفظ الواحد» انتهى.
ونرجع إلى الكلام علي هذه الألفاظ:
فقوله تفرقوا شغر بغر معناه: في كل وجه، وهذا معني قول المصنف «منتشرين»؛ لأنهم إذا انتشروا في الأرض كانوا قد تفرقوا في كل وجه، وكأن شغر مأخوذ من قولهم: شغر البلد: إذا خلا من الناس، وكأنهم حين فارقوا أماكنهم، وسلكوا جهات شتي - خلت أماكنهم منهم.
ويقال: اشتغر في الفلاة: إذا أبعد فيها.
وبغر النجم يبغر بغورا: إذا سقط وهاج بالمطر، والنجم: الثريا، وكأن بغر منه؛ لأنهم إذا تفرقوا في كل وجه سقطوا في تلك الأوجه.
وقوله شذر مذر يقال: تفرقوا شذر مذر \ن بفتح الشين والميم، وبكسرهما، ومعناه: ذهبوا في كل وجه.
ومذر إتباع، والشذر: قطع الذهب، والشذر: الؤلؤ الصغر، والشذرة: القطعة، كأنهم بتوجههم كل وجه تقطعة في نواحي الأرض.
ومذرت البيضة: فسدت، ومذرت -بكسر الذال- معدته: فسدت، وكأنهم بتفرقهم وخروجهم إلي غير مواطنهم فسدت أحوالهم.
وفي البسيط أن الميم في مذر بدل من الباء.
وقوله خذع مذع.
وأخول أخول معناه: شيءا بعد شيء، وقال الشاعر:
يساقط عنه روقه ضارياتها... سقاط حديد القين أخول أخولا
في المجمل» ذهب بنو فلان أخول أخول: إذا تفرقوا».
وقوله وتركت البلاد حيث بيث يقال: استحاث واستباث: استخرج، واستحاث الشيء: إذا تطلبه وقد ضاع في التراب.
ويقال: باث عن الشيء يبوث بوثا: بحث عنه، واستباث: استخرج، وابتاث عن الشيء: بحث عنه، مثل باث،
وقال الشاعر:
لحق بني شعارة أن يقولوا... لصخر الغي: ماذا تستبيث
ويقال: تركتهم حوثا بوثا، وحوث بوث، وحيث بيث، وحاث باث، وحيث بيث، بكسر الحاء والباء: إذا فرقهم زوبددهم، فيكون معني قول المصنف «تركت البلاد حيث بيث، أي: مبحوثة»، أي: أنها بحث أهلها، واستخرجوا منها.
ويقال: أوقع بهم فلان فتركهم حوثا بوثا، أي: فوقهم.
وقال الفراء: معني هذه الكلمات: أذللتهم ودققتهم.
وقوله وهو جارس بيت بيت أي: ملاصقا، وبعض العرب يضيف، فيقول: بيت بيت، حكاه س.
وقوله ولقيته كفة كفة قال الأحمر: لقيته كفة كفة مثل لقيته مواجهة.
وقوله / وأخبرته صحرة بحرة شرحه المصنف: «منكشفا» / ويقال: أتيته صحرة بحرة: إذا رأيته وليس بينك وبينه ساتر.
والمصاحر: الذي يقابل قرنه في
الصحراء، ولا يقاتله.
ووقع في كلام بعض اللغوييين: «صحرة بحرة، غير مجراة»، فظاهره أنهما ممنوعان الصرف، وما أظنه يريد ذلك، وإنما أراد أنهما غير منونين؛ إذ هما مبينان.
وقوله وأحوال أصلها الإضافة كبادي بدا وبادي بدي فسرها المصنف: «مبدوءا به» تقول: افعل هذا بادي بدا، أي: مبدوءا به.
وبادي: اسم فاعل وبدا: مصدر، ولا همز فيهما، وجاء هذا علي لغة بدي علي وزن فعل بغير همز، وبدا هو مصدره؛ إذ ذلك لغة في بدأ، يقال: بدي، مثل بقي، وهو لغة الأنصار، قال راجزهم:
باسم الإله، وبه بدينا
والمشهور من اللغات الهمز.
وبادي بدا مبنيان، والياء ساكنة كياء معدي كرب.
وبادي بدي- بكسر دال الثاني- ينبغي أن يجعل اسم الفاعل، كشحي فهو شج، ويكون ل «بدي» اسم فاعل علي وزن فاعل، وهو بادي، وعلي وزن فعل، وهو بدي
وقوله وأيدي سبا وأيادي سبا.
وقوله وقد يجر بالإضافة الثاني من مركب الظروف فيقال: جئتك يوم يوم، وصباح مساء، وبين بين.
ومدلولها مدلول البناء، أي: كل يوم، وكل صباح، وكل مساء، وبين هؤلاء بين هؤلاء.
وقوله ومن بيت بيت وتالييه أي: تقول: وهو جاري بيت بيت، وكفة كفة، وصحرة بحرة، والمعني معني المبني.
وقوله ويتعين ذلك للخلو من الظرفية أي: تتعين الإضافة إذا استعمل غير ظرف، كقوله:
ولولا يوم يوم.........................................................
أخرجه عن الظرفية باستعماله مبتدأ، فوجبت الإضافة.4 وقوله وقد يقال بادي بدء إلي ىخر اللغات فيه، أضاف الأول إلي الثاني، ولم يبنهما، كما أضاف في الظروف، والمعني واحد، والهمز فيه جاء علي اللغة الشهيرة.
وقوله وقد يقال سبا بالتنوين أصله - كما تقدم- الهمز، فلما أبدلها ألفا، أضاف أيدي أو أيادي إليها، نونها، والمعني مع الإضافة والبناء واحد.
وفي البسيط: ذهب الزمخشري إلي أن بدا وأيادي سبا من المركب تركيب ما لا ينصرف.
وفيه ما تري؛ لأن ذلك لا يؤثر مع الأعلام.
وقوله وحاث باث يعني أنهما بنيا علي الكسر، وفر قائل ذلك من توالي فتحات ست تقديرا؛ لأ، الألفين بمنزلة فتحتين، وقبلهما فتحتان، فإذا فتح
تالياهما اجتمعت ست فتحات تقيرا فأوثر تخلصا من توالي الأمثال، قاله المصنف في الشرح.
ونقول: إنه بني الاسمين علي الكسر علي أصل التقاء الساكنين، وبنائهما علي الفتح طلب للتخفيف.
وقوله وحوثا بوثا من قال حيث بيث أتبع الثاني الأول؛ إذ أصل الياء في بيث الواو، فصصار نظير: (لا دريت ولا تليت)، وأصله تلوت، فأتبعته دريت.
ومن قال حوثا بوثا، أو حوث بوث، أتبع الأول الثاني، كما قالوا: وقعوا في حوص بوص، فأتبعوا الأول ووالثاني، وهو من ذوات الياء، علي ما سيبين إن شاء الله.
ومن قال: حاث باث، أو حاث باث -فإنه بناه علي فل بفتح العين، فتحركت الياء والواو، وانفتح ما قبلهما، فقلبا ألفين.
ومن قال حيث بيث فإن الواو في بيث انقلبت ياء لكسرة ما قبلها.
وقوله وكفة عن كفة فعلي هذا يكون في ذلك ثلاثة أوجه: كفة كفة، ببنائهما، وكفة كفة، بالإضافة، وكفة عن كفة.
وقوله وألحق بهذا: وقعوا في حيص بيص أي: وألحق بهذا المبني- وهما اسمان - ما لم يقع ظرفا ولا حالا.
وقال الفراء: حاص عنه يحيص حيصا وححيوصا ومحيصا وحيصا: إذا عدل وحاد، والانحياص مثله، يقال للأولياء: حاصوا عن العددو، والأعداؤء: وانهزموا.
ويقال: وقعوا في حيص بيص، وحيص بيص، أي: في اختلاط من أمرهم، لا مخرج لهم منه، ويقال: في ضيق وشدة.
وهما اسمان، جعلا اسما واحدا، وبنيا علي الفتح، مثل هو جاري بيت بيت وأنشد الأصمعي لأمية بن أبي عائذ الهذلي:
قد كنت خراجا ولوجا صيرفا... لم تلتحصني حيص بيص لحاص
ومن زعم أن بيص من باص يبوص بوصا: إذا تقدم - أخرج البوص علي لفظ الحيص ليزدزجا.
والحيص: الوراغ والتخلف، والبوص: السبق والفرار، ومعناه: كل أمر يتخلف عنه ويفر.
وحكي أبو عمرو: وقعوا في حيص بيص، وحيص بيص، وحيص بيص.
وحكي: إنك علي الأرض حيصا بيصا.
ويقال: حيص بيص، قال الراجز يذكر خاطباً:
صارت عليه الأرض حيص بيص... حتي يلف عيصه بعيصي
وحاص باص لغة في حيص بيص.
وقال المصنف في الشرح: «وقعوا في حيص بيص، أي: في شدة ذات تأخر وتقدم، وهو من حاص عن الشيء: تأخر عنه.
وباص يبوص بوصا: تقدم، أتبع بوص حيصا.
ومن قال في حوص وبوص أتبع حيصا بوصا، كقوله (مأزورات غير مأجورات) لأنه من الوزر» انتهي ملخصا.
وفي كتاب الصفار البطليوسي: «حيص بيص: التزام في هذا المركب أحد الأوجه، وهو البناء، وق كان يجوز خلاف ذلك، لكن طريق ذلك السماع، وقد سلب كل واحد من الاسمين معناه، وصارا يدلان علي شيء واحد.
وقعوا في حيص بيص، أي: في أمر شديد، ومع هذا هي قليلة التمكن، ومعني ذلك أنها قليل ما يتكلم يها، فلما قل دورها بنيت».
وقوله / والخازبازي فيه سبع للغات، هذه واحدة، بناؤهما علي الفتح، وخاز باز، بنائها علي الكسر، وخاز باز، بفتح الأول وضم الثاني، وخاز باز، بكسر الأول وضم الثاني، وخاز باز بإعراب الاول و\غضافته إلي الثاني معربا، وخزباز علي وزن قرطاس معرب، وخازباء علي وزن قاصعاء، لا ينصرف، وهذه اللغات
لخمسة معان، أحدهما الذباب، الثاني صوته، الثالث نبت، الرابع داء يأخذ الإبل في حلوقها والناس، الخامس اسم للسنور، وأنشدوا في الذباب:
تفقأ فوقه القلع السواري... /147 أوجن الخازباز به جنونا
وفي النبت:
رعيتها أكرم عود عودا... الصل والصفصل واليعضيدا
/والخازباز السنم المحودا... بحيث يدعو عامر مسعودا
عامر ومسعود: راعيان.
وفي الداء:
يا خازباز، أرسل اللهازما... إني أخاف أن تكون لازما
وأنشد الأخفش:
................................. ورمت لهازمها من الخزباز
تم بحمد الله وتوفيقه الجزء التاسع من كتاب «التذييل والتكميل» بتقسيم محققه، ويليه- إن شاء الله تعالي- الجزء العاشر، وأوله «باب كم وكائن وكذا»
التذييل والتكميل في شرْحِ كِتَابِ التّسْهيْل
ألّفَهُ أبو حيّان الأندلسي (654 - 745 هـ)
حَقّقهُ الأستاذ الدكتور حسن هنداوي كلية التربية الأساسية- الكويت
الجزء العاشر
-[ص:
باب كم وكأين وكذا
كم: اسم لعدد مُبهم، فيفتقر إلى مميِّز، لا يُحذف إلا لدليل، وهو إن استفهم بها كمميز عشرين وأخواته، لكن فصله جائز هنا في الاختيار، وهناك في الاضطرار، وإن دخل عليها حرف جرٍّ فجرُّه جائز بـ «من» مضمرة لا بإضافتها إليه، خلافًا لأبي إسحاق.
ولا يكون مميزها جمعًا، خلافًا للكوفيين، وما أَوهمَ ذلك فحال، والممِّيز محذوف.]-
ش: مناسبة هذا الباب لأبواب العدد ظاهرة من حيث إنّ كم اسم لعدد
مبهم، وكأّيِّن وكذا كذلك أيضًا، وكل منها مفتقر إلى تمييز.
واختلف النحويون في كم: أهي مفردة، وهو قول الجمهور، أو مركبة من كاف التشبيه وما الاستفهامية، وحُذفت ألفها كما تُحذف مع سائر حروف الجر، كما قالوا: ِلمَ وِبمَ وعَمَّ، وكُثر الاستعمال لها، فأسكنت، وأجرت مجرى ما يكون مُسَكُنًا في الشعر، نحو قول الشاعر:
فِلمْ دَفَنتُم عُبَيدَ الله في جَدَث... ولِمْ تَعَجَّلتُم، ولِمْ... تَرُوحُونا
وهذا مذهب الكسائي والفراء.
ورُدَّ هذا المذهب بأنه لو كان كما ذهب إليه لقيل في جواب من قال: كم
ماُلك؟ كمالِ زيدٍ، كما يقال في جواب من قال: كمَن زيدُ؟ كبكرٍ، وهذا لا
يقوله أحد، فدلَّ على فساد قوله.
انتهى.
ولا حجة في هذا؛ لأنه يقول: هذا هو الأصل، ولما رُكّب الكاف و «ما»
صُيِّرا شيئًا واحدًا، فحدَث لهما بالتركيب معنًي غير الذي كان لكل واحد
منهما، كما قال النحويون في لولا وفي هلاُ، فإنهم زعموا أنها مركبة من «لو» ومن «لا»، ومن «هل» و «لا»، ثم صار لهما بالتركيب معنًي لم يُلحظ فيه معنَى كل واحد منهما، وحُكمُ لم يكن لواحد منهما، وصار مدلولهما غير مدلول كل واحد منهما، والكسائي لم يدَّعِ أنَّ كلاَّ من كاف التشبيه و «ما» الاستفهامية باقٍ على مدلوله قبل التركيب.
ورُدَّ مذهبه أيضًا بدخول حرف الجر عليها، واستعمالِها مبتدأةً ومفعولةً في
فصيح الكلام، فدلً على فساد مذهبه، لأنَّ كاف التشبيه لا تُستعمل اسمًا إلا في ضرورة الشعر.
انتهى.
ولا حجة في هذا؛ لأنَّ حرف الجر يدخل على «كذا»، وهي مركبة من
كاف التشبيه ومن اسم الإشارة، فتقول: اشتريته بكذا، فلا ينافي دخول حرف الجر علي ما هو مركَب من كاف التشبيه وغيره؛ لأنه قد أُميت فيه مدلول حرف التشبيه وما رُكِّب معه الذي كان له قبل التركيب، وأريد به معنًى آخر، حدث بالتركيب.
وكذلك استعملوا «كذا» مبتدأةً، فقالوا: له عندي كذا.
وكذلك «كأيَن»، هي مركبة من كاف التشبيه و «أيّ»، واسُتعملت مبتدأَ ومفعولاً بها؛ لأنه حدث لها بالتركيب معنًى لم يكن لكل واحد منهما حالة الإفراد.
ويؤنِّس ما قاله الكسائي من التركيب أنّ «كم» كناية مثل كأيِّن وكذا،
فكما أنَّ كأيَّن وكذا مركبان /من كاف التشبيه وشيء آخر، كذلك ينبغي أن تكون «كم»؛ لتجري الكنايات علي نسق واحد في أنَّ أصلها كلمتان صُيِّرتا كالكلمة الواحدة، وصار لها معنًى خلاف ما كان لكلِّ واحد منهما قبل التركيب.
وقوله اسمُ استبدالً علي اسميتها بدخول حرف الجر عليها، وبالإضافة إليها، وعودِ الضمير عليها، والإسناد إليها، وكونِها تكون معمولة لعوامل النصب.
ولا نعلم في اسميتها خلافًا إلا ما ذكره صاحب «البسيط» في الخبرية أن
بعضهم ذهب إلى أنها حرف للتكثير في مقابلة «رُبَّ» الدالَّة علي التقليل؛ فقال: «وهو فاسد لوجوه: أحدها أنك تقول: كم رجلُ أفضل منك، فترفع، ولا يكون كلام بمرفوع واحد.
ولأنَّ حروف الجر تدخل عليها، بخلاف رُبَّ، تقول: بكم مررت.
وتقول: كم رجلاً ضربت، فتكون مفعولا، ولذلك فرّغت.
ولأنها بمعنى كأيِّن، وهي اسم».
وقوله لعدد مبهم، فيفتقر إلى ممِّيز «كم» تنظم العدد أولاً وآخرًا.
قال
الرماني: «الحكمة في وضعها الاختصار والعموم الذي لا يُستفاد بصريح العدد، لو قلت: أعشرون رجلاً جاؤوك؟ لم يلزمه أن يجيبك بكمية، بل يقول: لا، أو: نعم، وإن قال «لا» لم يحصل لك غرض السؤال مع الإطالة.
ولو قلت: كم رجلاً جاءك؟ استغنيت عن لفظ الهمزة والعدد، وألزمت الجواب بالكمية» انتهى.
وزعم بعضهم أنها في الاستفهام للتكثير.
والصحيح أنها وُضعت مبهمة، تقبل قليل
العدد وكثيره لصلاحية الجواب بالأقل، حكى الأخفش عن العرب: كم مكثَ
عبد الله أيومًا أم يومين؟ وهي أشدُّ إبهاما من أسماء العدد؛ لأنه ينبهم معها العدد
والمعدود، وأسماءُ العدد نصُّ فيه، فلا إبهام فيه، لكنها لا تدلُّ علي جنس المعدود،
فيحتاج من أجل ذلك إلي ذكر جنسه ليتميز به العدد.
واحتياجُ كم إلى مميِّز أشد من احتياج أسماء العدد.
وقوله لا يُحذف إلا لدليل تقول: كم مالُك؟ وكم غلمانُك؟ وكم درهُمك؟
وكم سرتَ؟ وكم زيدُ ماكث؟ وكم جاءك بكرً؟ والتقدير: كم دينارًا أو درهًما
ماُلك؟ وكم نَفْسًا غلمانُك؟ وكم دانِقًا درهُمك؟ وكم فَرسَخًا سرتَ؟ وكم يومًا أو شهرًا زيدُ ماكثُ؟ وكم مرةً جاءك بكرُ؟ وقال الشاعر:
ولم نَدْرِ ـ إن جِضْنا عن الموتِ جَيْضةً ـ... كمِ العُمرُ باقٍ، والَمدَى مُتَطاوِلُ
وظاهر قول المصنف ولا يحذف إلا لدليل يشمل تمييز الاستفهامية وتمييز الخبرية.
ونصَّ بعض شيوخنا وأبو المحاسن مُهَلًب بن حسن في كتاب «نَظم الفَرائد وحَصر الشَّوارد» من تأليفه علي أنه لا يجوز حذف مميِّز الخبرية، قال مُهَلًب: «لأنَّ المضاف لا يُقتصر عليه دون المضاف إليه، فكما لا يجوز: عندي ثلاثُة، تريد: أثوابٍ، فكذلك لا تقول كم وأنت تريد: غلمانٍ، ولا يجوز حذفها وإقامة المضاف إليه مقامها لذهاب لفظ الكَمِّية وبُطلان المعنى لذلك» انتهي.
وقال صاحب البسيط وابن عصفور: يجوز حذف تمييز الخبرية إذا دلً عليه
الدليل.
قال ابن عصفور: «ويَحسُن إذا كان ظرفًا، نحو:
كَمْ عَمَّةُ لكَ ــــ يا جَريرُ ــــ وخالةُ..................................
في رواية من رفع».
ومَّثل صاحب البسيط بهذا البيت، وبقوله:
كَمْ بجُودٍ مُقْرِفُ نالَ العُلا..............................
في رواية مَن رفع مُقْرفُ، وكم قد أتاني زيدُ، وكم عبدُك ضاربُ زيدًا.
والذي ينبغي أن يقال في الحذف أنه إن قُدِّر تمييز الخبرية منصوبًا أو مجرورًا بـ «من» جاز الحذف لدليل، وإن قُدِّرَ مجرورًا بالإضافة فلا يجوز حذفه.
وقيل: يَقُبح حذفه إلا أن يُقَدَّر منصوبًا.
وقوله وهو إن استُفهِم بها كمميِّز عشرين وأخواته إنما قال «إن استُفهم
بها» لأنها تأتي على قسمين: استفهامية، وخبرية.
وشرعَ المصنف يذكر أحكام
الاستفهامية، فبدأ منها بتمييزها، فذكر أنه كمميَّز عشرين وأخواته، يعني من
العقود، أي: منصوب كما هو منصوب بعد عشرين.
قال المصنف في الشرح:
«لَّما كانت الاستفهامية بمنْزلة عددٍ مقرون بهمزة الاستفهام أشبهت العدد المركَّب،
فأجريتْ مُجراه بأن جُعل ممَّيزها كمميَّزه في النصب والإفراد، ثم قصد امتياز
الخبرية، فحُملت من العدد على ما يضاف إلي مميَّزه» انتهي.
ويعني: فَجُرَّ التمييز
وقال الرماني: نُصب تمييزها لأنها جُعلت بمنْزلة عدد متوسط، وهو من أحدَ
عشرَ إلى تسعة وتسعين؛ لأنُ المستفهِم جاهل بالمقدار، فجُعلت للوسَط لقربه من القليل والكثير.
فإن قلت: لو كانت للوسَط لم يجز أن يُبدَل منها القليل ولا الكثير، وقد
جاز: كم رجلاً جاءك أخمسةُ أم مئة؟
/قيل: الجيَّد أن يبدَل منها العدد الوسَط لِما ذكرنا، وإنما جاز خلافه لأنَّ
كم مبهمة في نفسها، تحتمل القليل والكثير والوسَط، ولهذا يصحُّ الجواب بكلِّ
منها، وإنما جُعلت بمنْزلة الوسَط في نصب التمييز فقط.
وفي البسيط: «كم وُضعت وضعًا صالًحا لجميع المقادير، وعند بعضهم هي
للتكثير، والظاهر الأول لصلاحية الجواب بالأقلِّ» انتهى.
وقوله لكنَّ فصله جائز هنا في الاختيار، وهناك في الاضطرار أي: فصله
من كم جائز في سعة الكلام، وأمَّا في عشرين وأخواته فلا يجوز إلا في ضرورة
الشعر، وقد تقدَّم ما أنشدناه على ذلك.
قال المنصف في الشرح:
«وإنما كان الأمر كذلك لأنَ العدد المميَّز بمنصوب مُستَطال بالتركيب إن كان مركُبًا، وبالزيادتين في آخره إن كان... العشرين أو إحدى أخواتها، فموقع التمييز
منه بعيد دون فصل، فلو فصل منه ازداد بُعيدًا، فمنع الانفصال إلا في ضرورة، وكم
بخلاف ذلك، فلم يلزم اتصال ممِّيزها» انتهى.
فعلى هذا يجوز أن تقول: كم لك درهًما؟ وكم أتاك رجلاً؟ وكم ضربتَ رجلاً؟ ولكن اتِّصال التمييز هو الأصل، وهو أقوى.
وزعم س أن السبب في جواز فصل تمييزها منها أنها لَمَّا لزمت الصدر، ونظيرُها من الأعداد التي ينصب تمييزها ليس كذلك، بل يقع صدرًا وغير صدر ـــ جُعل هذا القدر من التصرف فيها عوضًا من ذلك التصرف الذي سُلِبَتْه.
وزعم ثعلب أنه إنما جاز ذلك في المنصوب أن تجعله في آخر كلامك لأنه
ليس مما يُسأل عنه، لأنك إذا قلت: كم ماُلك؟ فـ «كم» سؤال عن العدد، والمال
مسؤول عن عدده، وقولك «درهما» إنما هو شيء تصنعه من قِبلك ليُعلم أنك
إنما سألتَ عن عدد المال لتميِّزه به، ولو لم تذكره به لم يَعلم المسؤول ما يميِّز مالَه
لك به؛ لأنه قد يكون له أموال مختلفة، فإذا قلت: كم ماُلك درهمًا؟ عُلم أنك إنما تريد
الدراهم، وأنَّ عنايتك بها، وأنك إنما سألتَ عن المال من أجلها، فأنت محتاج إليه
في تعريفه إياك العدد، وهو محتاج فيما سألتَه إلي معرفة النوع الذي تمِّيز له به العدد، فلذلك وُضع مخرجًا عن الجملة.
قال ابن عصفور: «وهذا الذي ذكره عندي حسن جدَّا.
فإن قيل: فلأيِّ
شيء كان الأكثر في الكلام أن يتصل تمييز «كم» بها؟ فالجواب أن تقول: إنَّ
السبب في ذلك كونها عاملة فيه، وهي من العوامل الضعاف، فكان الأحسن في
ذلك ألاَّ يُفصَل بينهما، ومن فصل راعى المعنى الذي ذكره ثعلب» انتهى.
وزعم الأخفش الصغير أنهم جعلوا ذلك الذي يقع به الفصل يقوم لـ «كم»
مقام التنوين، فلذلك حسُن الفصل به في «كم» ولم يَحسُن في عشرين وأمثاله.
ويعني أن الاسم الذي ينتصب تمييزه إنما ينبغي أن يكون منوَّنًا، فجعلوا ذلك الفصل
كأنه عوض من التنوين في اللفظ، وكأنهم لم يكتفوا بنيَّة التنوين فيه.
قال ابن عصفور: «وهذا التعليل فاسد؛ لأنَّ العرب لم تَرع ذلك، بدليل
أنهم لم يُجيزوا الفصل في خمسةَ عشرَ وأمثاله في فصيح الكلام مع أنه غير منوَّن» انتهى.
وللأخفش أن يقول: الفرق بينهما أنَّ خمسةَ عشرَ وأمثاله كانت قبل التركيب منوَّنة جزآها، وبعد التركيب حكمها حكم المنوَّن، بخلاف كم فإنه ليس فيها تنوين لا في الأصل ولا في التقدير.
وزعم السيرافي وأبو علي الدِّينَوَريّ /أنَّ السبب في ذلك أنهم أرادوا أن يجعلوا الفصل عوضًا من التمكين الذي سُلبته.
وعنى بالتمكن الإعراب، قال... 2:
«وذلك أنها مستحقة للإعراب بحق الأصالة لأنها اسم، فمُنعت ذلك لعارِض عَرض
فيها، فجُعل هذا التصرف عوضًا عن ذلك».
واعتُرض عليه بخمسةَ عشرَ وبابه.
فاعتذر بأن «كم» خَرجت عن التمكين
أكثر من خروج الأعداد المركَّبة من حيثُ بناؤها على السكون، وتلك الأعداد مبنَّية على حركة.
وأيضًا فـ (كم) كُثر استعمالهم لها لأنها تُستعمل في كل مستفهَم عنه
من المقدار، وما يَكثر استعماله يَكثر تصرُّفهم.
قال بعض أصحابنا: «وما ذهب إليه أقيس؛ لأن العِوض فيه من جنس المعرَّض منه، أعني أنك عوَّضت تصُّرفًا من تصرُّف، وليس الإعراب من جنس التصرف
بالتقديم والتأخير» انتهى.
وهذه كلها علل تسوَّد الأوراق، وليس تحتها طائل، وهي من العلل التي نحن ننكرها.
وهذا الفصل يكثر بالظرف والمجرور، وقد يُفصل بالخبر، نحو: كم قد أتاني
رجلاً.
وبعاملها نحو: كم ضربتَ رجلاً.
وإذا فصلتَ جاز دخول مِن على التفسير
لُبعده عنها بالفصل، ويَقبح دونه لأنَّ من إنما تكون مع الجمع.
ويجوز أن تميز «كم» بـ «مثلك» و «غيرك» و «أفعل من»، فتقول: كم
مِثله لك؟ وكم غيرَه لك؟ وكم خيرًا منه لك؟ قال س: «لأنه يجوز بعد عشرين
فيما عم يونس» انتهى.
وتقدَّم لنا ذكر الخلاف في باب التمييز، وأن الفراء منع:
لي عشرون مثله، وعشرون غيرَه.
وفي كتاب «رؤوس المسائل» لابن أصبغ: «أجاز س 1: كم غيره مثله
لك؟ وحكاها عن يونس، ومنعها غيرهما» انتهي.
ولم ينص علي المانع من هو،
وهو مقتضى مذهب الفراء؛ إذ ذاك نصُّ منه، منع التمييز بمثلك وغيرك في العشرين.
وقال س: «تقول: كم غيَره مِثلَه لك؟ انتَصب (غير) بـ (كم)، وانتصب المِثل
لأنه صفة له» انتهي.
فرع: لا خلاف في جواز قولك: كم رجلاً رأيتَ ونساءه، أو نساءهم،
فإن قلت «وامرأته» أجازها الجمهور، ومنعها الفراء.
وقوله وإن دخل عليها حرف جر فجره جائز بـ «من» مضمرة لا بإضافتها إليه، خلاًفا لأبي إسحاق هذه مسألة خلاف، وهو: هل يجوز حمل مميَّز الاستفهامية على مميِّز الخبرية؟ فمنهم من أجاز ذلك، ومنهم من منع، ومنهم من أجاز ذلك بشرط أن يدخل على «كم» حرف جر، مثاله: على كم جِذعٍ بيتُك؟ قال س...:
«وسألته ــــ يعني الخليل ـــــ عن قولهم: على كَم جِذعٍ بَتُك مَبنُّي؟ فقال: القياسُ