التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 301-340

وقال آخر: فَبَيْنا تَمارِينا وعَقْدُ عِذارِهِ... خَرَجْنَ علينا كالجُمانِ المُثَقّبِ ومثالُ تركها بعد بَيْنَما قولُ الشاعر: [بينما نحنُ مُرْتعُونَ بفَلْج... قالت الدُّلِّحُ الرِّواءُ: إِنيهِ] ومثالُ ذكرها بعد بَيْنا قولُ الشاعر: وكنتَ كَفَيْءِ الغُصْنِ، بَيْنا يُظِلُّنِي... ويُعْجِبُنِي إذْ زَعْزَعَتْهُ الأَعاصِرُ ومثالُ ذكرها بعد بَيْنما قولُ الشاعر: بَيْنَما الناسُ علي عَلْيائها... إذْ هَوَوْا في هُوَّةٍ فيها فَغارُوا وقال الآخر: اسْتَقْدِرِ اللهَ خيراً، وارْضَيَنَّ بهِ... فبَيْنَما العُسْرُ إذْ دارَتْ مَياسيرُ

وقوله وكلاهما عربيّ يعني ألّا تأتي بإذْ وأن تأتي بها.
وكان الأصمعي يؤثر تركها علي ذكرها.
وعن أبي عمرو: ولا يجاوب بإذْ.
وقال أبو علي: الظاهر أنه لا يجوز؛ لأنَّ العامل في بينما وبينا بعد إذْ، وهو مضاف، [وما بعد المضاف لا يعمل فيما قبله].
ثم أجازه أبو على علي إضمار عامل يدلُّ عليه المضاف، وشبهه بقوله تعالي ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ الآية، وقولِه ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، وقولِ الشاعر: أبا خُراشةَ.................................................. البيت، التقدير: إذا مُزِّقْتُم تُجَدَّدون، فإذا نُفخ في الصور يَتَناكَرون، وأتَفخَرُ أن كنت.
[3: 172/ب] وقال الأستاذ أبو علي: اللغويون / يمنعون: بينما أنا كذلك إذْ جاء فلان، وقالوا: الصواب: جاء، دون إذ.
وقد حكاه س. وهو مشكل لاحتياج بينَ إلي عامل، وكذلك إذْ، ولا يصح إعمال إذْ لأنه مضاف إليه، فلا يعمل فيما قبله.

قال الأستاذ أبو علي: وأقول: إنّ العامل في بينَ ما يُفهم من معني الكلام.
وأقول في إذْ: إنها بدل من بين، أي: حينَ أنا كذلك حينَ جاء زيدٌ وافقتُ مجيءَ زيد.
وقال الفراء في قوله تعالي: ﴿إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾: «العرب تجعل إذا تكفي من فعلت، وهذا الموضع من ذلك، اكتُفي بإذا من فعلوا».
قال: «وكذلك يفعلون بإذْ».
قال: «وأكثر الكلام أن تطرح إذْ».
وقوله وتلزم بينا وينما الظرفية الزمانية أصل بينَ أن تكون ظرفاً للمكان، وتتخلل بين شيئين أو ما في تقدير شيئين أو أشياء، ثم إنها استُعملت لمّا لحقتها ما أو الألف ظرف زمان، وصرَّح بعض أصحابنا أنها ظرف زمان بمعني إذْ.
وقوله والإضافة إلي جملة الجملة تارة تكون اسمية، نحو الأبيات التي أنشدناها، وتارة تكون فعلية، وذلك قليل، تقول: بينَما أَنصَفَنِي ظَلَمَنِي، وبينَما اتَّصَلَ بي قَطَعَنِي.
وزعم ابن الأنباري أنّ بينَ يُشرَط بها في مثل هذين المثالين.
وزعم بعض النحويين أنَّ «بَينا» إنما تضاف إلي الجملة الإبتدائية، وحَمل قولَه: بينا أُنازِعُهُمْ ثَوِبي، وأَجْذِبُهُمْ... إذا بَنُو صُحُفٍ بالحَقِّ قد وَرَدُوا

وقول حُرْقة بنت النعمان: فبَينا نَسُوسُ الناسَ والأمرُ أمرُنا............... وقول الشَّمّاخ (: بَينا كَذاكَ رَأّيْنَنِي مُتَعَصَّباً... بالْخَزِّ فَوقَ جُلالةٍ سِرْداحِ علي تقدير: بَينا أنا، وقولَ الآخر: بَينا تُراعِيهِ بِكُلِّ خَميلةٍ... يَجري عليها الطَّلُّ، ظاهِرُها نَدِي غَفَلَتْ، فَخالَفَها السِّباعُ، فلَمْ تَجِدْ... إلا الإرهابَ، تَرَكْنَهُ بِالْمَرْقَدِ وقولَ زهيرَ: فَبَينا نُبَغِّي الصَّيدَ جاءَ غُلامُنا... يَدِبُّ ويُخفي شَخصَهُ ويُضائلُهْ.
علي إضمار نحن.
ولا دليل.
واختلف النحويون في الجملة التي تقع بعد بينا أو بينما علي ثلاثة مذاهب: أحدهما: أنها في موضع خفض بالإضافة، وبَينا وبَينَما مضافان إلي الجملة نفسها دون حذف مضاف له لكثرة وجود ذلك.

وذهب ابن جني وشيخه أبو علي إلي أنّ إضافتها إلي الجملة علي تقدير حذف زمان مضاف إلي الجملة؛ لأنّ المضاف إلي الجمل ظرف الزمان دون ظرف المكان، ولأنّ «بينَ» تقع علي أكثر من واحد؛ لأنها وسط، فلا بدَّ من اثنين فما فوقهما، / وتقديره: بَينا أَوقاتِ زيدٌ قائمٌ عمرٌو، وهو اختيار أبي الحسن بن الباذش.
[3: 173/أ] المذهب الثاني: أنّ «ما» كافّة بدليل عدم الخفض بعدها.
فإنْ وليها مفردٌ فبشرط المصدرية، ولا يجوز فيه سَمع الأصمعي غير الخفض.
أو جملةٌ فلا موضع لها من الإعراب، وأنّ ألف بَينا إنْ وَلِيَتْها الجملة فالألف إشباع- والجملة في موضع خفض بالإضافة- لا كافّة ولا للتأنيث، فوزنها فَعْلاً، خلافاً لزاعمي ذلك؛ لأنَّ كون الألف كافّة لم يَثبُت، وثَبت كونها إشباعاً في رواية: بَينا تَعانُقِهِ الكُماة........................... ولأنّ كون الألف للتأنيث فاسد؛ لأنّ الظروف كلها مذكّرة إلا ما شذّ، وهو قُدّام ووَراء، والقول بذلك يؤدي إلي الدخول في الشاذّ من غير داعية.
وهذا هو المذهب المختار عند أصحابنا.

ورَدُّوا على ابن جِنِّيْ بأمرين: أحدهما: أنَّ العرب لا تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه إلا في المفردات.
والآخر: أنها لم تضفها لمفرد حتى يكون مصدراً، ولم تضفها لزمان، وقول ابن جني «إنّ الظرف في الزمان يشبه المصدر».
ليس بمسوِّغ إضافة بينا إليه؛ لأنه ليس فيه دلالة علي معني الفعل المقتضي للجواب كما في المصدر دلالة عليه.
فإن قلت: إنما تضاف بينَ إلي شيئين فصاعداً، فلذلك لزم أن يقدر: بَينا أوقاتِ زيدٌ قائمٌ.
فالجواب: أنها قد تضاف إلي الواحد المتجزِّئ، فكذلك تضاف إلي الجملة، فـ «بَينا زيدٌ قائمٌ» في المعني بمنزلة: بَينا قيامُ زيد، وبَينا تضاف إلي المصدر لأنه متجزِّئ، فكذلك إلي الجملة.
وقوله وقد تُضاف بَينا إلي المصدر اختصاصه بَينا دون يدلُّ علي أنَّ حكمهما في ذلك مختلف.
فأمّا بَينما فجعلها بعضهم من قبيل ما لا يليه إلا الجملة، وهو ظاهر كلام المصنف.
وذهب بعضهم إلي أنها من قبيل ما تليه الجملة تارة والمفرد أخري، فأجازوا بَينما قيامِ زيدٍ قامَ عمرٌو.
والصحيح أنه لا يجوز؛ لأنه لم يُسمع، ولا يسوغ قياس بَينَما علي بَينا.
وتخصيصه جواز إضافة بَينا إلي المصدر دليل علي أنه لا تجوز إضافته إلي الجُثَث، والحكم كذلك لا يجوز في الجثة الخفض بحال.
والسبب في أنَّ بَينا لا يليها إلا الجملة، أو المفرد بشرط- أنها تستدعي جواباً، فلم يقع بعدها إلا ما يعطي معني الفعل، وذلك الجملة، والمصدر من المفردات.

ومثال إضافة بينا إلي المصدر قول الشاعر: بَينا تَمارِيهمُ أُرْسِلَتْ... علي شَبَهِ الرَّأيِ لَمْ تَسْتَبِنْ وقول الآخر: /بَينا تَعانُقِهِ الكُماةَ ورَوْغِهِ... يَوماً أُتِيحَ لَهُ كَمِيُّ سَلْفَعُ [3: 173/ب] قال المصنف: «ويروي تَعَنُّقُه بالرفع علي الابتداء، والخبر محذوف»، وأنشده المصنف تَعَنُّقه بالخفض، ولم يعرف الأصمعي في تَعانُقه الرفع، وزعم [أنَّ] ابن أبي طَرَفة الهذلي أنشده تَعانُقِه بالخفض، وكان من أفصح الناس.
قال ابن عصفور: «وزعم أبو محمد بن السَّيْد أنَّ رواية الخفض غير جائزة؛ لأنَّ تَعانُقاً مصدر تَعانَقَ، قال: وتَفاعَلَ لا يتعدي.
وهذا الذي ذهب إليه باطل، بل في ذلك تفصيل، وهو أنَّ التاء الداخلة علي فاعَلَ لا تخلو أن تكون داخلة عليه وهو متعدٍّ إلي اثنين أو إلي واحد، فإن كان متعدياً إلي اثنين صار يتعدي إلي واحد، نحو: عاطَيتُ زيداً الدرهمَ، وإذا أدخلت التاء قلتَ: تَعاطَيتُ الدرهمَ أنا وزيد.
وإن كان متعدياً إلي واحد صار غير متعدٍ، نحو: ضارَبَ زيدٌ عمراً، تدخل عليه التاء، تقول: تَضارَبَ زيدٌ وعمرٌو، وقد تدخل علي المتعدي إلي واحد فيبقي علي حاله، نحو قولك: تجاوزني موضع كذا، ومنه:

تَجاوَزتُ أَحْراساً وأَهْوالَ مَعْشَرٍ................. ووجهه عندي ألَّا تقدر التاء داخلة علي فاعَلَ، بل هي أصل بنفسها، فكذلك تَعانق يكون من هذا القبيل، إلا أن ذلك مما يحفظ ولا يقاس عليه» انتهي كلام ابن عصفور.
ويعني بقوله «بل هي أصل بنفسها».
أنها بُنيت الكلمة عليها، ونُطق بها أولُ علي تَفاعَلَ لا علي أنَّ الأصل كان فاعَلَ، ثم أُدخلت التاء.
وقال استاذنا أبو جعفر بن الزبير: «لم يتعرض ابن السِّيْد لذكر خفض في تَعانُق ولا غيره، لا في النقد ولا في شرح الأبيات، إنما قال: «وقع في نسخ الكتاب تَعانُقه، وهكذا قرأناه، وهو غلط».
وقال في شرح الأبيات: «ووقع في نسخ الجمل تَعانُقه بالألف وهو خطأ، والصواب تَعَنُّقه، وكذا وقع في شعر أبي ذؤيب؛ لأنَّ تَعانَقَ لا يتعدي إلي مفعول، إنما يقال: تَعانَقَ الرجلان».وقال في النقد مثل هذا.
ويمكن أن ينفصل عنه بما ذكره ابن عصفور، إلا أنَّ ذلك غايته أن يكون علي الإمكان، فتمام هذا الانفصال إنما هو ما أبداه ابن سِيْدَه في «شرح الأبيات» من أنه يقال: تَعانَقتُه وتَعَنَّقتُه، بمعنًي واحد متعديين إلي مفعول» انتهي كلام الأستاذ أبي جعفر، رجمه الله.
وبإضافة «بَينا».
إلي المصدر احتج أبو عليَّ علي أنَّ «بَينا» ليست محذوفة من بينَما كما قال بعضهم؛ لأنَّ بينما لا تضاف، وإنما هي مكفوفة بـ «ما» داخلة علي الجملتين.
وقد يُحذف الخبر الذي للمبتدأ في هذا الباب لدلالة المعني عليه، نحو قوله:

............... فبَينَما العُسْرُ إذْ دارَتْ مَياسِيرُ كما قد يُحذف الجواب لدلالة /المعني عليه، كما قال مَصَادُ ابن مَذعُور: [3: 174/أ] فَبَينا الفَتَي في ظِلِّ نَعْماءَ غَضّةٍ... تُباكِرُهُ أَفْياؤها وتُراوِحُ إلي أَنْ رَمَتْهُ الحادِثاتُ بِنَكْبةٍ... تَضيِقُ بِهِ مِنها الرِّحابُ الفَّسائِحُ

-[ص: ومنها «إذا» للوقت المستقبل مضمَّنةً معني الشرط غالباً، لكنَّها لِما تُيُقِّنَ كونُه، أو رُجِّح، بخلاف «إنْ»، فلذلك لم تَجزم غالباً إلا في شعر، وربما وقعتْ موقع «إذْ»، و «إذْ» موقعها.
وتضاف أبداً إلي جملة مصدَّرة بفعلٍ ظاهر أو مقدَّرٍ قبلَ اسمٍ يليه فعلٌ، وقد تُغني ابتدائيةُ اسمٍ بعدَها عن تقدير فعل وِفاقاً للأخفش.
وقد تفارقها الظرفية مفعولاً بها، أو مجرورةً بحتي، أو مبتدَأةً.
وتدلُّ علي المفاجأة حرفاً لا ظرفَ زمان، خلافاً للزَّجّاج، ولا ظرفَ مكان، خلافاً للمبرد، ولا يليها في المفاجأة إلا جملةٌ اسمية.
وقد تقع بعد «بَينا» و «بَينَما».]-

ش: استَدلَّ علي اسمية إذا بدلالتها علي الزمان دون تعرض للحدث، وبالإخبار معها بالفعل، نحو: القيامُ إذا طلعت الشمس، وبإبدالها من اسم صريح، نحو: أجيئك غداً إذا طلعت الشمس.
قال المصنف في الشرح: «وبوقوعها مفعولاً بها، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة، رضي الله عنها: (إني لأَعلَمُ إذا كُنتِ عني راضيةً، وإذا كُنت عليَّ غَضْبَي)» انتهي.
ولا دليل في ذلك؛ لأنَّ مفعول علمت

محذوف، يدل علي المعني، وإذا ظرفٌ علي بابها، والتقدير: إني لأعلم حالك معي في وقت رضاك وفي وقت غضبك.
وقوله مضمَّنةً معني الشرط غالباً ولتضمُّنها معني الشرط.
وقعت الفاء بعدها علي حدٍّ وقوعها بعد أداة الشرط، نحو: إذا جاء زيدٌ فَقُمْ إليه.
وكَثُرَ مجيء الماضي بعدها مراداً به المستقبل، وغيرها من الظروف نحو حين ووقت لا يجوز فيه ذلك، لو قلت: حينَ جِئتَنِي أَكرَمتُك، لم يكن إلا ماضي اللفظ والمعني.
واحترز بقوله غالباً من ألا تتضمن معني الشرط في بعض مواردها، بل تتجرد للظرفية المحضة، نحو قوله تعالي ﴿أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾، ﴿وَاللَّيْل إِذَا سَجَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، والماضي بعدها بمعني المستقبل، كما كان إذا كانت شرطية.
وزعم الفراء أنَّ «إذا» لا يكون بعدها الماضي إلا إذا كان فيها معني الشرط والإبهام، لو قلت: أكرمتُك إذا زُرتَنِي، تريد: إذ زرتَنِي لم يصحّ، وكذلك: لأضربَنَّ هذا الذي ضربَك إذا سَلَّمت عليه، فلو قلت: لا تضربْ إلا الذي ضربَك إذا سَلَّمت عليه، لجاز؛ لأنك أَبْهَمتَ، ولم تُوَقِّت.
وكذلك: كنتَ صابراً إذا ضُربتَ، علي معني: كُلَّما ضُربتَ صَبَرتَ، ولو أردت زمناً مخصوصاً بمنْزلة إذْ لم يجز، [2: 174/ب] ومنه قوله /تعالي ﴿وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ﴾، كأنه قال: كُلَّما ضَربوا في الأرض، أي: لا تكونوا كهؤلاء إذا ضَرب إخوانُهم في الأرض.

وقوله لكنَّها لِما تُيُقِّنَ كَونُه أي: وجوده، نحو: آتيك إذا احمرَّ البُسْرُ.
أو رُجِّح، آتيك إذا دَعَوتَنِي، ولا تقول: آتيك إنِ احمرَّ البُسْرُ.
وقد تُستعمل «إذا» في غير المقطوع بوقوعه، وذلك قليل، نحو قوله: إذا أنتَ لَمْ تَنْزِعْ عنِ الجَهلِ والخَنا... أَصَبتَ حَليماً، أو أَصابَكَ جاهِلُ وقد يجوز أن تنْزع وألّا تنْزع، ولا يحيط علماً بأي ذلك يكون إلا الله تعالي.
وقوله بخلاف إنْ يعني فإنها تدخل علي الممكن وجوده، وقد تدخل علي ما تُيُقِّنَ كونه، لكنه منبهم الزمان، كقوله تعالي: ﴿أَفَإِين مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾.
وهذا الاستدراك بـ «لكنَّها» من قوله «مضمَّنةً معني الشرط» لأنها من حيث ضُمِّنت معني الشرط كان مقتضي ذلك أن تكون كأدوات الشرط في دخولها علي الممكن أو المنبهم الزمان دون ما ذكر؛ فاستدرك لها هذه الحالة التي انفردت فيها بهذا الحكم.
وقوله فلذلك لم تَجزم غالباً إلا في شعر الإشارة بـ «ذلك» إلي كونها تكون لما تُيُقِّنَ كونُه أو رُجِّحَ، وظاهر كلامه الاقتصار في عدم الجزم غالباً علي هذه العلة وحدها.
وذكر في الشرح أنه لم يجزم بها لأمور ثلاثة: أحدها: هذا.
والثاني: كونُ تضمُّن الشرط ليس بلازم لها؛ إذ تتمحض للظرفية خاصة، أو تتجرد عن الشرطية والظرفية معاً، نحو: (إني لأعلمُ إذا كُنتِ راضيةً).
وقد رددنا عليه هذا الحكم، وتأوَّلْنا ما جاء في الحديث.

الثالث: إضافتها إلي ما يليها، والمضاف يقتضي جرّاً لا جزماً، وإذا جُزم بها في الشعر فليست مضافة إلي الجملة.
انتهي.
ويأتي الكلام معه علي هذه العلة الثالثة إن شاء الله، والاستدلالُ علي الجزم مذكور في أواخر باب عوامل الجزم.
وقوله ورُبَّما وقعتْ موقعَ إذْ، وإذْ موقَعها هذا الذي ذكره المصنف هو قول بعض النحويين، والصحيح عند أصحابنا أنَّ كل واحدة منهما لا تقع موقع الأخرى، بل جعلوا إذْ بعد المضارع إلي معني المضي، نحو قوله: يَجزيِه رَبُّ العالَمِينَ إذْ جَزَي... جَنَّاتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلا قالوا: «كأنه قال: جزاه ربُّ العالمين إذ جَزي، وجعل الوعد بالجزاء جزاء، وهذا أَولَي من أن يُعتقد في إذْ أنها بمنْزلة إذا؛ لأنَّ صرف معني المبهم إلي الماضي بقرينة قد ثَبت من كلامهم، ولم يثبت وضعُ إذْ موضع إذا بقاطع».
[3: 175/أ] وجعلوا أيضاً وقوع إذا بعد الماضي /مما يَصرف الماضي إلي الاستقبال، نحو قوله: ونَدْمانٍ، يَزيدُ الكأسَ طِيباً... سَقَيتُ إذا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ قال بعضهم: «المعني: أسقيه إذا تَغَوَّرت النجوم».
وهذا ليس بجيد؛ لأنَّ أكثر ما تدخل رُبَّ علي ما يكون العامل ماضياً من حيث المعني.
والأَولي في مثل هذا البيت ما كان يُخَرِّجه عليه ونظائره أستاذنا أبو جعفر بن الزُّبَير من أنَّ «إذا».

معمول لفعل محذوف، يدلُّ عليه سَقيتُ، التقدير: وأَسقيه إذا تَغَوَّرَت النجوم، فلا يجعل العامل فيه لفظ سَقَيت لِمُضيِّه من حيث المعني، ولا يتأوله بالمستقبل لكونه جاء بعد رُبَّ.
قالوا: «فأمّا قول الحطيئة: شَهِدَ الحُطَيئةُ حَينَ يَلْقِي رَبَّهُ... أنَّ الوَليدَ أَحَقُّ بالعُذْرِ.
فيحتمل أن يكون التقدير: يَشهد الحطيئة حين يلقي ربَّه».
واستدلَّ المصنف علي دعواه أنَّ «إذا» تقع موقع «إذْ» بقوله تعالي: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾، وبقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، وقول الشاعر: حَلَلتُ بِها وِتْرِي، وأدْرَكتُ ثُؤْرِتي... إذا ما تَناسَي ذَخْلَهُ كُلُّ غَيْهَبِ وقولِ الآخر: ما ذاقَ بُؤسَ مَعيشةٍ ونَعيمَها... فيما مَضي أحدٌ إذا لم يَعْشَقِ واستدلَّ أيضاً علي دعواه أنَّ «إذْ» تقع موقع «إذْا» بقوله تعالي: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى﴾، وهي بدل من: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾، وهو مستقبل المعني، فتعين استقبال

البدل.
وبقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ - إِذْ الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقهمْ﴾.
وبقوله: ﴿يَوْمَئذٍ﴾ بعد: ﴿إذَا زُلْزِلَتِ﴾.
وبقول الشاعر: متى يَنال الفَتَي اليَقْظانُ حاجتَهُ... إذِ الْمُقامُ بأرضِ اللَّهوِ والغَزَلِ ويَحتمل ما استدلَّ به التأويلَ.
وقوله وتُضاف أبداً إلي جملة مصدَّرة بفعلٍ ظاهر شرطه أن يكون مضارعاً مجرداً، كقوله تعالي: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ﴾، أو مصحوباً بلَمْ، نحو قوله تعالي ﴿وَإِذَا لَمْ تَاتِهِم بِآيَةٍ﴾، أو ماضياً، نحو قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾.
وقوله أو مُقَدَّرٍ قبلَ اسمٍ يليه فعلٌ نحو: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ - وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾، فـ ﴿الشَّمْسُ﴾ مرفوع بـ ﴿كُوِّرَتْ﴾ مضمرة.
وأكثر ما يكون الفعل المقدَّر موافقاً للفعل المفسَّر، وقد لا يوافق، نحو قوله:

إذا ابنُ أبي موسى بِلالاً بَلَغْتِهِ.................... في رواية من رفع ابن، التقدير: إذا بُلِغَ، مبنيَّاً للمفعول وإن كان المفسِّر مبنيّاً للفاعل، وارتفاع الاسم في نحو: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ / بفعل مضمر، أي: إذا انْشَقَّت السماءُ انْشَقَّت، [3: 175/ب] قال المصنف في الشرح: «لا يجيز س غير ذلك» انتهي.
وقال السهيلي عن س: «إنه يجيز علي رداءةٍ الابتداء بعد إذا الشرطية وأدوات الشرط إذا كان فعلاً».
انتهي.
وما ذكره المصنف من أنَّ «إذا» تضاف أبداً إلي جملة هو مذهب الجمهور.
وذهب بعض النحويين إلي أنها ليست مضافة إلي الجملة بعدها، بل هي معمولة للفعل بعدها، وليست معمولة بفعل الجواب كما ذهب إليه الجمهور.
وهذا المذهب هو الذي نختاره لها علي أخواتها من أسماء الشرط؛ ألا تري أنك إذا قلت متى تقمْ أقمْ كان متى منصوباً بالفعل الذي يليه، يدلك علي قولك: أيَّاً تضربْ أضربْ.
وما ذهب إليه الجمهور فاسد من وجوه: أحدهما: أنَّ «إذا» الفجائية تقع جواباً لـ «إذا» الشرطية، نحو قوله تعالي: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾، وما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبلها، وأجمعوا علي أنَّ جواب «إذا» هو «إذا» الفجائية مع ما بعدها كما أُجيب بها إنْ في قوله: ﴿إذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.

الثاني: وقوع الجواب لـ «إذا» وقد قرن بالفاء، نحو: إذا جاءك زيدٌ فاضربْه، وما بعد فاء الجزاء لا يعمل فيما قبله.
الثالث: أنَّ جوابها جاء منفيّاً، نحو قوله تعالي: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا﴾، وما بعد «ما» النافية لا يعمل فيما قبلها.
الرابع: اختلاف الظرفين في بعض الصور؛ نحو: إذا جئتَنِي غداً أَجيئُك بعدَ غَدٍ، ولا يمكن إذ ذاك أن يكون الجواب عاملاً فيها وعاملاً في «بعد» لاستحالة وقوع الفعل الواحد في زمانين.
وقوله وقد تُغني ابتدائيّةُ اسم بعدها عن تقدي فعلٍ وفاقاً للأخفش قال المصنف في الشرح: «اختار الأخفش ما أوجبه س، وأجاز مع ذلك جعل المرفوع بعد إذا مبتدأ، وبقوله أقول؛ لأنَّ طلب إذا للفعل ليس كطلب إنْ، بل طلبها له كطلب ما هو بالفعل أَولي مما لا عمل له فيه، كهمزة الاستفهام، فكما لا تلزم فاعلية الاسم بعد الهمزة لا تلزم بعد إذا، ولذلك جاز أن يقال: إذا الرجل في المسجد فظُنَّ به خيراً، ومنه قول الشاعر: إذا باهِلِيُّ تَحتَهُ حَنْظَلِيَّةٌ... لهُ وَلَدٌ منها فَذاكَ الْمُذَرَّعُ جعل بعد الاسم الذي ولي إذا ظرفاً، واستغني به عن الفعل، ولا يفعل ذلك بما هو مختصّ بالفعل.
ومما يدل علي صحة مذهب الأخفش قولُ الشاعر:

فأَمْهَلَهُ حتَّى إذا أنْ كأنَّهُ... مُعاطي يَدٍ في لُجَّةِ الماءِ غامِرُ فأَولي إذا أنِ الزائدة، وبعدها جملة اسمية، ولا يُفعل ذلك بما هو مختصّ بالفعل، /وأنشد ابن جِنِّيْ لِضَيْغَم الأَسَديّ: [3: 176/أ] إذا هو لم يَخَفْنِي في ابن عَمِّي... - وإنْ لَمْ أَلْقَهُ الرَّجُلُ الظَّلُومُ وقال في هذا دليل علي جواز ارتفاع الاسم بعد إذا الزمانية بالابتداء؛ لأنَّ هو ضمير الأمر والشأن، وضمير الشأن لا يرفع بفعل يفسِّرهما بعده.
ومثل ما أنشده ابن جني قولُ الشاعر: وأنتَ امْرُؤٌ خِلْطٌ، إذا هيَ أَرسَلَتْ... يَمينُكَ شيئاً أَمْسَكَتْهُ شِمالُكا لأنَّ هي ضمير القصة» انتهي كلام المصنف.
واستُدِلّ للأخفش أيضاً بقول الشاعر: فهلّا أَعَدُّوِني لِمِثْلِي تَفاقَدُوا... إذا الخَصمُ أَبْزَي مائلُ الرأسِ أَنْكَبُ

والصحيح أنَّ ذلك لا يجوز؛ إذ ما ذكروه محتمل للتأويل، ولا يتعين فيه الابتداء، ولا نُثبت قانوناً كليَّاً ونَخرج عن القانون المستقر الثابت في لسان العرب بالمحتمل.
فأمّا قوله أولاً «لأنَّ طَلَبَ إذا للفعل» فتلك دعوي مخالفة لنص الأئمة أنَّ إذا وكل ظرف زمان مستقبل هو طالب للفعل كطلب إنْ.
وأمّا ما استدلّ به من السماع فمتأوَّل: أمَّا: إذا باهِلِيٌّ تَحتَهُ حَنْظَلِيَّةٌ.................... فالمعني: استقرَّت تحته حنظليَّةٌ، فحَنْظَليَّةٌ: فاعل، لا مبتدأ، وتحته: خبر عنه، فباهِلِيٌّ بفعل يفسِّره الفعل في تحته.
وأمّا: فأّمْهَلَهُ حتى إذا أنْ كأنَّهُ............. فـ «أنْ» زائدة، و «كان» محذوفة بعد إذا، التقدير: حتى إذا كان كأنه، و «كان» تحذف بعد الشرط كثيراً، نحو: إنْ خيراً فخيرٌ.
وأما «هو لم يَخَفْنِي» و «هي أَرسلَتْ» فذلك مرفوع بفعل محذوف يفسِّره ما بعده؛ أي: إذا لم يَخف هو، وإذا أرسَلتْ هي، ولمّا حذف الفعل انفصل الضمير، والرجل الظَّلومُ: بدل من هو، ويمينك: بدل من هي، وليسا فاعلين، ولا «هو» ولا «هي» ضميراً شأن وقصة، ويجوز الإضمار قبل الذكر في باب البدل، ويفسره البدل، حطاه الأخفش، وقد ذكر المصنف أنَّ مما يفسر الضميرَ المتقدم بدلُه، نحو: مررتُ به المسكين، واللهم صَلَّ عليه الرؤوفِ الرحيمِ.
وأمّا:

....... إذا الخَصمُ أَبْزَي مائلُ الرأسِ أَنكَبُ فأَبْزَي: فعل ماض، وليس باسم، فيرتفع الخصمُ بإضمار فعل يفسره هذا الظاهر، ومائلُ الرأس: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو مائلُ الرأس.
وقوله وقد تفارقها الظرفية مفعولاً بها تقدم استدلاله علي ذلك بما ورد في الحديث من قوله (إنِّي لأعلم إذا كنت راضية) وتأويلنا له.
وقوله أو مجرروة بحتي قال المصنف في الشرح: «انفردت بدخول حتى الجارة عليها، كقوله تعالي: ﴿حَتَّي إِذَا جَاءُُوهَا﴾، كما انفردت إذْ بلحاق التنوين والإضافة إليها».ويعني «انفردت بدخول حتى الجارة» انفرادها دون إذْ، ولذلك قال «كما انفردت إذْ بلحاق التنوين والإضافة».
ودخول حتى علي الجملة المصدرة بإذا الشرطية/ كثير في القرآن وكلام العرب.
[3: 176/ب] وزعم المصنف أنَّ إذا في موضع جر بحتَّي، وهذا يُخرجها عن الظرفية، ويُصَيَّرها مع ما بعدها في حيز المفرد، ولا تبقي إذ ذلك جملة شرطية تستدعي جواباً؛ لأنها تصير إذ ذاك مع ما بعدها لما قبلها، وإذا كان الأمر علي ما زعم المصنف لم يأت بعدها جواب لاذا لأنها معمولة لما قبلها، وأنت تري جميع ما ورد في لسان العرب وكلام الله لا يخلو عن الجواب، فدلَّ ذلك علي أنها ليست معمولة لما قبلها ولا مجرورة بحتي، قال تعالي ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾، {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ

الله إِلَى النار فَهُمْ يُوزَعُونَ - حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ}، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمرَاً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي﴾، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾، ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾، فأنت تري هذه الآيات وما أشبهها «إذا» فيها باقية علي كونها شرطاً، ولذلك جاء لها جواب تارة بالفعل الماضي، وتارة بالفاء، وكما جاءت لو الإمتناعيه بعد حتي وهي شرط في الماضي كذلك جاءت إذا، ولا يدعي أحد أنَّ لو في موضع جر بحتي، ومثال ذلك في لو قول كُثَيّر: وما زالَ بي ذا الشَّوقُ، حتى لَوَ انَّنِي... مِنَ الوِجْدِ أَسْتَبْكي الحَمامَ بَكي لِيا وإذا تقرر هذا فأقول: حتى هنا دخلت علي الجملة الشرطية؛ بدليل انتظام ما بعدها شرطاً وجزاءً كما رأيته في هذه الآيات؛ ونصَّوا علي أنَّ حتى إذا دخلت علي الجملة لا تعمل فيها ولا في شيء من أجزائها؛ بل تُخَرَّج علي أحد وجهين: أحدهما: أن تكون حرف ابتداء، وليس من شرط تسميتها حرف ابتداء ألا يليها إلا المبتدأ، بل المعني أنها يكون بعدها المبتدأ، كقوله:

...... وحتى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأَرْسانِ أو يصلح أن يقع بعدها الابتداء وإن لم يكن بعدها المبتدأ، كقولك: ضربتُ القومَ حتى زيداً ضربتُه، بنصب زيد، فهي هنا حرف ابتداء؛ لأنه يصلح أن يكون بعدها المبتدأ، فتقول: حتى زيدٌ ضربتُه، كذلك في هذه المواضع يصلح أن يجيء بعدها الابتداء وإن لم يكن موجوداً فيها حالة النطق؛ ألا تري إلي صلاحية التقدير في قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: حتى هم إذا ما جاؤوها شَهِدَ عليهم سمعهم.
وقال ابن هشام في قول أبي علي في خطبة النصف الثاني من «الإيضاح»: «حتى ما تجد إلا فقيراً محبوراً أو غنيّاً موفوراً»: «حتى/ هنا ابتدائية».
[3: 177/أ] والوجه الثاني أن تتقدر حتى بمعني الفاء، كما قدرها النحويون في قولهم: سرتُ حتى أدخلُ المدينة، برفع أدخل، وتقدير كونه قد وقع، قالوا: التقدير سرتُ فدخلتُ المدينة، فكذلك حتى في هذه المواضع التي جاءت بعدها إذا تتقدر بالفاء، ولا ينخرم منها موضع.
فهذان وجهان يجوز أن تخرّج عليها هذه الآيات وما اشبهها من كلام العرب.
والدليل علي بقائها شرطيّة اتفاق النحويين علي ذلك في قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، واختلفوا في الجواب: فقيل: الواو زائدة.
وقيل: الجواب محذوف.
وقد طالعت كثيراً من المبسوطات وغيرها في النحو، فلم أر من تعرض لهذه المسألة بخصوصها إلا

الزمخشري، فإنه أجاز فيها أن تكون حرف ابتداء، وأن تكون حارّة لـ «إذا» بمعني الوقت.
وأمّا أبو البقاء فإنه جري علي القواعد، فقال في قوله تعالي ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾: «إذا في موضع نصب بجوابها.
وهو يقول، وليس لِحَتَّى هنا عمل، وإنما أفادت معني الغاية، كما لا تعمل في الجمل».
انتهي.
وأمّا صاحب البسيط فإنه قال فيه: «وتقول: اجلسْ حتى إذا جاء زيدٌ أعطيتُك، فحتى هنا غير عاملة لأنها دخلت علي اسم معمول لغيرها؛ لأنَّ إذا في موضع نصب بالجواب علي الظرف، كأنك قلت: اجلسْ فإذا جاء زيدٌ أعطيتُك».
وأمّا المصنف فتعرض لها علي قلة كلامه فيها وعدم جريه علي القواعد وكان بعض الأذكياء يستشكل مجيء هذه الجملة الشرطية من إذا وجوابها بعد حتى؛ ويذكر لي ذلك، ويقول: كيف تكون حتي غاية وبعدها جملة الشرط؟ فقلت له: الغاية في الحقيقة هو ما ينسبك من الجواب مرتباً علي فعل الشرط، فالتقدير المعنوي الإعرابي: فهم يُوزَعًون إلي أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وقتَ مجيئهم إلي النار فينقطع الوَزْع، وكذلك: وسيق الذين كفروا إلي جهنم زمراً إلي أن تُفتح أبوابها وقتَ مجيئهم فينقطع السَّوق.
وأمّا إذا كانت حتى بمعني الفاء فيطيح هذا الإشكال؛ إذ لا تكون حتى إذ ذاك حرف غاية.
وقوله أو مبتدأ مثاله ﴿إذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ.
لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ.
خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ.
إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ﴾ في قراءة من نصب خافضةً رافعةً، فـ «إذا وقعت» مبتدأ،

و «إذا رُجَّت» خبر، و «ليس» و «خافضةً» و «رافعةً» أحوال ثلاثة، والمعني: وقتُ وقوعِ الواقعةِ صادقةَ الوقوعِ خافضةَ قومٍ رافعةَ آخرينَ وقتُ رَجِّ الأرض.
قال المصنف: «هكذا أعربه أبو الفتح في المحتسب،/ وهو صحيح».
انتهي [3: 177/ب] ولا يتعين ما قاله أبو الفتح؛ إذ يجوز أن تكون إذا باقية علي ظرفيتها، وتلك أحوال ثلاثة، و «إذا رُجَّت» بدل من «إذا وَقَعَت»، وجواب إذا ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ علي زيادة الواو، كما خَرَّجوا ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، أي: فُتِحَتْ، وقولَ الشاعر: فَلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحَيِّ، وانْتَحَي... بِنا بَطنُ حِقْفٍ ذي رُكامٍ عَقَنْقَلٍ أي: انْتَحَي.
وهذا تخريج كوفيّ أخفشي.
وإما أن يكون الجواب محذوفاً: فإما أن تقدره قبل «وكنتم»، أي: انقسمتم وكنتم، وحذفت هذه الجملة لدلالة الكلام عليها.
وإما أن تقدره بعد ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾، وتقديره: عرفتم مراتبكم ومنازلكم.
وإما أن يكون الجواب {فَأصْحَابُ

الْمَيْمَنَةِ} وما بعده، والمعني: فأصحابُ الميمنة ما أعظمهم وما أنجاهم، وأصحاب المشأمة ما أحقرهم وما أشقاهم.
وهذا الوجه أحسن؛ إذ لا يحتاج فيه إلي تكلف حذف.
وما ذكره من أنه تكون إذا مبتدأ ينبغي ألا يجوز؛ لأنّ إذا من الظروف التي لا يُتصرف فيها، ولا تكون فاعلة ولا مفعولة ولا مجرورة، فلا يجوز: سَرَّني إذا قام زيد، تريد: سَرَّني وقتُ قيام زيد، ولا يُحفظ من كلامهم: إذا جاء زيدٌ مباركٌ، تريد: وقتُ مجيءِ زيدٍ مباركٌ.
وقوله وتدلُّ علي المفاجأة حرفاً لا ظرفَ زمان، خلافاً للزجاج، ولا ظرفَ مكان، خلافاً للمبرد وقال بعض الشراح للكتاب: «مذهب الرياشي والمبرد أنها ظرف زمان، ومذهب الفارسي وأبي الفتح أنها ظرف مكان، وقد نُسبا إلي س، وإلي أنها ظرف مكان ذهب س في باب عدة ما يكون عليه الكلم» انتهي.
فيمكن أن يكون للمبرد قولان.
ومذهب أبي بكر بن الخياط أنها ظرف مكان.
فأما كونها حرفاً فهو قول الكوفيين.
وأما كونها ظرف زمان فهو مذهب الرياشي والزجاج، واختاره ابن طاهر وابن خروف والأستاذ أبو علي، فإذا قلت خرجتُ فإذا زيدٌ فلا يصح أن تكون إذا خبراً عن زيد لأنه ظرف زمان، وزيد جثة، فيقدر من أجل هذا على حذف

مضاف، التقدير: خرجتُ فالزمانُ حضورُ زيدٍ، أو مفاجأةُ زيدٍ.
وقالوا هذا ظاهر كلام س، قال س: «وتكون -يعني إذا للشيء توافقه في حالٍ أنتَ فيها، وذلك قولك: مررتُ فإذا زيدٌ قائمٌ».
قال ابن طاهر: إذا علي بابها من الزمان، ودخلها معني المفاجأة، فلم تعدّ الأسماء.
وقال الأستاذ أبو علي: الأَولي في إذا المفاجأة أنها ظرف زمان بقاء علي ما ثَبت، وإذا قُدِر علي إبقاء الشيء علي أصله من وجه من الوجوه فهو أولي.
وأمّا كونها ظرف مكان فهو مذهب المبرد، واختاره بعض أصحابنا، وزعموا أنه مذهب س، قال المبرد: إذا قلت خرجتُ فإذا زيدٌ فهي خبر عن زيد، كأنك قلت: فبحضرتي زيدٌ،/ أو فبمكاني زيد.
وقول س «وتكون للشيء توافقه في حالٍ أنت فيها».
[3: 178/أ] هذا الأكثر، وهو التوافق في الزمان أو المكان علي الخلاف.
وقال الفراء: وقد يتراخي هذا، نحو قوله تعالي: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾، ومنها قول أبي ذؤيب: ولقد حَرِصَتُ بأنْ أُدافِعَ عَنهُمُ... فإذا المَنِيّةُ أَقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ يريد: غير مدفوعة.
واختلفوا في هذه الفاء الداخلة علي إذا التي للمفاجأة: فذهب الكازني إلي أنها زائدة.
وذهب الزجاج إلي أنها دخلت علي حد دخولها في جواب الشرط وذهب أبو بكر مَبرَمان إلي أنها عاطفة

ورجَّح أبو الفتح قول المازني وذلك أنَّ إذا الفجائية فيها معني الإتباع، وكذلك كانت في جواب الشرط كما كانت الفاء، فقد اشتركت الفاء وإذا في هذا المعني، فدخول الفاء عليها دخول حرف زائد للتأكيد، ولا يعترض علي هذا بكون الفاء لا يجوز حذفها، فرُبَّ زائد يلزم، كقولهم: افعلْه آثراً ما.
وقال بعض أصحابنا: «ولا يجوز أن تقول: خرجتُ إذا زيدٌ، ولكن مع ذلك إذا وجد له نظائر لم يبعد».
انتهي.
ويعني أنه قد وجد زوائد كثيرة حذفت.
ورُدَّ مذهب الزجاج بأنَّ قولك خرجتُ فإذا زيدٌ إخبار عن حال ماضية قد انقضت؛ والشرط مبنيٌّ علي الاستقبال، ولأنه لو كان في الكلام معني الشرط لاستغني بما في إذا من معني الإتباع عن الفاء كما استغني عنها في قولك: إنْ تفعلْ إذا زيدٌ يفعل.
ورُدَّ مذهب مَبرَمان بأنَّ مَبرَمان بأنَّ الجملة التي هي خرجتُ مركبة من فعل وفاعل، وقولك فإذا زيدٌ اسمية، وحكم المعطوف أن يكون وفق المعطوف عليه.
فإن قلت: ألست تقول: قام زيدٌ وأخوك محمدٌ، فتعطف إحدى الجملتين علي الأخرى؟ فالجواب: أنَّ الواو يجوز معها ما لا يجوز مع غيرها من حروف العطف؛ ألا تري أنَّ الثاني في العطف بالفاء معلَّق بالأول، والواو ليست كذلك.
انتهي معني كلام أبي الفتح.
قال الشلوبين الصغير: «ويحتمل أن يُنتَصر لمبرمان بأن يقال له: امتناع قولك قامَ زيدٌ فعمرٌو جالسٌ لم يكن من جهة العطف، إنما كان من أجل [أنَّ] الفاء يصحبها في عطفها الإتباع، ولا إتباع هنا، فإذا صحَّ الإتباع فلا مانع من العطف،

ومسألتنا هذه الإتباع فيها بيِّن علي معني المبالغة، فكأنه لارتباط حضور الأسد عند الخروج معلل بالخروج وإن كان ليس معلَّلاً في الأصل، وإنما هي موافقة ومصادفة،/ ولكن للزوم العلة والمعلول جعل هذا مثله يعطف بالفاء، ومع أنَّ في قولك فإذا زيد معني: فحضرني زيد، وأنت لو قلت خرجتُ فحضرني زيدٌ لم يكن خَلفاً من الكلام، ولم يشك في أنَ الفاء عاطفة، فجاز هذا الجواز ذلك، فعلي هذا يكون توجيه مبرمان صحيحاً».
انتهي.
[3: 178/ب] والذي يقطع بأنّ الفاء عاطفة وقوع غيرها من حروف العطف مقامها، كقوله ﴿ثُمَّ إذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، فـ «ثُمَّ» لا يصلح أن تكون دخلت دخولها في جواب الشرط؛ لأن ثُمَّ لا يُلَقَّي بها جواب الشرط، ودعوي الزيادة فيها علي خلاف الأصل، فثبت أنها عاطفة.
وما ذهب إليه المصنف من أنَّ إذا الفجائية حرف هو اختيار الأستاذ أبي علي في أحد قوليه.
قال المصنف: «وروي عن الأخفض أنها حرف دالٌّ علي المفاجأة، وهو الصحيح عندي، ويدل علي صحته ثمانية أوجه: أحدهما: أنها كلمة تدل علي معني في غيرها غير صالحة لشيء من علامان الأسماء والأفعال» انتهي.
وما ذكر من أنها تدلُّ علي معني في غيرها ليس كما ذكر، بل مَن جعلها ظرف زمان قدر: فالزمان زيدٌ قائمٌ، أي: ففي الزمان الذي خرجتُ فيه زيدٌ قائمٌ.
ومن جعلها ظرف مكان قدَّر: فبِحَضرَتي زيدٌ قائمٌ.
فقد دلت بهذين التقديرين علي معني في نفسها.

وأمّا قوله غير صالحة لشيء من علامات الأسماء والأفعال فغير صحيح؛ لأنه ينعقد منها مع اسم مرفوع كلام، فقد وقعت خبراً، واستقلَّ الكلام منها، ولو كانت حرفاً لَمَا جاز أن ينعقد منها مع الاسم وحده كلام.
قال المصنف: «الثاني: أنها كلمة لا تقع إلا بين جملتين، وذلك لا يوجد إلا في الحروف، كلكنْ وحتي الابتدائية» انتهي.
وليس كما ذَكر، بل وجد الاسم بين جملتين، كقولك: ما رأيتُه منذُ خلقَ اللهُ كذا، فمنذُ اسم، وقد وقعت بين جملتين.
قال المصنف: «الثالث: [أنها] كلمه لا يليها إلا جملة ابتدائية مع انتفاء علامات الأفعال، ولا يكون ذلك إلا جملة ابتدائية، بل قد حكي الأخفش أنه تليها الجملة الفعلية إذا كانت مصحوبة بقد، وقد أحكمنا ذلك في باب الاشتغال، فيطالع هناك.
قال المصنف: «الرابع: أنها لو كانت ظرفاً لم يختلف مَن حكم بظرفيتها في كونها مكانية أو زمانية؛ إذ ليس في الظروف ما هو كذلك» انتهي.
وهذا منقوض بـ «حيث»، فإنّ النحويين اتفقوا علي أنها ظرف، واختلفوا أتكون ظرف مكان فقط أم تأتي ظرف زمان، وقد ذكر المصنف وغيره في ذلك عن الأخفش قال المصنف: «الخامس: أنها لو كانت ظرفاً لم تربط بين جملتي الشرط والجزاء في نحو ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾؛ إذ لا يكون ذلك إلا حرفاً» انتهي.
[3: 179/أ] ولا نسلّم الحصر في أنه لا يكون ذلك إلا حرفاً؛ لأنه يقال: إذا هنا رابطة، وهي اسم.

قال المصنف: «السادس: أنها لو كانت ظرفاً لوجب اقترانها بالفاء إذا صُدِّر بها جواب الشرط؛ فإنَّ ذلك لازم لكل ظرف صُدِّر به الجواب، نحو: إنْ تَقُمْ فحينَئِذ أقوم، وإنْ تُقِمْ فعندَ مُقامك أُقيم» انتهي.
ولا يلزم ما ذَكر لأنَّ جوابها مخالف لجواب بقية أدوات الشرط، فكذلك اختلفا في هذا، مثال ذلك أنَّ الفعل إذا وقع مرفوعاً فلا يكون جوابَ بقية الأدوات إلا إن اقترنت به الفاء، نحو قوله ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾، ويصح وقوعه جواباً لـ «إذا» من غير فاء، كقوله تعالي ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ﴾، ويقال: إنْ تزرْنا فما نحن نُكرمُك، فلا بدَّ من الفاء، وتقول: إذا تزورُنا ما نُكرمُك، فلا يحتاج إلي الفاء، قال تعالي ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ﴾.
قال المصنف: «السابع: أنها لو كانت ظرفاً لأغنت عن خير ما بعدها، ولكان نصب ما بعده علي الحال كما كان مع الظروف المجمع علي ظرفيتها، كقولك: عندي زيدٌ مقيماً، وهنالك بشرٌ جالساً، والاستعمال في نحو مررت فإذا زيدٌ قائمٌ بخلاف ذلك» انتهي.
وليس كما ذَكر، بل تغني عن خبرِ ما بعدها في نحو: خرجتُ فإذا الأسدُ، ولا خبر هناك محذوف، بل «إذا» هي الخبر، وقد تقدم تقرير هذا.
وأمّا قوله «والاستعمال في نحو مررت فإذا زيدٌ قائمٌ بخلاف ذلك» ليس كما ذكر، بل الاستعمال في لسان العرب مثل الاستعمال في الظروف، تقول: خرجتُ فإذا زيدٌ قائمٌ، وقائماُ، بل روي الكوفيون: فإذا عبدُ الله القائمُ، والقائمَ، بالرفع والنصب.

قال المصنف: «الثامن: أنها لو كانت ظرفاً لم تقع بعدها إنَّ المكسورة غير مقترنة بالفاء، كما لا تقع بعد سائر الظروف، نحو: عندي أنك فاضلٌ، وأمرُ إنَّ بعد إذا المفاجأة بخلاف ذلك، كقوله: ............................... إذا إنَّهُ عَبدُ القَفا واللهازِمِ انتهي».
قال الأستاذ أبو علي: وأمّا ما احتج به مَن جعلها حرفاً من كسر إنّ الواقعة بعدها، والظروف لا تقع إنّ بعدها فلا يلزم؛ لأنَّ الظروف إنما يمتنع وقوع إنّ بعدها إذا جُعل ما بعد إنَّ عاملاً فيها، وأمّا علي غير هذا فلا يمتنع، إذ لا مانع منه، ويمكن أن يكون العامل في الظرف مع الكسر معني الكلام الذي فيه إن، فلا حجة في وقوع إنّ المكسورة بعد إذا التي للمفاجأة لمن قال إنها حرف.
[3: 179/ب].
قال المصنف: «فثبت الاعتراف بثبوت الحرفية وانتفاء/ الاسمية» انتهي.
ويقال له: فثبت الاعتراف بثبوت الاسمية وانتفاء الحرفية.
وقال بعض أصحابنا: «الإشكال الذي يرد في فإذا إنّ زيداً قائم أنّ إذا لابدَّ لها من عامل؛ فإن كانت فهي أبداً مضافة لما بعدها، فتحتاج لمضاف تضاف إليه، ثم لعامل يعمل فيها، فلا يعمل فيها ما بعدها لأنّ المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا يعمل فيها ما قبلها، فإنّ الفاء تمنع.
وإن كانت مكانية فقد كان يعمل فيها قائم لولا إنّ؛ لأنها غير مضافة، فلا يعمل فيها لمكان إنّ، ولا ما قبلها لمكان الفاء، فلا يمكن أن يقال إلا العامل محذوف، تقديره: خرجتُ فإذا انطلاقُ عمرٍو إنه منطلقٌ، ويكون المحذوف المبتدأ، والجملة مفسرة للمحذوف دالةً عليه» انتهى.

وقوله ولا يليها في المفاجأة إلا جملة اسمية ليس كما ذَكر، وقد نبَّهنا علي ذلك قبلُ، وذكرنا في باب الاشتغال أنها تليها الجملة الفعلية المصحوبة بقد، نقل ذلك الأخفش عن العرب.
وقوله وقد تقع بعد بينا وبينما قال الأصمعي: «إذ وإذا في جواب بينا وبينما لم يأت عن فصيح» انتهي.
ومثال قولُه.
وبَينا نَسُوسُ الناسَ، والأمرً أمرُنا... إذا نحنُ فيهم سُوقةٌ نَتَنَصَّفُ ومثالُه بعد بينما قولُ الشاعر: وبَينَما المرُ مَسروراً بِغبطَتِهِ... إذا هو الرَّمسُ تَعلُوهُ الأَعاصيرُ وقولُ الآخر: بَينَما الْمَرءُ في فُنونِ الأَمانِي... إذا زائرٌ الْمَنونِ مُوافِي وزعم أبو عبيدة أنّ إذا قد تزاد، واستدلَّ علي ذلك بقول الشاعر:

حتى إذا سلَكوهُم في قُتائدةٍ... شَلّا كما الجَمّالةُ الشُّرُدا قال: فزادها لعدم الجواب، فكأنه قال: حتى سَلَكُوهم.
وتؤول حتى حذف جواب إذا.
ص: ومنها مُذ، ومُنذُ، وهي الأصل.
وقد تُكسر ميمهما، ويضافان إلي جملة مصرَّحٍ بجزأيها، أو محذوف فعلُها، بشرط كون الفاعل وقتاً يُجاب به «متي» أو «كم» وقد يَجُرَّان الوقت، أو ما يُستَفْهَم به عنه، حرفين بمعني «مِن» إن صلَح جواباً لـ «متى»، وإلا فبمعني «في»، أو بمعني «مِن» و «إلي» معاً.
وقد يُغني عن جواب «متى» في الحالين مصدرٌ معيَّنُ الزمان، أو أنَّ وصِلتُها.
وليسا قبل المرفوع مبتدأين بل ظرفين، خلافاً للبصريين.
وسكونُ ذال «مُذ» قبل متحرِّك أَعرَفُ مِن ضمِّها، وضمُّها قبلَ ساكنٍ أَعرَفُ مِن كسرِها.
[3: 180/أ] ش: مُنذُ بسيطة، ومذُ محذوفة منها.
وذهب الكوفيون إلي أنَّ/ منذُ مركبة، واختلفوا: فقال الفراء: أصلها: مِنْ ذُو، مِن الجارة، وذو التي بمعني الذي في لغة طييء.
وقال غيره من الكوفيين: أصلها: مِنْ إذْ، فحذفت الهمزة، فالتقت نون مِنْ وذال إذْ، وهما ساكنان، فحُركت الذال لالتقاء الساكنين، وجُعلت حركتها الضمة لأنهم ضمنوها معني شيئين، وهما مِن وإلي؛ لأنَّ تأويلها إذا قلت ما رأيتُه منذ يومان: ما رأيتُه مِن أوّلِ هذا الوقت إلي آخره، فقامت منذ مقام مِن وإلي، فقَوِيَتْ لذلك، فحَمَلت الضم الذي هو اثقل الحركات، ولهذه العلة نفسها

قالوا: ما كلِّمتُه قَطُّ، فضموا الطاء لأنَّ المعني: ما كلَّمتُه مِن أوَّلِ دَهري إلي هذا الوقت، فنابت قَطُّ عن مِن وإلي، ثم ضّمُّوا الميم إتباعاً لحركة الذال.
ومَن قال مُذْ، فحذف النونَ رَدَّ الذال إلي أصلها من السكون لزوال موجب تحريكها.
ومَن قال مِنَ العرب: مُذُ يومان، ومُذُ اليوم أَتبَع.
ورُدَّ مذهب الفراء بعُرُوِّ الصلة عن رابط، وبأنَّ ذو موصولة لا يَتكلم بها إلا طييء ومذْ ومنذُ يَتكلم بهما جميع العرب.
ورُدَّ مذهب التركيب مِنْ «مِنْ» و «إذْ» بأنّ مِن لا يجوز دخولها علي إذ.
وقوله وهي الأصل يعني أنّ مُنْذُ أصل مُذْ.
واستدلّ المصنف علي كون منذ أصلاً لِمُذْ بدليلين، قال في الشرح: «أحدهما أنّ ذال مُذ تُضم لملاقاة ساكن، كما يُفعل بميم هُم، وليس ذلك إلا لأنّ أصلها مُنذُ بالضم، فرُوجِع به الأصل حين احتيج إلي تحريكها، فقيل: لم أره مُذُ الجمعة، كما رُجع إلي الأصل في نحو: هُمُ القوم، ولو لم يكن الأصل الضم لقيل مُذِ الجمعة، كما قيل: ﴿قُمِ الَّيْلَ﴾، وقد يقال: مُذِ الجمعة، كما قد يقال: ................................... وهُمِ القُضاةُ ومِنْهُمِ الحُكّامُ والثاني: أنّ بني غَنِيّ يضمون الذال قبل متحرك باعتبار أنّ النون محذوفة لفظاً لا نِيّة، فلو لم يكن الأصل منذ لم يصح هذا الاعتبار.
ونظير هذا قولهم في لَدُنْ وقَطٌّ لَدُ وقَطُ، بضم الدال والطاء بعد الحذف علي تقدير ثبوت المحذوف» انتهي.
وقال ابن عصفور قريباً مما قاله المصنف، قال: وإنما جُعلت محذوفة منها لاتفاقهما في الحروف والمعني، ومما يبين صحة ذلك أنّ مِن العرب مَن يقول: ما

رأيتُه مُذُ يومان، فيُبقي الذال علي الضم الذي كان لها قبل النون، ويَجعل حذفها عارضاً، فلا يَعتدُّ به.
فلا يَعتدُّ به.
ومَن سكّن الذال اعتدَّ بالحذف، فرَدَّ الذال إلي أصلها من السكون لمّا زال موجي تحريكها، وهو النون الساكنة، ولو لم تكن محذوفة من مُنذُ لوجب أن تكون الذال ساكنة علي كل /حال؛ إذ لا موجب لتحريكها.
[3: 180/ب] ولا حجة فيما ذهب إليه المصنف وابن عصفور لاحتمال أن تكون الضمة في ذال مُذُ اليوم ومُذُ يومان حركة إتباع؛ فمن سَكّن في مُذ يومان فعلي الأصل من البناء علي السكون، ومن كسر في مُذ اليوم فعلي أصل الساكنين ومن ضم فيهما فإتباع لحركة الميم.
وقول المصنف «والثاني أن بني غَنِيّ يضمون الذال» عيّن بعضهم أن بني عُبَيْد من غَنِيّ يحركون الذال من مذ عند المتحرك والساكن.
وذهب الأستاذ أبو إسحاق بن ملكون إلي أنَّ مذ ليست محذوفة من منذ، قال: لأنَّ الحذف والتصريف لا يكون في الحروف، ولا في الأسماء غير المتمكنة.
وردَّ عليه الأستاذ أبو علي بأنه قد جاء الحذف في الحروف؛ ألا تري تخفيفهم لإنّ وأنّ وكأنّ، وقالوا في لعلّ عَلَّ، قال: «وقد جعل س عَلَّ من العلو».
وقوله وقد تُكْسَرُ ميمُهما قال المصنف في الشرح: «وبنو سُليم يقولون مِنذُ ومِذ بكسر الميم» انتهي.
وقال اللَّحياني في نوادره: «حُكي لي عن بعض بني

سُلَيم: ما رأيته مِنذُ سِتٌّ، بكسر الميم ورفع ما بعد، أراد: ستة أيام».
قال: «وحُكي لي عن عُكْل: مِذُ يومان، بكسر الميم وطرح النون وضم الذال» انتهي.
وقوله ويضافان إلي جملة الإضافة دليل علي الاسمية، وهما إذا ذاك ظرفاً زمان.
واستدلّ ابن عصفور علي اسميتهما بارتفاع الزمان بعدهما في جواب مَن قال: كم لك لم تر فلاناً؟ فتقول: مذ يومان، أو منذ يومان، وهذه جملة، فهما اسمان لا حرفان؛ لأنّ الحرف لا ينعقد منه ومن الاسم كلام باتِّفاق إلا في النداء علي خلاف فيه سيأتي إن شاء الله.
انتهي.
ومن رفع يومان علي إضمار فعل صار الكلام بذلك الفعل جملة، وكان مذ ومنذ إذ ذاك غير مقوم لماهية الجملة، إلا أنّ هذا المذهب ضعيف، فيصح كلام ابن عصفور.
وقوله مُصَرَّحٍ بجزأيها الجملة تارة تكون اسمية، وذلك قليل، قال الشاعر: وما زِلتُ مَحمولاً عليَّ ضَغِينةٌ... ومُضْطَلِعَ الأَضْغانِ مُذْ أنا يافِعُ وقال أبو دَهْبَل الجُمحيّ: تَبوع لِهَمٍّ، لم يزل بي طامحاً... إلي أَمْجَدِ الأَخلاقِ مُذْ أنا يافِعُ والفعلية أكثر، قال الشاعر: قالتْ أُمامةُ: ما لِجِسْمِكَ شاحِباً... مُنذُ ابْتُذِلْتَ، ومِثلُ مالِكَ يَنْفَعُ

وقال الآخر: [3: 181/أ] /ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ.. فَسَما، فأَدْرَكَ خَمْسةَ الأَشْبارِ وما ذهب إليه المصنف من أنهما ظرفان مضافان إلي الجملة هو مذهب س والفارسي والسيرافي.
وذهب أبو الحسن إلي أنهما إذا وليتهما الجملة لفظاً لا يكونان إلا مرفوعين علي الابتداء، ولا بدَّ من تقدير اسم زمان محذوف، يكون خبراً عنهما؛ لأنهما لا يدخلان عنده إلا علي أسماء الزمان ملفوظاً بها أو مقدرة، وهو اختيار ابن عصفور، قال: «مذ ومنذ لا تدخلان إلا علي الزمان، فإن دخلتا علي جملة فعل حذف اسم الزمان، فإذا قلت ما رأيته مذ زيدٌ قائمٌ فالتقدير: ما رأيته مذ زمنِ زيدٌ قائمٌ» انتهي.
وفي البديع: «ولا يجوز أن ترفع إلا زماناً أو مقتضياً للزمان، قال ابن السراج: مذ إنما صيغت لتليها الأزمنة، فإذا وليها فعل فإنما هو لدلالة الفعل علي الزمان، فإذا قلت ما رأيته مذ قدمَ فلان فالتأويل: مذ يومُ قَدِمَ فلان، فإن لم يظهر لمذ عمل وعطفت علي ما عملت فيه [اسماً] حملته علي النصب دون حكم الإعراب المقدر بعد مذ، تقول: ما رأيته مذ قام ويومَ الجمعة، فإن ظهر العمل حملته علي لفظه، تقول: ما رأيته مذ يومان وليلتان، ولك نصب الثاني، كأنك

قلت: ما رأيته ليلتين، و [لا] تقول: ما رأيته مذ يومَ يومَ، فتبني كخمسةَ عشرَ، وقوم يجيزون: مذ يومُ يومُ، بلا تنوين، ولا يجيزون: مذ شهرُ شهرُ، ولا: دَهرُ دهرُ.
قال ابن السراج: ولا أعرف الضم بلا تنوين في هذا من كلام العرب» انتهي.
وقال س في باب ما يضاف إلي الأفعال من الأسماء ما نصه: «ومما يضاف إلي الفعل أيضاً قولهم: ما رأيتُه مذ كان عندي، ومنذ جاءني» انتهي.
فهذا الكلام بدل علي أنهما مضافان إلي الجملة الفعلية لا علي حذف مضاف كما ذهب إليه أبو الحسن.
وقال أبو علي في التذكرة شارحاً لكلام س: «مُذْ فيمن رفع بها بمنْزلة إذا وحيث، وجه الجمع بينهما أنه إذا رفع بها تصير اسماً من أسماء الزمان، كقولك: مذ يومان، وخبر المبتدأ يكون المبتدأ في المعني، فإذا كان كذلك علمت أنّ مذ إذا رَفعت اسم من أسماء الزمان، وإذا جُعل اسماً من أسماء الزمان جاز إضافته إلي الجملة كما جاز إضافة إذْ إليها، وذلك نحو قولهم: لم أره مذْ كان كذا، ومذْ خرجَ زيدٌ؛ أفلا تري أنّ مُذ المتصلة بالفعل لا تخلو من أن تكون اسماً أو حرفاً، فلا يجوز أن تكون حرف جرِّ لأنَّ حروف الجر لا تدخل علي الأفعال، فإذا لم يجز أن تكون حرف جرٍّ ثبت أنها اسم، وأنه أضيف إلي الفعل لمّا كان اسماً من أسماء الزمان» انتهي.
وقوله أو محذوف فعلُها بشرط كون/ الفاعل وقتاً يُجاب به متى أو كم [3: 181/ب] مثال ما يجاب به متى: ما رأيتُه مذ يومُ الجمعة، وما يجاب به كم: ما رأيتُه منذ يومان

واحترز من الوقت الذي لا يجاب به متى ولا كم، نحو وقت وزمان.
وهذا إذا جاء بعد مذ أو منذ زمان مرفوع في رفعه مذاهب: أحدها: مذهب الكوفيين، واختاره ابن مضاء، والسهيلى، وهذا المصنف، وهو أن يكون فاعلاً بفعل محذوف، تقديره: منذ مضي يومان، أو كان يومان.
وحمل الفراءَ علي ذلك اعتقادُه أنّ مذ ومنذ أصلهما: مِنْ ذو، فما بعدهما في صلة ذو.
وحمل غيرَه من الكوفيين علي ذلك اعتقادُه أنّ أصله: مِنْ إذْ، فما بعدهما مضاف إليهما، فعلي هذا المذهب يكون الكلام جملة واحدة.
قال المصنف في الشرح: «والصحيح عندي أنهما ظرفان مضافان إلي جملة حُذف صدرها، والتقدير: مذ كان يومُ الجمعة، ومذ كان يومان، وهو قول المحققين من الكوفيين.
وإنما اخترته لأنَّ فيه إجراء منذ ومذ في الاسمية علي طريقة واحدة مع صحة المعني، فهو أولي من اختلاف الاستعمال، وفيه تخلُّص من ابتداء بنكرة بلا مسوغ إن ادُّعي التنكير، ومن تعريف غير معتاد إن ادُّعي التعريف.
وفيه أيضاً تخلُّص من جعل جملتين في حكم جملة واحدة من غير رابط ظاهر ولا مقدر» انتهي كلامه.
وقد رُدَّ هذا المذهب بأنه مبني علي قول الكوفيين في أنها مركبة مِن «مِنْ» و «ذو» الطائية، أو مِن «مِن» و «إذ»، وتقدم بطلان هذين القولين.
والذي ذهب إليه المصنف غير مذهب الكوفيين من حيث زعم أنَّ منذ بسيطة في أصل الوضع، وأنَّ المرفوع بعدها فاعل.

وقد رُدَّ هذا المذهب بأنَّ إضمار الفعل ليس بقياس.
وأيضاً فإنَّ العرب تقول: ما رأيته مذْ أنَّ الله خلقَه، ومذْ إنَّ، بالفتح، وبالكسر، ولو كان كما زعموا لم يجز إلا فتح أنَّ، أي: إنّ الموضع الذي ينفرد بالاسم أو بالفعل تُفتح فيه أنّ ليس إلا، وهذا قد انفرد بالفعل، فكان يجب التزام فتحها، وهم قد كسروها فيه، وقد تقدم الكلام علي أنّ بعد مذ ومنذ في «باب إنّ» والخلاف فيه مشبعاً.
المذهب الثاني: أنه مرفوع علي أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو قول بعض الكوفيين؛ لأنها عنده مركبة مِن مِنْ وذو الطائية، والتقدير: ما رأيته من الزمن الذي هو يومان.
وتقدم بطلان هذا المذهب من التركيب، فبطَل ما انبني عليه وعلي هذا المذهب، فالكلام جملة واحدة.
المذهب الثالث: أنه مرفوع علي أنه خبر لِمُذْ ومنذ، ومذ ومنذ مبتدآن، وتقديرهما في المنكور: الأَمَد، وفي المعرفة: أولُ الوقت، وبه قال ابن السراج والفارسي، فإذا قلت/ ما رأيتُه مذ يومان فالتقدير: أمدُ انقطاع الرؤيةِ يومان، وإذا قلت: ما رأيتُه مذ يومُ الجمعة، فالتقدير: أولُ انقطاع الرؤية يومُ الجمعة.

المذهب الرابع: أنه مرفوع علي الابتداء، ومذ ومنذ الخبر، وهما منصوبان علي الظرف كما إذا أضيفا إلي جملة، وهو مذهب الأخفش والزجاج وطائفة من البصريين، والتقدير: بيني وبين لقائه يومان.
وإنما ذهبوا إلي ذلك لأنك إذا جعلتهما مبتدأين والمرفوع بعدهما الخبر كانا من قبيل الأسماء الملتزَم فيها الرفع علي الابتداء، نحو ايْمُنُ الله، وما التعجيبة، وعلي مذهبهم كانا من قبيل الأسماء الملتزم فيها النصب علي الظرفية، نحو: بُعَيداتِ بين، وسَحَرَ من يوم بعينه، وعدمُ التصرف في الظروف أوسع منه في الأسماء التي ليست بظروف ولا مصادر، فكان حملها علي الأوسع أولي.
قال بعض أصحابنا: والصحيح مذهب الفارسي وابن السراج من وجهين: أحدهما: أنهما مفردان، لم يُعطف عليهما غيرهما، كما أنّ الأمد وأول الوقت كذلك، فكان الحكم لهما بحكم ما يساويهما في الإفراد أولي، وليس كذلك بيني وبين لقائه؛ لأنهما اسمان منصوبان علي الظرف معطوف أحدهما علي الآخر.
والوجه الثاني: أنّ تقديرهما بـ «بين» في بعض الصور لا يتصور، وذلك إذا قلت مثلاً يومَ الأحد: ما رأيت زيداً مذ يومُ الجمعة، فليس بينك وبين لقائه يوم الجمعة، بل قدر من الزمان أوله يوم الجمعة، وآخره الوقت الذي أنت فيه، ولا يقدر بيني وبين لقائه يوم الجمعة وما بعده إلي الآن؛ لأنّ فيه حذف حرف العطف والمعطوف، وهو قليل، وأيضاً فلم يصرحوا بهذا المعطوف المقدَّر في موضع ما، فدلَّ علي عدم إرادته.
وعلي هذا المذهب الكلام جملتان وإذا فرَّعنا علي أنَّ الكلام جملتان فاختلفوا في الجملة من مذ أو منذ والمرفوع بعدهما هل لها موضع من الإعراب:

جارٍ التحميل