التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 341-29

فذهب الجمهور إلي أنها لا موضع لها من الإعراب.
وذهب أبو سعيد إلي أنها في موضع الحال، كأنه قال: ما رأيتُه متقدماً.
وليس هذا بالوجه؛ لأنها خرجت مخرج الجواب، كأنه قيل له: ما أمدُ ذلك؟ فقال: يومان.
ومما يبطل كونها حالاً أنّ الجملة إذا وقعت حالاً فلا بدَّ فيها من رابط يعود علي ذي الحال، أو من واو الحال، وهذه الجملة خالية من الضمير ومن واو الحال.
وقوله وقد يَجُرّان الوقتَ أو ما يُستَفهَم به عنه مثال جرَّهما الوقتَ: ما رأيتُه مذْ يوم الجمعة، أو منذُ الجمعة.
ومثال جرذَهما ما يُستفهم به عن الوقت: مُذْ متى رأيتَه؟ ومُذْ كَمْ فَقَدتَه؟ واللغة الفصيحة في منذُ الخفض علي كل حال، قال: قَفَا نَبْكِ مِن ذِكْرَي حَبيبٍ وعِرْفانِ... ورَسْمٍ عَفَتْ آياتُهُ مُنذُ أَزْمانِ وقوله/ حرفين أمّا كونهما حرفين إذا انجرَّ ما بعدهما فهو مذهب الجمهور.
[3: 182/ب] واستدلَّ علي ذلك بإيصالهما الفعل إلي كَمْ كما يُوصِل حرفُ الجر، نحو قولك: منذُ كَمْ سِرتَ؟ كما تقول: بِمَنْ تَمُرُّ؟ ولو كانا منصوبين علي الظرف لجاز أن يَستغني الفعل الواقع بعدهما عن العمل فيهما بإعماله في ضمير عائد عليهما؛ فكنت تقول: منذُ كمْ سِرتَ فيه؟ أو سِرتَه، إن اتَّسَعتَ في الضمير، كما تقول: يومَ الجمعة قمتُ فيه، أو قمته، وامتناع العرب من التكلم بذلك دليل علي أنهما حرفا جر، وكذلك قولهم: منذُ متى سِرتَ؟ وامتناعهم من قولهم منذ متى سِرتَ فيه، أو سِرتَه.
وأيضاً فإنَّ مذْ ومنذ يتقدَّران في موضع بـ «في»، وفي موضع بـ «من»؛ إذ هما بمعناهما إذا جَرّا، و «في» و «من» حرف، فكذلك ما بمعناهما.

وذهب بعض النحويين إلي أنهما إذا انجرَّ ما بعدهما اسمان.
واستدلَّ علي ذلك بأن قال: قد ثَبت لهما الاسمية إذا ارتفع ما بعدهما، فلا نُخرجهما عن الاسمية ما أمكن بقاؤهما عليها، وقد أمكن بأن يُجعلا ظرفين في موضع نصب بالفعل قبلهما.
ورًدَّ هذا المذهب بأنَّ الظرف إذا نُفي عنه الفعل لم يقع الفعل في جزء منه، تقول: ما رأيته يومَ الجمعة، فانتفت الرؤية في جميع اليوم وفي جزء منه، وإذا قلت ما رأيته منذُ يومِ الجمعة أمكن أن تكون رأيته في بعضه، ثم انقطعت الرؤية، أو لم تره.
وأيضاً فالظرف إذا نُفي عنه الفعل لم يَنتفِ إلا عنه خاصّة، فإذا قلت ما رأيته يومَ الجمعة انتفت الرؤية عن يوم الجمعة خاصّة، وأمكن أن [تكون] رأيته قبل إخبارك إلي آخر انقضاء يوم الجمعة، ومنذ ليس كذلك، فإذا قلت ما رأيته منذ يومِ الجمعة فالمعني انتفاء الرؤية منذ يوم الجمعة إلي زمان إخبارك.
وأيضاً يبطُل هذا المذهب بأنهما موصلان الفعل إلي اسم الزمان المستفهم به واسم العدد دون ضمير عائد عليهما؛ كما تقدم في الاستدلال لمذهب الجمهور.
وقوله بمعني مِن إن صلَح جواباً لـ «متى»، وإلا فبمعني «في» أو بمعني «مِن» و «إلي» معاً مثال ما صلَح جواباً لِمَتَى قولك: ما رأيته مذْ يومِ الجمعة، ومنذُ يومِ الجمعة، مذ ومنذ في هذين لابتداء الغاية في الزمان بمنْزلة مِن في: سِرتُ مِنَ البصرة، وهذا لمعني مِن، ولا تكون مذ ومنذ بمعني مِن إلا كان الزمان ماضياً معرفةً دالّاً علي وقت معلوم.
ومثال كونهما بمعني في قولك: أنت عندنا مُذ الليلةِ، أو ما رأيتُه منذُ الليلةِ، وهذه بمعني في، ولا تكون بمعني في إلا إذا كان الزمان حالاً، وكان معرفة.

ومثال كونهما بمعني من وإلي معاً: ما رأيتُه منذُ أربعةِ أيام، ولا تكون بمعني مِن وإلي /إلا إذا كان الزمان نكرة، فيدخلان علي الزمان الذي وقع فيه ابتداء الفعل وانتهاؤه، كمِن في نحو قولك: أخذتُه مِن ذلك المكان.
[3: 183/أ] وقال أصحابنا: اسم الزمان الواقع بعد منذ أو مذ إن كان مرفوعاً معدوداً فهما للغاية، أو غير معدود فهما لابتدائهما، وإن كان مخفوضاً فكذلك، إلا إن كان المخفوض حالاً، فإنَّ ما بعدهما يكون إذ ذلك غاية، ويكون معناهما كمعني مِن.
وقالوا أيضاً: إن دخلا علي الحال فلا يكون إلا مخفوضاً، والحال هو اليوم والليلة والحين والساعة والآن وما أضفته إلي نفسك مثل يومنا؛ وما أشرت إليه من أسماء الزمان، ومعناهما إذ ذاك الغاية.
وإن دخلتا علي الماضي فمذ يرتفع الاسم بعدها، وحكي الخفض قليلاً، ومنذ ينجرِّ الاسم بعدها، والرفع قليل.
والظاهر من كلام المصنف أنّ الجر بهما قليل لقوله «وقد يَجُرّان حرفين» وأنهما يضافان إلي الجملة، وأنّ ما جاء بعدها مرفوعاً هو علي إضماء الفعل، فلم يخرجا عنده عن إضافتهما إلي الجملة إلا إذا جَرّا، فهما حرفان.
وقال الأخفش: منذ لغة أهل الحجاز، يجرُّون بها كل شيء من المعرفة والنكرة، وبنو تميم وغيرهم يرفع بِمُذْ ما بعدها، فيقولون: لم أر زيداً مذ يومان، أي: بيني وبين لقائه يومان.
والحجازيون يقولون في هذا: لم أره مذ يومين، فيجعلونها حرفاً بمنْزلة مِن.
وأمَا عامة العرب فيقولون لشيء أنت فيه: لم أره مذ اليومِ، أو منذ العامِ، أو منذ الساعةِ، أو منذ الليلةِ، فيجرُّون.
وإنما يختلفون فيما مضي، فيقول بنو تميم: لم أره منذ العامُ الماضي.
وروي الكوفيون أنّ مذ يرفع بها الماضي تميم وأسد، ويخفضه بها مُزَينة وغَطَفان وعامِر بن صَعصَعة ومن جاورهم من قيس، وروَوَا عن جميع من ذكرنا الخفض بها في الماشي، فإن أدخلت النون فقلت منذ خفضتْ بها عامِر في الماضي، ورفعتْ بها هَوازن وسُلَيم.

قال اللحياني: الرفع بعد مذ أكثر من الخفض ومن الرفع بعد منذ، وضبَّة والرَّباب تخفض بِمُذْ ما مضي ومت لم يمض، وبعض العرب بيرفع ِبِمُنْذُ ما مضي وما لم يمض، وبنو عُبَيْد من غَنِيّ يحركون الذال من مذ عند المتحرك والساكن، ويرفعون بها ما بعدها، فيقولون: مُذُ اليومُ، ومُذُ يومان، وبعضهم يخفض الذال عند الساكن، فيقولون: مُذ اليومُ.
وقال عبد الظاهر: «إذا رفعت ما بعدها جاز التنكير، نحو: ما رأيته مذ يومان، تريد أول الوقت وآخره، والتعريف علي أن تقصد ذلك أيضاً، نحو: ما رأيته مذُ المحرمُ، تريد أنك لم تره في الشهر كله.
وينبغي/ أن تقول ذلك عند انسلاخ الشهر.
والوجه الثاني أن تريد أول الوقت، نحو: ما رأيته مذ يومُ الجمعة، وإذا جررت لم يجز إلا هذا الوجه، وهو قصد أول الوقت، كمِن في الأمكنة» [3: 183/ب] وقال أبو البقاء العكبري: «إذا كانت للابتداء كان ما بعدها معرفة، نحو: ما رأيته مذ يومُ الجمعة؛ لأنه جواب متى.
وإذا كانت لتقدير المدة كان ما بعدها عدداً نكرة، ما رأيته مذ يومان».
وقال أيضاً: «الفرق بين التي للابتداء والتي لتقدير المدة أنّ الأولي لا يمتنع [معها] أن تقع في بعض اليوم؛ لأنّ اللازم أن تكون الرؤية انقطعت فيه، واستمر الإنقطاع إلي حين الإخبار به، والتي تقع بعدها المدة لا يجوز أن تكون الرؤية وجدت في بعضها؛ لأنّ العدد جواب كم، فكأنك قلت: كم زمانُ انقطاع الرؤية؟ فقال: يومان» انتهى.

وزعم أبو علي الفارسي وغيره أن الأغلب علي مذ أن تكون اسماً، قالوا: وذلك أنّ الحذف يكثر في الأسماء والأفعال، ويقل في الحروف، فلا يكاد يوجد الحذف فيها إلا في المضعف، نحو رُبّ وإنّ، فلما كانت مُذ محذوفة من مُنذ وليست من قبيل المضعف غَلَّبَتت العرب فيها جانب الاسمية.
وإنما جعلت محذوفة منها لاتفاقهما في الحروف والمعني.
ويبين صحة ذلك أنّ من العرب مَن يقول: ما رأيته مُذ يومان، مراعاة للأصل، ومَن سكن ردَّها إلي أصلها لما زال موجب تحريكها، وهو التقاء الساكنين، بحذف النون.
ويبين أيضاً صحة ذلك أنّ الرفع بد مُذ أكثر من الخفض بها، ومن الرفع بعد مُنذ.
انتهي.
والعجب لهم أنهم يجعلون مُذْ فرعاً من مُنذُ وأنّ الغالب علي مُذ الاسمية، والغالب علي منذُ الحرفية.
ويستدلون علي ذلك بأنّ الحذف في الأسماء أكثر منه في الحروف لأنه تصرف، والتصرف بابه أن يكون في الأسماء، وكون مُذ محذوفة مِن مُنذ يقتضي أن تكون مُنذُ اسماً؛ لأنها هي، ومحال أن يكون الشيء حرفاً، فإذا حذف منه شيء صار اسماً؛ لأنّ الحذف من الشيء لا يغيِّر الماهيّة؛ ألا تراهم حين حذفوا من حِرٍ الحاء وهو اسم بقي اسماً، وحين حذفوا من رُبَ الباء وهو حرف بقي حرفاً، وحين حذفوا من يَعِدُ الواو وهو فعل بقي فعلاً، فالذي ينبغي أن يقال: إنّ مُذْ إذا استعملت اسماً مرفوعاً ما بعدها فهي محذوفة من منذُ الاسمية أيضاً، لكن جاء الرفع بعدها أكثر مما جاء بعد مُنذ، وقد يغلب علي الفروع حكم يَقِلُّ في الأصول.

وقوله وقد يغني عن جواب في الحالين مصدرٌ معيَّن الزمان يعني بقوله في الحالين إذا كانا ظرفين، وإذا كانا حرفي جر.
ومثاله: ما رأيته/ مذُ قدومِ زيد، فيرفع، ويجر، وهو علي حذف زمان، أي: مُذ قدومُ زيدٍ، ومذ زمنِ قدومِ زيد، حُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
[3: 184/أ] واحترز بقوله معيّن الزمان من أن يكون مبهم الزمان، نحو: ما رأيته مُذ قدومٍ، أو ما رأيته مُذ قدومِ رجلٍ.
وقوله أو أنّ وصِلَتُها مثاله: ما رأيتُه مُذْ أنّ اللهَ خَلَقَنِي، فيُحكم علي موضعها بما حُكم للفظ المصدر من رفع أو جر؛ لأنها مؤولة به، ويكون ذلك علي حذف مضاف، تقديره: مُذ زمنُ أنّ اللهَ خلقني.
قال ابن عصفور: «ويجوز أن تكون أنّ وما بعدها بتأويل المصدر الموضوع موضع الزمان، مثل: خفُوقَ النجم».
وقوله وليسا قبل المرفوع مبتدأين، بل ظرفين، خلافاً للبصريين تقدمت المذاهب علي أيِّ شيء ارتفع ما بعدهما، أعلي الفاعلية، أو علي الابتدائية، أو علي الخبر لهما، أو علي الخبر لمبتدأ محذوف.
إلا أنّ في كلام المصنف نقداً من حيث قال «بل ظرفين خلافاً للبصريين» وليس البصريون قالوا كلهم إنهما مبتدآن لا ظرفان، بل هم في ذلك فرقتان كما نقلناه قبل، إحداهما قالت بأنهما اسمان مبتدآن لا ظرفان، والأخرى قالت إنهما ظرفان منصوبان في موضع الخبر للمرفوع بعدهما.

وقوله وسكون ذال مُذ قبل متحرك أعرف من ضمها مثاله مُذْ يومان، ومُذُ يومان، تقدم أنّ الضم لغة بني عُبَيْد من غَنِيّ.
وقوله وضمها قبل ساكن أعرف من كسرها مثاله مُذُ اليوم ومُذِ اليوم، وتقدم أن كسر الذال لغة لبعض بني عبيد من غني.
انتهي شرح كلام المصنف.
ولنذكر مسائل من باب مُذ ومُنذ، تكون كالتتمة لكلام المصنف.
المسألة الأولي: مُذْ ومُنذُ لا يجرّان إلا الظاهر من اسم الزمان أو المصدر ما ُبيّن.
وأجاز أبو العباس أن يجرا مضمر الزمان، يومْ الخميس ما رأيتك مُنْذُه أو مُذْه.
والصحيح المنع لأنّ العرب لم تقله.
المسألة الثانية: اسم الزمان المخصّص الواقع بعدهما إذا كان بمعني أوّل الوقت، نحو: ما رأيته مُذْ يومِ الجمعة ذهب الأخفش إلي أن الفعل لا يكون أبداً في جميعه بل في بعضه، فأنت قد رأيته في بعض يوم الجمعة، ثم فقدتَه بعد ذلك إلي الزمان الذي أنت فيه.
واختلف النقل عن المبرد: ففي «المقتضب» ما يدل علي موافقة الأخفش، قال فيه: «إن قال قائل: ما بالي أقول: لم أرَك مُذْ يومِ الجمعة، وقد رأيتك يوم الجمعة؟ قيل:/ إنّ النفي إنما وقع علي ما بعد يوم الجمعة، والتقدير لم أَرَك مذ وقتِ رؤيتي لك يوم الجمعة، فقد أثبتَّ الرؤية، وجعلتها الحدَّ الذي لم تره منه».
وقال ابن السراج عن أبي العباس: «إنه يجوز أن يكون نفي الفعل في جميعه، وأن يكون في بعضه».
قال: «فيقال: كيف اجتمعا في النفي والإيجاب على أنّ

الرؤية واقعة في يوم الجمعة؟ والجواب في هذا أنك تقول: رأيت زيداً يومَ الجمعة، وإنما رأيتَه في بعضه أو في جميعه، فهل يستقيم علي هذا أن تقول: ما رأيته مذ يومِ الجمعة، فيقع النفي في جميعه كما كانت الرؤية مستقيمة في جميعه؟ ويجوز أن يكون النفي واقعاً علي بعضه».
والصحيح ما ذهب إليه أبو الحسن وأبو العباس في مقتضيه؛ لأنك لا تقول ما رأيته مذ يومِ الجمعة إلا وقد وقع فقد الرؤية بعد دخول الوقت الذي يقال له يوم الجمعة؛ إذ لو كان فقد قبل طلوع الفجر لَمَا كان فاقداً للرؤية الجمعة بل ليلة الجمعة.
المسألة الثالثة: مذ ومنذ لا يتقدمهما من الأفعال إلا الأفعال المنفية لفظاً ومعني، أو المنفية لفظاً، أو الأفعال الموجبة التي تقتضي الدوام، نحو: ما رأيتُ زيداً مذ يوم الجمعة، وما زلتُ أَصحَبُك منذ سنةٍ، أو صَحِبتُه مذ يومِ الجمعة، وسرتُ مذ يومِ الجمعة إذا أردت اتصال السير.
قال أبو الحسن في «الكبير» له: لو قلت: رأيته مذ يومِ الجمعة، وأنت تعني أنك رأيته يوم الجمعة، ثم انقطعت الرؤية إلي ساعتك لم يجز.
وقال أبو بكر في «الأصول» له: «تقول: أنا أراك مذ سنة تتكلم في حالة، إذا أردت أنك في حال رؤيته مذ سنة».
قال: «ولذلك قلت أراك لأنك تخبر عن حال لم تنقطع، فإن أردت أنك رأيته ثم غَبَرتَ سنةَ لا تراه قلت: رأيتك مذ سنة؛ لأنك أخبرت عن رؤيةٍ مضت وانقطعت».
وقال بن عصفور: والصحيح ما ذهب إليه أبو الحسن من أنه لا يراد بما بعدهما تبيين مدة الانقطاع، أو تبيين أول مدة الانقطاع إلا بعد الفعل المنفي.
وأمّا إذا وقعا بعد الفعل الموجب فإنما يراد بهما تبيين مدة دوام الفعل أو تبيين أول مدة

دوامه، وسواء في ذلك كون الفعل علي صيغة الماضي أو صيغة المضارع.
ويدلُّ علي صحة ذلك قول سَلَمة بن يزيم الفَهْمي: رأيتُ الناسَ مُذْ خُلِقُوا وكانوا... يُحِبُّونَ الغِنِيّ مِنَ الرِّجالِ [3: 185/أ] ألا تري أنّ مراده أنه لم يزل يري الناس مذ خُلق يحبون الغني إلي ساعته التي قال فيها هذا البيت.
والنفي إذا كان في المعني موجباً يجري مجري الموجب في ذلك، نحو قول الفرزدق: ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداه إزارَهُ... فِسَماً، فأَدْرَكَ خَمْسة الأَشْبارِ يُدْنِي خوافِقَ مِنْ خوافِقَ، تَلتَقي... في ظِلِّ مُعْتَرَكِ العَجاجِ مُثارِ مراده الإخبار عن الممدوح بأنه مُذْ عَقَدت يداه إزازه يُدني خَوافِق من خَوافق.
وكذلك أيضاً حكمهما إذا جرّا الحال، نحو: ما رأيتُه مُذُ اليومِ، وأقامَ عندنا مُذُ اليومِ.
قال أبو الحسن: ولا يحسن: قَدمَ فلانٌ يوم الجمعة، ولا: قَدمَ فلانٌ مُذْ اليومِ، إلا أن تكون العرب تُجيز هذا،، كأنك لم تذكر مذ، كما يقولون: رأيتُه مُذ اليوم، وهم يريدون: اليومَ.
قال: وذلك قبيح إلا أن تدوم الرؤية.
قال: وكذلك يقبح: ماتَ زيدٌ مُذ اليومِ، إلا أن تجعل الموت شيئاً دائماً له، وهو قبيح؛ لأنك لو قلت ماتَ مُذُ اليومِ، إلا أن تجعل الموت شيئاً دائماً له، وهو قبيح؛ لأنك لو قلت ماتَ مُذُ اليومِ إلي الساعة لم يَحسُن.
المسألة الرابعة: إذا كانا حرفين فلا إشكال في بنائهما، وإذا كانا اسمين فللزومهما طريقةً واحدة كالحرف.
المسألة الخامسة: اسم العدد الواقع بعدهما إذا كانا بمعني الأمد فيه للعرب مذاهب:

أحدها: أنه لا يُعتَدُّ به إلا إذا كان كاملاً.
الثاني: أنه يُعتَدُّ بالأول والآخر وإن لم يكونا كاملين.
قال أبو الحسن في «الكبير» له: يجوز أن يقول الرجل يومَ الاثنين لمن رآه الجمعة: ما رأيتُك مُذ يومان، ولا يحتسب بالاثنين ولا بالجمعة؛ لأنه قد رآه فيهما، رأيت بعض العرب يذهب إلي هذا، وبعضهم يقول: مُذ أربعةٌ، يحتسب الاثنين والجمعة من الأيام التي لم يره فيها لما كان قد ترك رؤيته في بعضها.
وزعم أن أرباب هذه اللغة لا يقولون: ما رأيتُه مُذ يومان، لم رآه أمس، وإنما يقولون: مُذ أمسِ إلي اليوم.
وإنما لم يقولوا ذلك لأنه يقع فيه لبس من جهة أنّ اليومين جميعاً لم يتمَا، فكل واحد منهما علي المجاز، ولم يحسن لمّا اجتمعا علي المجاز.
المذهب الثالث: أن يعتدّ بالناقص الأول، ولا يعتد بالآخر، حكي أبو الحسن أيضاً في «الكبير» له أنه سأل بعض العرب عن قوله «لم أره مُذ يومان»: متي رأيتَه؟ فقال: أولَ مِن أمسِ.
وإنما حمل ذلك علي الاعتداد بالناقص الأول لا الثاني أنهم لا يكادون يحتسبون بالذي هم فيه إذا كان ناقصاً؛ ألا تري أنه إذا قال ما رأيتُه مُذ اليوم كان/ قد فقد رأيته في اليوم، ولم يره في شيء منه؛ لأنّ معناه: ما رأيته في اليوم.
هذا هو المختار.
[3: 185/ب] وقد أجاز الأخفش بالقياس أن يحتسب بالناقص الثاني دون الأول، ويجعل العدد علي الليالي، فإن العدد علي ذلك يقع، قال: وهو قياس حسن.
المسألة السادسة: لمّا كان النفي واقعاً في جميع ما بعد مُذ ومُنذُ إذا كانا بمعني أول الوقت منع أبو الحسن أن يُعطف علي اسم الزمان الواقع بعدهما اسم زمان مختصّ متقدم عليه أو متأخر عنه؛ فلا يقال: ما رأيته منذ شهرُ رمضان وشهرُ

شعبان، لأنّ قولك ما رأيته مذ شهرُ رمضان يقتضي أنك رأيته فيه، فكيف تقول: منذ شهرُ شعبان، وأنت لا تقول «من شهرُ شعبان» إلا وقد رأيتَه فيه، ثم لم تره إلي أن قلت: ما رأيته مذ شهرُ شعبان.
وكذلك أيضاَ عنده: ما رأيتُه منذ شهرُ رمضان وشهرُ شوال؛ لأنك إذا قلت ما رأيتُه منذ شهرُ رمضان وقد جزت شهر شوال عُلم أنك لم تره في شهر شوال.
قال: وكذلك لو قلت: ما رأيته منذ يومُ الجمعة ويومُ السبت [لم يجز]، ولو نصبت يوم السبت لم يجز أيضاً؛ لأنك إنما تريد إذ ذاك: وما رأيته يومَ السبت، وأنت إذا قلت يومَ الأحد: ما رأيته مذ يومُ الجمعة عُلم أنك لم تره يوم السبت، فإن كان ما بعد حرف العطف متقدماً علي الزمان الواقع بعدهما جاز عنده النصب، نحو: ما رأيته مُذْ يومُ الجمعة ويومَ الخميس، تريد: وما رأيته يومَ الخميس.
قال ابن عصفور: ويجوز عندي بالقياس أن يقال: أَمَدُ انقطاع الرؤية يومُ الجمعة ويومُ السبت، وتكون الواو إذ ذاك لا تنوب مناب عامل يتكرر، مثلها في قولك: اختصَم زيدٌ وعمرٌو، وتكون إذ ذاك قد عرَّفت مخاطبك بعدّة مدة الانقطاع، وزدت مع ذلك تعريفاً لتلك المدة، إلا أنّ الذي منع أبا الحسن أن يذكر هذا الوجه ما حكاه عن العرب من أنها لا تَستعمل اسم الزمان المعرفة في كلامها بعد مُذْ ومُنذُ إلا إذا كانا بمعني أول الوقت.
المسالة السابعة: منع أبو الحسن العطف إذا اختلف الاسمان الواقعان بعدهما بالتعريف والتنكير، فلا يجوز عنده: ما رأيتُه مُذْ يومْ الجمعة ويومان، ولا: ما رأيته مُذْ أمسِ ويومان، قال: لأنك لا تقول ما رأيتُه مُذْ أمسِ إلا وقد رأيته أمسِ،

وكذلك: ما رأيتُه مُذْ يومانِ وأمسِ.
وإنما منع ذلك لأجل المخالفة؛ لأنّ اسم الزمان إذا كان معرفة بعدهما كانا بمعني: أوَّل، ولزم إذ ذاك أن تكون الرؤية قد وقعت في ذلك الزمان، وإذا كانت /نكرة كانا بمعني: أمَد، ولم يلزم إذ ذاك أن تقع الرؤية في الزمان الواقع بعدهما، فلمّا اختلف المعني امتنع العطف.
[3: 186/أ] قال ابن عصفور: والعطف عندي أيضاً جائز في القياس مع الاختلاف علي الوجه الذي ذكرته مع الاتفاق؛ وذلك بأن تجعل مُذْ بمعني: أَمَدُ انقطاعِ الرؤيةِ يومُ الجمعةِ ويومان، وتكون الواو مثلها في: اختصمَ زيدٌ وعمرٌو.
وزعم ابن السَّرَاج في «الأصول» له أن يجوز أن تقول: ما رأيتُ زيداً مُذْ يومان ويومُ الخميس، فالرفع علي تكرير مذ، والنصب كأنك قلت: وما رأيتُه يومَ الخميس.
قال: وتنسق علي المعرفة المعرفة، فترفع إذا اتفق، وهو أحسن، ويجوز النصب، وتنصب إذا اختلف، وهو أحسن، ويجوز الرفع.
قال ابن عصفور: والصحيح ما ذكره أبو الحسن مِن أنّ العطف ليس من كلام العرب، اتفق الاسمان في التعريف أو اختلفا، فكان أحدهما معرفة والآخر نكرة للعلة التي تقدم ذكرها.
المسألة الثامنة: إذا وقع بعدهما اسم الزمان مختصاً، ولم يفد عِدّة مدة الانقطاع لم يقع بعدها إلا إذا كان المعني: أوّل، نحو: ما رأيتُه مُذْ يومُ الجمعة، تريد أنّ انقطاع الرؤية كان أوَّلُه يوم الجمعة، وإن أفاد فالمحفوظ من كلام العرب إذا وقع بعدهما أن يكونا بمعني: أوَّلُ الوقت، فتقول: ما رأيتُه مُنذُ الشهران الماضيان، تريد أنك رأيته في الشهرين الماضيين، ثم انقطعت الرؤية من أحدهما إلي وقت إخبارك.

قال ابن عصفور: ويجوز في القياس وقوعه بعد مُذْ ومُنذُ إذا كان تخصيصه لا يُخرجه عن أن يفيد عِدّة مدة انقطاع الرؤية؛ إلا أنّ العرب لم تَكَلّم بذاك.
قال أبو الحسن في «الكبير» له: ولو قلت: ما رأيتُه مُذُ الشهران كما تقول: ما رأيتُه مُذْ شهران تريد: بيني وبين لقائه الشهران الماضيان كان جائزاً القياس وإن كان لا يُتَكلَّم به.

تم بحمد الله تعالي وتوفيقه الجزء السابع من كتاب «التذييل والتكميل» بتقسيم محققه، ويليه إن شاء الله تعالي الجزء الثامن، وأوله: «ص: ومنها الآنَ لوقتٍ حضرَ جميعُه أو بعضُه»

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

ألفه أبو حيان الأندلسي (654 - 745 هـ)

حققه الأستاذ الدكتور حسن هنداوي كلية التربية الأساسية- الكويت

الجزء الثامن

دار كنور أشبيليا للنشر والتوزيع

بسم الله الرحمن الرحيم

-[ص: ومنها "الآن" لوقت حضر جميعه أو بعضه, ظرفيته غالبة لا لازمة, وبني لتضمن معي الإشارة, أو لشبه الحرف في ملازمة لفظ واحد. وقد يعرب على رأي. وليس منقولاً من فعل, خلافًا للفراء.]-

ش: "الآن" اسم في أصل وضعه واستعماله بدليل دخول أل وحرف الجر عليه.
وألفه منقلبة عن واو لقولهم في معناه الأوان.
وقيل: هي منقلبة من ياء لأنها من أن يئين: إذا قرب.
وقيل: أصلها أوان, فقلبت الواو ألفًا, ثم حذفت لالتقاء الساكنين.
وهذا بعيد لأن الواو قبل الألف لا تقلب, كالجواد والسواد.
وقيل: حذفت الألف, وغيرت الواو إلى الألف, كما قالوا راح وراح, استعملوه مرة على فعلٍ, ومرة على فعالٍ, كزمن/ [3: 186/ ب] وزمان.
وقال المصنف في الشرح: "مسمى الآن الوقت الحاضر جميعه, كوقت فعل الإنشاء حال النطق به أو الحاضر بعضه, كقوله تعالى ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾, وكقوله ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾, وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا, فيوشك الرجل أن يمشي بصدقته, فيقول الذي أعطيها: لو جئتني بالأمس لأخذتها, وأما الآن فلا حاجة لي بها).
ومثله قول علي كرم الله وجهه: (كان

ذلك والإسلام قل, وأما الآن فقد اتسع نطاق الإسلام, فامرأ وما اختار).
ومثله قول الشاعر: فلو أنها إحدى يدي رزئتها ولكن يدي بانت على إثرها يدي))) فآليت لا آسى على إثر هالك قدي الآن من وجدٍ على هالكٍ قدى وثله قول عنترة: فإني لست خاذلكم, لكن سأسعى الآن إذا بلغت إناها وقوله وظرفيته غالبة لا لازمة أي: تغلب عليه الظرفية: أي عليه الظرفية, وليست لازمة؛ إذ يخرج عنها إلى باب الاسمية غير الظرفية, قال المصنف: (((ومن وقوعها غير ظرف قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمع وجبة, قال: (هذا حجر رمى به في النار منذ سبعين خريفًا, فهو يهوى في النار, الآن حين انتهى إلى قعرها), فالآن هنا في موضع رفع بالابتداء وحين انتهى: خبره, وهو مبني لإضافته إلى جملة مصدرة بفعل ماض.
ومن وقوع "الآن" غير ظرف قول الشاعر:

أإلى الآن لا يبين ارعواء لك بعد المشيب عن ذا التصابي)) وقوله وبني لتضمن معي الإشارة لأن معنى الآن: هذا الوقت, وهذا قول الزجاج.
وقوله أو لشبه الحرف في ملازمة لفظٍ واحد لأنه لا يثنى, ولا يجمع, ولا يصغر, بخلاف حين ووقت وزمان ومدة.
وقال أبو علي: بني لتضمنه معنى لام التعريف؛ لأنها استعملت معرفة, وليست علمًا, والألف واللام فيها زائدتان.
وقال المصنف في الشرح: "وضعف هذا القول بين؛ لأن تضمين اسم معنى حرف اختصار ينافي زيادة ما لا يعتد به, هذا مع كون المزيد غير المضمن معناه, فكيف إذا كان إياه".
وقال المبرد وابن الشراج: "خالفت نظائرها لأنها نكرة في الأصل, استعملت من أول وضعها بالألف واللام, وباب اللام أن تدخل على النكرة".
انتهى.
ونسب المصنف هذا القول إلى الزمخشري, فقال: " وجعل/ [3: 187/ أ] الزمخشري سبب بنائه وقوعه في أول أحواله بالألف واللام؛ لأن حق الاسم في أول أحواله

التجرد منها, ثم يعرض تعريفه, فيلحقانه, كقولك: مررت برجلٍ فأكرمني الرجل, فلما وقع الآن في أول أحواله بالألف واللام خالف الأسماء, وأشبه الحروف.
ولو كان هذا السبب بناء لبني الجماء الغفير, ونحوها مما وقع في أول أحواله بالألف واللام.
ولو كانت مخالفة الاسم لسائر الأسماء موجبة لشبه الحروف واستحقاق البناء لوجب بناء كل اسم خالف الأسماء بوزن أو غيره؛ وعدم اعتبار ذلك مجمع عليه, فوجب أطراح ما أفضى إليه" انتهى.
وبهذا الأخير وهو قول المصنف "ولو كانت مخالفة الاسم إلى آخره" يرد على المصنف في قوله "إنه بني لشبه الحرف في ملازمة لفظٍ واحد لأنه لا يثنى ولا يجمع ولا يصغر, بخلاف حين ووقت وزمان ومدة"؛ لأن مخالفة الآن في هذه الأشياء ليست موجبة لشبه الحرف واستحقاق البناء, فيرد على المصنف قوله بقوله.
وقال الزجاج: بنيت لتضمنها معنى الإشارة؛ لأنك إذا قلت أصلي الآن فمعناه: في هذا الوقت.
وذهب الفراء إلى أنه مبني لأنه نقل من فعل ماضٍ, فبقى على بنائه, وسيأتي ذكر مذهبه.
وقوله وقد يعرب على رأي احتج من ذهب إلى ذلك بقول الشاعر: كأنهما م الآن لم يتغيرا وقد مر للدارين من بعدنا عصر أراد: من الآن, فخذف النون لالتقاء الساكنين, كما قال الشاعر:

ليس بين الحي والميت نسب إنما للحي م الميت النصب وكسر النون الآن لدخول من عليه, فعلم أنه معرب.
قال المصنف: "وفي الاستدلال بهذا ضعف الاحتمال أن تكون الكسرة كسرة بناء, ويكون في بناء الآن لغتان: الفتح, والكسر, كما في شتان, إلا أن الفتح أكثر وأشهر" انتهى.
وقوله وليس منقولاً من فعل, خلافًا للفراء زعم الفراء أن الآن منقول من آن بمعنى حان, واسصحبت فيه الفتحة, كقولهم: من شب إلى دب", (وأنهاكم عن قيل وقال).
ورد المصنف في الشرح هذا القول بأنه لو كان مثل هذا لم تدخل عليه الألف واللام؛ كما لا تدخلان على شب ودب, وقيل وقال, ولاشتهر فيه الإعراب والبناء كما اشتهر في تلك, فإنه يقال: من شب إلى دب, وعن قيلٍ وقالٍ, كما قيل: من شب إلى دب, وعن قيل وقال.

و "أل" في "الآن" عند أصحابنا معرفة, ويصحبها الحضور.
ورد بأنها لو كانت للتعريف لما لزمت, لكنها لازمة؛ إذ لم يقولوا: افعله/ [3: 187/ ب] أنا من الأنات.
وقيل: لو لم تكن للتعريف أن تكون نكرة؛ لأنه لو لم يتعرف بأل لكان علمًا, ولا يكون علمًا لأنه لا يختص.
وقال أبو إسحاق: تعرف بالإشارة, فتضمنها, ولذلك بنيت.
ورد بأن ما تضمن حرف الإشارة بمنزلة اسم الإشارة, واسم الإشارة لا تدخل عليه أل.

-[ص: ومنها قد للوقت الماضي عمومًا, ويقابله عوض, ويختصان بالنفي.
وربما استعمل قد دونه لفظًا ومعنىً, أو لفظًا لا معنى.
وقد يرد عوض للمضي, وقد يضاف إلى العائضين, أو يضاف إليه, فيعرب.
ويقال قط وقط وقط وقط, وعوض وعوض.]-

ش: قط اسم مبني, وأصله التشديد, نقلت من القط, وهو القطع 'لى الطرف, ألا ترى أنك إذا قلت ما رأيته قط معناه: ما رأيته فيما انقطع من عمري.
وإنما بني لشبهه بالحرف في إبهامه؛ لأنه وقع على كل ما تقدم من الزمان؛ كما أن من إذا أردت التبعيض أتيت بها في كل متبعض.
وقيل: بنيت لأنها أشبهت الماضي؛ لأنها لزمانه, ولأنها تضمنت معنى في؛ لأنها لا تحسن فيها, بخلاف الظروف.
وقيل: تضمنت معنى منذ, فمعنى قولك ما رأيته قط: ما رأيته منذ خلقت.

وبنيت على حركة لأن لها أصلاً في التمكن؛ لأنها منقولة من القط, وهو القطع كما قلناه.
وكانت الحركة ضمة تشبيهًا لقط بقبل.
ووجه الشبه بيتهما أنها تدل على ما تقدم من الزمان كقبل, وقبل حركت للساكنين, وضمنت لأنها نائبة عن منذ وما بعدها.
وقيل: لشبهها بمنذ.
وتأتي بقية اللغات فيه إن شاء الله.
وذكر المصنف في الشرح أن قط بني لتضمنه معنى في ومن الاستغراقية على سبيل اللزوم, قال: "أو لشبه الحروف في الافتقار إلى جملة, وعدم الصلاحية لأن يضاف أو يضاف إليه أو يسند أو يستد إليه".
قال: "وبني في التضعيف على حركة لئلا يلتقي ساكنان, وكانت ضمةً حملاً على قبل المنوي إضافته, أو لأنه لو فتح لتوهم النصب بمقتضى الظرفية, ولو كسر لتوهم الجر بمن المضمن معناها, وكان يعتذر عن زوال التنوين بكثرة الاستعمال".
وذهب الكسائي إلى أن أصلها قطط بضم الطاء الأولى وسكون الثانية, فسكن الأولى, وجعل الآخر على حركة الأول.
وقوله ويقابله عوض يعني أنه للوقت المستقبل عمومًا, وقال ابن السيد في بيت الأعشى: رضيعي لبانٍ ثدي أم, تحالفًا بأسحم داجٍ لا نتفرق "عوض: صنم كان لبكر بن وائل.
وقيل: هو اسم من أسماء الدهر.
وإذا كان من أسماء الدهر كان ظرفًا, كقولهم: لا آتيك عوض العائضين, كما تقول: دهر الداهرين, ثم كثر حتى أجروه مجرى القسم".

قال: "ومن جعل عوض اسم صنم جاز أن يكون في موضع نصب على/ [3: 188/ أ] ألا تقدر فيه حرف الجر, وتحذفه, كقولك: يمين الله لأفعلن.
ويجوز أن يكون في موضع خفض على إضمار حرف القسم, وهو أضعف الوجوه, والباء في بأسحم بمعنى في.
ومن جعل عوض من أسماء الدهر فوجهان: أحدهما: أن يكون القسم به لا بالأسحم, فالقول فيه كالقول فيه إذا كان اسم صنم.
والثاني: أن يكون القسم بالأسحم, ويكون عوض ظرفًا, كأنه قال: لا نتفرق عوض, أي: لا نتفرق طول دهرنا" انتهى.
وذكرت مسألة القسم مع عوض هنا لأن المصنف لم يتعرض لعوض في القسم, إنما ذكر هاهنا, فتبهنا على ذلك حيث تعرض لها المصنف.
وقوله ويختصان بالنفي تقول: ما فعلته قد, ولا أفعله عوض, قال الشاعر: يرضى الخليط, ويرضى الجار منزله ولا يرى عوض صلدًا يرصد العللا وقوله وربما استعمل قط دونه لفظًا ومعنى أي: دون النفي, مثاله قول بعض الصحابة رضي الله عنهم: (قصرنا الصلاة في السفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كنا قط وآمنه).

وقوله لفظًا لا معنى مثاله ما روي في الحديث أن أبيا قال: (كأين سورة الأحزاب)؟ فقال عبد الله: (ثلاثًا وسبعين), فقال: (قط), أي: ما كانت كذا قط.
وقوله وقد يرد عوض للمضي يعني: فيكون بمعنى قط, قال: فلم أر عامًا عوض أكثر هالكًا ووجه غلامٍ يسترى وغلامه وقوله وقد يضاف إلى العائضين أو يضاف إليه فيعرب كقولهم: ى أفعل ذلك عوض العائضين, أي: دهر الداهرين, وقال الشاعر: ولولا نبل عوضٍ في حظباي وأوصالي لطاعنت صدور القوم طعنًا ليس بلآلئ وقوله ويقال قط وقط وقط وقط, ذكر في الشرح لغة أخرى, وهي قط, بفتح القاف وتشديد الطاء مع الكسر.
فأما قد فتقدم الكلام عليها.
وأما البناء على الكسر فعلى أصل التقاء الساكنين, ولا التفات إلى توهم الجر؛ لأن

الكسرة لا تكون علامة جر إلا مع تنوين أو إضافة أو أل, ولا واحد منها في قط.
وأما قط بضم القاف فإتباع.
وأما قط فالتخفيف منوي فيه المحذوف, فلذلك اصطحبت الحركة معه, ومن خفف بالتسكين لم ينو فيه المحذوف, كما قالوا مذ, ونقل الكسر فيها.
والتخفيف مع ضم الطاء أو تسكينه مخالف لما حتمه الأخفش من الضم, قال الأخفش: إذا أردت بها الزمان أضم أبدًا, فتقول: ما رأيت/ [3: 188/ ب] مثله قط, فإن قللت بقط شيئًا فاجزمها, تقول: ما عندك إلا هذا قط, فإن لقيت ألف وصل كسرت لالتقاء الساكنين, تقول: ما علمت إلا هذا قط اليوم, وما عندك إلا هذا قط الآن.
وقوله وعوض وعوض قال ابن السيد في عوض: "زعم المازني أنه يضم ويفتح ويكسر" انتهى.
وبني عوض لشبهه بالحرف في إبهامه؛ لأنه يقع على كل ما تأخر من الزمان.
وقال المصنف: "وبني عوض لأنه مثل قط فيما نسب إليه مما سوى عدم الصلاحية لأن يضاف ويضاف إليه.
وبني على حركة لئلا يلتقي ساكنان.
ومن ضم فحملاً على بعد, أو لتحرك آخره بحركة تجانس ما قبله.
ومن فتح كره اجتماع مستثقلين: الضمة, والواو.
ومن كسر راعي أصل التقاء الساكنين.
وأعرف حين يضاف أو يضاف إليه لأنه عومل بما لم يعامل مقابله مما هو خاص بالأسماء, فاستحق مزية عليه".
ص: "ومنها" أمس مبنيًا على كسر بلا استثناء عند الحجازيين, وباستثناء المرفوع ممنوع الصرف عند التميمين, ومنهم من يجعل كالمرفوع

غيره.
وليس بناؤه على الفتح لغة, خلافًا للزجاجي.
فإن نكر, أو أضيف, أو قارن الألف واللام- أعرب باتفاق, وربما بني المقارن لهما.
ش: "أمس" اسم معرفة متصرف, يستعمل في موضع رفع ونصب وجر, وهو اسم زمان موضوع اليوم الذي أنت فيه, أو ما هو في حكمه, في إرادة القرب وكونه معرفة, نحو قوله: أولئك قوم, قد نرى أمس فيهم مرابط للأمهار والعكر الدثر ولا يخلو إما أن يستعمل ظرفًا أو غير ظرف, فإن استعمل ظرفًا فهو مبني على الكسر عند جميع العرب.
وعلة بنائه تضمنه معنى الحرف, وهو لام التعريف, ولم يبن غد- وهو معرفة كأمي- لأنه لم يتضمنها, وإنما يتضمنها ما هو حاصل واقع, وغد ليس بواقع.
قال السهيلي: "هذا مذهب الخليل وس".
وقال غير السهيلي: هذا هو الظاهر من تعليل س, وهو أنه ضمن معنى الحرف؛ إذا شبهه ب"أين" ألتي ضمنت معنى حرف الاستفهام, فبنيت.
والفرق بين أمس وسحر أن سحر لما عدل عن السحر لم يضمن معنى الحرف, بل أنيب مناب السحر المعرف, فصار معرفة مثله بالنيابة, كما صار عمر معرفة بالنيابة عن عامر العلم.
وقال ابن كيسان: بني لأنه في معنى الفعل الماضي, وأعرب غد لأنه في معنى الفعل المستقبل وظرف له, والمستقبل معرب كما أن الماضي مبني.

وقال قوم: علة بنائه شبه الحرف؛ إذا افتقر في الدلالة على ما وضع له إلى اليوم الذي أنت فيه, كما افتقر الحرف إلى غيره.
وقال قوم: بني لشبهه بالأسماء المبهمة في انتقال معناه؛ لأنه لا يختص بمسمى دون آخر.
وأجاز الخليل في لقيته/ [3: 189/ أ] أمس أن يكون التقدير: لقيته بالأمس, فحذف الحرفين الباء وأل, فتكون الكسرة على هذا كسرة إعراب.
وزعم قوم منهم الكسائي لأنه ليس مبنيًا ولا معربًا, بل هو محكي, سمي بفعل الأمر من المساء, كما لو سمي بأصبح من الصباح, فهو لفظ محكي, كما قال: بئس مقام الشيخ أمرس أمرس فموضع أمرس موضع المبتدأ, كأنه قال: بئس مقام الشيخ المقام الذي يقال فيه أمرش أمرس, يريد مقام الاستقاء بالدلو.
وكذلك: جئت أمس, أي: اليوم الذي كنا نقول فيه: أمس عندنا أو معنا, وكانوا كثيرًا ما يقولون ذلك للزور والخليط إذا أراد الانصراف عنهم, ولاسيما مع حبهم الأضياف, فكثرت هذه الكلمة على ألسنتهم حتى صار اسمًا للوقت واليوم الذي قبل يومك وليلتك, وتعريفه بالإشارة إلى أنه اليوم الذي قبل يومك, وخرج بذلك عن حكم الأسماء النكرات؛ لأن بابها أن تتعرف بلام التعريف.

وزعم أبو زيد السهيلي أن تعريفه بالإضافة معنى كتعريف أجمع, وسيأتي ذكر مذهبه في أجمع في باب التوكيد, إن شاء الله.
وإن استعمل غير ظرف فذكر س عن الحجازيين بناؤه على الكسر رفعًا ونصبًا وجرًا, كما كان حال استعماله ظرفًا, فتقول: ذهب أمس بما فيه, وأحببت أمس, وما رأيتك منذ أمس, وعليه قوله: اليوم أعلم مل يجئ به ومضى بفصل قضائه أمس وما ذكرناه معنى ما ذكره المصنف بلا استثناء عند الحجازيين, يعني أنه مبني على الكسر سواء استعمل ظرفًا أو اسمًا غير ظرف.
وقال المصنف في الشرح: "إذا قصد بأمس اليوم الذي وليه اليوم الذي أنت فيه بناه الحجازيون في موضع الرفع والنصب والجر على الكسر".
فظاهر هذا الكلام اقتصار استعماله على اليوم الذي يليه اليوم الذي أنت فيه, وقد ذكرنا أنه يستعمل فيما قرب من يومك مما مضى, وهو مبني على الكسر في هذا الاستعمال.
وقوله وباستثناء المرفوع ممنوع الصرف عند التميمين نقل س عن تمبم أنهم يوافقون الحجازيين حالة النصب والجر في بناء أمس على الكسر, ويعربونه

إعراب ما لا ينصرف حالة الرفع, فيقولون: ذهب أمس بما فيه, واستحسنت أمس, وما رأيك منذ أمس, وقال الشاعر على لغة تميم: اعتصم بالرجاء إن عن بأس وتناس الذي تضمن أمس قال س: "واعلم أن بني تميم يقولون في موضع الرفع: ذهب أمس بما فيه, وما / [3: 18/ب] رأيته منذ أمس, فلا يصرفون عن الرفع".
ثم قال: " ألا ترى أن أهل الحجاز يكسرونه في كل موضع, وبنو تميم يكسرونه في أكثر المواضع في الجر والنصب.
وقوله ومنهم من يجعل كالمرفوع غيره أي: ومن بني تميم من يجعل أمس في حالة النصب والجر غير منصرف كحالة الرفع, ولا يبنونه على الكسر في حالة النصب والجر.
وهذا الذي ذكره المصنف مختلف فيه: ذهب بعضهم إلى أن بني تميم يعربونه إذا لم يكن ظرفًا في الرفع والنصب والجر إعراب ما لا يتصرف, وهو قول ابن عصفور في "شرح الجمل" قال ما نصه: "وبنو تميم يعربونه إعراب ما لا ينصرف".
وذهب بعضهم إلى أنه معرب في الرفع عند بني تميم إعراب ما لا ينصرف, مبني على الكسر في حالة النصب والجر.
قال الأستاذ أبو علي: أكثر الناس يغلطون في هذا, فينسبون لبني تميم أنهم يعربونه في كل وجه, كما أن

الحجازيين يبنونه في كل وجه, وإنما يجريه بنو تميم على الوجهين, يعربونه في الرفع, ويعللون منع صرفه بما تقدم في سحر- يعنى من علة العدل- ويبنونه فيما عدا ذلك, ويعللونه بعلة بنائه.
والدليل على إعرابهم إياه في الرفع أنهم يجعلونه فيه على حركة أخرى, وليس لهم مبني على أكثر من حركة؛ لأن ذلك هو الإعراب.
ويدل على بنائهم إياه في غير الرفع أنه لو كان عندهم معربًا لكان مفتوحًا في الجر والنصب, ولو كان منصرفًا لنونوه في الجر.
وذهب بعضهم إلى ما ذكره المصنف من أن بني تميم تعربه في الرفع إعراب ملا ينصرف, وتبنيه في النصب والجر على الكسر, وأن بعضهم يعربه إعراب ما لا ينصرف مطلقًا في الرفع والنصب والجر.
وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو الحسن بن الباذش.
قال المصنف: "وعليه قول الراجز: لقد رأيت عجبًا مذ أمسا".
وهذا هو الصحيح, وهو ظاهر كلام س, وحكاها الكسائي, أعني أن بعضهم يمنعه الصرف في الأحوال الثلاثة.
وزعم الزجاج أن هؤلاء يعربونه إعراب ما لا ينصرف وإن كان ظرفًا, كما فعل في سحر ظرفًا.
وقال الكسائي أيضًا: ومنهم من ينونه في الأحوال الثلاثة.
يعني تنوين الصرف، إلا في النصب على الظرف, فإنهم لا ينونونه.
وحكي الزجاج أيضًا أن بعض العرب ينونه, وهو مبني على الكسر, قال: شبوه بغاق وشبهه من الأصوات.

فتلخص فيه خمس لغات: بناؤه على الكسر مطلقًا دون تنوين, وبناؤه على الكسر مطلقًا بالتنوين, وإعرابه منصرفًا مطلقًا, وإعرابه غير منصرف مطلقًا, وإعرابه غير منصرف رفعًا وبناؤه على الكسر نصبًا وجرًا.
وقوله وليس بناؤه على الفتح لغة, خلافًا للزجاجي قبل المصنف في الشرح: " زعم أبو القاسم الزجاجي أن من/ [3: 190/أ] العرب من يبني أمس على الفتح, واستشهد بهذا الرجز, ومدعاه غير صحيح لامتناع الفتح في موضع الرفع, ولأن س استشهد بالرجز على أن الفتح في (مذ أمسا) فتحة إعراب, وأبو القاسم لم يأخذ البيت من غير كتاب سيبويه, فقد غلط فيما ذهب إليه, واستحق ألا يعول عليه".
وقال ابن الباذش: "خرج الزجاجي عن إجماع النحاة بقوله: ومن العرب من يبنيه على الفتح, واستدل على ذلك بقوله: لقد رأيت شبحًا مذ أمسا ولا حجة فيه لأن أمس ليس بظرف, وإنما هو اسم دليل دخول حرف الجر عليه؛ لأن حرف الجر إذا دخل على الظرف انتقل عن الظرفية, وإذا كان غير ظرف فإن كان في موضع نصب أو خفض لم يجز فيه عندهما إلا البناء على الفتح أو الكسر, أو في موضع رفع فيجوز فيه عندهما الوجهان: البناء, وإعراب ما لا ينصرف.
ودليلهما أن أمس إذا كان غير ظرف وكان في موضع نصب أو خفض يجوز فيه البناء على الفتح, نحو قوله: لقد رأيت عجبًا مذ أمسا

وهذا لا حجة فيه لأنه يمكن أن يكون معربًا إعراب ما لا ينصرف.
وأيضًا فإن الدليل على انه ليس بمبني على الفتح أنه لم يأت إلا في موضع خفض, ولو كان مبنيًا لجاء مثل: شهدت زيدًا أمس" انتهى.
وقال شيخنا الأستاذ حسن ابن الضائع:"قال أبو القاسم- يعني الزجاجي-: ومن العرب من يبنيه على الفتحة.
هذه اللغة لم يحكها غيره, غير أن ابن عصفور حكي عن الزجاج ذلك, والذي رأيت الزجاج خلافه, قال في كتاب "الأنواء" لما أنشد: لقد رأيت عجبًا مذ أمسا (ترك صرفه من خفض بمذ) " انتهى.
وقال س: "وقد فتح قوم أمس في مذ, لما رفعوا وكانت في الجر هي التي ترفع شبهوها بها, قال: لقد رأيت عجبًا مذ أمسا عجائزًا مثل الأفاعي خمسًا وهذا قليل" انتهى.
قال بعض أصحابنا: "قوله (وقد فتح قوم) حمله قوم على انه يريد البناء فيه على حركة الفتح إذا جروه.
وحملة قوم على أنه يريد الإعراب, أي: يعربونه في الجر, لكن مع مذ.
(لما رفعوا), أي كما أعربوه في الرفع أعربوه أيضًا في الجر, وهذا هو الأليق بالموضع؛ لأنه لو أراد البناء لم يكن لذكره الرفع معنى, ولا لقوله (وكانت في الجر هي التي ترفع).
وإنما غلط من قال بالقول الأول لقوله (فتح قوم),

وإنما ذلك على عادته في إطلاق الفتح على النصب, أو لأن هذه الحركة ليست عن ناصب؛ لأن الجار لا يطلب النصبة" انتهى.
فإن قلت: لعل مستند من حكي فيه إعراب ما لا ينصرف مطلقًا هذا الرجز, ولا تكون في ذلك حجة على أبي القاسم, وهو ظاهر كلام س. قلت: قد صرح غير س- وهو الكسائي- بأن منعه الصرف في الأحوال الثلاثة لغة, فحمل الرجز على ما استقر من منع الصرف فيه أولى من حمله على البناء على الفتح الذي لم يستقر فيه.
وقوله فإن نكر/ [3: 190/ب] مثال التنكير: مضى لنا أمس حسن, لا تريد اليوم الذي قبل يومك, ولذلك نعته بنكرة.
ومثال الإضافة: إن أمسنا يوم طيب.
ومثال الألف واللام: إن الأمس ليوم حسن.
وكذلك يعرب إذا ثنى أو جمع, قال الزجاج: يجمع على آمس وآماس كزند وأزند وأزناد في القلة, وعلى أموس في الكثرة.
وأنشد: مرت بنا أول من أموس تميس ينا مشية العروس قال الزجاج: "فهذا جميع ما روينا في أمس".
يعني من صيغ الجمع.
وأما إذا صغر فذكر المصنف في "شرح الشافية الكافية" له ما نصه: "ولا خلاف في إعرابه إذا أضيف, أو معه الألف واللام, أو نكر, أو صغر, أو كسر" انتهى.

فذكر أنه لا خلاف في إعرابه إذا صغر, وهو مخالف لنص س وغيره من النحاة أن أمس لا يصغر, قال س: "وأما أمس وغد فلا يحقران", ثم ذكر, تعليل امتناع تحقيرهما, ثم قال: "كرهوا أن يحقروها كما كرهوا تحقير أين, واستغنوا عن تحقيرهما بالذي هو أشد تمكنًا, وهو اليوم والليلة" انتهى.
ونصوص النحاة على ما قال س. وهذا يدل على قلة نظر هذا المصنف في كتاب س إذا ادعى الإجماع فيما الإجماع على خلافه.
وفي البسيط: "لو سميت بأمس على لغة من أعرب في الأحوال [الثلاث] لصرفت.
وقيل: ر ينصرف لأنه إنما كان الأصل في التسمية بأمس في حالة العدل أن تمنعها؛ لأنك نقلت من أمس المعدولة, ولا أصل لها سواه, فصار بمنزلة التسمية بالمعدول, فيكون معدولاً, والفرق بينه وبين سحر أن سحر له أصل في النكرة, يرجع إليه في التسمية, ويحمل عليه.
وفيه نظر" انتهى.
وقال بعض أصحابنا: "أمس إن كان بأل معرب مصروف, أو مضاف فالإعراب, أو غير مضاف مصغرًا فالإعراب والصرف, أو مكبرًا ظرفًا فالبناء ليس إلا.
أو اسمًا فالحجاز تبنيه لتضمنه معنى أل, وتميم تعربه إعراب ما لا ينصرف.
وقول الزجاجي في (مذ أمسا) "إنه مبني" ليس كما ذكر, بل هو لغة تميم.
فإن سميت به فليس فيه علة, قال الفارسي: كتب إسماعيل القاضي إلي أبي العباس مسألة في قوله:

منع الرقاد تقلب الشمس وطلوعها من حيث لا تمسي وطلوعها بيضاء صافية وتغيب في صفراء كالورس اليوم أعلم ما يجيء به ومضى بفصل قضائه أمس فكتب إليه بالتقسيم الذي كتبناه قبل" انتهى.
وفي كلامه أن أمس يصغر, والظاهر إتباع أبي على المبرد على ذلك, وكله ذهول عن نص س. وقد ذهل عنه أبو محمد بن/ [3: 191/أ] الدهان, فذكر في "الغرة شرح اللمع" ما نصه: ويبنى في الظرفية إجماعًا, هذا ما نص عليه الزجاج إذا كان معرفة بغير إضافة ولا لام تعريف مكبرًا مفردًا, فأما إذا عرف بالإضافة, أو باللام, أو صغر, أو نكر, أو ثني, أو جمع- فإنه معرب".
وقوله وقد يبني المقارن لهما قال المصنف في الشرح: "ومن العرب من يستصحب البناء مع مقارنة الألف واللام, كقول الشاعر: وإني وقفت اليوم والأمس قبله ببابك حتى كادت الشمس تغرب فكسر السين, وهو في موضع نصب, والوجه فيه أن يكون زاد الألف واللام بغير تعريف, واستصحب تضمين معنى المعرفة, واستدام البناء, أو تكون هي المعرفة, وقد زال البناء لزوال التضمين ومشابهة ضمير الغائبة, فتكون الكسرة كسرة إعراب على تقدير باء حذفت وبقي عملها, كما حذفت من وبقي عملها في رواية من يروي: ألا رجلٍ جزاه الله خيرًا.............. " انتهى.

وقال الزجاج: "الأكثر في أمس إذا دخلت عليها الألف واللام الإعراب, فتقول: رأيت الأمس, كما قال نصيب: وإني حبست اليوم والأمس قبله ببابك حتى كادت الشمس تغرب فنصب الأمس بالعطف على اليوم, وقال العجاج: غضف طواها الأمس كلابي فنصب" قال: " وبعض العرب يقول: رأيته بالأمس", ثم ذكر تأويله على الوجهين الذين ذكرهما المصنف من الباء على زيادة أل, أو الإعراب على إسقاط حرف الجر, قال: كما قالوا: لاه أبوك, يريدون: لله أبوك, وكقول رؤية في جواب: كيف أصبحت؟::خيرٍ, عافاك الله".
وفي البسيط: وقال بعضهم: لقيته الأمس الأحدث, فجره, وفيه الألف واللام, وهو لا يكاد يعرف.

-[ص: فصل الصالح للظرفية القياسية من أسماء الأمكنة ما دل على مقدر, أو مسمى إضافي محض, أو جارٍ باطراد مجرى ما هو كذلك.
فإن جيء بغير ذلك لظرفية لازمة غالبًا لفظ "في" أو في معناها, ما لم يكن كمقعد في الاشتقاق من اسم الواقع فيه, فيلحق بالظروف, قياسًا إن عمل فيه أصله أو مشارك له في الفرعية, وسماعًا إن دل على قرب أو بعد, نحو: هو مني منزلة الشغاف, ومناط الثريا.]-

ش: لما فرغ من الكلام على ظرف الزمان, وأن الفعل مطلقًا يتعدى إلى جميع ضروبه من مبهم ومختص- أخذ يذكر ظروف المكان, وأن الفعل يتعدى منها إلى أربعة فينصبها.
وإنما قال القياسية لأن منها ما يتعدى/ [3: 191/ ب] إليه العامل على سبيل الشذوذ, وسيأتي ذكره.
قوله ما دل على مقدر هذا هو الأول, وفي نسختي: مقدر, وثبت في بعض نسخ الشرح: على مقدار, وذلك ومقدر متقاربتان, وذلك نحو ميل وفرسخ وبريد وغلوة.
وهذا النوع من الظرف المقدر اختلفوا فيه هل هو داخل تحت حد المبهم أم لا: فذهب الأستاذ أبو علي إلى أنه ليس داخلاً تحت حد المبهم؛ لأن المبهم كما ذكروا لا تكون له نهاية معروفة ولا حدود محصورة, وهذه الظروف المقدرة لها نهاية معروفة وحدوده محصورة؛ ألا ترى أن الميل مقدار معلوم من المسافة, وكذلك البريد والفرسخ والغلوة.

وذهب غيره إلى أنها داخلة تحت حد المبهم, وهو ظاهر كلام الفارسي.
قال بعض أصحابنا: "وهو الصحيح؛ لأنه إنما يرجع تقديرها إلى الباع؛ ألا ترى أن الغلوة مئة باع, والميل عشر غلاء, والفرسخ ثلاثة أميال, والبريد أربعة فراسخ, والباع لا ينضبط إلا بتقريب؛ لأنه يزيد وينقص, ويلزم من ذلك أن تكون هذه المقدرات غير محققة النهاية والحدود, بل تحديدها على جهة التقريب.
ويبين أنها لا تكون محصورة كحصر الدار والمسجد أن هذين لهما حدود محصورة, ما زاد عليهما غير داخل فيهما, وهذه المسافات ليست كذلك, بل تحتمل الزيادة والنقص.
وأيضًا فإن كانت معلومة القدر على جهة التقريب كما ذكرنا فإنها مجهولة العين, بخلاف الدار والمسجد وأشباههما من الظروف المختصة, فإنها معلومة العين والقدر" انتهى.
وقال س: "ويتعدى إلى ما كان وقتًا في الأمكنة كما يتعدى إلى ما كان وقتًا في الأزمنة؛ لأن وقت يقع في المكان, لا يخت به مكان واحد, كما أن ذلك وقت في الأزمان, لا يختص به زمن بعينه".
ثم قال: "وذلك قولك: ذهبت فرسخين وسرت ميلين, كما تقول: ذهبت الشهرين, وسرت الميلين" انتهى.
فمن حيث التوقيت ظاهره أنه مختص, ومن حيث قوله "لا يختص به مكان" ظاهره الإبهام.
والصحيح أنه شبيه بالمبهم, ولذلك وصل إليه الفعل بنفسه.
وما ذهب إليه المصنف من أن هذا المقدر ينصبه الفعل نصب ظرف المكان هو قول النحويين إلا السهيلي, فإنه زعم أن انتصاب هذا النوع انتصاب المصادر لا انتصاب الظروف, قال السهيلي:

"إن قيل: كيف نصبوا ميلاً وفرسخًا على الظرف والفعل لا يتضمنه كما يتضمن ما هو الوصف له؟ وكيف ثنوا الميل وجمعوه دون غيره من ظروف المكان؟ ولم لا ينخفض بفي, فيقال: سرت في ميل, كجلست في مكان؟ فالجواب: إن الميل ليس بظرف؛ ألا ترى أنه ليس كالجهات الست المضافة؛ لأن الجهة/ [3: 192/ أ] لا معنى لها إلا بإضافتها إلى من هي له, والميل لا يضاف, ولا معنى لإضافته شيء, والظرف مقدر بقي, وقد يصرح بها في المتمكن, والميل لا يقدر بفي, ولو قدر بفي لجاز إظهارها لأنه متمكن, يكون فاعلاً ومبتدأ, ويثنى, ويجمع, فما المانع من سرت في ميلٍ لو كان ظرفًا؟ وأيضًا فالظرف يعمل فيه كل فعل ناصب له, والميل لا يعمل فيه إلا ما كان في معنى المشي والحركة, لا تقول: رقدت ميلاً, ولا: قعدت ميلاً, فدل هذا كله على أنه من باب المصادر لا من باب الظروف, وإنما هو اسم لخطًا معدودة, فكما تقول: سرت خطوة وخطًا, ولا يكون هذا ظرفًا, إنما هو مصدر- فكذلك سرت ألف خطوة, أو ثلاثة آلاف ذراع, فالميل والفرسخ عبارة عن هذه الأعداد من الخطأ, كما أن القنطار عبارة عن أعداد كبيرة من الدراهم أو غيرها, فكما أقول: قبضت درهمًا, وقبضت قنطارًا, ولا يختلف الإعراب- فكذا ينبغي ألا يختلف إذا قلت: مشيت خطوة أو خطوتين, ومشيت ميلاً أو ميلين, ومحال أن يقع ظرفًا إذا كثر, ومصدرًا إذا قل, بل ينبغي إلا يختلف الإعراب كما لم يختلف المعنى.
وسمي هذا القدر من الخطأ ميلاً لأنهم كانوا ينصبون على الطرق أميالاً كانوا بها مقادير الخطأ التي مشوها؛ فيجعلون على رأس كل ثلاثة آلاف ذراع بناء كهيئة الميل, يكتبون فيه العدد مما مشوه, أنشد أبو عبيد:

وعن صوا أميالها المواثل وقال هشام لأعرابي كان يسير معه: انظر في الميل, كم مشينا؟ وكان الأعرابي أميًا لا يقرأ, فنظر, ثم جاء, فقال: "فيه مخطف وحلقة, وثلاثة كأطباء الكلبة, وهامة كهامة القطا".
فضحك هشام, وعلم أن في الميل خمسة.
ذكر هذا الخبر قاسم بن ثابت, وكشف القناع عن الحقائق أولى من لزوم حضيض التقليد" انتهى كلام السهيلي.
والنحاة سموا المسافة التي تقع فيها الخطأ المذكورة باسم الخطأ المذكورة, واللغة تساعد مذهب السهيلي؛ لأن اللغويين حين شرحوا الغلوة والميل والفرسخ والبريد شرحوها بالخطأ والأنواع.
وفي البسيط: إذا حذف حرف الوعاء فيما من شأنه أن يحذف انتصب ظرفًا مؤكدًا إن كان مبهمًا؛ ومبينًا إن كان غير مبهم.
وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز نصب المبهم لعدم الفائدة, بل لابد من وصف يخصصه, أما ما في حكمه, نحو: قعدت مكانًا صالحًا, وكذلك في الجهة, فلا تقول: قعدت قدامًا, ولا خلفًا, إلا على الحال, كأنك قلت: متقدمًا, ومتأخرًا.

جارٍ التحميل