التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 230-269

وقوله وليس من تغليب العاقل إلى قوله للمازني وذلك أن أحدًا من الألفاظ الخاصة بمن يعقل، فيقع على ما لا يعقل إذا اختلط بمن يعقل، نحو من، قال تعالى ﴿ومِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾.
وهذا الذي ذهب إليه المازني لا يطرد في باب الاستثناء المنقطع؛ لأنهم قد يفعلون ذلك حيث لا يمكن تغليب، نحو قوله: ليس بيني وبين قيسٍ عتابٌ غير طعن الكلى وضرب الرقاب فالطعن والضرب ليسا من العتاب، وقد أبدلت "غير" المضافة إليهما مع أنه لا يمكن التغليب.
وقال ابن خروف رادًا على قول المازني: "لا يُتوهم ذلك محصورًا في / [4: 46/ أ] لفظ أحد وما يشبهه؛ لأن ما جاء مما ليس بلفظ أحد أكثر من أن يحصى" انتهى.
والاستثناء إن كان بلفظ "إلا" أو "غير"، وكان لا يمكن توجه العامل عليه - وجب النصب.
أو يمكن فالحجاز تنصبه وجوبًا، وتميم تجيز فيه الإبدال، وهذا كما تقدم.
وإن كان الاستثناء بأداة غير لفظ "إلا" و "غير" كان حكم الاسم المستثنى كحكمه إذا كان الاستثناء متصلًا في جميع ما ذكر؛ ومن الاستثناء المنقطع بأداة غير "إلا" و "غير" قول الشاعر: لم ألف في الدار ذا نطقٍ سوى طللٍ قد كاد يعفو، وما بالعهد من قدم

قوله "ذا نُطق" كلفظ "أحد"، و" سوى طللٍ" استثناء منقطع، فعلى هذا الذي تقرر تقول: ما بالدار أحدٌ ليس حمارًا، أو لا يكون حمارًا، أو عدا حمارًا، أو عدا حمارٍ، أو سوى حمارٍ، وكذلك باقي الأدوات.

-[ص: وإن عاد ضمير قبل المستثنى بـ"إلا" الصالح للإتباع على المستثنى منه العامل فيه ابتداءٌ أو أحد نواسخه أُتبع الضمير جوازًا وصاحبه اختيارًا، وفي حكمهما المضاف والمضاف إليه في نحو: ما جاء أخو أحدٍ إلا زيدٌ.
وقد يُجعل المستثني متبوعًا، والمستثني منه تابعًا.
ولا يقدم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه والمنسوب إليه معًا، بل على أحدهما، وما شذ من ذلك فلا يقاس عليه، خلافًا للكسائي.]-

ش: مثال ذلك في المبتدأ: ما أحدٌ يقول ذلك إلا زيدٌ.
ومثال ذلك في الناسخ: ما حسبت أحدًا يقول ذلك إلا زيدًا، وما كان أحدٌ يجتزئ عليك إلا زيدٌ.
فيجوز في هذه المسائل ونحوها أن تجعل زيدًا تابعًا للمبتدأ، أو المفعول الأول لحسبت، أو لاسم كان، فيكون بدلًا منه على حسب إعرابه؛ لأن المسوغ للإتباع هو النفي، وهو أقرب إلى الظاهر منه إلى المضمر، وهو المختار.
ويجوز أن تجعل زيدًا تابعًا للمضمر الذي في الخبر، أو في المفعول الثاني، أو في خبر كان، فيكون بدلًا منه؛ لأن النفي متوجه عليه من جهة المعنى.
ويشمل قوله وإن عاد ضميرٌ هذه المسائل التي عاد فيها الضمير من الخبر على المبتدأ، أو على المفعول الأول من الثاني لظننت، وعلى اسم كان من خبرها،

وقد مثلنا ذلك، والمسائل التي يعود فيها من صفة المبتدأ عليه، ومن صفة المفعول الأول عليه، ومن صفة اسم كان عليه، ومثال ذلك: ما فيهم أحدٌ اتخذت عنده يدًا إلا زيدٌ، وما ظننت فيهم أحدًا يقول ذلك إلا زيدٌ، وما كان فيهم أحدٌ يقول ذلك إلا زيدٌ، فحكم هذه المسائل في الصفة حكمها في الخبر، فالأولى الإبدال من الظاهر، ويجوز الإبدال من المضمر، وقال س / [4: 46/ ب] عن الخليل محتجًا على جواز الحمل على ما توجه عليه النفي في المعنى بقولهم: ما رأيته يقول ذاك إلا زيدٌ، وما ظننته يقوله إلا عمرو، فالهاء ضمير الأمر، وفاعل يقول ما بعد إلا، وجاز تفريغه وإن كان ليس فيه ضمير المبتدأ لأنه المنفي في المعنى.
ومن ذلك قوله: يهدي كتائب خضرًا، ليس يعصمها إلا ابتدارٌ إلى موتٍ بإلجام ففي ليس ضمير الأمر، وابتدار: فاعل بيعصمها.. ويمكن حمل "ليس" هنا على "ما" فلا عمل لها.
ويشمل قوله قبل المستثنى بإلا الاستثناء المتصل، كهده المسائل التي مثلنا بها، والاستثناء المنقطع، نحو: ما أحدٌ يُقيم بدارهم إلا الوحش، فلك أن تُتبع الوحش للمبتدأ، ولك أن تُتبعه للضمير في: يُقيم بدارهم.
وكذلك: ما حسبت أحدًا يُقيم بها إلا الوحش، وما كان أحدٌ يُقيم بها إلا الوحش.
والدليل على مجيء ذلك في الاستثناء المنقطع قول الشاعر:

ما أحسن الجيد من مليكة واللبات إذ زانها ترائبها! يا ليتني ليلةً، إذا هجع الناس، ونام الكلاب، صاحبها في ليلةٍ، لا نرى بها أحدًا يحكي علينا إلا كواكبها فـ "كواكبها" بدل من الضمير المستكن في يحكي، وهو استثناء منقطع؛ لأن أحدًا وضميره مختص بمن بعقل، و"نرى" هنا بمعنى نعلم، و"يحكي" في موضع المفعول الثاني لها، ومعنى يحكي علينا: يُخبر عنا.
واحترز بقوله قبل المستثنى من أن يكون مذكورًا بعده، فإنه لا يُتصور فيه ذلك، نحو: ما أحدٌ إلا زيدًا يقول ذلك، فهذا لا يكون فيه إلا النصب على الاستثناء، ولا يجوز أن يكون بدلًا من الضمير في يقول.
واحترز بقوله بإلا من أن يكون مستثني بأداة غير إلا، فإنه إن كانت الأداة اسمًا فالمستثنى مجرور بالإضافة، أو حرفًا فمجرور بالحرف، أو فعلًا فمنصوب، فلا يمكن فيه الإبدال.
ولم يمثل النحويون إلا المستثنى بإلا، والذي يظهر أن غيرًا حكمها حكم المستثنى بإلا في ذلك، فيجوز: ما ظننت أحدًا يقول ذلك غير زيدٍ، بالنصب تبعًا لأحد، وبالرفع تبعًا للضمير في يقول.
واحترز بقوله الصالح للإتباع من أن يكون ما بعد "إلا" لا يصلح للإتباع، وهو أن يكون استثناء منقطعًا لا يمكن أن يتوجه عليه العامل ولا يفرغ له، مثال ذلك: ما أحدٌ ينفع إلا الضر، وما مالٌ يزيد إلا النقص، فهذا يصدق عليه أنه عاد ضمير قبل المستثنى بإلا على المستثنى منه، إلا أن المستثنى بإلا لا يصلح أن يكون تابعًا، فهذا لا يجوز فيه إلا النصب على الاستثناء، ولا يجوز أن يكون بدلًا، لا من "أحد"، ولا من "مال"، ولا من الضمير في يزيد ولا في ينفع.

واحترز بقوله العامل فيه ابتداءٌ أو أحد نواسخه من أن يكون العامل فيه غير ذلك، مثاله: ما شكر رجلٌ أكرمته إلا زيدٌ، وما مررت بأحدٍ أعرفه إلا عمروٍ، / [4: 47/ أ] فيلزم إتباع الظاهر، ولا يجوز إتباع الضمير؛ لأن المعنى: ما شكر ممن أكرمتهم إلا زيدٌ، وما مررت ممن أعرفهم إلا بعمروٍ، ولا تأثير للنفي في أكرمت، ولا في أعرف، بل هما مثبتان، فلذلك امتنع إتباع معموليهما.
والظاهر أن قوله "العامل فيه ابتداءٌ أو أحد نواسخه" يشمل أن يكون المبتدأ أو معمول أحد النواسخ نكرةً ومعرفة، لكن النحويون - فيما وقفت عليه - لا يمثلون إلا بالنكرة، والذي يظهر مساواة المعرفة للنكرة في ذلك، فتقول: ما القوم يقولون ذاك إلا زيدٌ، وما إخوتك يقولون ذلك إلا زيدٌ.
وهل تجري الحال مجرى الصفة فيما ذكر، نحو: ما إخوتك في البيت عاتبين عليك إلا زيدٌ، فيكون يجوز في زيد أن يكون بدلًا من القوم، وأن يكون بدلًا من الضمير المستكن في عاتبين؟ في جواز ذلك نظر، والقياس يقتضيه؛ لأن الحال متوجه عليها النفي في المعنى.
ويرد على قوله أو أحد نواسخه أن بعض النواسخ مما دخل عليه حرف النفي أو ما أشبهه لا يجوز فيه ما ذكر؛ وذلك ما زال وأخواتها، فإذا قلت: ما زال وفدٌ من بني تميم يسترفدنا إلا زيدٌ، فإنه لا يجوز في إلا زيد أن يكون بدلًا من وافد، ولا من الضمير؛ لأنه ليس هنا نفي حقيقة، بل هو نفي معناه الإيجاب، فكان ينبغي للمصنف أن يحترز منه؛ لأنه يصدق عليه جميع ما ذكر من القيود في المسألة.
وذكر المصنف وغيره الإتباع في ذلك على البدل يدل على أن المبتدأ أو الناسخ يدخل عليه النفي أو ما جرى مجراه؛ فلا يحتاج في ذلك إلى نص على النفي؛ لأن البدل لا يكون إلا مع النفي أو ما أشبهه، كما ذكره بعضهم، فقال: وإذا توجه النفي على مبتدأ، أو على فعل داخل عليه، ووقع في الخبر ضمير له، ثم

استثنيت من ذلك المبتدأ اسمًا - فإنه يجوز أن تبدله من الظاهر، وأن تبدله من الضمير.
وكذلك إذا وصفته بصفة يجوز الحمل على ضميرها.
ومما يلحق بالنفي قولهم: أقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيدٌ، فـ"زيدٌ" بدل من الضمير في يقول؛ لأن المعنى: ما يقول ذلك إلا زيدٌ.
واختلفوا: هل يجوز أن يكون بدلًا من أقل؟ فذهب السيرافي إلى أنه لا يجوز أن يكون بدلًا من أقل؛ لأنه لا يمكن التفريغ إليه.
وذهب ابن خروف إلى جواز ذلك حملًا على المعنى.
والصحيح ما ذهب إليه السيرافي؛ لأن أقل هي كلمة النفي، ولا يجوز الحمل على المعنى في البدل إلا إن كان المبدل منه يبقى في اللفظ المقدر المحمول عليه، وأقل لا يبقى، فـ"زيد" بدل من الضمير.
وإذا أردت بـ"أقل رجلٍ يقول ذلك" التقليل الذي يقابله التكثير لا النفي المحض فاختلفوا: هل يجوز البدل من الضمير أم لا؟ فأجازه السيرافي، ومنعه ابن خروف، وأوجب النصب في: إلا زيدًا.
وهذا أظهر لأنه استثناء من موجب، فلا يجوز فيه البدل.
وقال السيرافي: / [4: 47/ ب] "المعنى: ما يقول ذلك كثيرٌ إلا زيدٌ"، أي: ما يقوله إلا زيدٌ.
والمسائل التي يجوز فيها الإبدال من الضمير يجوز فيها النصب على الاستثناء، والبدل أحسن من النصب، نص عليه السيرافي وغيره، وهو ظاهر كلام س.

ويظهر من كلام ابن عصفور أنهما مستويان؛ لأنه قال فيها: "حسن النصب والبدل، النصب بالنظر إلى اللفظ، والبدل بالنظر إلى المعنى".
وقوله وفي حكمهما المضاف والمضاف إليه في نحو: ما جاء أخو أحدٍ إلا زيد، معناه: في حكم الظاهر والمضمر من إتباع "إلا زيد" ما شئت من المضاف، فترفع، ومن المضاف إليه، فتجر.
وقوله وقد يجعل المستثنى متبوعًا والمستثنى منه تابعًا مثال ذلك ما حكاه س، قال: "حدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ما لي إلا أبوك أحدٌ، فيجعلون أحدًا بدلًا، كما قالوا: ما مررت بمثله أحدٍ، فجعلوه بدلًا" انتهى.
وفي الإفصاح: "وقد قال جماعة: جعله س من باب الصفة وإبدال الموصوف منها، نحو: جاءني مُقبلٌ رجلٌ، أي: شخصٌ مقبلٌ رجلٌ، فهي (إلا زيد) التي تكون صفة.
وهذا باطل أن يكون، مذهبه ما ذكرنا عنه قبل، وهو منصوص في كتابه، فلا يلي (إلا زيد) عامل إذا كان صفة؛ لأنه عنده كأجمعين، وإنما أراد أن هذا اللفظ جعلوه في تقدير الحلول محل (إلا) و (زيد) المتقدمين، وكأنه قال: ما أتاني إلا زيدٌ، والأولى أن يكون (إلا زيدٌ) فاعلًا، والثاني بدل، على تقدير: ما أتاني أحدٌ، وهو صريح مذهبه في البدل تكرير العامل" انتهى.
وأنشد يونس والفراء: رأت إخوتي بعد الولاء تتابعوا فلم يبق إلا واحدٌ منهم شفر

وأنشد الفراء: مُقزعٌ أطلس الأطمار، ليس له إلا الضراء وإلا صيدها نشب وقال حسان: لأنهم يرجون منه شفاعة إذا لم يكن إلا النبيون شافع وقال الفراء: أنشدني أبو ثروان: ما كان منذ تركنا أهل أسمنةٍ إلا الوجيف لها رعيٌ ولا علف فنصب الوجيف، ورفعه غيره، وأنشدوا: ............... ليس له إلا بنيه، وإلا عرسه، شيع وينشد: إلا بنوه وإلا عرسه وهذا الذي ذهب إليه المصنف من جواز جعل المستثنى متبوعًا والمستثنى منه تابعًا فيه خلاف: قال الفراء في المعاني: "ومن العرب من يرفع الاستثناء / [4: 48/ أ] المتقدم على أن يجعل الثاني بدلًا من الأول".

وقال ابن أصبغ: "إذا قدمت المستثنى على المستثنى منه لم يجز عند البصريين إلا النصب خاصة، وأجاز البغداديون فيه الرفع".
وقال ابن عصفور: "إذا قدمته على المستثنى منه لم يجز فيه إلا النصب، نحو: ما قام إلا زيدًا أحدٌ، ولا يجوز الرفع على الفاعلية وأحدٌ بدل منه؛ لأنه أعم من إلا زيد، والأعم لا يُبدل من الأخص، ولا على البدل وأحد فاعل بقام كما كان لو تأخر؛ لأن البدل لا يتقدم على المبدل منه".
وأجاز الكوفيون الرفع، وأنشدوا شاهدًا على ذلك: .................... فلم يبق إلا واحدٌ منهم شفر والصحيح أن ذلك من القلة بحيث لا يقاس عليه.
ووجهه أن يكون شفر بدلًا من أحد، ووضع العام موضع الخاص.
وقال ابن عصفور أيضًا - وقد ذكر الدليل على امتناع أن يكون ما بعد إلا مبنيًا على ما قبلها - وحكي عن بعض النحويين جوازه، قال: "ويجوز ذلك على وضع العام موضع الخاص، فيكون من بدل الشيء من الشيء، إلا أنه لا يجوز ذلك إلا في ضرورة، مثل قوله: ....................... فلم يبق إلا واحدٌ منهم شفر ونظير ذلك من وضع العام موضع الخاص قوله: أحب ريا ما حييت أبدا ولا أحب غير ريا أحدا وقول الآخر:

نهاني أبي عن لذةٍ أن أنالها قلت: دع التقييد - ويحك - في الخمر فلست - على ما كان مني - براكبٍ حرامًا سواها ما حييت يد الدهر فأبدل أبدًا ويد الدهر من: ما حييت، وهما أعم، فكذلك في مسألتنا، تجعل أحدًا بدلًا من إلا زيدٌ، وهو أعم منه".
وقال ابن عصفور أيضًا في "المقرب": "وإن قدمته على المستثنى منه لم يجز فيه إلا النصب على كل حال، نحو: ما قام إلا زيدًا القوم، وقد يجعل على حسب العامل الذي قبله، ويجعل ما بعده بدلًا، وذلك قليل" انتهى.
وقد نص الفارسي وغيره من البصريين على أنه لا يجوز في المستثنى إلا النصب.
قال ابن عصفور: "إنما يعني به إذا حملت الكلام على الوجه المختار وإلا فقد حكي يونس أن بعض العرب يقول: ما جاءني إلا زيدٌ أحدٌ؛ ألا ترى أن ذاك لغية ضعيفة، ووجهها أن يكون الاسم العام فيها قد أريد به الخصوص، فإذا قلت: ما جاءني إلا زيدٌ أحدٌ، كان المراد بأحد غير زيد من الآدميين".
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع رادًا على ابن عصفور: "واعلم أن الذي قاله خطأ، وذلك / [4: 48/ ب] أنه زعم أن أحدًا من قولنا ما قام إلا زيدٌ أحدٌ يراد به زيد، وهو بدل منه، وكذلك شفر في البيت، فيلزم على قوله أن يكون أحدٌ وشفر مستعملين في الواجب، وقد نص أئمة اللغة على خلاف ذلك، ولو كان ذلك لجاز: ما قام إلا أحدٌ زيدٌ، وما قام إلا شفرٌ عمرٌ، ووما بها إلا طوريٌ زيدٌ، وذلك غير جائز.

ويلزم على قوله إن قيس مثل هذا أن يقال: ما قام إلا زيدٌ إخوتك، وتريد بالإخوة زيدًا، وهو أقرب على بعده من ذلك الذي أجاز؛ لأن الإخوة ليس يمتنع مجيئه في الإيجاب، وهذا كله خطأ.
والوجه فيه أن يقال: إنه بدل من الاسم مع إلا مجموعين، فيقدر العامل: لم يبق إلا شفر.
فإن قلت: من أي أقسام البدل هو هذا؟ فالجواب: أنه شبيه ببدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، فإذا قلت ما قام إلا زيدٌ فهو في قوة: غير زيدٍ، وغير زيدٍ هو أحد، فيصح انطباقه عليه" انتهى كلامه.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "لا يُتصور هاهنا في (إلا) أن تكون وما بعدها بدلًا؛ البدل تابع، ولا يتقدم على المبدل منه، ولا صفة لذلك، ولأن إلا التي للصفة لا تلي العامل لضعفها، فتعين النصب على الاستثناء، هذا هو المشهور من اللغة.
وزعم يونس أن العرب قد تجيز فيه مع التقدم ما كانت تجيز فيه مع التأخير، فيقولون: ما قام إلا زيدٌ أحدٌ، وأنشد الكوفيون: ....................... فلم يبق إلا واحدٌ منهم شفر ويتخرج على أن يكون شفر بدلًا من واحد، وُضع العام موضع الخاص" انتهى.
وقد رده ابن الضائع كما ذكرناه قبل، إلى آخر المسألة.

ومن مسائل هذا: ما أتاني إلا عمرًا إلا بشرًا أحدٌ، وهو جائز على ضعف، ويكون من وضع العام موضع الخاص.
وما أتاني إلا بشرٌ إلا عمرًا أحدٌ، فنصوا على أنه لا يجوز؛ لأن فيه الفصل بالفضلة بين البدل والمبدل منه.
ولا يقدم دون شذوذ إلى آخر المسألة مثاله: إلا زيدًا قام القوم، وهذه المسألة فيها خلاف: ذهب الجمهور إلى المنع، واستدلوا بأن ذلك لم يُسمع من كلامهم، وأن إلا مشبهة بلا العاطفة وواو مع، نحو: قام القوم لا زيدٌ، وجاء البرد والطيالسة، وهذان لا يتقدمان، فكذلك ما أشبههما.
وذهب الكسائي والزجاج إلى جواز ذلك، واستدل له بقول الشاعر: خلا الله لا أرجو سواك، وإنما أعد عيالي شعبةً من عيالكا

وقول الآخر: وبلدةٍ ليس بها طوري ولا خلا الجن بها إنسي [4: 49/ أ] / ووجه الدلالة من هذا أن الاستثناء بإلا هو الأصل، وسائر الأدوات محمول عليها، وقد صح الاستثناء مقدمًا بها، ولا يقع الفرع في موضع لا يقع فيه الأصل، فلو لم يكن تقديم إلا جائزًا ما جاز ذلك في خلا؛ لأنه لا يتصرف في الفرع أكثر من التصرف في الأصل.
واستدل الزجاج على جواز ذلك بقوله: خلا أن العتاق من المطايا أحسن به، فهن إليه شوس وهذا من الزجاج غلط بين؛ لأن الاستثناء لم يتقدم أول الكلام المستثنى منه؛ ألا ترى أن قبل هذا البيت قوله: إلى أن عرسوا، وأغب عنهم قريبًا، ما يُحس له حسيس ألا ترى أن المعني: ما يحس له حسيس خلا أن العتاق من المطايا أحسن به.

وقال من تأول السماع: قدر أنه قال: سواك خلا الله لا أرجو.
وقدر أنه قال: ولا بها إنسيٌ خلا الجن، فاستجار مع المقدر ما استجار مع المحقق، وخلا الجن استثناء منقطع.
ووهم ابن هشام وابن عصفور في زعمهما أن تقديم المستثنى وجعله أول الكلام لا يجوز باتفاق، لا يقال: إلا زيدًا قام القوم، وقد نص المصنف وغيره على إجازة الكسائي ذلك، ونقله غير المصنف عن الزجاج، ونقله ابن عصفور أيضًا في بعض تصانيفه عن الكسائي، فقال: "تقديمه أول الكلام لا يجوز عند أحد إلا الكسائي، فإنه أجازه، أجاز: إلا زيدًا ما أكل أحدٌ طعامك.
والصحيح المنع قياسًا على التمييز في كونها انتصبا عن تمام الكلام" انتهى.
وقال ابن أصبغ: إن قدمته على حرف النفي لم يجز عند الجمهور مطلقًا، وأجازه الفراء إلا مع المرفوع، ومنعه هشام إلا مع الدائم.
وفي البسيط ما معناه: أجمع البصريون على أن المستثنى لا يتقدم على المستثنى منه، فلا تقول: إلا زيدًا ضرب القوم.
وخالفهم طائفة من الكوفيين، فجوزوا ذلك.
وأطن الاتفاق وقع على عدم تجويزه في المفرغ للفاعل.
ولا يتقدم معمول ما بعد "إلا" عليها، لا تقول: ما قومك زيدًا إلا ضاربون، فإن وقع ففي الشعر، ويؤول على إضمار ناصب من جنس المذكور.
ولا يجوز تقديم معمول معمولها عليه وبعدها، نحو: ما قام قومك إلا زيدًا ضاربين، أي: إلا ضاربين زيدًا، ولم نر نصًا لهم فيه؛ لأن "إلا" بمنزلة الحروف المعدية، ولا يُفصل بين الحرف والمفعول، كالباء وواو المفعول معه.
وشمل قول المصنف والمنسوب إليه - أي: إلى المستثنى منه - أن يكون المنسوب إليه مسندًا إليه، نحو: قام إلا زيدًا القوم، والقوم إلا زيدًا ذاهبون، وفي

الدار إلا عمرًا أصحابك، وهاهنا إلا زيدًا / [4: 49/ ب] قومك، وأين إلا زيدًا قومك، وكيف إلا زيدًا قومك، وهذه الثلاثة من مُثل الأخفش.
وواقعًا على المستثنى منه، نحو: ضربت إلا زيدًا القوم.
ولما تنزل المستثنى منزلة الصفة المخصصة ومنزلة المعطوف بـ"لا" كان القياس ألا يجوز تقديمه؛ كما لا يتقدمان، إلا أنه احتمل ذلك إذا تقدم ما يُشعر بالمستثنى منه من مسند إليه أو واقع عليه.
وحسن متقدم المستثنى على المستثنى منه إنما يكون في الرفع، فإن تقدم على المفعول لم يحسن، نحو: ضربت إلا زيدًا قومك، نص عليه الرماني.
وإنما ضعف لأن طلب الفعل لما هو فضلة ليس كطلبه لما هو عُمدة، فتقدم ما يطلب العمد بمنزلة تقدمها بنفسها، ولا كذلك ما يطلب الفضلات.
ويظهر من كلام المصنف أنه لا يجوز: ما إلا زيدًا في الدار أحدٌ.
ونص على منع جوازه شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع، وقال: "لا يجوز التقديم على المستثنى منه إلا أن يكون المستثنى متوسطًا بين أحد جزأي الكلام".
ويظهر من كلام شيخنا الأستاذ أبي الحسن الأبذي [عدم] إجازته؛ لأنه قال في قوله: ....................... ولا خلا الجن بها إنسي

قال: "لم يقدمه على الكلام بجملته لأنه قد تقدم على الاستثناء (لا) النافية، والتقدير: ولا بها إنسيٌ خلا الجن".
وفي البسيط: وقع الإجماع على جواز تقديمه على أحد جزأي الجملة من فاعل أو مفعول؛ فأما تقدم النفي أو حرف إن فيمنع من ذلك أنه لا يليها إلا، وقد جوزه بعضهم.
ويظهر من كلام المصنف أنه لا يجوز: القوم إلا زيدًا جاؤوا؛ لأن "إلا زيدًا" تقدم على المنسوب إلا المستثنى منه وعلى المستثنى منه، وهو الضمير في جاؤوا؛ لأن زيدًا ليس مستثنى من القوم، بل هو مستثنى من الضمير المسند إليه المجيء.
وقد مثل المصنف بجواز: القوم إلا زيدًا ذاهبون، وهو مستثنى مقدم على المسند، وهو اسم الفاعل، وعلى المستثنى منه، وهو الضمير المستكن في ذاهبون.
وهذه المسألة أعني تقديم المستثنى على المستثنى منه وعلى العامل فيه إذا لم يتقدم، وتوسط بين جزأي كلام، فيها ثلاثة مذاهب: الأول: أنه لا يجوز ذلك على الإطلاق، سواء أكان العامل متصرفًا أم غير متصرف، فلا يجوز: القوم إلا زيدًا قاموا، ولا: القوم إلا زيدًا قائمون، ولا: القوم إلا زيدًا في الدار؛ لأن العامل الفعل واسم الفاعل والظرف بما فيه من معنى الفعل؛ وإنما لم يجز ذلك لأن المستثنى يشبه المفعول معه في نصب العامل له بوساطة الحرف الذي هو إلا؛ كما نصب المفعول معه بوساطة الحرف الذي هو الواو، فكما لا يجوز التقديم مع الواو فكذلك لا يجوز مع إلا، وهذا مذهب من يرى العامل في المستثنى الفعل ومعنى الفعل.
المذهب الثاني: جواز ذلك على الإطلاق.

المذهب/ [4: 49/ ب] الثالث: التفصيل بين أن يكون العامل متصرفًا، فيجوز، نحو: القوم إلا زيدًا جاؤوا.
أو غير متصرف، فلا يجوز، نحو: القوم إلا زيدًا في الدار، وهو مذهب الأخفش.
قال بعض أصحابنا: "والصحيح جواز ذلك على الإطلاق؛ لأن الناصب للمستثنى إنما هو تمام الكلام، وإذا كان ذلك لم يتقدم على العامل؛ إذ قد تقدم جزء الكلام الذي انتصب التمييز عن تمامه، بل كان يتقدم على العامل لو كان أتى به أول الكلام، والدليل على جواز توسيطه - وإن أدى ذلك إلى تقديمه على المستثنى وعلى العامل فيه - قول ذي الرمة: معرسًا في بياض الصبح وقعته وسائر السير إلا ذاك منجذب فـ "إلا ذاك" مستثى من الضمير المستتر في منجذب، ومنجذب عامل فيه" انتهى.
وقال الآخر: ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل وكل نعيمٍ - لا محالة - زائل فـ"ما خلا الله" استثناء من الضمير المستتر في باطل، وباطل عامل فيه ذلك الضمير.
ومثل ذلك قول ابن أبي الصلت: كل دينٍ يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة بور وقول الآخر:

تعلم بأن الوفد إلا عويمرًا هم الكاذبون المخلفو كل موعد والذي نختاره مذهب الأخفش؛ لأن السماع إنما هو محفوظ فيما كان العامل في المستثنى منه متصرفًا، أما إذا كان غير متصرف، نحو: القوم إلا زيدًا في الدار- فينبغي ألا يُقدم على جوازه إلا بثبت من العرب.
وأما إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه وحده، نحو: قام إلا زيدًا القوم - فلا خلاف في جوازه، ويصير الوجه الذي كان غير مختار في التأخير مختارًا في التقدم، وهو النصب.
وإنما تبع في حال التأخر إعراب المستثنى منه لأنه شبيه ببدل بعض من كل، ولا يجوز في هذا التقدم، فكذلك لا يجوز فيما أشبه.
وشبهه س بنعت النكرة المتقدم عليها، وهو تشبيه حسن، وذلك أنهما مؤخران تابعان ما قبلهما في الإعراب، ويجوز فيهما النصب على الاستثناء والحال ضعيفًا، فإذا تقدما لم يجز فيهما إلا النص، وبطل التبع.
وعلل س لزوم النصب في الاستثناء المقدم وامتناع البدل بأن الأصل في الاستثناء أن يأتي بعد المستثنى منه؛ فحده أن يكون بدلًا لا مبدلًا منه؛ لأن البدل ثان عن المبدل منه، فلذلك لم يجز: ما أتاني إلا زيدٌ أحدٌ، على أن يكون أحدٌ بدلًا من إلا زيد، كأنه في التقدير: ما أتاني إلا زيدٌ ما أتاني أحدٌ، قال س: "فلما لم يكن حده أن يكون مبدلًا منه بل بدلًا، ولم يمكن مع التقديم أن يكون بدلًا - / [4: 50/ ب] حملوه على وجه قد يجوز فيه وهو مؤخر، وهو النصب".
ويظهر من س أنه يمكن أن يكون المستثنى منه بدلًا من المستثنى، ولذلك علله بذلك التعليل.

وقد عدل النحويون عن تعليل س، فقالوا: امتنع البدل لأن الثاني أعم من الأول، فلا يجوز أن يقع بدلًا منه؛ لأنه لا بدل كل من بعض في كلامهم، ولذلك قال ابن خروف: "كرهوا أن يبدلوا الأكثر من الأقل"، يعني كلًا من بعض.
فإن قلت: أقول: "إلا زيدٌ" أعم من "أحد"؛ لأن "إلا زيدٌ" بمعنى غير زيد، وغير زيد يكون من الأحدين ومن غيرهم، فإذا أبدلنا أحدًا من إلا زيد كان من إبدال البعض من الكل.
فالجواب أن نقول: إن العرب لا تستعمل "إلا زيدًا" وتريد به كل ما عدا "زيد" من أي الأصناف كان؛ وإنما تريد ما عداه من صنفه؛ ألا ترى أنك لو قلت ما رأيت إلا زيدًا إنما تريد: ما رأيت غير زيد من الناس، ولولا ذلك لكان قولك ما رأيت إلا زيدًا كذبًا؛ لأنه معلوم أنك رأيت السماء والأرض وأشياء كثيرة هي غير زيد، وكذلك كل اسم يقع بعد إلا يراد به: إلا غير ذلك الاسم من صنفه، لا غير من أي صنف كان، وإذا ثبت أن المراد بقوله "إلا زيدٌ" غير زيد من صنفه كان أحد أعم منه؛ لأنه يقع عليه وعلى المغاير له من صنفه، ولم يجز لذلك إبداله منه.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "وعندي أنهم لم يفهموا عن س، فاعلم أن البدل في الاستثناء إنما المراعى فيه وقوعه مكان المبدل منه، فإذا قلت ما قام أحدٌ إلا زيدٌ فليس (زيد) وحده بدلًا من (أحد)، و"إلا زيدٌ" هو

الأحد الذي نفيت القيام عنه، فـ"إلا زيدٌ" بيان للأحد الذي عنيت؛ ألا ترى أن (إلا زيدٌ) هو (غير زيد) في المعنى.
وإذا قلت ما أتاني أحدٌ غير زيد فـ (غير زيد) بدل من (أحد)، بدل شيء من شيء، وهما لعين واحدة، فـ (غير زيد) هو الأحد الذي عنيت، و (إلا زيدٌ) هو (غير زيد) في المعنى، فعلى هذا البدل في الاستثناء أشبه ببدل الشيء من الشيء - وهما لعين واحدة - من بدل البعض من الكل.
والدليل على ذلك أن يدل البعض من الكل إنما هو على أن وضعت الكل في موضع البعض مجازًا؛ ثم بينت بالبعض الذي أردته بالكل بيانًا، وليس كذلك في الاستثناء، بل البعض في الاستثناء ليس هو البعض الذي وضعت الكل موضعه، بل هو بعض آخر مخالف لذلك البعض في الحكم.
وأيضًا فالبدل من شرطه وقوعه مكان المبدل منه، والبعض في الاستثناء لا يقع موقع المبدل منه وحده إلا مع إلا، فليس البدل إلا الحرف مع الاسم.
والدليل على أن س أراد هذا الذي فسرت تشبيهه - أعني البدل في الاستثناء - بقولك: مررت برجلٍ زيدٍ، وهذا ليس بدل بعض من كل، ولا تعرض حيث ذكر البدل لبدل البعض من الكل أصلًا، وتعليله في منع البدل في المستثنى / [4: 51/ ا] المقدم دليل على ذلك، ولم يفهم عنه أحد مراده.
ولو قيل إن البدل في الاستثناء قسم على حدته ليس من تلك الإبدال التي بينت في غير الاستثناء لكان وجهًا، وهو الحق وحقيقة البدل فيه؛ لأنه يقع موقع (إلا زيد) لا موع (زيد) وحده" انتهى.

وأنشد س على تقديم المستثنى على المستثنى منه قول الشاعر، وهو كعب بن مالك: الناس ألبٌ علينا فيك، ليس لنا إلا السيوف وأطراف القنا وزر وأنشد أبوا القاسم الزجاجي قول الكميت: وما لي إلا آل أحمد شيعةٌ وما لي إلا مشعب الحق مشعب فرع: إذا عطفت على المستثنى المقدم المنصوف اسمًا نصبت، نحو: قام إلا زيدًا وعمرًا القوم، ولا يجوز غير النصب، فإن أخرت المعطوف بعد المستثنى منه فالاختيار النصب، نحو: قام إلا زيدًا القوم وعمرًا، ويجوز أن يُرفع حملًا على المعنى؛ لأن قام إلا زيدًا القوم في معنى: لم يقم زيدٌ من القوم، فكما يجوز: لم يقم زيدٌ من القوم وعمرو، فكذلك يجوز: قام إلا زيدًا القوم وعمرو.

-[ص: فصل لا يُستثنى بأداةٍ واحدةٍ عطفٍ شيئان، وموهم ذلك بدلٌ ومعمول عاملٍ مُضمر لا بدلان، خلافًا لقوم.
ولا يمتنع استثناء النصف، خلافًا لبعض البصريين، ولا استثناء الأكثر وفاقًا للكوفيين.
والسابق بالاستثناء منه أولى من المتأخر عند توسط المستثنى، وإن تأخر عنهما فالثاني أولى مطلقًا، وإن تقدم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعًا لفظًا أو معنى، وإن يكنه فهو أولى مطلقًا إن لم يمنع مانعٌ.]-

ش: مثال ذلك بحرف العطف: قام القوم إلا زيدٌ وعمرو، وضربت القوم إلا زيدًا وعمرًا، ومررت بالقوم إلا زيدًا وعمرًا.
ومثاله دون حرف العطف: أعطيت الناس [المال] إلا عمرًا الدنانير، قال ابن السراج: "فهذا لا يجوز؛ لأن حرف الاستثناء إنما يُستثنى به واحد، بل تقول: أعطيت الناس الدنانير إلا عمرًا" انتهى.
قال: "فإن قلت: ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا، وأردت الاستثناء - لم يجز، فإن أردت البدل جاز، فأبدلت عمرًا من أحد، ودانقًا من درهم، كأنك قلت: ما أعطيت إلا عمرًا دانقًا" انتهى.

وهذا التقدير الذي قدره في البدل - وهو: أعطيت إلا عمرًا دانقًا - لا يؤدي إلى أن حرف الاستثناء يُستثنى به واحد، بل هو في هذه الحالة التقديرية ليس ببدل، إنما نصبهما على أنهما مفعولًا أعطيت، وأعطيت المقدرة لا تتوقف على وساطة إلا؛ لأنه استثناء مفرغ، فلو أسقطت إلا، فقلت: ما أعطيت عمرًا درهمًا - جاز علمها في الاسمين، بخلاف عمل العامل في المستثنى الواقع بعد إلا، فهو متوقف على وساطتها.
وذهب الزجاج إلى أن البدل هنا ضعيف، قال: لأنه لا يجوز بدل اسمين / [4: 51/ ب] من اسمين، لو قلت: ضرب زيدٌ المرأة أخوك هندًا، لم يجز، وإنما جاز هنا تشبيهًا لأداة الاستثناء بحرف العطف، فكما يجوز: ضرب عمروٌ وزيدًا وبكرٌ سعدًا كذلك جاز هذا، إلا أنه ضعيف؛ لأن المشبه بالشيء لا يقوى قوة المشبه به.
والسماع على خلاف مذهب الزجاج، وهو أنه يجوز إبدال اسمين من اسمين مع عدم إلا، قال الشاعر: فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعضٍ أبت عيدانه أ، تكسرا فقوله بعضه بدل من النبع، وببعض بدل من بالنبع.
وأما قول الشاعر: وليس مُجيرًا إن أتى الحي خائفٌ ولا قائلًا إلا هو المتعيبا

فشاذ، وهو محمول على فعل آخر.
وقال المصنف في الرد على ابن السراج ما نصه: "حاصل كلامه جواز أن يقال: ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا، على أن يكون الاسمان بعد إلا بدلين لا منصوبين على الاستثناء.
وفي هذا ضعف بين؛ لأن البدل في الاستثناء لابد من اقترانه بإلا، فكان لذلك أشبه شيء بالمعطوف بحرف، فكما لا يقع بعد حرف عطف معطوفان كذلك لا يقع بعد حرف الاستثناء بدلان؛ فإن ورد ما يُوهم ذلك قدر ناصب للثاني كما يقدر خافض للثاني في نحو: أكل امرئٍ تحسبين امرأ ونارٍ توقد بالليل نارا انتهى كلامه.
وفيه تعقب؛ لأن قوله "لأن البدل في الاستثناء لابد من اقترانه بإلا" ليس بصحيح؛ لأنه إما أن يعني أن يُبدل من المستثنى منه أو من المستثنى، وكلاهما لا يلزم فيه؛ ألا تقول: ما ضرب القوم بعضهم إلا بعضًا، وما قام القوم إلا أخواتك بعضهم، وقد ذكر هو في الفصل بعد هذا الفصل أنه يجوز أن تكرر إلا على سبيل التوكيد، فتبدل ما يليها مما يليه، نحو: ما مررت إلا بأخيك إلا زيدٍ، ولا خلاف بين النحويين في جواز: ما مررت بأحدٍ إلا أخيك زيدٍ.
وأما قوله "فكان لذلك أشبه شيءٍ بالمعطوف فكما لا يقع بعد حرف معطوفان كذلك لا يقع بعد حرف الاستثناء [بدلان] " فليس بصحيح؛ لأن

حرف العطف يقع بعده معطوفان وثلاثة، تقول: ضرب زيدٌ عمرًا وبشرٌ خالدًا، وضرب زيدٌ عمرًا بسوطٍ وبشرٌ خالدًا بجريدة، وأعلم زيد عمرًا كبشك سمينًا وبشرٌ خالدًا فرسك مُلجمًا، فهذا حرف العطف هنا قد عطف أربعةً على أربعة، والعجب للمصنف في ذلك.
والنحويون من أجاز ذلك منهم علل الجواز بتشبيه إلا بحرف العطف، وجعل ذلك المصنف مانعًا.
وإنما علل المنع منهم من منع بأن الحروف المؤدية معنى عمل العامل إلى المعمول لا يُوصل واحد منها العمل إلا إلى معمول واحد، نحو واو مع وحرف الجر، فإذا جعلناهما في مسألة / [4: 52/ أ] "ما أعطيت" بدلين لم تكن "إلا" وصلت أعطيت إليهما؛ لأن أعطيت يتعدى إلى مفعولين.
وهذا الذي ذكر المصنف من أنه لا يجوز أن يُستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان قد أجازه قوم من النحويين؛ ذهبوا إلى إجازة: ما أخذ أحدٌ إلا زيدٌ درهمًا، وما ضرب القوم إلا بعضهم بعضًا.
ومنع ذلك الأخفش والفارسي، واختلفا في إصلاحها: فتصحيحها عند الأخفش بأن تقدم على إلا المرفوع الذي بعدها، فتقول: ما أخذ أحدٌ زيدٌ إلا درهمًا، وما ضرب القوم بعضهم إلا بعضًا، وهذا موافق لما ذهب إليه ابن السراج والمصنف من أن حرف الاستثناء إنما يُستثنى به واحد.
وتصحيحها عند الفارسي بأن تزيد فيها منصوبًا قبل إلا، فتقول: ما أخذ أحدٌ شيئًا إلا زيدٌ درهمًا، وما ضرب القوم أحدًا إلا بعضهم بعضًا.
ولم ندر تخريجه لهذا التركيب، قيل: هو على أن يكون ذلك على البدل فيهما، كما ذهب إليه ابن السراج في: ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا،

فتبدل المرفوع من المرفوع والمنصوب من المنصوب، أو هو على أن تجعل أحدهما بدلًا والثاني معمول عامل مضمر، فيكون "إلا زيدٌ" بدلًا من "أحد"، و"إلا بضعهم" بدلًا من "القوم" ودرهمًا منصوب بـ"أخذ" مضمرة، و"بعضًا" منصوب بـ"ضرب" مضمرة، كما اختاره المصنف.
والظاهر من قول المصنف خلافًا لقوم أنه يعود إلى قوله: بدلان، فيكون ذلك خلافًا في التخريج لا خلافًا في صحة التركيب، والخلاف كما ذكرناه موجود في صحة التركيب، فمنهم من قال: هذا التركيب صحيح، ولا يحتاج إلى تخريج، لا بتصحيح الأخفش ولا بتصحيح الفارسي، وقد ورد السماع بإبدال اسمين من اسمين في الموجب في قوله: فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعضٍ.......................... فالمنفى جائز فيه ذلك، وكذلك الإيجاب بعد النفي، فتقول: ما قرعنا النبع بالنبع إلا بعضه ببعضٍ.
وقوله ولا يمتنع استثناء النصف، خلافًا لبعض البصريين، ولا استثناء الأكثر وفاقًا للكوفيين اتفق النحويون على أنه لا يجوز أن يكون المستثنى مستغرقًا للمستثنى منه، ولا كونه أكثر منه، وأنه يجوز أن يكون أقل منه، نحو: قام إخوتك إلا زيدًا.
واختلفوا فيما سوى ذلك: فأكثر النحويين على أنه لا يجوز إذا كان المستثنى قدر المستثنى منه أو أكثر، بل يكون أقل من النصف وهو مذهب البصريين، وإياه

اختار ابن عصفور في بعض تصانيفه، وشيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي، وأكثر الكوفيين، وكثير من الفقهاء أجازوا ذلك، وهو مذهب أبي عبيد، والسيرافي، وإياه اختار ابن خروف، والأستاذ أبو علي، وابن عصفور في بعض تصانيفه، على تفصيل ذكره ابن عصفور في الأكثر: فقال: "إن جاز وقوع المستثنى منه على المنفي بعد الاستثناء فلا بعد في جوازه؛ لأن العرب قد توقع اسم الشيء على أقل / [4: 52/ ب] من نصفه، كقوله ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وإن لم يجز لم يجز الاستثناء، نحو: عندي إخوتك العشرة إلا تسعةً منهم؛ لأنك أوقعت الإخوة على واحد منهم، وذلك لا يجوز".
وذهب بعض البصريين وبعض الكوفيين إلى أنه يجوز أن يكون المخرج النصف فما دون ذلك؛ ولا يجيزون أن يكون أكثر.
واستدل من ذهب إلى جواز استثناء الأكثر بقوله ﴿إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ﴾، والغاوون أكثر من الراشدين، وبقوله ﴿ومَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، وقوله ﴿فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ﴾، وبقول الشاعر:

أدوا التي نقصت تسعين من مئةٍ ثم ابعثوا حكمًا بالحق قوالا وتأول من منع ذلك بأن قوله ﴿إنَّ عِبَادِي﴾ لا يراد به العموم، بل المراد المؤمنون، ويكون العباد جمع عبد، وأضافهم إليه، وهي إضافة تشريف وتقريب، كقوله ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾، أو يكون جمع عابد، كنائم ونيام، وصاحب وصحاب، وكافر وكفار، قال: وشق البحر عن أصحاب موسى وغرقت الفراعنة الكفار ويكون الاستثناء على هذين منقطعًا، أي: لكن من اتبعك من الغاوين فلك عليهم سلطان، والخلاف إنما هو في الاستثناء المتصل.
ويجوز أن يكون متصلًا، ويكون (عبادي) يعم الملك والإنس والجان، فيكون الاستثناء إذ ذاك أقل.
وأما ﴿فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ﴾ فاستثناء منقطع، والإنكار وقع على كل من يرغب عن ملة إبراهيم، وكأنه قال: لكن من سفه نفسه يرغب عنها.
وأما ﴿إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ فاستثناء منقطع والإنكار وقع على كل من يرغب عن مله إبراهيم، وكأنه قال: لكن من سفه نفسه يرغب عنها.
وأما ﴿فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ﴾ فاستثناء مفرغ، ولم يذكر المستثنى منه فيه، وعلى تقدير أن لو صرح بالمستثنى منه قدر عامًا، أي: فلا يأمن مكر الله أحدٌ، و"أحد" يعم العاقل ملكًا وإنسًا وجانًا.
وأما البيت فليس فيه استثناء، لا بـ"إلا" ولا بما هو في معناها.
واستدل من أجاز إخراج النصف فما دونه بقوله تعالى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً (2) نِّصْفَهُ﴾، فـ (نصفه) عنده بدل من قوله (إلا قليلًا)، بدل شيء من شيء، وهما لعين واحدة، وكأنه قال: قُم الليل إلا نصفه، وأطلق القليل على النصف، وليس

القليل معلوم القدر، فأبدل منه النصف على جهة البيان لمقدار القليل، والضمير عائدة إلى الليل، والمعنى: قُم نصف الليل، فالضمير في منه عائد إلى النصف، وكذا الضمير في عليه، والتقدير - والله أعلم - قُم نصف الليل أو أقل منه أو أكثر منه، قاله ابن خروف، قال: "فخرج من هذا أن المستثنى النصف أو أقل منه أو أكثر، ولا يصح عود الضمير إلى القليل؛ لأنه غير معلوم القدر، فلا يُعلم نصفه، ولا يعود الضمير في منه ولا في عليه إلى الليل لفساد المعنى؛ لأنه يؤول إلى: قم أكثر من الليل".
وقال ابن عصفور: "بل ضمير نصفه يعود إلى القليل، وهو بدل منه، بدل بعض من كل، وجاز - وإن كان القليل مبهمًا - لأن القليل قد تعين / [4: 53/ أ] بالعادة والعرف، أي: ما سمي قليلًا في العادة".
قال: "ويدل على بطلان أن يكون القليل هو النصف أن النصف ليس بقليل، فمن قام نصف الليل لا يقال له فيه: قام الليل إلا قليلًا".
ورد شيخنا الأستاذ ابن الضائع على ابن عصفور، فقال: "أما تعين القليل بالعادة فإن أراد به أن العادة قد عينت شخصه حتى صار يقع على ثلث الليل مثلًا أو جزء منه متعين فهو باطل، بل كل ما دون النصف قليل، فيقع على الثلث والربع والسدس إلى غير ذلك، وإن أراد خلاف ذلك، بل ما يقع عليه القليل، فلا فائدة لبيانه بأن يبدل منه نصفه، فلو قال قائل: أكلت قليلًا من الرغيف نصفه، يريد: نصف القليل - لم يكن له معنى؛ لأن القليل يتناوله".

قال: "والأولى أن يقال في الانفصال: إن النصف بدل من الليل بدل إضراب، وهو جائز على مذهب ابن خروف" انتهى.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "وهذا - يعني قول من استدل بالآية على جواز أن يُستثنى النصف - مردود؛ لأن النصف لا يقال فيه أبدًا قليل، فوجب ألا يُجعل من قليل، بل يكون مفعولًا بفعل مضمر، يدل عليه ما قبله، كأنه قال: قم نصفه إن شئت، فلا يكون النصف على هذا مستثنى" انتهى.
وما قاله فيه نظر؛ وذلك أنه يكون قد أمره أولًا بقيام الليل إلا قليلًا، فيكون أمرًا بقيام أكثر الليل، وتقدير قم نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه أمرٌ بقيام نصف الليل أو أقل منه أو أزيد؛ وهو مخالف للأمر الأول، فيلزم أن يكون ناسخًا له، وليس كذلك؛ لأنه متصل به، وشرط الناسخ أن يكون الخطاب الثاني متراخيًا عن الأول، كما ثبت في أصول الفقه.
وأجاز بعض النحويين أن يكون (نصفه) بدلًا من الليل، بدل بعض من كل، فيكون قد أُمر بقيام نصف الليل.
وغاب عنه أن الليل لم يُرد به جملته، بل الليل المستثنى منه القليل، فيلزم أن يكون أُمر بقيام نصف الباقي من الليل، وذلك مبهم؛ لأن الاستثناء من المبهم مبهم.

والذي ينبغي أن يسلك في مقدار ما يخرج إنما هو ما سمع من لسان العرب؛ لأن هذه تراكب ينبغي أن يراعى فيها التركيب المسموع, والذي لا شك فيه أن المسموع من اللسان هو استثناء الأقل, ويبقى المستثنى منه بعد الإخراج أكثر من المستثنى, قال تعالى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاما﴾، وقال تعالى ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ {59﴾ إِلاَّ امْرَأَتَهُ}، وقال تعالى ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾، ولم يثبت من اللسان أن يكون المستثنى قدر المستثنى منه ولا أكثر؛ لأن ما استدلوا به محتمل, وإذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
وقد استدل بعض النحويين على هذا بأن قال: "إن الاستثناء في الموجب نظير الاستثناء في النفي, فكما أن المستثنى منه في النفي من نحو: ما قام أحد إلا زيد, وفي الاستفهام, نحو: هل قام أحد إلا زيدًا, ونحو ذلك - لا يكون ما يبقى بعد الاستثناء إلا أعم من المستثنى, فكذلك ينبغي أن يكون في الموجب, ويدل على صحة ما ذكرته أن أحدًا لا يجيز: قام زيد إلا عمرًا, وما قام زيد إلا عمرًا" انتهى.
وقوله والسابق بالاستثناء منه أولى من المتأخر عند توسط المستثنى مثال ذلك قوله تعالى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا.
نِصْفَهُ﴾، فـ (إلا قليلًا) قد توسط بين الليل ونصفه, فهو مستثنى من الليل؛ لأن تأخر المستثنى منه هو الأصل, ولا يعدل عنه إلا بدليل.

وقوله فإن تأخر عنهما فالثاني أولى مطلقًا قال المصنف: مثاله: غلب مئة مؤمن مائتي كافر إلا اثنين.
ومعنى مطلقًا أنه سواء أكان الثاني فاعلًا أو مفعولًا مراعاة للقرب.
وقوله وإن تقدم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعًا لفظًا أو معنى مثاله: استبدلت إلا زيدًا من أصحابنا بأصحابكم, فـ"إلا زيدًا" مستثنى من قوله: بأصحابكم.
وقوله وإن يكنه فهو أولى مطلقًا أي: وإن يكن أحدهما مرفوعًا لفظًا أو معنى فهو أولى بأن يكون الاستثناء منه, مثال ذلك وأحدهما مرفوع لفظًا: ضرب إلا زيدًا أصحابنا أصحابكم, ومثال ذلك وأحدهما مرفوع معنى لا لفظًا: ملكت إلا الأصاغر عبيدنا أبناءنا, فـ"أبناءنا" فاعل من حيث المعنى؛ لأنهم هم المالكون للعبيد, فـ"إلا الأصاغر" استثناء منهم لا من عبيدنا.
ومعنى مطلقًا أنه سواء أولى الاستثناء الفاعل لفظًا أو معنى, أم وليه الذي ليس فاعلًا لا لفظًا ولا معنى, نحو: ضرب إلا زيدًا أصحابكم أصحابنا, وملكت إلا الأصاغر أبناءنا عبيدنا.
قال الرماني: ما ضرب إلا زيدًا قومك أصحابنا: إن استثنيته من قومك جاز, أو من أصحابنا لم يجز, والفرق أن الفاعل أصل في الجملة.
وكذا قال الأخفش: إنه إذا تقدم الاستثناء على اسمين: أحدهما فاعل, والآخر مفعول - فالمستثنى من الفاعل, ولا يجوز أن يكون مستثنى من المفعول وإن كان المعنى قابلًا لذلك.
فإذا قلت: ضرب إلا زيدًا القوم إخوتك, فـ"زيد" عنده مستثنى من القوم لا من الإخوة, وسبب ذلك أن الاستثناء من معمول الفعل إنما هو بالنظر إلى الفعل

لما تبين أن الاستثناء من الاسم والفعل لا من الاسم وحده كما ذهب إليه الكسائي.
ولا من الفعل كما ذهب إليه الفراء, وإذا كان كذلك وجب أن يجعل من الفاعل؛ لأن طلب الفعل له أقوى من جهة أن الفعل مبني له لا للمفعول.
وقوله إن لم يمنع مانع يعني: فيكون المستثنى على حسب المعنى, ولا يلحظ فيه تقديم ولا تأخير ولا توسيط, نحو: طلق نساءهم الزيدون إلا الحسنيات, فـ"إلا الحسنيات" استثناء من نسائهم؛ لأنه لا يمكن أن يكون مستثنى من الزيدون.
وتقول: أصبى الزيدين نسائهم إلا ذوي النهى, فـ"إلا ذوي النهي" استثناء من الزيدين؛ لأنه لا يمكن أن يكون مستثنى من "نساؤهم", وتقول: استبدلت إلا زيدًا من إمائنا بعبيدنا, وضرب إلا هندا بنونا بناتنا, فهذه المسائل تركت فيها القرينة اللفظية لأن المعنى يمنع من الحمل عليها.

-[ص: وإذا أمكن أن يشرك/ [4: 54/ أ] في حكم الاستثناء مع ما يليه غيره لم يقتصر عليه إن كان العامل واحدًا,] وكذا إن كان غير واحد والمعمول واحد في المعنى [.]-

ش: قال المصنف في الشرح: "وإذا ذكر شيئان أو أكثر, والعامل واحد, فالاستثناء معلق بالجميع إن لم يمنع مانع, نحو: أهجر بني فلان وبني فلان إلا من صلح, فـ"من صلح" مستثنى من الجميع؛ إذ لا موجب للاختصاص.
فلو ثبت موجب فعلى مقتضاه, نحو: لا تحدث النساء ولا الرجال إلا زيدًا, وقد تضمنت الأمرين آية المائدة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى ﴿إِلاَّ ذَكَّيْتُمْ﴾,

فاشتملت على ما فيه مانع, وهو (ما أهل) وما قبله, وعلى ما لا مانع فيه, وهو ما بين (به) و (إلا), فـ (ما ذكيتم) مستثنى من الخمسة؛ إذ كانت تذكيته سبب موته" انتهى.
وينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا كرر العامل للتأكيد لا للتأسيس, نحو: اهجر بني فلان واهجر بني فلان إلا من كان صالحًا.
ويعني بكون العامل واحدًا العامل الذي يعمل فيما يصلح أن يكون المستثنى منهما.
وقوله وكذا إن كان غير واحد والمعمول واحد في المعنى قال المصنف في الشرح: "نحو قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾.
واختلف في الاستثناء] في [نحو: لا تصحبه ولا تزره ولا تكلمه إلا تائبًا من الظلم: فمذهب مالك والشافعي تساوي الاستثناء والشرط في التعليق بالجميع, وهو الصحيح للإجماع على سد كل منهما مسد الآخر في نحو: اقتل الكافر إن لم يسلم, واقتله إلا أن يسلم" انتهى.
وهذه المسألة قلما تعرض لها النحويون, ولم أر أحدًا تكلم فيها فيما وقفت عليه غير هذا المصنف, وغير رجل يعرف بالمهاباذي, قال في "شرح اللمع" من

تصنيفه: "إذا استثنيت من جمل مختلفة لم يكن المستثنى إلا من الجملة التي تليه, نحو قوله ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {4﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا}, فـ (الذين تابوا) مستثنى من الفاسقين لا غير, وحمله على أنه مستثنى من جميع الكلام خطأ ظاهر؛ لأنه لا يجوز أن يكون معمولًا لعاملين مختلفين, ويستحيل ذلك, ولأنك لو حملته على أنه مستثنى من جميع ما قبله لصار تقدير الكلام: فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلا الذين تابوا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا" انتهى كلامه, وهو مخالف لما قاله المصنف.
وإنما أجاز المصنف أن يعود إلى الجميع لأن العامل عنده في المستثنى إنما هو إلا لا الأفعال السابقة المسلطة على المستثنى منهم, بخلاف قول المهاباذي, فإنه علل منهم ذلك بأنه لا يجوز أن يكون معمولًا لعاملين مختلفين, ويستحيل ذلك لأنه يفهم من كلامه أن المستثنى بعد إلا هو معمول لما هو عامل في المستثنى منهم, فلا يمكن أن تكون تلك العوامل جميعها عاملة في المستثنى.
والذي نختاره هو أن الجملة الأخيرة هي المستثني منها.
وأما تسوية المصنف الاستثناء بالشرك فليس بسديد؛ لأن الشرط ليس معمولًا لشيء قبله, بخلاف المستثنى, فإنه معمول لما قبله, وإن كانوا قد اختلفوا في العامل, وإذا كان كذلك ظهر الفرق بين الاستثناء والشرط, فلا يلحق به.
ومذهب أبي حنيفة أن الاستثناء راجع إلى المسند إليه الحكم في الجملة الأخيرة؛ ولا يجوز أن يعود إلى الجمل كلها, وهذه المسألة تكلم عليها في أصول الفقه وفيها خلاف وتفصيل مذكور في ذلك العلم.

-[ص: فصل تكرر "إلا" بعد المستثنى بها توكيدًا, فيبدل ما يليها مما تليه إن كان مغنيًا عنه, وإلا عطف بالواو, وإن كررت لغير توكيد ولم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض شغل العامل ببعضها إن كان مفرغًا, ونصب ما سواه, وإن لم يكن مفرغًا فلجميعها النصب إن تقدمت, وإن تأخرت فلأحدهما ما له مفردًا, وللبواقي النصب, وحكمها في المعنى حكم المستثنى الأول.]-

ش: يقول إذا كررت "إلا", وكان معناها التوكيد - جعلتها كأنها زائدة لم تذكر, نحو: قام القوم إلا محمدًا إلا أبا بكر, إذا كان أبو بكر كنية لمحمد, وكقولك: ما قام القوم إلا زيد إلا أخوك, وشرط في هذا التكرار أن يكون الثاني يغني عن الأول, فإذا قلت: قام القوم إلا أبا بكر, أو ما قام القوم إلا أخوك - أغنى ذلك عن ذكر محمد, وعن ذكر زيد؛ لأن أبا بكر هو محمد, وأخوك هو زيد, وأنشدوا: ما لك من شيخك إلا عملة إلا رسيمه, وإلا رمله والرسيم والرمل ضربنا من العدو, وهما يغنيان عن قوله: إلا عمله, فلو قلت: ما لك من شيخك إلا رسيمه وإلا رمله أغنى.
وقوله وإلا عطف بالواو أي: وإلا يكن مغنيًا عطف بالواو, ومثاله: قام القوم إلا زيدًا وإلا جعفرًا وإلا خالدًا, وقوله: وإلا رمله؛ لأن قوله "وإلا رمله" لا يغني عن قوله: عمله؛ لأن هذا من البدل التفصيلي الذي تجب في ثانية الواو, نحو قوله:

وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان, فشلت وهو بدل شيء من شيء, وهما لعين واحدة وجعل "إلا رسيمه وإلا رمله" في البيت من البدل التفصيلي مذهب ابن خروف, وهما كل عمل الشيخ.
وذهب السيرافي إلى أنه يعني: بالرمل في الطواف, وبالرسيم في السعي - والرسيم: الوطء بشدة - وزعم أنه بدل بعض من كل؛ لأن الرسيم والرمل بعض العمل.
وتقول: ما أتاني إلا زيد وإلا عمرو, وما أتاني أحد إلا زيد وإلا عمرو, قال أبو علي: "ولا يجوز رفعهما جميعًا إلا أن تدخل حرف العطف, فتقول: وإلا عمرو", ويجوز أيضًا: وعمرو, دون إلا.
وذكر أبو علي في "التذكرة" رفع الاسمين بغير حرف عطف, ورواه عن جماعة, وزعم أنه من إيقاع البعض موقع الكل, فقولك "إلا زيد" كقولك: أحد, فكأنك قلت: ما جاءني لا زيد ولا غيره, فرفعت إلا عمرو كما رفعته بعد أحد, وتنصبه/ [4: 55/ أ] كما تنصبه بعد أحد, قال: "ولو أظهرت أحدًا لم ترفع اثنين؛ لأن فعلًا واحدًا لا يرفع دون عطف"،قال: "وإلا زيد هو الفاعل, وليس قبله مضمر ولا محذوف".
قال ابن هشام: "الأجود أن يحمل على حذف حرف العطف, وقد أجازه ابن الطرواة على غير هذا, بل حمل الثاني على المعنى؛ لأن معناه كمعنى الأول, وهو مستثنى منه؛ ألا تراه يجوز عطفه عليه بإلا وبغير إلا, والحمل على المعنى في هذا

الباب قوي.
وقد ذكر س ما هو أبعد من هذا إذا تأملته,] إلا أن هذا إذا لم نجد غيره [، وقد ذكر س رفع الاسمين هنا, ولم يذكر في ذلك وجهًا من الثلاثة لما وجد مأخذًا أحسن منها, وأنشد لحارثة: يا كعب صبرًا على ما كان من حدث يا كعب لم يبق منا غير أجلاد إلا بقيات أنفاس, نحشرجها كراحل رائح, أو باكر غاد فجعل غيرًا هنا غير استثناء بل صفة كمثل, ورفعه على حذف الموصوف, ثم أبدل منه إلا بقيات, فصار كقولك: ما جاءني مثلك إلا زيد.
وكذلك أنشد قول الفرزدق: ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروانا جعل "غير" صفة لـ"دار" لا استثناء, و"إلا دار مروان": بدل من "دار" الأولى, قال: "ومن جعلها - يعني غيرًا - بمنزلة الاستثناء لم يكن له بد من أن ينصب أحدهما".
وهنا قال س: "فأما إلا زيد فلا يكون بمنزلة مثل إلا صفة", يريد: لا تقول: ما جاءني إلا زيد إلا عمرو, على أن تجعل إلا زيد صفة قامت مقام الموصوف, ثم تبدل منها.

وما ذكره س من رفع الاثنين وتأوله على ما ذكرنا بلفظ غير لا يجوز, فإذا ما جاء إلا زيد إلا عمرو لا يصح على ما قال س, ولا يصح فيه ما تأول في غير.
وإذا تأولنا تأويل أبي علي في ما جاءني إلا زيد أنه فاعل ليس في الكلام حذف ولا إقامة, و"إلا عمرو" بدل - فكذلك يجوز أن يكون صفة؛ لأنه متى صح البدل صحت الصفة, فيكون في المسألة إذا وجدت هكذا وسمعت أربعة أوجه" انتهى.
و"إلا" المكررة إذا كانت للتوكيد فإما أن يكون ما بعدها هو الأول أو غيره: فإن كان الأول كان ما بعدها جاريًا على ما قبلها في الإعراب كما مثلناه.
وإن كان غيره فجميعها مستثنى من الأول, ولا بد من العطف بالواو وتكرارها توكيدًا, ليس على سبيل التحتم, بل يجوز أن تكرر, ويجوز ألا يؤتي بها, فيبدل الاسم مما قبله, أو يعطف عليه بالواو, على حسب المثل السابقة, ومن تكرارها والعطف بالواو لكون الثاني لا يغني عن الأول قول الشاعر: هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها [4: 55/ أ] / وإنما وجب العطف لأن ما دخلت عليه إلا الثانية مباين بالكلية لما دخلت عليه إلا الأولى, فإن كان المتكلم غالطًا أو مضربًا جاز أن يكون بدلًا على جهة الغلط أو الإضراب, قال ابن عصفور: "ومن البدل على جهة الإضراب: أما قريش فلن تلقاهم أبدًا إلا وهم خير من يحفى وينتعل إلا وهم جبل الله الذي قصرت عنه الجبال, فما ساواهم جبل

فأبدل إلا الثانية مع الجملة التي دخلت عليها من إلا الأولى والجملة التي دخلت عليها وإن لم يتحد معنى الجملتين على جهة الإضراب" انتهى.
ولا يعني بالإضراب أنه أضرب عن الجملة السابقة على جهة الإبطال, بل على جهة الانتقال من غير إبطال؛ على أنه لا يتعين هنا الإضراب, بل يجوز أن يكون إبدالًا صحيحًا؛ لأن قوله "إلا وهم خير من يحفى وينتعل" وصف لهم بأنهم خير الناس, وقوله "إلا وهم جبل الله" وصف لهم أيضًا بأنهم العالون في الناس, الراسخ قدمهم في العلياء, وهذا الوصف هو الأول من جهة المعنى, فهو بدل منه لا على جهة الغلط, ولا على جهة الإضراب, بل هُو هو من حيث المعنى؛ لأنه أراد بهاتين الحالتين تفوقهم على الناس.
قال المصنف في الشرح بعد ما أنشد: ما لك من شيخك.... البيت.
"ومثله قوله الفرزدق: ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروانًا" انتهى.
وليس مثله؛ لأن إلا لم تتكرر فيه, لكنه لما كان يقع موقع "غير" هنا "إلا" ذكر س البيت في باب تثنية المستثنى, قال س: "جعلوا غيرًا صفة للدار بمنزلة مثل, ومن جعلها بمنزلة الاستثناء لم يكن له بد من أن ينصب أحدهما, وهو قول ابن أبي إسحاق" انتهى.
قال ابن خروف: "والوجهان متباينان؛ وذلك أنه إذا جعل (غير واحدة) صفة فقد أنبأ أنه ليس بالمدينة دار خليفة إلا دار مروان, وإذا جعله استثناء أخبر أنه

جارٍ التحميل