فإن خصصته بالإضافة / [3: 192/ ب] جاز، نحو: قعدت قُدامك، وخلفك، وهذا بناء على منع التأكيد، وهو فاسد.
وذهب أبو زيد إلى أن ما خرج عن المبهم فإنما ينتصب نصب المفعول على النيابة؛ كأنه قال في سرت فرسخين: سرت سيرًا مقدرًا بفرسخين.
وذهب ابن طلحة إلى تقديره بحذف المضاف، كأنه قيل: سير فرسخين، كما في قولك ضربته سوطًا، أي: ضربة سوط.
وإنما قال ذلك لعدم دلالة الفعل عليه لخصوصه، فلا يكون ظرفًا.
فإن كان مبهمًا دل عليه الفعل جاز.
وقيل: لأنه ليس بظرف؛ لأنه لا يقال في جواب أين.
وهذا فاسد: أما الأول فلأن المستدعي للعموم مستدعٍ لخاص في الجملة؛ لأن العام لابد له من الخاص، فيخرج مبينًا.
وأما الثاني فلأن المعدود يقال في جواب كم، ولا يقال في جواب أين إلا غير المعدود، وكم يكون ظرفًا.
وفرق أبو زيد بين مبهم الجهات والأمكنة، فجعل مبهم الجهات منتصبًا على معنى الفعل المأخوذ منها، كالخلف من تخلفت، والأمام من أممت، فله دلالة عليه بهذا النحو، فانتصب على هذا.
وفيه نظر لأنه لا فرق بين استدعاء المكان والجهة إلا أن تجعل أن المكان من تمكنت، فيجري الكل مجرىً واحدًا، وهذا تكلف لا يحتاج إليه؛ لأنه لو نصب الفعل ما دل عليه بلفظه لم ينصب المفعول بهن ولا يقال ما دل عليه الفعل بلفظه انتصب نصب المصدر والزمان، وما لا يدل عليه انتصب نصب المفعول؛ لأنا نمنع هذا التقسيم، بل ما لم يدل عليه بلفظه ينقسم إلى الظرف وغيره.
وقوله أو مسمى إضافي محض قال الشارح: "أي لا تعرف حقيقته بنفسه، بل بما يضاف إليه، كمكان وناحية وأمام ووراء ووجه وجهة وكجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها، يعنون خطين اكتنفا أنف الظبية، وكجنبي في قول الشاعر:
نحن الفوارس يوم الحنو ضاحية جنبي فطيمة، ميلٌ ولا عزل
وكأقطار في قولهم: قومك أقطار البلاد، وكمساليه في قول الشاعر:
إذا ما نعشناه على الرحل يثني مساليه عنه في وراءٍ ومقدم
قال س: (مسالاه: عطفاه، فصار كجنبي فطيمة) انتهى.
وإنما تعدى الفعل إلى المبهم بنفسه لأنه يطلب من جهة معناه مكانًا مبهمًا؛ من حيث إن الفعل لابد أن يكون في مكان، وكل مكان يصدق عليه اسم جانب وناحية وخلف وقدام ووراء، وغير ذلك من أسماء الأماكن المبهمة غير المشتقة من لفظ الفعل؛ ألا ترى أن كل مكان خلف بالنظر إلى شيء، وقدام ووراء بالنظر إلى آخر.
واحترز بقوله محض من الإضافي الذي يدل بنفسه على معنى لا يصلح لكل مكان؛ نحو / [3: 193/ أ] جوف وباطن وظاهر وداخل وخارج، فإن هذه وما أشبهها من الأماكن المختصة إذا قُصد بشيء منها معنى الظرفية لازمة لفظ "في" أو ما في معناها.
وقول المصنف في الشرح "كمكان" مكان: مفعل من الكون؛ لأنه الموضع الذي يكون فيه الكائن، ولزمت الميم، فصارت كالأصلي، فقالوا في الجمع أمكنة، كما قالوا في زمان أزمنة، كأن وزنه فعال، كذا قال الخليل.
وقوله في الشرح "وكجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها"، وهذه فيها خلاف: ذهب الفارسي إلى أن قولهم جنابتي أنفها من الأسماء المختصة المستعملة استعمال الظروف، وإن كان ذلك يحفظ، ولا يقاس عليه.
وذهب س إلى أنه من قبيل الظروف المبهمة.
قال بعض أصحابنا: والذي غلط الفارسي في ذلك هو أن الموضع الذي تقع عليه جنابة الأنف صغير ضيق، فتوهم لذلك أنه من قبيل المخصوص المحصور.
والصحيح أنه من قبيل الاسم المبهم لأنه يقع على صفح الأنف وعلى ما اتصل به بغير تراخٍ أو بتراخٍ يسير، وليس له حد محقق ينتهي إليه، وإذا كان كذلك فهو من قبيل المبهم.
والجيم من جنابتي تكسر وتفتح.
و "جنابتي" من الأسماء غير الظروف، جعل ظرفًا لأن جانب أنف الظبية ليس بمكان، كما أن خدها ليس بمكان؛ ألا ترى أنك لا تقول: رأيت خالًا خد زيد، فكان ينبغي ألا يقال جنابتي، لكن حظه الحفظ، فهو مما نصبته العرب على الظرف، وهو مبهم؛ لأنه بمعنى ناحية، وناحية مبهم وإن أضيف إلى معرفة.
وأما "جنبي فطيمة" فهو موضع، فليس مما جُعل من الأسماء ظرفًا بغير قياس.
وأما "أقطار البلاد" فأقطار جمع قطر، وهو الناحية، فالمعنى: قومك في نواحي البلاد.
وأما "مساليه" فالمسال عند س العطف، وهو الجانب، وليس باسم مكان، فكان ينبغي ألا يكون ظرفًا، لكن استعمل ظرفًا، وشُبه بجنبي فطيمة، كما جُعل هما خطان جنابتي أنفها ظرفًا تشبيهًا له بجنبي فطيمة.
والمعنى: إذا ما رفعناه على الرحل انثنى لينظر في جانبيه من وراء ومقدم.
وزعم ثابت في كتاب "خلق الإنسان" له أن المسال ما هبط من الصدغ إلى العذار.
ووجدت بخط ابن خروف: مسالا الرجل: جانبا لحيته، وأحدهما مسال، وأنشد ابن دريد:
فلو كان في الحي النجي سواده لما مسح تلك المسالات عامر
وقسم أصحابنا المبهم إلى أربعة أقسام:
قسم وضعته العرب عمومًا، وهو مكان وما في معناه من موضع، ومنزل، والجهات: فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وأمام، وخلف.
/الثاني: ما كان منسوبًا، نحو: شرقي الدار، وغربي المسجد.
الثالث: ما اشتق من الفعل، نحو: المذهب، والمجلس
الرابع: المصدر الموضوع موضع الظرف، نحو: هو قصدك.
ونتكلم في هذين قريبًا إن شاء الله عند تكلم المصنف عليهما.
وقد نصبت العرب على الظرف ما ليس بظرف، وهو يحفظ، والوارد من ذلك فوقك ودونك إذا أردت بهما الرتبة في الشرف لا المكان، وسواك ومكانك بمعنى بذلك، وجنابتي أنفها.
وزاد الكوفيون: مثلك، وقرنك، وسنك، ولدتك، وموضع السمع عندهم مثلك.
وما استدلوا به متأول عند البصريين.
وقوله أو جارٍ باطراد مجرى ما هو كذلك قال المصنف في الشرح:
"وذلك صفة المكان الغالبة، نحو: هم قريبًا منك، وشرقي المسجد، قال الشاعر:
هبت جنوبًا، فذكرى ما ذكرتكم عند الصفاة التي شرقي حوارنا
ومصادر قامت مقام مكان مضاف إليها تقديرًا، نحو قولهم: هو قرب الدار، ووزن الجبل، وزنته أي: مكان مُسامتته.
والمراد هنا بالاطراد ألا تختص ظرفيته بعاملٍ ما، كاختصاص ظرفية المشتق من اسم الواقع فيه" انتهى.
قال ثعلب: "إن جعلت قريبًا من القرابة ثُني، وجُمع، وأُنث، أو من القرب أو خلفًا من موصوف فلا يُثنى ولا يُجمع ولا يؤنث" انتهى.
وإنما امتنعت في ذاك تثنيته وجمع وتأنيثه لأنه خلف من موصوف مذكر، وهو مكان.
ومما ينتصب ظرفًا بمعنى قريب الظرف قبلك، ونحوك، وقُرابتك بمعنى قريبًا، إلا أنه أشد مبالغة؛ ألا ترى أن ثعلبًا قال: "وتقول: عندي غلام يخبز الغليظ والرقيق، فإن أردت الجردق قلت: الرقاق"، فجعل الرقاق ما تناهى رقة، وكذلك الطويل والطوال، الطوال أبلغ في الطول.
ومما يؤيد أن الفعال أبلغ من الفعيل أن س فسر قرابتك، فقال: "صار هذا بمنزلة قول العرب: هو حذاءه وإزاءه" فجعل قُرابتك بمعنى متصل به وموازٍ له، بخلاف قريب الذي يكون لما تأخر عنك.
وذكر س: هم حواليك، وهي تثنية، لا شفع الواحد، معناها معنى أحوالك وحولك.
وأما شرقي المسجد فمنسوب إلى الشرق، ومعناه: المكان الذي يلي الشرق، وهو من ذلك الموضع الذي تشير إليه بالشرق إلى منقطع العالم، فشرق الدار معرفة؛ لأن الشرق جزء من الدار، وكذلك غربها، وأما شرقيها فليس كذلك، بل الذي يلي الشرق منها غير معين، فصار شرقي من شرقٍ بمنزلة زيدي من زيد، عندما / [3: 194/ أ] دخلته ياء النسب انبهم.
وأما قول المصنف "وزن الجبل وزنته، أي: مكن مسامتته" فقد فرق س بين وزن الجبل وزنة الجبل، فزعم أن معنى وزن الجبل: ناحية توازنه، أي: تُقابله،
كانت قريبة منه أو بعيدة، وزنة الجبل: حذاؤه، أي: متصلة به، وكلاهما يصل إليه الفعل اللازم بنفسه لإبهامهما.
وذكر س من المصادر: هو قصدك، وحلة الغور.
وذكر س أيضًا: هو صددك، وصقبك، وليسا مصدرين؛ لأن فعلهما على وزن فعل، فالمصدر صقب وصد، فهما اسمان في معنى المصدر.
وقوله أو ما في معناها مثاله: قعد زيدٌ بالبصرة، فالباء الظرفية هي في معنى في.
وقوله فإن جيء بغير ذلك لظرفيةٍ لازمه غالبًا لفظ في.
معنى "بغير ذلك": بغير القدر، والإضافي المحض، والجاري باطراد مجراه، و"غير ذلك" هو الظرف المختص.
قال بعضهم: وهو الذي له اسم من جهة نفسه، كالدار والمسجد والحانوت.
وقال بعضهم: ما كان لفظه يختص ببعض الأماكن دون بعض.
وقيل: ما كان له أقطار تحصره، ونهايات تحيط به.
فهذا المختص لا يتعدى إليه الفعل إلا بوساطة "في" إذا أردت معنى الظرفية.
وقوله غالبًا احتراز مما تعدى إليه الفعل بغير وساطة "في"، وذلك يُحفظ، وهو كل مكان مختص مع دخلت، وتقدم الخلاف في ذلك، و"الشام" مع ذهبت خاصة.
وزعم الفراء أن العرب أنفذت إلى أسماء الأماكن والبلاد دخلت وذهبت وانطلقت، وحكي أنهم يقولون: انطلقت العراق، وذهبت اليمن، ودخلت الكوفة.
وهذا شيء لم يحفظه س ولا غيره من البصريين، والفراء ثقة فيما نقله.
وذهب بعض النحويين إلى أن ذهبت الشام مقيس؛ لأنه إنما سُمي بهذا لأنه شأمة، فكما أن ذهبت شأمةً مقيس، فكذلك ذهبت الشام.
وأجاز قياسًا على هذا: ذهبت اليمن؛ لأنه عنده إنما سُمي اليمن لكونه يمنة، فكما تقول: ذهبت يمنةً، ويكون ذلك مقيسًا، فكذلك تقول: ذهبت اليمن.
وقوى بعض الناس هذا المذهب بأن العرب قد قالت في اليمن يمنة، قال:
فبتنا يقينا ساقط الطل والندى من الليل بردا يمنةٍ عطران
المعنى: برادان من اليمن.
وألزم أبو سعيد قائل هذا أن يجيز: ذهبت العالية؛ لأنها في معنى علو.
وهذا فاسد؛ لأن العرب لو سمت مكانًا مختصًا يمنة أو شأمة أو علو صار مختصًا، فلا يُوصل إليه إلا بوساطة في.
وفي البسيط: قال المبرد: / [3: 194/ ب] "ذهبت الشام ليس من الباب، بل هو مما أُسقط منه حرف الجر - وهو إلى - لا حرف الوعاء".
وما ذكره
محتمل، لكن إنما أتى به س على أن العمل فيه، ولا يكون ذلك [إلا حتى يفهمه عنهم]، وإلا لا حُجة فيه.
قيل: ويدل عليه أنه يقال: داره الشام، أي: في الشام، ولو كان على حذف إلى لسمع في الكوفة ونحوها، ولا يقال إن ذهبت كنصح؛ لأنه لم يُسمع: ذهبت الدار، بمعنى: ذهبت فيها.
وقيل: الأصل ذكر حرف الوعاء، لكنه حذف لا تشبيهًا بالمبهم، بل بمنزلة: مررت زيدًا.
ورد بأنه لو كان لكان مفعولًا لا ظرفًا، ولو كان لما قلت: داره الشام، وجوازه دل على جواز الظرفية، فيكون من باب الظروف.
وزعم الفراء أن ذهبت تصل بنفسها إلى أسماء الأماكن، نحو عمان ونجد والعراق، وحكاه عن العرب.
وتُؤول على أنه في الشعر؛ لأن ما حكاه البصريون هو بالحرف.
وقول العرب: رجع فلانٌ أدراجه، أي: في الطريق الذي جاء فيه، حكاه س، وقال الشاعر:
لما دعا الدعوة الأولى، فأسمعني أخذت بُردي، واستمررت أدراجي
فالأدراج ظرف مختص كالطريق.
وقول العرب: صيد عليه قنوين
وقال آخر:
أنصب للمنية تعتريهم رجالي أم هم درج السيول
هذا ما حفظ في الاختيار.
وأما قوله:
لدن بهز الكف، يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب
وقول الآخر:
قلن عسفان، ثم رحن سراعًا يتطلعن من نقاب الثغور
وقول الآخر:
فلأبغينكم قنًا وعوارضًا ولأقبلن الخيل لابة ضرغد
وقول الآخر:
جزي الله بالإحسان ما فعلا بكم رفيقين قالا خيمتي أم معبد
فضرورة؛ إذ الطريق وعُسفان وقنًا وعوارضًا وخيمتي أم معبد أماكن مختصة، وقد وصل إليها الفعل بغير وساطة في، وهي ظروف.
وفي هذا خلاف:
ذهب س إلى أن انتصابها على الظرف تشبيها للمختص بالمبهم، من جهة أم كل واحد منها اسم مكان محتو على ما فيه.
وزعم الفارسي أن انتصابها نصب المفعول به بعد/ [3: 195/ أ] إسقاط حرف الجر تشبيها لها بالإناسي.
وذهب بعض النحويين إلى أن انتصاب الطريق ظرفًا يجوز أن يكون في فصيح الكلام بناءً منه على أن كل موضع يُستطرق فيه طريق.
وأخذ بهذا المذهب ابن الطراوة، فزعم أن تعدي الفعل إلى الطريق مشهور في الكلام جار على القياس، قال: ومنه قول العرب: "أبعده الله وأسحقه، وأوقد نارًا إثره"، وقوله:
......................... وقد قعدوا أنفاقها كل مقعد
وقوله:
........................ يهوي مخارمها هوي الأجدل
قال: ذهبت طريقي، ومروا طرقاتكم، فهذا السماع عنده.
وأما القياس فإن الطريق اسمٌ لما يمكن أن يُستطرق، وإذا كان كذلك كان مبهمًا.
وهذا باطل عند جمهور البصريين؛ لأن الطريق لا يقع لغة إلا على ما استطرق، لا على ما يمكن أن يُستطرق، فهو مختص.
وأما "أوقد نارًا إثره" فالإثر ليس بالطريق، وإنما هو بمعنى وراءه، فهو من قبيل المبهم.
وأما "وقد قعدوا أنفاقها"، ويهوي مخارمها"، فضرورة.
وأما "ذهبت طريقي"، و"مروا طرقاتكم" - فقال الأستاذ أبو علي: الرد عليه تكذيبه.
وجعل المصنف في الشرح قوله تعالى ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾، ﴿واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ من الظروف المختصة التي حُذف منها "في" في الاختيار.
وهذا مذهب الفراء.
والصحيح أنه ليس انتصابه على الظرف، بل على المفعول به، على تضمين لأقعدن لأملكن، واقعدوا: املكوا، وباب التضمين أوسع من تعدي الفعل إلى المختص على سبيل الظرفية بغير في.
وقوله ما لم يكن كمقعد في الاشتقاق إلى قوله في الفرعية هذا هو النوع الرابع من الأنواع التي ذكرها المنصف، وهو ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه، كمقعد ومرقد ومصلى ومعتكف، فمثال عمل أصله: قُعودي مقعد زيدٍ، ومثال عمل المشارك: قعدت مقعد زيدٍ، فلو عمل فيه غير الأصل أو المشارك، نحو: ضحكت مجلس زيدٍ، أي: في مجلس زيدٍ - لم يجز.
وقوله وسماعًا إن دل على قربٍ أو بعدٍ قال المصنف: "عد من الشواذ: هو مني مقعد القابلة، ومقعد الإزار، ومناط الثريا، ونحو ذلك؛ لأن العامل ليس أصلًا للفعل، ولا شريكًا له في الرجوع إلى أصل واحد".
ومن ذلك: هو مني منزلة الولد، أي: داني المنزلة، ومنزلة الشغاف، أي: لاصقًا بقلبي، و:
......... مقعد رابئ الضـ ـرباء...................
أي: مكانًا يُشرف منه عليه، وكذلك: مزجر الكلب، أي: مُقصى، ومناط الثريا،/ [3: 195/ ب] معناه: مرتفعًا.
وهذا الذي يدل على قرب أو بعد فيه خلاف:
ذهب س والجمهور إلى أنه لا يقال منه إلا ما سُمع، قال س: "وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو مني مجلسك، ومتكأ زيدٍ، ومربط الفرس - لم يجز" انتهى.
وقال غيره: "لا ينبغي أن تنصب هذه الأسماء المسموعة على الظرف إلا على حد ما سُمعت؛ فلا ينبغي على هذا أن يقال: هو مقعد الشعريين، ولا: هو مني معقد شراك النعل.
وكذلك أيضًا لا ينبغي أن تُستعمل من غير أن يراد بها تمثيل القرب والبُعد، فلا ينبغي أن يقال: هو مني مزجر الكلب، تريد: هو في المكان الذي يُزجر فيه الكلب، ولا: هو مقعد القابلة، تريد: هو في الموضع الذي قعدت فيه القابلة؛ لأن العرب لم تستعملها إلا على معنى التمثيل للقرب والبُعد كما ذكرناه" انتهى.
وقالوا: مكان السارية، وكان ينبغي ألا يجوز؛ لأن السارية في موضع له بقرب أو ببعد معلوم، فكما لا يجوز: هو مني مجلس زيدٍ، فكذلك هذا، لكن حكي أبو الحسن عن العرب أنهم يعنون به: مكان السارية من المنارة، فعلى هذا يكون مما استعمل في القرب.
وقول س "في المكان الذي يقعد فيه الضرباء" كان ينبغي أن يقول "في المكان الذي يقعد فيه رابئ الضرباء"؛ لأن المسموع منهم: هو مني مقعد رابئ الضرباء، فإنما يتوجه على: هو مني مقعد الضرباء من الرابئ.
وكان قياس هذه الأسماء ألا تستعمل منصوبة على الظرف لاختصاصها، إلا أنه سهل ذلك أنها استعملت على طريق التمثيل للقرب والبعد، فإذا قلت "زيدٌ مني مناط الثريا" فالتقدير: مكانًا مثل مناط الثريا مني؛ بدليل قول الشاعر:
.......................... مناط الثريا من يد المتناول
أو الثريا من الدبران؛ بدليل قول الآخر:
......................... مناط الثريا من يد الدبران
وكذلك باقيها، فحذف في جميع ذلك الظرف المبهم، وأُقيمت صفته مقامه، فأُعربت بإعرابه، وحُذف المضاف الذي هو مثل، وأُقيمت هذه الأسماء المشتقة من الفعل مقامه، وأُعربت بإعرابه، فانتصبت لذلك على الظرف من قبل ما قامت مقامه لا من قبل أنفسها.
وانتصابها على الظرف مع ذلك شاذ؛ لأن المضاف إذا حُذف لم يقم ما أُضيف إليه مقامه، ولم يُعرب بإعرابه، إلا بشرط ألا يكون هناك ما يمنع من إقامتها مقامه، وهذا المانع موجود هنا من جهة أن مثلًا نكرة مبهم، فساغ انتصابه على الظرف، وهذا معارف مختصة، فلم يصلح أن تنتصب على الظرف.
وذهب الكسائي إلى أن انتصاب هذه الأسماء المختصة المشتقة من الفعل انتصاب الظروف مقيس.
وذلك نزعة من / [3: 196/ أ] الخليل؛ حيث أجاز في "له صوتٌ صوت الحمار" أن يعرب "صوت الحمار" صفة لـ"صوتٌ" حكمًا له بحكم ما ناب عنه، وهو مثل، ولم يجعل التعريف مانعًا من ذلك.
قال المصنف: "ومن العلماء من يحكم باطراد ما دل على بعد أو قرب من نحو: هو مني منزلة الشغاف، ونحو قول الشاعر:
وإن بني حربٍ، كما قد علمتم مناط الثريا، قد تعلت نجومها
على تقدير مكان موصوف بمثل مضاف إلى شغاف ومناط، ثم فعل به ما فعل بضربته ضرب الأمير اللص من حذف الموصوف وصفته وإقامة الثالث مقامهما، وهذا تقدير لائق، ولكن لا يقاس على نوعه لقلة نظائره ومغايرة لفظ باقية للفظ محذوفه، بخلاف: ضرب الأمير اللص" انتهى.
وفي الإفصاح: "وقد رد هذا القول أبو علي الشلوبين بمثل ما رد به س على الخليل في إجازة الخليل: له صوتٌ صوت الحمار؛ لأنه آل في هذا التقدير إلى نصب المختص بالاستقرار، كما آل الحذف هناك إلى وصف النكرة بالمعرفة، فتقديرٌ يؤول إلى ما لا يجوز ينبغي ألا يجوز".
وفي الإفصاح أيضًا: هذه كلها مختصات، أفرد لها س بابًا، وقال: (اتسعوا فيها، وأجروها مجرى المبهم).
وفي مثل هذا يقال: شبهوا المختص بغير المختص؛ لأنها وقعت منصوبة أخبارًا عن المبتدأ، فهي ظروف بلا شك.
وأصل نصبها بالاستقرار، ولا ينصب إلا الظروف.
وقيل: إنما كان ذلك فيها لأنها أمثال، المقصود باللفظ خلافه، فحمل على المعنى؛ لأن قولهم: أنت مني مناط الثريا، لم يرد: أنت في موضعٍ تعلق فيه الثريا، كما يقتضي وضع اللفظ، وإنما المراد: أنت مني مكانًا متباعدًا غاية البعد، فكما أنه لو تكلم بهذا جاز، فكذلك جاز لما أراد موصوفه.
وكذلك: معقد الإزار، لا يراد أنه في ذلك الموضع، وإنما هو كناية عن غاية القرب.
وكذلك مقعد القابلة، فكأنه قال: أن مني مكانًا على غاية القرب، وهذا قول حسن، وبه قال ابن الطراوة.
وقال بعضهم: "هو على حذف، والتقدير: مكانًا مثل مكان مناط الثريا، صارت مثل ظرفًا لما نابت مناب الظرف لما حُذف الموصوف، وصار: مثل مناط الثريا، ثم حذف المضاف، فصار: أنت مناط الثريا، فالنصب في الحقيقة إنما هو لمكان، ثم صار للمناط بالنيابة، وهذا التقدير نحو مما في قولهم: ضربت رب الأمير اللص" انتهى.
وشذ من أسماء الأمكنة المشتقة من الفعل ولم يعمل فيها ما اشتق منها ولا مشارك ولا يراد به تمثيل القرب والبعد ما حكاه س من قولهم: "هو مني مرأًى ومسمعًا"، بالنصب، وفي الضرورة نحو قوله:
/ [3: 196/ ب] بمحنيةٍ، قد آزر الضال نبتها مجر جيوشٍ غانمين وخيب
نصب "مجر جيوش" على أنه ظرف في موضع صفة لـ"محنية"؛ إذ لم يمكنه أن يقول: في مجر جيوش.
وإذا قلت: هو مني مقعد القابلة من النفساء، وهو مني معقد الإزار من المؤتزر، وهو مني منزلة الولد من أبيه، وهو مني منزلة الشغاف من القلب، وهو مني مقعد رابئ الضرباء من الضرباء، وهو مني مناط الثريا من الدبران، وهو مني مزجر الكلب من الزاجر - فجميع ذلك تتعلق فيه "من" الأولى بالظرف لما تضمنه من معنى الفعل لوقوعه موقع الخبر؛ أي: هو كائن مني.
وتتعلق "من" الثانية بنفس اسم المكان لما فيه من الدلالة على الفعل الذي اشتق منه.
وجاز أن تتعلق "من" الثانية باسم المكان لأن المجرور يعمل فيه اللفظ بما يتحمله من معنى الفعل، ومن ذلك قوله:
ما أمك اجتاحت المنايا كل فؤادٍ عليك أم
فتعلق "عليك" بما في "أم" من معنى الفعل؛ إذ المعنى: كل فؤاد عليك مُشفق.
فلو كان بعد اسم المكان مفعول به لم يعمل فيه، ولذلك جعل الفارسي مجرًا من قول النابغة:
كأن مجر الرامسات ذيولها عليه حصيرٌ، نمقته الصوانع
على حذف مضاف، أي: كأن موضع جر الرامسات ذُيولها.
وتعلق "من" الأخيرة باسم المكان هو مذهب س؛ بدليل أنه جعل مغارًا من قول الشاعر:
وما هي إلا في إزارٍ وعلقةٍ مُغارَ ابن همامٍ على حي خثعما
اسم زمان مع أنه قد عمل في: على حي خثعم، وكما عمل اسم الزمان فكذلك يعمل اسم المكان.
وما ذهب المبرد والزجاج إليه من تخطئة س في جعله مُغارًا اسم زمان مع أنه عداه بـ"على" باطل؛ لأن المجرور يعمل فيه اللفظ المتضمن لمعنى الفعل.
وتأويلها مغارًا على أنه مصدر، وهو على حذف مضاف، أي: وقت إغارة - لا يحتاج إلى ذلك، بل ما ذكره س أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى حذف.
وزعم ابن خروف أن حرفي الجر يتعلقان بمحذوفين تقديره: قَرُبَ زيدٌ مني قرب الشغاف من القلب، وبعد مني بعد مزجر الكلب من الزاجر، وكذلك باقيها.
وما ذكره - وإن كان المعنى عليه - لا يساعده الإعراب، ولا يتنزل عليه، وإنما يُتصور ذلك في لغة من رفع اسم المكان، فحذف المصدر من الأول، وأقام المضاف إليه مقامه، فرفعه بالابتداء، وحذف المصدر من الثاني، وأقيم المضاف إليه مقامه، فرفع على الخبر.
وذهب بعض النحويين إلى أن المختص الذي لا شكل له ولا صورة كـ"مزجر الكلب" و "مقعد القابلة" ونحوه على حذف الجار، كـ"أمرتك الخير" انتهى.
وإذا لم تَذكر "من" الثانية، فقلت: هو مني مناط الثريا - / [3: 197/ أ] ففيما يتعلق به "مني" وجهان:
أحدهما: تعلقه بمحذوف، وهو خبر، أي: هو من أتباعي، ومناط الثريا خبر ثان.
والثاني: أن يتعلق بما في الظرف من معنى القرب أو البعد، وكأنك قلت: هو قريب مني، والمجرور يعمل فيه المعنى وإن تقدم.
[4: 1/ ب] /ص: فصل
من الظروف المكانية كثير التصرف، كـ "مكان" لا بمعنى بدل، ويمين، وشمال، وذات اليمين، وذات الشمال.
ومتوسط التصرف، كغير "فوق" و "تحت" من أسماء الجهات، و"بين" مجردًا.
ونادر التصرف كـ"حيث" و "وسط"، و"دُون" لا بمعنى رديئ.
وعادم التصرف كـ"فوق" و "تحت" و "عند" و "لدن" و"مع" و"بين بين" دون إضافة، و "حول" و "حول" و"حوالي" و"حولي" و"أحوال"، "و"هنا" وأخواته، و"بدل" لا بمعنى بدليل، وما رادفه من مكان.
ش: يعني بالترف استعماله غير ظرف، كأن يكون مبتدأ وفاعلًا ونائبًا ومضافًا إلي، وتقدم أن ظرف الزمان متصرف وغير متصرف، فكذلك ظرف المكان.
وذكر من الظروف الكثيرة التصرف مكانًا ويمينًا وشمالًا وذات اليمين وذات الشمال، تقول: اجلس مكانك، ومكانك حسنٌ، جلس يمين زيدٍ، وشمال بكرٍ، ويمين الطريق أسهل، وشمال الطريق أقرب، وقال تعالى ﴿تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وإذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾، وقالت العرب: منازلهم يمينًا وشمالًا، وقال الشاعر:
صددت الكأس عنا، أم عمرو وكان الكأس مجرها اليمينا
وتقول: دارك ذات اليمين، ومنازلهم ذات الشمال، قال تعالى "عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ".
واحترز بقوله "لا بمعنى بدل" من استعماله بمعنى بدل، فإنه إذ ذاك لا يتصرف، ويأتي ذكره.
وقوله ومتوسط التصرف، كغير فوق وتحت من أسماء الجهات غير فوق هو: أمامك، وقدامك، ووراءك، وخلفك، وأسفل، وأعلى، تقول في استعمالها غير ظرف: أمام زيدٍ آمن من ورائه، قال الشاعر:
فغدت كلا الفرجين تسحب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها
وقرئ ﴿والرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾.
وذكر المصنف أن هذا النوع متوسط التصرف.
وزعم الجرمي أنه لا يجوز استعمال الجهات الست إلا ظرفًا، ولا يقاس على استعمالها اسمًا.
ونُقل عنه أيضًا أنه لا يجوز كما نقلناه استعمال خلف وأمام اسمين إلا في الشعر، هذا نص النقل عنه.
والقياس يقتضي التسوية بينهما وبين ما ذكر من غير فوق وتحت من الجهات.
وذهب أبو علي الفارسي إلى أن استعمالهما ظرفين أحسن من استعمالهما اسمين.
قال بعض أصحابنا: وسبب قلة تصرفهما وتصرف أمثالهما من الجهات المحيطة بالأشياء من أقطارها، نحو قدام ووراء وفوق وتحت وذات اليمين وأشباه
ذلك - / [4: 2/ أ] توغلهما في الإبهام، وذلك أن أسماء الأماكن المختصة تُستعمل أسماء كزيد وعمرو، ولا تستعمل ظرفًا إلا في الشعر أو في شاذً من الكلام، وإنما يُستعمل من أسماء الأماكن ظرفًا ما كان مبهمًا، فلذلك كان أكثر ما يُستعمل ظرفًا ما توغل في الإبهام، وإذا قرب من المختص كمكان زيد حسن فيه استعماله اسمًا.
وهذه في استعماله استعمال الأسماء قسمان: أحدهما بلا تجوز، نحو: خلفك مجدبٌ، ووراؤك أوسع لك.
والثاني بتجوز، نحو: زيدٌ خلفك، إما على إضمار، أي: مكان زيدٍ خلفك، وإما على جعله زيدًا مجازًا لما كان حالًا فيه، كقوله نهارك صائمٌ، وسواء في ذلك المعرفة والنكرة، وهذا مذهب البصريين.
وأما الكوفيون فلا يكون ظرف المكان عندهم إلا معرفة بالإضافة أو مشبهًا للمعرفة بها، نحو: خلفك، وخلف حائط، فإن قيل وراء وقدامًا وخلفًا وبقعةً صالحةً ومكانًا طيبًا فليس بظرف، بل قام عبد الله خلفًا ووراء بمعنى متأخرًا، وقدامًا بمعنى متقدمًا، ومكانًا طيبًا وبقعةً صالحةً بمعنى شرفًا ومغتبطًا، فقولك: رأيتك مكانًا طيبًا، بمعنى: شرفًا، أو مغتبطًا.
وإذا وقع اسم المكان عندهم خبرًا وكان مضافًا إلى معرفة فإن وقع خبر الأسماء المواضع جاز فيه الرفع والنصب، نحو: داري خلفك وخلفك، أو لغير ذلك لم يجز فيه عندهم إلا النصب، نحو: زيدٌ خلفك، وتقدم الكلام في شيء من ذلك في باب المبتدأ والخبر، فأغنى عن إعادته هنا.
وقوله وبين مجردًا يعني من الظرفية، مثاله: هو بعيد بين المنكبين، نقي بين الحاجبين، وقال الشاعر:
يديرونني عن سالمٍ، وأديرهم وجلدة بين العين والأنف سالم
وقال تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾، وقوله: ﴿قَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾، في قراءة من رفع، وقال: ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ في قراءة من أضاف (مودة) إلى (بين).
قال المصنف: "ومن تجرد بين عن الظرفية قول الشاعر:
ولم يترك النبل المخالف بينها أخًا لأخٍ يُرجى، ومأثورة الهند
بينها: في موضع رفع بإسناد المخالف إليه، إلا أنه بُني لإضافته إلى مبني مع إبهامه" انتهى.
وقال الفراء في قول الشاعر:
فأدبرن كالجزع المفصل بينه بجيد معم، في العشيرة مخول
"إن "بينه" في موضع رفع لأنه اسم ما لم يسم فاعله، وأُقر على نصبه ليدل على أصله.
ولا وجه لرفعه بأن يقال "المفصل بينه" بضم النون؛ لأن "بين" ليست مفعولًا في حال تسمية الفاعل، إنما هي مثال محل، ولكنه سائغ إضمار "ما"، فتكون اسم ما لم يسم فاعله، ويقدر: / [4: 2/ ب] كالجزع المُفصل ما بينه" انتهى قول الفراء.
ومعنى قوله "ليدل على أصله" أي: من غلبة الظرفية عليه.
وقوله "لأن بين ليست مفعولًا في حال تسمية الفاعل" كلام يشعر بأنها لا يُتصرف فيها إلا فيما كان أصلها أن تنصب على الظرف فيه، ويدل على ذلك قوله "ولكنه سائغ إضمار ما" إلى آخره.
وظهر من كلام الفراء أن بين إذا تصرف فيها لم تُستعمل مرفوعة اللفظ ولا منصوبة، إنما تكون في موضع رفع أو نصب مع كونها بحركة الفتح.
قال المصنف: "وقد يكون بين ظرف زمان كما يكون ظرف مكان، فمن ذلك حيث ساعة يوم الجمعة (بين خروج الإمام وانقضاء الصلاة) ".
وقوله ونادر التصرف كحيث قال المصنف: "وكونه مجردًا عن الظرفية كقول زهير:
فشد، ولم تفزع بيوتٌ كثيرةٌ لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم
وكقول الآخر:
إن حيث استقر من أنت راعيـ ـه حمى، فيه عزةٌ وأمان"
انتهى.
جعل حيث اسم إن، وحمى: خبر.
وهذا خطأ؛ لأن كونها اسمًا لأن فرع عن كونها يكون مبتدأ، ولم يُسمع ذلك فيها، ولا في لفظ واحد، لا يحفظ من كلامهم: حيث قعد زيدٌ فسيحٌ، يريدون: المكان الذي قعد فيه زيد فسيحن وهذا البيت الذي أنشده المصنف دلالة على أن حيث اسم إن لا حجة فيه على تصرف حيث، بل اسم إن هو قوله حمى، وحيث: في موضع خبر إن؛ لأنه ظرف، نحو: إن حيث زيدٌ قائمٌ عمرًا، التقدير: إن حمى فيه عزةٌ وأمانٌ حيث استقر من أنت راعيه.
والصحيح أن حيث ظرف لا يتصرف، فلا يكون فاعلًا ولا مبتدأ ولا مفعولًا به، وجره بـ"من" كثير، وبـ"في" شاذ، نحو قوله:
فأصبح في حيث التقينا شريدهم طليقٌ ومكتوف اليدين ومزعف
وقوله ووسط هي ساكنة السين، قال المصنف: "وأما تجرده عن الظرفيه فقليل، لا يكاد يعرف، ومنه قول الشاعر يصف سحابًا:
وسطه كاليراع أو سرج المجـ ـدل، طورًا يخبو، وطورًا ينير
فوسطه: مبتدأ، خبره كاليراع" انتهى.
والبيت لعدي بن زيد.
وقال الفرزدق:
أتته بمجلومٍ، كأن جبينه صلاءة ورسٍ، وسطها قد تفلقا
فرفعه بالابتداء.
وقال القتال:
/ [4: 3/ أ] سائل ربيعة: هل رددت لقاحها والخيل مقعيةٌ على الأذناب
من وسط جمع بني قريطٍ بعد ما هتفت ربيعة: يا بني جواب
أسكن مع دخول حرف الجر عليه.
ويروى في بيت عدي "وسطة كاليراع" بالنصب على الظرفية، والحكم بأن وسطه خبرٌ مقدم، والكاف اسم في موضع رفع بالابتداء.
وفي البسيط: جعلوا الساكن ظرفًا والمتحرك اسم ظرف.
وقال الفراء: إذا حسنت فيه بينٌ كان ظرفًا، نحو: قعدت وسط القوم، وإن لم تسحن فاسمٌ، نحو: احتجم وسط رأسه.
وقال بعضهم: إذا كان الآخر هو الأول فهو اسم، نحو: وسط رأسه صلبٌ، وإلا فظرف، نحو وسط رأسه دهنٌ.
وقد يحتملان نحو: وسط الدار آجر.
وحكي عن الفراء أن المسكن والمحرك يكون اسمًا وظرفًا، وفرق بين ما يصلح فيه بين فسكنه، وما لا يصلح فيه فحركه، وجوز في كل واحد منهما الآخر.
وفي شرح كتاب س المعزو للصفار: العرب تقول: زيدٌ وسط الدار، فهذا بلا شك ظرف، ويقولون: ضربت وسطه، فهذا اسمٌ مفعولٌ بمنزلة: ضربت ظهره،
وإذا أتوا بفي إنما يقولونه بالفتح، فدل على أن الظرف إنما هو المنصوب، وأن المجرور إنما هو اسم، فوسط عندنا بمنزلة بين، والوسط: منصف الشيء، فإذا قلت حفرت في وسط الدار بئرًا فمعناه: في منصفها، وهو بمنزلة النقطة من الدائرة، وتقول: جلست وسط الدار، إذا جلست في ناحية منها لا في منصفها، فهذا الفرق بينهما.
وأما الكوفيون فلا يفرقون بينهما، ويجعلونهما ظرفين؛ ألا ترى ثعلبًا قال: "واحتجم وسط رأسه".
وهذا عندنا لا يجوز؛ لأن احتجم لا يتعدى، وس يقول: ضربت وسطه، والكوفيون يقولون: هو ظرف بمنزلة وسط، ولا فرق بينهما، إلا أن وسط يقال في المفترق الأجزاء: نحو: وسط القوم، ووسط يقال فيما لا تتفرق أجزاؤه، نحو وسط الرأس.
ولا يستعمل وسط مرفوعًا عندنا إلا في الشعر، نحو:
................................... وسطها قد تفلقا
فهو شاذ عندنا من حيث استعمل اسمًا، وعند الكوفيين شاذ من حيث استعمل فيما لا تتفرق أجزاؤه، وهو الصلابة.
وقوله ودون لا بمعنى رديء احترز بقوله "لا بمعنى رديء" مما حكي س أنه يقال: "هذا ثوبٌ دونٌ: إذا كان رديئًا"، فهذا ليس بظرف.
أما إذا كان ظرفًا فسواء أكان حقيقة، نحو: جلست دون زيدٍ، أو مجازًا، نحو: زيدٌ دونك: إذا أردت في الشرف - فإنه لا يُرفع.
وهو ظرف لا يُتصرف فيه بغير من، وندر تصرفه، قال الشاعر:
ألم تريا أني حميت حقيقتي وباشرت حد الموت، والموت دونها
بالرفع، وقال آخر:
[4: 3/ ب] /وغبراء، يحمي دونها ما وراءها ولا يختيطها الدهر إلا المخاطر
وقال ذو الرمة:
جاورت أرضًا يحسر الآل مرة فتبدو، وأخرى يحسر الآل دونها
وقال الأخفش في قوله ﴿ومِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾: "إن دون مبتدأ، وبني لإضافته إلى مبني".
فظاهر قول الأخفش اطراد تصرف دون.
وغير الأخفش يقدر: ما دون ذلك، يحذف ما.
وقال س: "وأما دونك فإنه لا يُرفع أبدًا، وإن قلت: هو دونك في الشرف؛ لأن هذا إنما هو مثلٌ"، يعني به الانحطاط عن علو الشرف، فلازمه الظرفية أيضًا؛ لأن استعماله بذلك المعنى مثل استعماله في المكان الأدنى.
وقال الفراء: سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك لا تُستعمل أسماء مرفوعة، فإذا قالوا: قام سواك، وبدلك، ومكانك، ونحوك، ودونك - نصبوا، ولم
يرفعوا على اختيار، وربما رفعوا، قال أبو ثروان: أتاني سواؤك.
قال الفراء: وسواك يجري مجرى قصدك ومكانك.
وحكي: زيدٌ سوى عمرو، بمعنى: حذاء عمرو.
قال الفراء: الرفع في سوى وبدل أقوى منه في دون؛ لأن انفراد هذه الحروف أكثر من انفراد دون، فقد قالوا: هما سواء وقد ينفرد دون، فيقال: هذا رجلٌ دونٌ، يريدون خسيسًا، فإذا قصدوا هذا غربوا دُونًا بوجوه الإعراب.
وفي كتاب "الواضح" مسائل مبنية على تصرف "دون" بالجر، منها: فإن قيل مررت بابن عشرٍ أو دُونه جاز النصب والخفض.
ومنها: مررت بابن عشرٍ ودونه، فخفض دون مع الواو أسبق، وقد يجوز: مررت بابن عشرٍ ودونه، بالنصب.
وكذلك: منزلك بالحيرة أو دونها.
ومنها: فإن قيل: ما مررت بابن عشرٍ إلا دونه، ففي دونه النصب والخفض.
وقال: فتلخص من هذه النقول أن دون مختلفٌ فيها، والذي عليه س وأصحابه أنها لا تتصرف، ومذهب الأخفش والكوفيين أنها تتصرف، لكن ذلك فيها قليل.
وقوله وعادم التصرف كفوق وتحت قال المصنف في الشرح: "ومن الظروف العادمة التصرف فوق وتحت، نص على ذلك الأخفش، فقال: (اعلم أن العرب تقول: فوقك رأسك، فينصبون الفوق لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفًا).
ثم قال: (وتقول: تحتك رجلاك، لا يختلفون في نصب التحت).
هذا نصه، وقد جاء جر "فوق" بـ"على" في قول أبي صخر الهذلي:
فأُقْسِمُ بالله اهتز عرشه علي فوق سبع لا أعلمه بطلا
وهذا نادر" انتهي.
وقال ابن الأنباري: "قال بعض النحويين: يقال: فوقك رأسك، وفوقك قلنسوتك، وكذلك: تحتك رجلاك، وتحتك نعلك وفراشك، يعني أنه فرق / [4: 4/ أ] بين الرأس وما كان عليه، وبين الرجل وما كان تحته، فأجاز الرفع فيما أخبر به عن الرأس وعن الرجل، وجعل النصب فيما أخبر به عن القلنسوة والنعل.
قال: وهذا عند أحمد بن يحيي مردود؛ لأن فوق ترتيبها النصب في كل الحالات إلا أن تختص في بعضها فوق برفع، ولا فرق عند أحمد بن يحيي بين: تحتك رجلاك، وتحتك فراشك" انتهي.
وتتصرف"تحت" و "فوق" بجرهما ب"من"؛ قال تعالي ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾، وقال ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾، ولا تجر بالباء، ولذلك قال س في قولهم "أخذتنا-يعني السماء- بالجود وفوقه": لا يجوز إلا الحمل علي المعني؛ لأن فوق لا تجر بالباء، إنما تجر بمن، والمجرور بها الذي هو "بالجود" وقع حالاً، فله موضوع.
وقد شذ جرها بالباء في قول الشاعر:
كلفوني الذي أطيق؛ فإني لست وهنا بفوق ما أستطيع
وأما قول الآخر:
وشبهنني كلباً، ولست يفوقه ولا مثله أن كان غير قليل
فالباء زائدة.
وقوله وعند ولدن ومع سيأتي الكلام علي هذه الثلاثة قريباً إن شاء الله.
وقوله وبين بين دون إضافة مثاله قول الشاعر:
نحمي حقيقتنا، وبعض القوم يسقط بين بينا
الأصل: بين هؤلاء وبين هؤلاء، فزيلت الإضافة، وركب الاسمان تركيب خمسة عشر.
واحترز بقوله "دون إضافة" من أن يضاف إليها، فإذا أضيف إليها تعين زوال الظرفية، ولذلك خطأ أبو الفتح من قال همزة بين بالفتح، وقال:"الصواب همزة بين بين، بالإضافة" انتهي.
ولو أضيف صدر "بين بين" إلي عجزها جاز بقاء الظرفية، كقولك: من أحكام الهمزة: التسهيل بين بين، وزوالها، كقولك: بين بين أقيس من الإبدال.
وقوله وجوال وحول وحوالي وحولي وأحوال قال الراجز:
أهدموا بيتك، لا أبا لكا وأنا أمشي الدالي حوالكا
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا ولا علينا)، وقال تعالي ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، وقال الراجز:
يا إبلي ما ذامه فتأبيه ماء رواء، ونصي حوليه
وقال امرؤ القيس:
فقالت: يمين الله إنك فاضحي ألست تري السمار والناس أحوالي
وتقول: م حوالي، ولا يقال: الثنية هنا شفع الواحد، ومعناها ومعني أحوالك/ [4: 4/ ب] وحولك واحد.
وذكر س من المنتصب ظرفاً- وهو غريب: صدك، وصقبك، ووزن الجبل، أي: ناحية توازنه، أي: تقابله، كانت أو بعيدة، وزنة الجبل، أي: حذاءه متصلاً به، وهم قرابتك، أي: قريباً، وهو أشد مبالغة في القرب؛ إذ معناه الاتصال، وقريب قد يكون لما تراخي عنك، وقومك أقطار البلاد، أي: في نواحيها.
وهذه كلها ينصبها الفعل اللازم لإبهامها، وهذه الغرائب يجوز أن تستعمل أسماء، إذ قياس كل ظرف أن يتصرف فيه إلا إن نقل أنه مما يلزم أن يكون ظرفاً.
وقوله وهنا وأخواته أخواته هنا وهنا وهنت وثم، وتقدم الكلام عليها في آخر باب اسم الإشارة.
وقوله و"بديل" لا بمعني بديل، وما رادفه من مكان مثاله: هذا بدل هذا، تريد: مكان هذا.
ولم يذكر الكوفيون بدل ظرف مكان، وإنما ذكره البصريون.
قال ابن خروف:"البدل والمكان إذا استعملا بمعني واحد لا يرفعان، فإن ذكر كل منهما في موضعه، ولم يحمل أحدهما علي الآخر في المعني- رفعا، نحو قولك: هذا مكانك، تشير إلي المكان، وهذا بدل من هذا، فترفع لأنك أشرت بـ"هذا" إلى
البدل، وهو هو.
وإنما انتصب البدل والمكان ولم يجز فيهما الاتساع حين أخرج كل واحد منهما عن موضعه، فلزما طريقة واحدة" انتهي.
وترك المصنف من ظروف المكان التي لا تتصرف سوي وسواء.
وإنما لم يتصرفا لأنهما بمعني مكانك الذي يدخله معني عوضك وبدلك؛ ألا تري أنك تقول: مررت برجل سواك وبذلك، و "مكانك" بهذا المعني ليس بمكان حقيقي؛ لأن مكان الشيء حقيقة إنما هو موضعه ومستقره، فلما كانت الظرفية علي طريقة المجاز لم يتصرفوا فيه كما يتصرفون في الظروف الحقيقية، وتقدم نقلنا عن الفراء أنهما لا يرفعان في الاختيار، وسيأتي الكلام مشبعاً علي سوي حيث ذكره المصنف في آخر باب الاستثناء إن شاء الله.
ومما أهما ذكره أكثر النحويين من الظروف التي لا تتصرف "شطر" بمعني"نحو" قال تعالي ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾، وقال ﴿فَوَلُّوا وجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، وقال الشاعر:
ألا من مبلغ عني رسولا وما تغني الرسالة شطر عمرو
أي: نحو عمرو، وقال الآخر:
أقول لأم زنباع: أقيمي صدور العيس شطر بني تميم
وقال الآخر، وهو ابن أحمر:
[4: 5/ أ] /تعدو بنا شطر نجد، وهي عاقدة قد كارب من إيفادها الحقبا
وقال آخر:
وأطعن بالقوم شطر الملو ك................
أي: نحوهم، وقال آخر- وجرها بمن:
وقد أظلكم من شطر ثغركم هول، له ظلم، تغشاكم قطعا
والشطر أيضاً: نصف الشيء، والشطر أيضاً: الجزء من الشيء، فهو مشترك بين هذين وبين الجهة.
ص: ف "حيث" مبينة علي الضم، وقد تفتح أو تكسر، وقد تخلف ياءها واو.
وإعرابها لغة فقعسية.
وندرت إضافتها إلي مفرد، وعدم إضافتها لفظاً أندر.
وقد يراد بها الحين عند الأخفش.
و"عند" للحضور أو القرب، حسا أو معني، وربما فتحت عينها، أو ضمت.
ش: زعم ابن سيده أن أصل حيث حوث بالواو.
وعلة بناء حيث إذا كانت شرطية تضمنها معني حرف الشرط، وإذا لم تكن للشرط فعلة بنائها شبهها بالحرف في افتقارها؛ إذ لا تستعمل إلا مضافة، أو في إبهامها، كما أن الحرف مبهم.
وحرك لئلا يلتقي ساكنين.
فمن بناها علي الضم فلشبهها بقبل وبعد؛ لأنها مضافة إلي جملة، والإضافة في الحقيقة إنما هي إلي المفرد، فكأنها مقطوعة عن الإضافة.
ومن بناها علي الفتح فطلباً للتخفيف.
ومن بناها علي الكسر فعلي أصل التقاء لساكنين.
وقوله وقد تخلف ياءها واو حوث هي لغة طيئ، قاله اللحياني، يقولون: حوث عبد الله زيد.
ومن العرب من يفتح حوث.
وقوله وإعرابها لغة فقعسية حكي ذلك عنهم الكسائي، يقولون: جلست حيث كنت، بالفتح، وجئت من حيث جئت، فيجرونها ب"من"، وصارت عندهم كعند.
وأقرأ بعض القراء ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾، فتحتمل هذه القراءة أن تكون علي هذه اللغة، وتحتمل أن تكون علي لغة من بني حيث علي الكسر دائماً.
وقال الكسائي: "سمعت في بني تميم من بني يربوع وطهيه من ينصب الثاء لي كل حال في الخفض والنصب والرفع، فيقول: حيث التقينا،
و ﴿مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾، ولا يصيبه الرفع في لغتهم".
قال: "وسمعت في.
بني الحارث بن أسد بن الحارث بن ثعلبة، وفي بني فقعس كلها، يخفضونها في موضوع الخفض، وينصبونها في موضع النصب، فيقولون ﴿مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾، وكان ذلك حيث التقينا".
وقوله وندرت إضافتها إلي مفرد هذا مذهب البصريين، لا يجيزون إضافة حيث إلي المفرد، وما سمع من ذلك نادر، وأجاز الكسائي ذلك، وقال الراجز:
أما تري حيث سهيل طالعا
يروي برفع سهيل وجره، وقال الشاعر:
[4: 5/ ب] /ونطعنهم تحت الحيا بعد ضربهم ببيض المواضي حيث لي العمائم
فهذا عند البصريين نادر، لا تبني عليه القواعد، وقاس عليه الكسائي.
والجملة التي تضاف إليها حيث شرطها أن تكون خبرية اسمية، أو فعلية مثبتة مصدرة بماض أو بمضارع مثبتين، أو منفي بـ"لم" أو "لا".
وأما قوله:
........ من حيثما سلكوا أدنو، فأنظور
فمن أجاز جرها المفرد فله أن يجعل ما مصدرية، ومن لم يجز ذلك إلا ضرورة جوز هذا، وجوز أن تكون ما زائدة، أي: من حيث سلكوا.
ولا تستعمل غالباً إلا ظرفاً، وقد تجر بالباء، نحو قوله:
...................... كان منا بحيث تعكي الإزار
أو من ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾، أو إلي:
....................... إلي حيث ألقت رحلها أم قشعم
أو في:
فأصبح في حيث التقينا شريدهم......................
وقوله:
علي فتخاء، تعلم حيث تنحو وما في تنحو من طريق
وقد أضاف إليها في قوله:
............... بأذل حيث يكون من يتذلل
وقوله وعدم إضافتها لفظاً أندر قال المصنف في الشرح: "أندر من إضافته إلي مفرد إضافته إلي جملة مقدرة، كقوله الشاعر، وهو أبو حية:
إذا ريدة من حيث ما نفحت له أتاه برياها خليل يواصله
أراد: إذا ريدة نفحت له من حيث ما هبت أتاه برياها خليل، فحذف هبت للعلم به، وجعل ما عوضاً كما جعل التنوين في حينئذ عوضاً" انتهي.
ولا حجة في هذا البيت علي ما ادعاه؛ لأنه يحتمل أن تكون حيث مضافة إلي الجملة التي بعدها، وهي: نفحت لهن ويرتفع "ريدة" بفعل محذوف يفسره المعني، التقدير: إذا نفحت ريدة.
وهذا التأويل أولي؛ لأنه ليس فيه إلا حذف رفع ل"ريدة"، دل عليه المعني، وفي تأويله حذف هذا الرافع، إذ التقدير: إذا نفحت ريدة نفحت له من حيث هبت، وحذف الجملة التي أضفيت إليها حيث، وفيه دعوي أن "ما" جاءت عوضاً مما تضاف إليه، كالتنوين في حينئذ، ولم يثبت ذلك فيها في غير هذا الموضوع فيحمل هذا عليه.
وقوله وقد يراد بها الحين عند الأخفش استدل بقوله:
للفتي عقل، يعيش به حيث تهدي ساقه قدمه
ولا حجة في ذلك، بل الظاهر أنها في هذا البيت ظرف مكان؛ ألا تري أنه أضاف حيث إلي قوله "تهدي ساقه قدمه" وهو عبارة عن المشي، فكأنه قال: حيث مشى وتوجه.
[4: 6/ أ] /وقوله و"عند" للحضور أو القرب حسا أو معني قال المصنف في الشرح: " لا تستعمل إلا مضافة، ولا يفارقها النصب علي الظرفية إلا مجرورة بمن، وهي لبيان كون مظروفها حاضراً أو معني، أو قريبا حسا أو معني، وقد اجتمع الحضور المعنوي والحسي في قوله تعالي ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ﴾، وقال ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ﴾.
ومثال القرب الحسي ﴿عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ المَاوَى﴾، ومثال القرب المعنوي ﴿وإنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، و ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا﴾، ومن القرب المعنوي قول الرجل: عندي مئة، يريد أنه مالكها وإن كان موضعها بعيداً، ومنه قال تعالي ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ﴾.
وقد يكون مظروفها معني، فيراد بها الزمان، كقوله عليه السلام (إنما الصبر عند الصدمة الأولي).
وكسر عينها هو المشهور، ومن العرب من يفتحها، منهم من يضمها" انتهي.
وإنما لم يتصرف "عند" لأنه أشد توغلا في الإبهام من خلف وأمام وأخواتهما؛ ألا تري أن "عند" تصدق علي الجهات الست، فلما بعد عن المختص الذي بابه أن يستعمل اسماً أكثر من بعد الجهات الست عنه لم تستعمل اسماً.