التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 287-18

وفي (الغرة): وقوم من الكوفيين يُجيزون (لا زيد لك)، وأجروا (عبد الله) مُجرى النكرة، وعبد العزيز وعبد الرحمن يجريان مجرى عبد الله، إلا أنهم يُسقطون منهما الألف واللام، فيقولون: لا عبد عزيزٍ ولا عبد رحمن، ولا يعرف هذا بصري.
وقوله فيعامل مُعاملتها يعني: فما كان مفردًا بُني على ما يُنصب به، وما كان منها مضافًا أو مُطولًا أعرب، فمما جاء من ذلك "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده"، وقول الراجز: لا هيثم الليلة للمطي وقول ابن الزبير الأسدي: أرى الحاجات عند أبي خبيبٍ نكدن، ولا أمية بالبلاد وقال الآخر:

تُبكي على زيدٍ، ولا زيد مثله سليمٌ من الحمى صحيح الجوانح وتنكير المعرفة على قسمين: أحدهما: أن يُجعل الاسم واقعًا في الحال على مسماه وعلى كل من أشبه مُسماه، فيكون إذ ذاك نكرة لعمومه، ومن هذا القبيل الأبيات التي تقدم ذكرها، أوقع (أمية) على الشخص الذي اسمه (أمية) وعلى كل من أشبهه، وكذلك (هيثم) و (زيد)، وإيقاع اسم الشخص على من أشبهه جائز في كلام العرب، نحو: زيدٌ زُهيرٌ، وعلى هذا الضرب تُنزع الألف واللام إن كانت فيه؛ لأن التنكير مع وجودهما غير جائز، ومنه (ولا أبا حسنٍ)، و (لا عبد عزيزٍ).
والضرب الثاني: أن يكون (مثل) مضافًا إليه في التقدير، فعلى هذا تقول (قضيةٌ ولا أبا الحسن) بإثبات (أل) في الحسن، تريد: ولا مثل أبي الحسن، وتكون على هذا قد نفيت أن يكون للقضية أبو الحسن أو من يشبهه، على حد قولهم: مثلك من يفعل كذا، يريدون: أنت وأمثالك تفعلون كذا.
ومن هذا الضرب ما حكاه الكسائي من قول بعضهم (لا أبا حمزة لك)، وأبو حمزة ليس مُنكرًا على الطريق الأول بدليل منعه الصرف، وإنما هو مُنكر على الطريق الثانية، والتقدير: لا مثل أبي حمزة لك، فحُذف (مثل)، وأقيم ما أضيف إليه مُقامه، ورُوعي المعنى بعد الحذف.
وحكي الكسائي أيضًا (لا أبا محمد لك)، وكان القياس (لا أبا محمدٍ لك) على الضربين السابقين، فحمله بعض النحويين على أنه من قبيل/ الأسماء المركبة، نُقل من الإضافة إلى التركيب.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يكون ممنوع الصرف، وهو مما مُنع

لسبب واحد - وهو التعريف - نحو قوله: أنا أبو دهبل وهبٌ لوهب والتنكير على الضرب الأول أحسن من التنكير على الضرب الثاني؛ لأن العرب إذا حذفت المضاف وأقامت المضاف إليه مُقامه فإنما تجعل الحكم للملفوظ به، ولا تجعله للمحذوف إلا في قليل من الكلام، وبابه الشعر، نحو قوله: تأتي المُقيم وما سعى حاجاته عدد الحصى، ويخيب سعي الطالب نصب (عدد الحصى) على الحال، وهو معرفة في اللفظ، لما كان التقدير: مثل عدد الحصى.
فإن قلت: ما الدليل على أن هذه الأسماء المعارف مؤولة بنكرة؟ ولعلها عملت فيها (لا) وهي باقية على تعريفها على سبيل الشذوذ، كما عملت (لا) في المعرفة عمل (ليس) على طريق الشذوذ، كما عملت (لا) في المعرفة عمل (ليس) على طريق الشذوذ.
فالجواب: ما ذكره الفراء من أن من قال (لا أمية لك)، ثم نعت نعته بنكرة وإن كان له لفظ التعريف بترك إجرائه، فقال (لا أبا أمية عاقلًا لك)، ولا يقال (العاقل) لنيابته عن النكرة.
وفي (الغُرة): فأما قول الشاعرك لا هيثم الليلة للمطي وقولهم (قضية ولا أبا حسنٍ) ففيه وجهان:

أحدهما: أنه جعل من جماعةٍ كل واحد منهم هيثم، فتنكر، كما تقول: زيدين.
والآخر: أنه فيه حذف، تقديره: لا مثل هيثم.
وقالوا على هذا (أما البصرة فلا بصرة لكم)، و (أما بغداد فلا بغداد لكم).
وعلى القول الثاني لا يجوز وصفه عند الأخفش لأنه في موضع نكرة، فلا يجوز وصفه بالمعرفة، ولا يجوز وصفه بالنكرة وهو معرفة، فبطل الوصف.
وقال المصنف في الشرح: "قدر قوم العلم المعامل بهذه المعاملة مضافًا إليه (مثل).
وقدره آخرون بـ (لا مُسمى بهذا الاسم)، أو بـ (لا واحد من مسميات هذا الاسم).
ولا يصح واحد من التقديرات الثلاثة على الإطلاق: أما الأول فممنوع من ثلاثة أوجه: أحدها: ذكر (مثل) بعده، نحو: تُبكي على زيدٍ، ولا زيد مثله......................... فتقدير (مثل) قبل (زيد) مع ذكر (مثل) بعده وصفًا أو خبرًا يستلزم وصف الشيء بنفسه، أو الإخبار عنه بنفسه، وكلاهما ممتنع.
الثاني: أن المتكلم بذلك إنما يقصد نفي مُسمي العلم المقرون بـ (لا)، فإذا قدر (مثل) لزم خلاف المقصود؛ لأن نفي مثل الشيء لا تعرض فيه لنفي/ ذي المثل.

الثالث: أن العلم المُعامل بها قد يكون انتفاء مثله معلومًا لكل أحد، فلا يكون في نفيه فائدة، نحو: لا بصرة لكم، ولا أبا حسنٍ لها، و "لا قريش بعد اليوم".
وأما التقدير الثاني والثالث فلا يصح اعتبارهما مطلقًا، فإن من الأعلام المُعاملة بذلك ما له مُسميات كثيرة، كأبي حسنٍ وقيصر، فتقدير ما كان هكذا بـ (لا مُسمى بهذا الاسم)، أو بـ (لا واحد من مُسمياته) لا يصح لأنه كذب، فالصحيح ألا يُقدر هذا النوع بتقدير واحد، بل يُقدر ما ورد منه بما يليق به، وبما يصلح له، فيُقدر (لا زيد مثله) بـ: لا واحد من مُسميات هذا الاسم مثله، ويُقدر (لا قريش بعد اليوم) بـ: لا بطن من بطون قريش بعد اليوم، ويُقدر (لا حسنٍ لها) و (لا كسرى بعده، ولا قيصر بعده) بـ: لا مثل أبي حسنٍ، ولا مثل كسرى، ولا مثل قيصر، وكذلك: لا بصرة، ولا أمية، ولا عزى.
ولا يضر في ذلك عدم التعرض لنفي ذي المثل؛ فإن سياق الكلام يدل على القصد".
وقوله ولا يُعامل بهذه المعاملة ضميرٌ ولا اسم إشارة، خلافًا للفراء لم تقل العرب (لاك) ولا (لا إياك لنا).
وأجاز الفراء (لا هو) و (لا هي) على أن يكون الضمير اسم (لا) محكومًا بتنكيره ونصبه.
وهذا في غاية الضعف، فإن سُمع ذلك مع العرب كان تأويله على خلاف ما أجازه الفراء، فيكون (هو) مرفوعًا على الابتداء، وحُذف الخبر لدلالة المعنى عليه، ولم تتكرر (لا) على سبيل الشذوذ.
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: وأجازوا - يعني الكوفيين - دخول

(لا) على المضمر، وتكون بمنزلة (إن)، وبمنزلة (ليس)، فأجازوا في (لا هو) على الوجهين، وحكوا: إن كان أحدٌ سلك هذا الفج فلا هو بهذا.
وفي (الغرة): وأجازوا - يعني قومًا من الكوفيين - دخولها على المضمر الغائب، وحكوا: إن كان واحدٌ في هذا الفج فلا هو.
ولا يعرف هذا بصرىٌ وأنشد الفارسي: ولا هي إلا أن تُقرب وصلها علاةٌ كناز اللحم ذات مشاورة وأجاز الفراء أيضًا: لا هذين لك، ولا هاتين لك، على أن يكون اسم الإشارة اسم (لا) محكومًا بتنكيره.
وما أجازه في اسم الإشارة منقول عن العرب، لكنه من الشذوذ والقلة بحيث لا يُقاس عليه.
ص: ويُفتح أو يُرفع الأول من نحو (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فإن فُتح فُتح الثاني أو نصب أو رفع، وإن رفع الثاني أو فتح.
وإن سقطت (لا) الثانية فُتح الأول ورُفع الثاني/ أو نُصب، وربما فتح منويًا معه (لا).
وتنصب صفة اسم (لا) أو تُرفع مطلقًا، وقد تُجعل مع الموصوف كـ (خمسة عشر) إن أُفردا واتصلا، وليس رفعها مقصورًا على تركيب الموصوف، ولا دليلًا على إلغاء (لا)، خلافًا لابن برهان في المسألتين.
وللبدل الصالح لعمل (لا) النصب والرفع، فإن لم يصلح لعملها تعين رفعه.
وكذا المعطوف نسقًا.

وإن كرر اسم (لا) المفرد دون فصلٍ فُتح الثاني أو نُصب.
ش: مسألة: (لا حول ولا قوة إلا بالله) وما أشبهها فيها خمسة أوجه: [الأول]: لا حول ولا قوة، الفتح في (حول) وفي (قوة) على البناء، فتكون (لا) الثانية كالأولى، ومن ذلك ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ﴾.
الثاني: لا حول ولا قوةً، الفتح في (لا حول) على البناء، والنصب في (قوةً) على العطف على لفظ اسم (لا)، و (لا) الثانية زائدة لتأكيد النفي، مثلها في قولهم: ليس زيدٌ ولا أخوه عندك، ومن ذلك قول الشاعر: لا نسب اليوم ولا خُلةً إتسع الخرق على الراقع وقوله: رعت إبلي برمل عتود إذ لا مقيل بها ولا شربًا نقوعا وفي (الغرة): "النصب بالتنوين في المفرد المعطوف على المبني مع (لا) لا يُجيزه يونس وجماعة من النحاة إلا على الضرورة، كما لا

يُجيزون تنوين المنادى المفرد المعرفة، وغيرهم يُجيزه مع (لا)، يجعل (لا) الثانية زائدة مؤكدة، كما تقول: ليس زيدٌ قائمًا ولا عمروٌ منطلقًا، فتكون (لا) مؤكدة، يدلك على ذلك قولهم: ليس زيدٌ ولا عمروٌ ذاهبين.
ولما اطرد في الأولى أن يكون المفرد بعدها مبنيًا على الفتح تنزلت منزلة المُحدث للفتحة، فحُمل الثاني على لفظ الأول، ولم يُبن الاسم الآخر على الفتح لأنه اعتُقد أن (لا) الثانية زائدة.
وليس بصحيح أن يُبنى مع الأولى أيضًا لأجل عطف العطف، ولئلا تكون ثلاثة أشياء واحدًا، وهذا نظير (يا زيد والحارث) في عطف معرب مرفوع على معطوف منصوب الموضع؛ بخلاف المنادى لأنه مضموم اللفظ منصوب الموضع" انتهى.
الثالث: لا حول ولا قوةٌ، الفتح في (لا حول) على البناء، والرفع في (قوةٌ) من وجهين: أحدهما: أ، يكون/ معطوفًا على موضع (لا) مع اسمها، و (لا) زائدة لتأكيد النفي، مثلها في قولهم: ليس زيدٌ ولا أخوه عندك.
والوجه الثاني: أن تكون (لا) بمنزلة (ليس)، والنكرة مرفوعة اسمها.
وعلى العطف على الموضع قوله:

بها العين والآرام لا عد عندها ولا كرعٌ إلا المغرات والربل وقوله، وهو جرير: بأي بلاءٍ يا نُمير بن عامرٍ وأنتم ذنابى، لا يدين ولا صدر وقول الآخر: هذا - وجدكم - الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب أنشده س وأبو علي على ذلك، وعدلوا إليه، ولم يذهبوا إلى أن (لا أب) ارتفع فيه (أب) على أن تكون (لا) بمنزلة (ليس)، ويكون (أب) اسمها، لما يؤدي إليه ذلك من كثرة الحذف؛ إذ يلزم حذف خبر ليس، وحذف شرط آخر، وحذف جوابه بتقدير جعل (لا) بمنزلة (ليس) لأنها مستأنفة، فيصير من عطف الجمل، ولا يريد انتفاء الأب على الإطلاق، بل انتفاءه على تقدير شرط، وهو: إن كان ذاك ولا أب.
وفي الوجه الأول ليس فيه إلا حذف جواب الشرط الذي هو: إن كان ذاك، و (لا أب) من عطف المفردات، فلذلك رجحا حمل البيت على ما ذكرناه.
الرابع: لا حولٌ ولا قوةٌ، نحو قوله ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾، وقول الشاعر: وما هجرتك حتى قلت معلنةً لا ناقةٌ لي في هذا ولا جمل

ولا يخلو النفي من أن يكون عامًا أو غير عام، إن كان غير عام لم تعمل (لا) شيئًا، وكان ارتفاع الاسمين على الابتداء.
وإن كان عامًا جاز أن تكون (لا) الأولى و (لا) الثانية بمنزلة (ليس)، والنكرتان مرتفعتان بهما، وجاز أن تكون الأولى بمنزلة (ليس)، والثانية زائدة لتأكيد النفي في العطف، والنكرة بعدها معطوفة على النكرة قبلها.
الخامس: لا حولٌ ولا قوة، يرفعون الأول لأن (لا) بمنزلة (ليس)، ويُفتح الثاني لأنها بمنزلة (إن)، وعلى هذا الوجه الخامس قوله: فلا لغوٌ ولا تأثيم فيها وما فاهوا به لهم مُقيم ولا يجوز أن تقول (لا حولٌ ولا قوةً) برفع الأول ونصب الثاني منونًا، ولا (لا حولًا ولا قوة) بنصب الأول وتنوينه إلا إن اضطر شاعر فنون، / نحو قوله: متى ما تزرنا تلقنا لا محالةً بقرقرةٍ ملساء ليست بقردد وقوله وإن سقطت (لا) الثانية فُتح الأول، ورُفع الثاني أو نُصب رفع الثاني على الموضع، ونصبه على اللفظ، ومنه قوله:

فلا أب وابنًا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا وقوله وربما فُتح منويًا معه (لا) حكى أبو الحسن أن من العرب من يُسقط التنوين من المعطوف، فيقول: لا رجل وامرأة، وذلك على نية (لا)، وكأنه قال: ولا امرأة، فحذف (لا) لدلالة ما قبلها عليها، وأبقى الحكم على ما كان عليه، كما حذفوا في: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمةً، حذفوا (كلا) لدلالة ما قبلها عليه، وأبقوا أثرها، وهو الخفض، وعلى هذا حمل أبو الحسن ما حكاه، وهي لغة ضعيفة.
ولم يجز أن يجعل ذلك من باب التركيب كخمسة عشر، كما ركبوا في الصفة، لحجز حرف العطف بينهما، ولم يجز أن يُجعلا مع حرف العطف بمنزلة اسم واحد لأنه لا يوجد في الأسماء المركبة ما هو مركب من ثلاثة ألفاظ.
وقوله وتنصب صفة اسم (لا) أو تُرفع مطلقًا مثال النصب: لا رجل ظريفًا عندك، ولا رجل ضارب زيدٍ في الدار، ولا رجل ضاربًا زيدًا في الدار.
وهذا الوجه أكثر في الكلام وأحسن قياسًا على سائر المبنيات التي هي في موضع نصب بالعوامل الداخلة عليها؛ ألا ترى أن رجلًا من قولك (لا رجل) مبنيٌ في موضع نصب بـ (لا)، كما أن (هذه) من قولك (رأيت هذه) مبنية في موضع نصب بـ (رأيت)، فكما تقول: رأيت هذه العاقلة، فتنصب الصفة، فكذلك تقول: لا رجل عاقلًا لك، فتنصب الصفة.
ومثال الرفع: لا رجل ظريفٌ عندك، ولا رجل ضارب زيدٍ، ولا رجل ضاربٌ زيدًا، فتجري الصفة على الموصوف في موضعه لأن موضع (لا) مع (رجل) رفع لأنه مبتدأ، فتجريه على الموضع.

ويعني بقوله (مطلقًا) أي: لتركيب وعدمه، وفي اتصال الصفة وانفصالها، وفي كونها مفردة أو مضافة أو مُطولة.
ووقع لبعض أصحابنا وهم، وهو أن اسم (لا) إذا كان معربًا فلا يُتبع إلا على لفظه.
وهو شبيه بما ذهب إليه ابن برهان، وسيأتي مذهبه.
ووهم آخر، وهو أن النعت إذا كان مضافًا أو مطولًا فلا يجوز الإتباع فيه/ إلا على لفظ اسم (لا)، نحو: لا رجل صاحب دابةٍ في الدار، ولا رجل خيرًا من زيدٍ.
وفي (البسيط) ما ملخصه: الظاهر أن اسم (لا) لا موضع له من الإعراب لفقدان الطالب؛ فكل ما دخل على الجملة الابتدائية للعمل أبطل معنى الابتداء، فارتفع حكمه، فلا موضع، إلا أن النحويين قالوا: إن زيدًا قائمٌ وعمروٌ، عطف على موضع (إن)؛ لأن هذا العامل ضعيف لم ينسخ معنى الابتداء، فكأنه لم يرتفع، بخلاف ليت ولعل وكأن، وفي حكم (إن) (لا) لأنها عامل ضعيف، لا يقال إنها تُغير معنى الابتداء لضعفها، فلا يكون لها موضع؛ لأنا نقول: النفي لا يُغير معنى الخبر إذ هو والإيجاب نوعان للخبر، بخلاف التمني والتشبيه، وإذا كان لها موضع فهو رفع، وهو على وجهين: إما (لا) وما بعدها في موضع مبتدأ، كما في (بحسبك)، وهو ظاهر كلام س. وإما أن يكون ما بعدها، أي: ما (لا) في موضع مبتدأ بمنزلة (إن زيدًا)، ولما كانت عاملةً النصب، ومنع

من ظهوره البناء، صارت عاملة في المحل بمنزلة: إن هذا قائمٌ، فصار لها محل، ولأن هذا الاسم صارت حركة بنائه بمنزلة حركة الإعراب، فصار له لفظ، كما في باب النداء في: يا زيد العاقل.
فحصل من هذا أن الرفع له وجهان، والنصب وجهان.
وقوله وقد تُجعل مع الموصوف كـ (خمسة عشر) إن أفردا واتصلا مثاله: لا رجل ظريف، جعل المنفي ونعته بمنزلة اسم واحد، كما جعل المنادى ونعته في قولك (يا زيد بن عمرو) بمنزلة اسم واحد؛ لأن باب النفي بـ (لا) شبيه بباب النداء من جهة أن علامة البناء في البابين شبه الإعراب لاطرادها.
وسهل ذلك في هذا الباب كون بناء الاسم مع الاسم أكثر في كلام العرب من بناء الاسم مع الحرف؛ لأن تركيب الاسم مع الاسم قد جاء في هذا الباب وفي غيره كثيرًا، وتركيب الحرف مع الاسم إنما جاء في هذا الباب، ولم يجيء في غيره إلا قليلًا، ومنه: أثور ما أصيدكم أم ثورين فجعل (ما) مع (ثور) بمنزلة اسم واحد، ولذلك حذف التنوين، وتركيب الصفة مع الموصوف دون (لا)؛ لأنه لا يكون ثلاثة أشياء كشيء واحد، ولا يكون هذا التركيب بدون (لا) مع الوصف.
وعلة البناء كون الوصف من تمام اسم (لا)، واسم (لا) وجب له البناء لتضمنه معنى الاستغراق، وهذا من تمامه، فصارا كأنهما تضمنا معنى (من)؛ ألا ترى/ أن غير المبني إذا كان مفتقرًا إلى مبني ليُتمه

اكتسب منه البناء، كظروف الزمان إذا أُضيف إلى الظروف المبنية.
وقد يقال: لا يبعد أن يُحمل على لفظه في الإعراب لأنه أشبه حركة الإعراب، ولا يلزم من الحمل عليه أن يُبنى المحمول؛ لأنك لما جعلت الأول في حكم الإعراب ارتفع البناء حكمًا.
وقد قيل: يجوز أن يُتبع بحذف التنوين، وتكون الفتحة إعرابًا، وحذف التنوين للمُشاكلة.
فعلى هذا يكون محمولًا على محله وعلى لفظه.
وفي (الغرة): "ويجوز أن تبني الصفة مع الموصوف، وتفك (لا) من البناء، فتقول: لا رجل ظريف.
وإنما فككتها منه لئلا تجعل ثلاثة أشياء شيئًا واحدًا.
ورأيت كلام الفارسي يدل على أن ثلاثة أشياء قد جُعلت شيئًا واحدًا، ذكره في كتاب (الإغفال)، قال: لأن فتحة فاء ظريف فتحة تركيب نائبة عن فتحة البناء مع (لا) النائبة مناب نصبه، وإنما فعلوا ذلك لشدة اتصال الصفة بالموصوف" انتهى.
وشرط الإفراد في الموصوف وفي الصفة، فلو كان الموصوف مضافًا أو مُشبهًا بالمضاف فلا بناء.
وشرط أيضًا الاتصال، فلو فُصل بينهما بشيء فلا بناء.
وإنما لم يجز البناء مع المُطول والمضاف لأن العرب لم تُركب واحدًا منهما مع اسم آخر في موضع من المواضع لطولهما.
ولم يجز البناء مع الفصل لحجز الفاصل بينهما.
ولو قلت (لا رجل ظريفًا عاقلًا في الدار) لم يُبن (عاقلًا) مع (رجل) لحجز الوصف الأول بينهما، ولم تُركب الصفتان مع (رجل) لأن العرب لا تركب ثلاثة ألفاظ وتجعلها بمنزلة لفظ واحد في موضع من المواضع.

وقوله وليس رفعها مقصورًا على تركيب الموصوف أي: ليس رفع الصفة مقصورًا على تركيب الموصوف مع (لا)، بل يجوز الرفع سواء أكان الاسم مُركبًا مع (لا) أم مضافًا أو مُطولاً، فتقول: لا مثل زيدٍ ظريفٌ عندنا، ولا ضاربًا زيدًا ظريفٌ عندنا، كما تقول: لا رجل ظريفٌ عندنا.
وقوله ولا دليلًا على إلغاء (لا) بل يكون الرفع مع الإلغاء ومع الإعمال كما مثلنا.
وقوله خلافًا لابن برهان في المسألتين قال المصنف في الشرح: زعم ابن برهان أن صفة اسم (لا) لا تُرفع إلا إذا كان الموصوف مُركبًا مع (لا)، فإن رفعها دليل على إلغاء (لا).
وحمله على ذلك أن العامل في الصفة هو/ العامل في الموصوف، والاسم الموصوف لا يعمل الابتداء فيه، فلا عامل له في صفته.
والاسم المبني على الفتح إن نصبت صفته دل ذلك عنده على الإعمال، وإذا رفعت دل ذلك عنده على الإلغاء.
وما ذهب إليه غير صحيح لأن إعمال (لا) المشار إليها عند استكمال شروطها ثابت بإجماع العرب، فالحكم عليها بالإلغاء دون نقصان الشروط حكمٌ بما لا نظير له.
وقوله "لا عمل للابتداء في الاسم المنصوب" غير مُسلم، بل له عمل ي موضعه، كما له بإجماع عملٌ في موضع المجرور بـ (من) في نحو: هل من رجلٍ في الدار؟ فصح ما قلناه، وبطل ما ادعاه" انتهى كلام المصنف.
وقوله وللبدل الصالح لعمل (لا) النصب والرفع مثال ذلك: لا أحد

فيها رجلٌ ولا امرأةٌ، بالرفع والنصب، وسواء أكان البدل مفردًا أم مضافًا أم مُطولًا، نحو: لا أحد فيها صاحب دابةٍ، بنصب (صاحب) ورفعه، ولا أحد فيها خيرًا من زيدٍ، بنصب (خير) ورفعه.
ولا يجوز أن يُجعل المبدل منه والبدل بمنزلة اسم مركب، كما جاز ذلك في النعت؛ لأنه على نية تكرار العامل، فبينهما حاجز مقدر.
وقوله فإن لم يصلح لعملها تعين رفعه مثاله: لا أحد فيها زيدٌ ولا عمروٌ، فلا يجوز في زيد ولا عمرو إلا الرفع حملًا على الموضع، ومنه ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾.
وقوله وكذا المعطوف نسقًا مثاله: لا غلام فيها ولا زيدٌ، لا يجوز في (زيد) إلا الرفع عطفًا على الموضع؛ لأن المعارف لا تعمل فيها (لا) الناصبة، وهذا بناء على أن المعطوف يحل محل المعطوف عليه.
ومن لم يقل ذلك، وقال (كل شاةٍ وسخلتها بدرهمٍ)، قال: لا غلام ولا العباس، ولا رجل عندنا ولا أخاه.
انتهى من البسيط.
وقال س ما معناه: إنك إذا قلت: لا غلام، ثم جئت باسم علم أو مُعرف فلا سبيل إلا أن تحمله على الموضع؛ لأن (لا غلام) في موضع اسم مبتدأ، فيعمل في المعطوف الابتداء، ولو كانت (لا) بمنزلة (ليس) لم يجز الحمل أصلًا لأنه لا موضع ثم، فإنما كان يكون محمولًا على لفظ الاسم، فتكون (لا) عاملة، ولا تعمل في معرفة أصلًا، فلهذا يمتنع الا يُحمل على الموضع.
ومن قال (كل شاةٍ وسخلتها) فحمل على محل المعرفة، وهي لا تدخل عليه، قال هنا: لا غلام لك ولا أخاه.
وسوغ له التشريك أن دخل الثاني ما دخل الأول.

وقوله وإن كرر اسم (لا) المفرد دون/ فصل فتح الثاني أو نُصب قال المصنف في الشرح: "إذا كرر اسم (لا) المركب معها دون فصلٍ جازن تركيب الأول والثاني كما يُركب الموصوف والصفة، وجاز فيه النصب، وذلك كقولك: لا ماء ماء باردًا لنا، ولا ماء ماءً باردًا لنا" انتهى.
ولم يبين المصنف إعراب هذا الاسم الثاني.
وإنما قال "المفرد" احترازًا من المضاف والمُطول.
وقال "دون فصل" لأنه إذا فُصل امتنع التركيب.
وذكر وجهين: أحدهما البناء، والثاني نصب الثاني، وترك وجهًا ثالثًا، وهو الرفع، فتقول: لا ماء ماءٌ باردٌ.
وتكرير النكرة هنا جرى مجرى النعت، وتكررت توطئة للنعت، كما جاءت توطئة للحال في قوله تعالى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِّنْ عِندِنَا﴾.
وجعل س تكرير الاسم بمنزلة الموصوف في: لا ماء ماءً باردًا، قال س: "ولابد من تنوين بارد لأنه وصفٌ ثانٍ".
وقال ابن طاهر: "أراد به تأكيدًا - يريد التأكيد اللفظي - والصحيح أنه يوصف بالاسم إذا وُصف، نحو: مررت برجلٍ رجلٍ عاقلٍ".
وإنما تجوز هذه الأوجه الثلاثة إذا قُدرت هذه النكرة توطئة للنعت، فإن قُدرت بدلًا من النكرة قبلها لم يجز البناء وجعلهما كاسمٍ واحد؛ لأن البدل على نية تكرار العامل، فيمنع ذلك العامل المقدر من بنائها وجعلها كاسم واحد.
ص: ولـ (لا) مقرونةً بهمزة الاستفهام في غير تمنً وعرضٍ ما لها مجردةً، ولها في التمني من لزوم العمل، ومنع الإلغاء، واعتبار الابتداء، ما لـ (ليت)، خلافًا للمازني والمبرد في جعلها كالمجردة.

ويجوز إلحاق (لا) العاملة بـ (ليس) فيما لا تمني فيه من جمع مواضعها إن لم تُقصد الدلالة بعملها على نصوصية العموم.
ش: إذا دخلت همزة الاستفهام على (لا) كانت على معانٍ: أحدها: أن يراد صريح الاستفهام عن النفي المحض دون تقرير ولا إنكار ولا توبيخ، خلافًا للأستاذ أبي علي إذا زعم أنها لا تقع لمجرد الاستفهام المحض عن النفي دون إنكار وتوبيخ.
ورد على أبي موسى الجزولي إجازة ذلك.
والصحيح وجود ذلك في كلام العرب، ولكنه قليل، ومنه قول العرب: أفلا قُماص بالعير، وقول الشاعر: ألا اصطبار لسلمى أم لها جلدٌ إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي / وظاهر كلام س أنه لا يشترط ما زعمه الأستاذ أبو علي.
الثاني: أن يكون الاستفهام على طريق التقرير والإنكار والتوبيخ، نحو قول الشاعر، وهو حسان: ألا طعان، ألا فُرسان عاديةً إلا تجشؤكم عند التنانير

وقول الآخر: ألا ارعواء لمن ولت شبيبته وآذنت بمشيبٍ، بعده هرم وحكم (لا) في هذين المعنيين حكمها لو لم تدخل عليها الهمزة من جواز إلغائها، وإعمالها إعمال (إن)، وإعمال (ليس)، بجميع أحكامها في ذلك كله.
وفي (البسيط): وقال أبو العباس: علل س البناء بكونه جوابًا لسؤال عام، فيلزم أن يكون هذا جوابًا لسؤال آخر متضمنًا لـ (من)، والسؤال لا يكون جوابًا عن سؤال.
وهذا لا يلزم، فإن البناء قد وجب للكلمة قبل دخول الهمزة بالعلة المتقدمة، ولم تُغيره الهمزة، بل دخلت لمعنى زائد، وهو تقدير هذا الجواب، أو على سؤال عنه، كقوله: ألا طعان.............. البيت.
وقد تدخل الفاء بينها، نحو: أفال قُماص بالعير، يُضرب مثلًا للعاجز الذي لا حراك به، فكذلك تدخل على (لا) غير العاملة، نحو: ألا رجلٌ في الدار.
الثالث: أن تصير الكلمة بمجموعها للتخصيص، وعبر المصنف عن هذا المعنى بالعرض.
فهذه إن جاء بعدها حُمل على إضمار فعل، وإن كان الاسم مما يُنون نون، وعلى هذا حمل الخليل قول الشاعر:

ألا رجلًا، جزاه الله خيرًا يدل على محصلةٍ تبيت زعم أنه ليس على التمني، ولكنه بمنزلة قول الرجل: فهلا خيرًا من ذلك، كأنه قال: ألا تُرونني رجلًا جزاه الله خيرًا.
وزعم يونس والأخفش أنه نون مضطرًا.
وظاهر كلام النحويين أن (ألا) التي للتخصيص مركبة من همزة الاستفهام و (لا) التي للنفي، ودخلها معنى التخضيض.
والذي أذهب إليه أنها بسيطة، وُضعت لمعنى التخضيض، كما هي بسيطة إذا كانت للتنبيه والاستفتاح، وليست مركبة.
الرابع: أن يدخلها معنى التمني: فمذهب س والخليل والجرمي أنها لا تعمل إلا عمل (إن) في الاسم خاصة، فيبنى الاسم معها إن كان مفردًا، ويُعرب إن كان مضافًا أو مطولًا، ولا يكون لها/ خبر لا في اللفظ ولا في التقدير، ولا يُتبع اسمها إلا على اللفظ خاصة دون الموضع، ولا تُلغى بحال، ولا تعمل عمل (ليس)، تقول: ألا غلام لي، وألا ماء باردً، وألا ماء بارد، وألا أبا لي، وألا غُلامي لي، وألا غلامين لي أو جاريتين، وألا ماء أو لبنًا، وألا ماء وعسلًا باردًا حلوًا، هذه مثل س في كتابه.
وقال س: "ومن قال لا غلام أفضل منك لم يقل في ألا غلام أفضل منك إلا بالنصب؛ لأنه دخل فيه معنى التمني، وصار مُستغنيًا عن الخبر" انتهى.

وقوله ولها في التمني من لزوم العمل يعني عمل (إن) لا عمل (ليس).
وقوله ومنع الإلغاء يعني أنها لا تُلغى البتة.
ولا يحتاج لقوله (ومنع الإلغاء) لأن قوله (لزوم العمل) يدل على منع الإلغاء؛ لأنه إذا لزم أن تعمل عمل (إن) لم يكن إلغاء.
وقوله واعتبار الابتداء هو معطوف على قوله (الإلغاء)، أي: ومنع اعتبار الابتداء، وليس معطوفًا على (منع) لئلا يلزم من ذلك أنه يعتبر الابتداء معها.
ومذهب س أنه لا يُعتبر الابتداء معها في التمني، ما لا يُعتبر في (ليت).
وقوله خلافًا للمازني والمبرد في جعلها كالمجردة يعني من الهمزة، فتكون وهي للتمني كهي لمحض النفي، فيكون لها خبر في اللفظ أو في التقدير، ويُتبع اسمها على اللفظ وعلى الموضع، ويجوز أن تعمل عمل (ليس) وأن تُلغى، فتكون أحكامها مرادًا بها التمني كأحكامها وهي تكون للنفي.
قال المازني: "اللفظ يكون على ما كان عليه وإن دخله خلاف المعنى، كباب: غفر الله لزيدٍ، وحسبك، رفع بالابتداء، والمعنى معنى النهي".
قال الأستاذ أبو الحسن: "وهذا - يعني مذهب المازني - باطل سماعًا وقياسًا:

أما السماع فلم يُسمع من العرب (ألا رجل أفضل من زيدٍ) برفع (أفضل)، فلو كان لها خبر لسُمع ولو في بعض المواضع، ولو كان للاسم بعدها موضع لرُفعت صفته في بعض المواضع.
وأما القياس فإن الهمزة لا تخلو من أن تُقدرها داخلة على (لا) وحدها أو على الجملة، فإن قدرتها داخلة على الجملة لم يجز ذلك لأنا لم نجد جُملة يدخلها بجملتها معنى التمني، وقد وجدنا من الحروف ما له معنًى، فإذا رُكب كان له معنًى خلاف الذي كان له قبل التركيب، نحو (هلا) و (لولا).
وإن قدرتها داخلة على (لا) وحدها، وحدث فيها معنى التمني، لم تحتج إلى خبر لأن المراد التمني نفسه.
وإن كانت نافية/ لم يكن بُدٌ من خبر؛ لأن المنفي في المعنى إنما هو الخبر، ولا يُتصور نفي (الرجل).
فثبت إذًا ما ذهب إليه س" انتهى رده على المازني.
والفرق بين المذهبين من حيث المعنى أن في مذهب س يكون التمني واقعًا على الاسم، وفي مذهب المازني على الخبر، والمازني جعل (ألا) في التمني بمنزلة (ليت)، فتعمل عملها، فلها خبر مرفوع، وبمنزلة (إن) لفظًا، فيُتبع اسمها على اللفظ وعلى الموضع.
ومثال ورودها في التمني قول الشاعر: ألا عمر ولي مستطاعٌ رجوعه فيرأب ما أثاث يد الغفلات فنصب (يرأب) لأنه جواب تمن مقرون بالفاء فإن قلت: قد زعمت أن الاسم مع (ألا) التي للتمني لا يجوز أن يُحمل النعت فيه إلا على اللفظ، وظاهر هذا البيت أنه حُمل على الموضع؛ ألا ترى إلى قوله (مُستطاعٌ رُجوعه) كيف رفع مستطاعًا، ولو كان حملًا على اللفظ لنصب، فقال: مُستطاعًا رجوعه.

فالجواب: أن قوله (مُستطاعٌ رجوعه) جملة من مبتدأ وخبر، قدم فيها الخبر على المبتدأ، والجملة بأسرها في موضع نصب على الصفة و (ألا) التي للتمني مركبة من الهمزة ومن (لا) التي للنفي، واستُعملت في معنى التمني لأن التمني مفقود، كما أن النفي كذلك.
وإنما ادعينا التركيب في هذا لأن بعض أحكام (لا) وُجدت في (ألا) على رأي س، وجميع أحكامها على رأي المازني، فقد اتفقت (ألا) و (لا) من حيث المعنى ومن حيث الحكم، بخلاف (ألا) التي للتخضيض؛ لأنها وإن وافقت (لا) من حيث إن المحضوض عليه مفقود لم توافق من حيث الحكم، ألا ترى أنه لا عمل لها، وأن مُتعلق التحضيض الفعل لا الاسم، والنفي والتمني متعلقهما في اللفظ الاسم.
وفي (البسيط): فإن قيل: كيف يصح معنى التمني مع البناء، والبناء يكون للجواب العام، والتمني إنشاء وابتداء، فيلزم أن يكون الابتداء لا ابتداء، ويعرب مع التمني، وأنت تقول: ألا ماء باردًا، على البناء؟ فالجواب: أن البناء هنا ليس هو لأجل التضمن للاستغراق، بل من أجل الحمل بالشبه على التضمن، كما حُملت (حذام) على (نزال)، فلما كان معنى التمني معنى داخلًا في الاستفهام لا تغيير معه، كان هذا كذلك، وأيضًا فمعناه من الاستغراق باقٍ، فإنه/ يتمنى أي رجل كان.
وقوله ويجوز إلحاق (لا) العاملة بـ (ليس) إلى آخره.
قال المصنف في الشرح: "ويجوز إجراء (لا) مُجرى (ليس) فيما لا يُقصد به تمن من مواضع إعمالها إن لم يُقصد التنصيص على العموم بلفظ ما وليها، فعند ذلك لا يجوز إجراؤها مُجرى (ليس)، لأنها إذا جرت مجرى (ليس) جاز أن يكون العموم مقصودًا وغير مقصود" انتهى كلامه.

وإذا عملت عمل (ليس) فمذهب أكثر النحويين أن خبرها لا يكون إلا منصوبًا كخبر (ليس).
وذهب الزجاج إلى أنها تعمل في الاسم الرفع، ولا تعمل في الخبر شيئًا، كما لا تعمل الناصبة فيه شيئًا، بل النكرة مع (لا) العاملة فيها الرفع في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدها خبر للمبتدأ، وزعم أن ذلك مذهب س، وقد نص على ذلك في شرحه مستغلق كتاب س. قال ابن عصفور: "والصحيح عندي أنها لا تعمل في الخبر شيئًا؛ لأن (لا) تنزلت من النكرة التي رفعتها منزلة (من) منها في الاستفهام، كما تنزلت (لا) الناصبة منها منزلتها، ولذلك لم يجز الفصل بين (لا) وما عملت فيه رافعةً كانت أو ناصبة، كما لا يجوز الفصل بين (ما) وما عملت فيه، فكما أن (قائمًا) من قولك (هل من رجلٍ قائمٌ) خبر للاسم المجرور بـ (من) لأن موضعه مع (من) رفع بالابتداء، فكذلك يكون (قائم) من قولك (لا رجل قائمٌ) خبرًا للاسم الذي عملت فيه؛ لأنه مع (لا) في موضع رفع على الابتداء" انتهى كلامه.
وهذا الذي استدل به أبو الحسن بن عصفور ليس بصحيح؛ لأن (لا) لم تتنزل من النكرة التي رفعتها منزلة (من)، كالناصبة؛ إذ لو كانت كذلك لم يُجيزوا (لا رجلٌ في الدار بل رجلان)، ولسووا بين هذا وبين (لا رجل في الدار) بجامع ما اشتركا فيه من أن (لا) إذا عملت عمل (إن) أو عمل (ليس) كانت جوابًا لقولك: هل من رجلٍ في الدار؟ فكانت تكون في حاليها وُضعت للنص على العموم لأنها جواب نص على العموم، فكون النحويين فرقوا بينهما، فجعلوا العاملة علم (إن) نصًا في العموم، والعاملة عمل (ليس) محتملة للعموم، دليل على اختلاف الأحكام.
ومما يشهد بصحة مذهب الجمهور وبطلان مذهب الزجاج واختيار/

ابن عصفور أن السماع ورد بنصب خبر (لا) العاملة عمل (ليس)، نحو قوله: تعز، فلا شيءٌ على الأرض باقيا ولا وزرٌ مما قضى الله واقيا وقد أنشدنا غير ذلك في (باب ما) مما يوقف عليه هناك.
وإنما كررنا هذه المسألة لأن فيها مزيد فائدة، والله أعلم.
تم بحمد الله - تعالى - وتوفيقه الجزء الخامس من كتاب "التذييل والتكميل" بتقسيم محققه، ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء السادس، وأوله: "باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر"

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

ألفه أبو حيان الأندلسي

حققه الأستاذ الدكتور حسن هنداوي كلية التربية الأساسية- الكويت

الجزء السادس

كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع

-[ص:

باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر

الداخل عليهما (كان) والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهام، فتنصبهما مفعولين.
ولا يحذفان معًا أو أحدهما إلا بدليل.
ولهما من التقديم والتأخير ما لهما مجردين.
ولثانيهما من الأقسام والأحوال ما لخبر كان، فإن وقع موقعهما ظرف أو شبهه أو ضمير أو اسم إشارة امتنع الاقتصار عليه إن كان أحدهما، لا إن لم يكنه ولم يعلم المحذوف.]- ش: ما ذكره من أن هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر هو مذهب جمهور النحويين.
وزعم أبو زيد السهيلي أن ذلك باطل، بل هذه الأفعال بمنزلة أعطيت في أنها استعملت مع مفعوليها ابتداء، قال: " والذي حمل النحويين على ذلك هو أنهم رأوا أن هذه الأفعال يجوز ألا تذكر، فيكون من مفعوليها مبتدأ وخبر".
قال: "وهذا باطل بدليل أنك تقول: ظننت زيدًا عمرًا، ولا يجوز أن تقول: زيد عمروٌ، إلا على وجهة التشبيه، وأنت لم ترد ذلك مع ظننت؛ ألا ترى أنك لم ترد أن تقول إنك ظننت زيدًا شبه عمرو بل عمرًا نفسه".
والصحيح ما ذهب إليه النحويون، وليس دليلهم على مذهبهم ما توهمه، بل دليلهم رجوع المفعولين إلى المبتدأ والخبر إذا ألغيت هذه الأفعال، وكان ينبغي ألا تؤثر في المبتدأ والخبر لأن العوامل الداخلة على الجمل لا تؤثر فيها، إلا أنهم شبهوها بأعطيت، فنصبت الاسمين.

وزعم الفراء أن هذه الأفعال لما طلبت اسمين شبهت من الأفعال بما يطلب اسمين، أحدهما مفعول به، والآخر حال، نحو: أتيت زيدًا ضاحكًا.
واستدل على ذلك بوقوع الجمل والظروف والمجرورات موقع المنصوب الثاني في باب ظننت كما تقع موقع الحال، ولا يقع شيء من ذلك موقع المفعول به، فدل ذلك على أنه انتصابه على التشبيه بالحال لا على التشبيه بالمفعول به، ولا يقدح في ذلك كون الحال يتم الكلام دونها، والمنصوب الثاني في هذا الباب لا يتم الكلام دونه، لأنه ليس بحال حقيقي، بل مشبه بها، كما لا يقدح فيما ذهبنا إليه من أن انتصابه على التشبيه بالمفعول الثاني في باب أعطيت كونه لا يجوز الاقتصار عليه، والثاني في باب أعطيت يجوز الاقتصار عليه من جهة أنه ليس بمفعول حقيقي، بل مشبه به، والمشبه/ بالشيء لا يجري مجرى الشيء في جميع أحكامه.
وما ذهب إليه البصريون هو الصحيح بدليل أن المفعول الثاني في هذا الباب يكون معرفة، ومضمرًا، واسمًا جامدًا، كالمفعول به، ولا يكون شيء من ذلك حالًا، ولا يقدح في ذلك وقوع الجمل والظروف والمجرورات موقعه لأن الظروف قد تنتصب على التشبيه بالمفعول به؛ وكذلك المجرور يكون في موضع المفعول، نحو: مررت بزيد، بدليل أنك إذا اضطررت إلى حذف حرف الجر نصبت الاسم، فقلت: مررت زيدًا.
وكذلك أيضًا قد تقع الجمل موقع المفعول به في نحو: قال زيدٌ عمروٌ منطلقٌ.

فإن قلت: تشبيه ظننت وأخواتها بأعطيت مبنيٌّ على أن أعطيت وأشباهها متعدية إلى اثنين، ويزعم الكوفيون أن أعطيت وأمثالها تتعدى إلى واحد، والثاني منصوب بفعل مضمر.
فالجواب: أن ما ذهبوا إليه فاسد، وسيأتي ذكر هذه المسألة في باب ما لم يسم فاعله، إن شاء الله.
وما تقدم ذكره من أن عمل ظننت وأخواتها إنما هو للتشبيه بأعطيت ذكر ابن هشام أنه قول لبعض المتأخرين، قال: وذلك أن كل عامل يدخل على جملة فإنه لا يعمل فيها، نحو قلت وكنت إذا كانت الجملة في موضع خبرها، وكذلك أسماء الزمان إذا أضفتها إلى جملة المبتدأ والخبر، وكذلك المبتدأ إذا كان خبره جملة، وكان الواجب في هذه الأفعال أن تكون كذلك لولا هذا التشبيه، وقد أولع أبو علي الشلوبين بهذا المذهب، وهو لا يصح إذا حقق النظر فيه.
ومذهب س أن ما دخل على الجملة مما شأنه وأصله أن يدخل على المفرد فالجملة تبقى على حالها حكاية لأنها بجملتها تنزلت منزلة المفرد، فالاسم فيها أو الفعل أحد جزئيها، فيتنزل منزلة بعض الكلمة، والعامل لا يعمل في بعض الكلمة، فبقيت على إعرابها حكاية.
والذي ليس من شأنه أن يدخل على مفرد، مثل كان وأخواتها، وإن وأخواتها، وظننت وأخواتها، يصير مثل الفعل الداخل على اثنين، فما كان فعلًا جرى مجرى الأفعال لأجل التشبيه به، وما كان غير فعل عمل بالتشبيه، أو لم يعمل بحكم أصله، هذا مذهب س والنحويين المتقدمين.
وقد رأينا العامل اللفظي يزيل الابتداء، نحو: زيدٌ قام، إذا قدمت

الفعل رفعت الاسم به، ولم تشغله بضميره كما يعمل إذا تأخر، وكذلك ما يدخل عليه طالبًا له من جهة وللخبر من جهة يخلع الابتداء، ويستأثر بالعمل لأنه/ أقوى منه، وإذا علمت الحروف، نحو: إن وأخواتها، وما، ولات، ولا، في هذه الجملة بما أدت معانيها فيها- فالفعل أولى بالعمل وأوجب أن يجوز فيه ذلك.
انتهى.
وقوله الداخل عليهما كان أحال على كان، وقد تقدم بيان ذلك في باب كان.
وقوله والممتنع دخولها- أي: دخول كان -عليهما- أي: على المبتدأ والخبر -لاشتمال المبتدأ على استفهام، مثاله: أيهم أفضل؟ وغلام من عندك؟ فهذه لا تدخل عليها كان، وتدخل عليها ظننت، فتقول: أيهم ظننت أفضل؟ وغلام من ظننت عندك؟ ولا تدخل على هذه كان لأنها لا تتأخر؛ إذ هي -أعني أسماء الاستفهام- لها صدر الكلام.
وقوله فتنصبهما مفعولين تقدم مذهب الفراء أن الاسم الثاني ينتصب على التشبيه بالحال والرد عليه.
وقوله ولا يحذفان معًا أو أحدهما إلا بدليل الحذف يكون اقتصارًا واختصارًا، فحذف الاقتصار حذف الشيء لغير دليل، وحذف الاختصار حذف

الشيء لدليل.
فإن حذفت المفعولين هنا اختصارًا جاز، ومنه قول الكميت: بأي كتابٍ أم بأية سنةٍ ترى حبهم عارًا علي وتحسب يريد: وتحسب حبهم عارًا علي.
وإن حذفتها اقتصارًا فأربعة مذاهب: أحدها: مذهب الأخفش، وهو المنع.
وحجته أن هذه الأفعال [تجري مجرى القسم، ومفعولاتها] تجري مجرى جواب القسم، والدليل على ذلك أن العرب تتلقاها بما يتلقى به القسم، قال تعالى ﴿وظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾، فكما أن القسم لا يبقى دون جواب، فكذلك هذه الأفعال، لا تستغني عن مفعولاتها.
فأما قول الأخفش في كتابه المسمى بالمسائل الصغرى: "تقول: ضرب عبد الله، وظن عبد الله، وأعلم عبد الله، إذا كنت تخبر عن الفعل" انتهى- فظاهره مخالفة هذا النقل.
وأول على أنه لم يقصد جواز الاقتصار مطلقًا، بل مع قرينة محصلة للفائدة، كقولك لمن قال: من ظنني ذاهبًا؟ ظن عبد الله، [ولمن قال]:

من أعلمك أني ذاهب؟ أعلم عبد الله، ولذلك قال "إذا كنت تخبر"، فإن الناطق بما لا فائدة فيه ليس بمخبر.
قالوا: وما استدل به الأخفش لا حجة فيه لأن العرب لا تضمنها معنى القسم على اللزوم، فإذا امتنع حذف مفعوليها إذا دخلها معنى القسم لما ذكر فما المانع من حذفهما إذا لم تتضمن معنى القسم.
وزعم المصنف في الشرح أن هذا الذي هو مذهب الأخفش هو مذهب س والمحققين ممن تدبر، كلامه كابن/ طاهر وابن خروف والأستاذ أبي علي الشلوبين، قال: "فلو لم يقارن الحذف قرينة تحصل بسببها فائدة، كاقتصارك على أظن من قولك: أظن زيدًا منطلقًا- فإنه غير جائز، فإن غرضك الإعلام بأن إدراكك لمضمون الجملة بظنٍّ لا يقين، فتنزل أظن من جزأي الحديث منزلة: في ظني، فكما لا يجوز لمن قال زيدٌ منطلقٌ في ظني أن يقتصر على في ظني، كذا لا يجوز لمن قال أظن زيدًا منطلقًا أن يقتصر على أظن، ولأن قائل أظن أو أعلم دون قرينة تدل على تجدد ظنٍ أو علمٍ بمنزلة قائل: النار حارة؛ إذ لا يخلو الإنسان من ظن ما ولا علم ما".
"ومما يدل على ذلك من كلام س قوله [في] باب إضمار المفعولين اللذين يتعدى إليهما فعل الفاعل: (وذلك أن حسبت بمنزلة كان، إنما يدخلان على المبتدأ والمبني عليه، فيكونان في الاحتياج على حال؛ ألا ترى أنك لا

تقتصر على الاسم الذي بعدهما كما لا تقتصر عليه مبتدأ.
فالمنصوبان بعد حسبت بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد ليس وكان.
وكذلك الحروف التي بمنزلة حسبت وكان)، هذا نصه، فصرح بأن حسب مع مرفوعها في الاحتياج إلى المنصوبين بمنزلة ليس وكان في احتياجهما إلى المرفوع والمنصوب، فكما لا يقتصر على ليس وكان دون المرفوع والمنصوب لا يقتصر على حسب ومرفوعها دون المنصوبين، وهذا واضح.
وقال في الباب الذي يلي هذا الباب: (فلما صارت حسبت وأخواتها بتلك المنزلة جعلت بمنزلة إن وأخواتها إذا قلت إني ولعلي؛ لأن إن وأخواتها لا تقتصر على الاسم الذي بعدها)، فجعل افتقار حسب وأخواتها مع فاعلها [إلى الجزأين] كافتقار إن ولعل مع منصوبيهما إلى الخبر، وهذا أيضًا واضح.
وفي هذا الكلام تسوية بين حسبت وأخواتها، فعلم أنه حين قال: (لأنك قد تقول ظننت فتقتصر) لم يقصد الإطلاق ولا الاختصاص، بل قصد التنبيه على أن بعض المواضع قد يقتصر فيه على الفعل ومرفوعه لقرينة تحصل بها الفائدة، واكتفى بـ (ظننت) اختصارًا واتكالًا على العلم بمساواة غير ظننت لظننت".
وقال عبد العزيز بن جمعة: "منع الجرمي حذفهما محتجًا بأنه لا يكون حينئذ في الإخبار بهذه الأفعال فائدة إذ كل عاقل لا يخلو من علم أو ظن.
وأجيب بأنا لا نسلم عدم الفائدة مطلقًا، وإنما يلزم إن لو لم تفد بإسنادها إلى الفاعل علمًا قطعيًا أو ظنيًا، ولأن ما ورد من الآيات والمثل يبطل ما ذهب

إليه"، وكان قد قدم/ جواز ذلك قياسًا على غيرها من الأفعال لأنها أفعال حقيقة تستقل بمرفوعها كلامًا، وبدليل قوله تعالى ﴿وإنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ﴾، ﴿وظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾، وفي المثل: من يسمع يخل".
انتهى.
المذهب الثاني: مذهب الأعلم ومن أخذ بمذهبه، وهو التفصيل، فأجاز ذلك في ظننت وما في معناها، ومنع في علمت وما في معناها.
وحجتهم أن كل كلام مبني على الفائدة، فإن لم توجد فيه فائدة لم يجز التكلم به، فإذا قلت ظننت كان مفيدًا لأن الإنسان قد يخلو من الظن، فيفيد بقوله ظننت أنه قد وقع منه ظن، وإذا قال علمت كان غير مفيد لأنه معلوم أن الإنسان لا يخلو من علم؛ إذ له أشياء يعلمها ضرورة، كعلمه أن الاثنين أكثر من الواحد.
ورد هذا المذهب بأنه يجوز: علمت، وتحذف المفعولين اقتصارًا لأن الكلام إذا أمكن حمله على ما فيه الفائدة كان أولى، فإذا قال قائل علمت علمنا أنه أراد: وقع منه علم ما لم يكن يعلم؛ إذ حمله على خلاف ذلك غير مفيد.
المذهب الثالث: مذهب أكثر النحويين، منهم ابن السراج والسيرافي، وهو جواز حذفهما مطلقًا.

قال الأستاذ أبو الحسن: "والصحيح أنه يجوز حذف المفعولين في علمت وظننت وما في معناهما حذف اقتصار، وقد جاء ذلك في كلامهم، حكي س أنهم يقولون: من يسمع يخل، أي: يقع منه خيلة، وقال تعالى ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾، أي: يعلم، وليس في الكتاب جلاء عن مذهب س".
المذهب الرابع: المنع قياسًا، والجواز في بعضها سماعًا، وهو اختيار أبي العلا إدريس، ويزعم أنه رأي س، فلا يتعدى الحذف في ظننت وخلت وحسبت.
ويحتج على ذلك بأنها أفعال أتى بها لتفيد معنى في الجملة، فتركها دون الجملة رجوع عن المقصود، ولا يجوز كما لا يجوز حذف ما أتى به لمعنى؛ ألا تراهم لم يحذفوا التنوين من غازٍ، وحذفوا اللام، لكنه سمع في ظننت على ما حكاه س، وكذلك في خلت وحسبت.
قيل: منه قوله تعالى

﴿وظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾، و"ظننت ذاك" بنصب المصدر.
قال صاحب البسيط: "وأما خلت فيظهر اطراد الخلاف فيها بالمنع وعدمه، فالمنع حملًا على ظننت، والجواز لما فيها في نفسها".
وأما حذف أحدهما فإما اقتصارًا أو اختصارًا: إن حذفته اقتصارًا لم يجز، لا خلاف في ذلك.
وسبب ذلك أنها داخلة على المبتدأ والخبر، فكما لا يجوز حذف المبتدأ ولا الخبر اقتصارًا، فكذلك لا يجوز حذف أحدهما اقتصارًا.
/وإن حذفته اختصارًا جاز ذلك على قلة عند الجمهور.
وذهب الأستاذ أبو إسحاق بن ملكون إلى أنه لا يجوز حذف أحدهما اختصارًا كما لا يجوز اقتصارًا.
واستدل على ذلك بأنها أفعال دخلت على المبتدأ والخبر، فهي بمنزلة كان وأخواتها، ولا يقتصر في باب كان على اسمها ولا على خبرها، فكذلك هذه.
ورد بأن مرفوع كان كالفاعل، فلا يحذف، ولأن خبرها كالحدث لها، فصار عوضًا منه، فامتنع حذفه إذ صار كالجزء من الفعل.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من جواز الحذف، وقد ورد به السماع، قال الشاعر: ولقد نزلت، فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم

أنشده أبو علي، وقدره: فلا تظني غير هذا حقًا، وقال: حذفه عزيزٌ، كما أن حذف خبر كان كذلك وإن اختلفت جهتا القبح.
وقال آخر: تلذ لطعمه، وتخال فيه إذا نبهتها بعد المنام وقبله: كأن مشعشعًا من خمر بصري نمته البخت مشدود الختام ثم أتى بخبر كأن بعد بيتين وصف فيهما المشعشعة، فقال: على أنيابها بغريض مزنٍ تقبله الجباة من الغمام ثم وصف المزن ببيت، وبعده: تلذ لطعمه، فالتقدير: وتخال ما ذكرت فيه من المشعشعة الموصوفة.
وقال آخر: من را مثل معدان بن يحيي إذا ما النسع جال على المطية التقدير: من را مثل معدان بن يحيي في الوجود.
و"را" بمعنى علم، كذا قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وصاحب البسيط؛ لأن العرب لا تحذف همزة "را" إلا إذا كانت بمعنى علم.
انتهى.
وذكر ابن سيده في المحكم

أنها تحذفها بمعنى أبصر، فلا يكون في البيت حجة؛ إذ يحتمل أن تكون "را" بمعنى أبصر.
وقال آخر: كأن لم يكن بينٌ إذا كان بعده تلاقٍ، ولكن لا إخال تلاقيا التقدير: لا إخال الكائن تلاقيًا، أو لا إخال تلاقيًا بعد البين.
وقال آخر: وأنت غريمٌ، لا أظن قضاءه ولا العنزي القارظ الدهر جائيا التقدير: لا أظن قضاءه واقعًا، أي: قضاء دينه واقعًا.
وقال ابن عصفور: / "حذف أحد المفعولين للدلالة عليه قليل، فلا ينبغي أن يقاس عليه".
وهذا منه جنوح إلى مذهب ابن ملكون.
وفي الإفصاح: "زيدًا ظننته قائمًا، هذا مما يحذف منه أحد مفعولي ظننت لأنك تقدر: ظننت زيدًا قائمًا، فتحذف ظننت استغناءً بظننت هذه الظاهرة، وتحذف قائمًا استغناءً بقائم هذي الظاهرة.
هذا كلام النحويين.
وقد رأيت من قال: تقديره هنا خلاف ظننت مما يتعدى إلى واحد؛ لأن ظننت وأخواتها لا تستغني عن مفعوليها متى ما ذكرت أحدهما، فتقدر اتهمت،

أو تخيلت، وما أشبه ذلك.
وإذا قال زيدًا علمته قائمًا قدر: عرفت زيدًا، ولك أن تقول: لابست.
وهذه مخالفة للجمهور بلا دليل لأن العرب والنحويين إنما منعوا عن الاقتصار لا عن الاختصار.
وتقول: أقائمًا ظننت زيدًا إياه؟ فتحذف الأول لأنك أظهرته هنا، والتقدير: أظننت زيدًا قائمًا ظننت زيدًا إياه؟ وهذا الفعل لا يجوز إظهاره ولا إظهار فاعله ومفعوله الأول لدلالة ما أثبت على ما أضمرت ونيابته عنه.
ويقول لك القائل: ما ظننت زيدًا؟ فتقول: قائمًا، تريد: ظننته قائمًا، فتحذف للعلم، وإن شئت أظهرت هذا.
وإذا قال: من ظننت قائمًا؟ قلت: زيدًا، ويجوز الإظهار هنا، فتقول: ظننت زيدًا قائمًا"، انتهى.
وما ذكرناه من أن مذهب الجمهور جواز حذف أحدهما إذا دل الدليل عليه قد خالف فيه بعض معاصرينا؛ فقال: "وأما حذف أحدهما دون الآخر دون الآخر فمنعه الجمهور لأنهما متلازمان؛ لافتقار كل منهما إلى صاحبه؛ لأنهما مبتدأ وخبر في الأصل.
ولا يقال: فهلا جاز حذف أحدهما كما جاز حذف المبتدأ والخبر عند وجود القرينة؛ لأنا نقول: إنما لم يجز حذف أحد مفعوليها لئلا يلتبس المتعدي منها إلى مفعولين بما يتعدى إلى مفعول واحد، بخلاف خبر المبتدأ، فأما قول الشاعر: وما أعرف الأطلال..................................، لكن إخالها فإخال هنا بمعنى أتوهم.

واعلم أنه لو ذهب ذاهب إلى جواز حذف أحد المفعولين عند وجود قرينة دالة عليه لما امتنع، كقوله تعالى ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾؛ لأن من قرأ بالياء فالمفعول الأول محذوف لدلالة الفعل عليه، والتقدير: البخل هو خيرًا لهم، ومن قرأ بالتاء فعلى حذف مضاف من الأول، أي: بخل الذين".
انتهى من كلام/ ابن جمعة.
وقوله ولهما من التقديم والتأخير ما لهما مجردين يعني أن الأصل تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني، وقد يعرض موجب البقاء على الأصل، نحو: ظننت زيدًا صديقك، وعلمت خيرًا منك فقيرًا إليك، وما يوجب الخروج عن الأصل، نحو: ما ظننت زيدًا إلا بخيلًا، وأسباب البقاء والخروج مستوفاة في باب الابتداء، فأغنى ذلك عن ذكرها هنا.
فإن لم يعرض موجب جاز التقديم والتأخير.
وقوله ولثانيهما من الأقسام والأحوال ما لخبر كان أحال على خبر كان، وذلك مستوفى في باب كان، فأغنى عن إعادته هنا.
وقوله فإن وقع موقعهما -أي موقع المفعولين- ظرف -نحو ظننت عندك- أو شبهه -نحو ظننت لك- أو ضمير - ظننته- أو اسم إشارة - ظننت ذاك-

جارٍ التحميل