التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 221-260

أقام، وأقوى ذات يوم، وخيبة... لأول من يلقى وشر ميسر

-[ص: وقد ينوب عن المصدر اللازم إضمار ناصبه صفات كعائذاً بك، وهنيئاً لك، وأقائماً وقد قعد الناس، وأقاعداً وقد سار الركب، وقائماً قد علم الله وقد قعد الناس.
وأسماء أعيان، كتربا وجندلا، وفاها لفيك، وأأعور وذا ناب.
والأصح كون الأسماء مفعولات، والصفات أحوالاً.]-

ش: أما عائذاً وقائماً وقاعداً فأسماء فاعلين في الأصل، وانتصابها على أنها أحوال مؤكدة لعاملها الملتزم إضماره، والتقدير: أتقوم قائماً، وأتقعد قاعداً، وأعوذ عائذا بالله.
قال بعض أصحابنا: «وهي موقوفة على السماع».
وقال غيره: زعم س أن هذا مقيس، يقال لكل من كان لازماً صفة دائباً عليها: أضاحكاً، وأخارجاً.
وزعم المبرد أن انتصاب أقائماً وأقاعداً وعائذاً بك على أنها مصادر، وجاءت على فاعل، كقولهم: فلج فالجاً، نحو العافية والعاقبة، فكأنك قلت: أقياماً، وأقعوداً، وعياذاً.
قال: لأن الحال المؤكدة تضعف.
وما ذهب إليه المبرد ليس بصحيح؛ لأن الحال المؤكدة جاءت في أفصح كلام، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، وقال: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ}.
ولأنه ثبت أن عائذاً وقائماً وقاعداً أسماء فاعلين بلا خلاف، والمصدرية فيها دعوى لا دليل عليها.
ولأنه لو كانت مصادر لوقعت في غير هذا المكان مصادر، فكنت تقول: قمت قائماً طويلاً، وقائم خاشع، والقائم المعروف، في معنى: قياماً طويلاً، وقيام خاشع، والقيام المعروف، وذلك لا يقال.
ولأنه لو كانت مصادر لجاز أن تأتي معرفة ونكرة كما أتى: الحمد لله، والعجب لك.
فكونهم التزموا فيها التنكير دليل على أنها أحوال لا مصادر، وهذه الأحوال تحملت ضميراً لما وضعت موضع الفعل الناصب لها، وصارت بدلاً منه، ولذلك لا يظهر معها الفعل، فلو أسندت إلى غير الضمير برز الفاعل، فكنت تقول: أقائماً زيد وقد قعد الناس، ومن ذلك قوله: /أتاركة تدللها قطام... وضنا بالتحية والسلام فقطام فاعل بقوله أتاركه.
ولما كانت المصادر نائبة عن الأفعال في الاستفهام وغيره جاءت هذه الأسماء كذلك، فمن الاستفهام: أتاركة تدللها قطام.
ومن غيره قول الشاعر: ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا... وعائذاً بك أن يعلوا، فيطغوني التقدير: وأعوذ عائذاً بك، حذف الفعل، وأقام الحال كما كان يفعل بالمصدر لو قال: عياذاً بك.
ومن العرب من يقول: عائذ بالله، يضمر له مبتدأ، أي: أنا عائذ بالله.

وأما «هنيئاً لك» فهنيء صفة للمبالغة، تقول هنأني الطعام، أي: ساغ لي وطاب، واسم الفاعل هاناء، وهنيء فعيل للمبالغة.
ويجوز أن يكون صفة من هنؤ الطعام: إذا ساغ ولا تنغيص فيه، كما تقول: شرف فهو شريف.
وكذلك مريئاً، يحتمل أن يكون من هنأني الطعام ومرأني، ومن هنؤ الطعام ومرؤ.
فإذا لم يكن هنأني قلت: أمرأني، رباعياً، واستعمل مع هنأني ثلاثياً للإتباع.
قيل: واشتقاق الهنيء من هناء البعير، وهو الدواء الذي يطلى به، ويوضع في عقره، قال الشاعر: متبذل، تبدو محاسنه... يضع الهناء مواضع النقب والمريء: ما يساغ في الحلق، ومنه قيل لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المريء.
قال س: «هنيئاً مريئاً صفتان، نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره؛ المختزل للدلالة التي في الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً مريئاً» انتهى.
ومريئاً تابع لهنيئاً.
وذهب الزمخشري في قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ إلى أن انتصابه على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فكلوه أكلاً هنيئاً، أو على أنه حال من ضمير المفعول.
وهو قول مخالف لقول أئمة العربية س وغيره، فعلى ما قاله أئمة العربية يكون: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ من جملة أخرى غير قوله: ﴿فَكُلُوهُ﴾، ولا تعلق له به من حيث الإعراب، بل من حيث المعنى.

وجماع القول في هنيئاً أنها حال قائمة مقام الفعل الناصب لها، فإذا قيل: إن فلاناً أصاب خيراً، فقلت: هنيئاً له ذلك- فالأصل: ثبت له ذلك هنيئا، فحذف ثبت، وأقيم هنيئاً مقامه.
واختلفوا إذ ذاك فيما يرتفع به «ذلك»: فذهب السيرافي إلى أنه مرفوع بذلك الفعل المختزل الذي هو ثبت، وهنيئاً حال من «ذلك»، وفي هنيئاً ضمير يعود على «ذلك».
وإذا قلت هنيئاً، ولم تقل ذلك، بل اقتصرت على قولك هنيئاً ففي هنيء ضمير مستتر يعود على ذي الحال، وهو ضمير الفاعل/الذي استتر في ثبت المحذوفة.
وذهب الفارسي إلى أن «ذلك» في قولك «هنيئاً له ذلك» مرفوع بـ «هنيئاً» القائم مقام الفعل المحذوف؛ لأنه صار عوضاً منه، فعمل عمله، كما أنك إذا قلت زيد في الدار رفع المجرور الضمير الذي كان مرفوعاً بمستقر لأنه عوض منه، ولا يكون في هنيئاً ضمير؛ لأنه قد رفع الظاهر الذي هو اسم الإشارة.
وإذا قلت «هنيئاً» ففيه ضمير فاعل بها، وهو الضمير الذي كان فاعلاً لثبت، ويكون هنيئاً قد قام مقام الفعل المختزل مفرغاً من الفاعل.
وإذا قلت «هنيئاً مريئاً» ففي نصب مريء خلاف: ذهب بعضهم إلى أنه صفة لقولك هنيئاً، وممن ذهب إلى ذلك أبو الحسن الحوفي.
وذهب الفارسي إلى أن انتصابه انتصاب هنيئاً، فالتقدير عنده: ثبت مريئاً، ولا يجوز عنده أن يكون

صفة لـ «هنيء» من جهة أن هنيئاً لما كان عوضاً من الفعل صار حكمه حكم الفعل الذي ناب منابه، والفعل لا يوصف، فكذلك لا يوصف هو.
وقد ألم الزمخشري بشيء مما قاله النحاة في هنيئاً، لكنه حرفه، فقال بعد أن قدم انتصابه على أنه وصف للمصدر أو حال من الضمير في فكلوه: «أي: كلوه وهو هنيء»، قال: «وقد يوقف على فكلوه، ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدر، فانتصابهما على هذا انتصاب المصدر»، ولذلك كأنه قال: هنيئاً ومريئاً، فصار كقولك: سقياً ورعياً، أي: هنأه ومرأه.
والنحاة يجعلون انتصاب هنيئاً على الحال، كما ذكرناه عنهم، وانتصاب مريئاً على ما ذكرناه من الخلاف، إما على الحال وإما على الوصف.
ويدل على فساد ما حرفه الزمخشري وصحة قول النحاة ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد: هنيئاً مريئاً، ولو كانا منتصبين انتصاب المصادر المراد بها الدعاء ما جاز ذلك فيها، تقول: سقياً ورعياً، ولا يجوز: سقياً الله ذلك، وإن كان ذلك جائزاً في فعله، تقول: سقاك الله، ورعاك الله.
والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدها قول الشاعر: هنيئاً مريئاً غير داء مخامر... لعزة من أعراضنا ما استحلت وقول الآخر: هنيئاً لأرباب البيوت بيوتهم... وللعزب المسكين ما يتلمس

فـ «ما استحلت» و «بيوتهم» مرفوعان إما بهنيئاً أو بثبت المحذوفة على الخلاف الذي بين السيرافي وأبي علي، وتقدم من قولنا إن مريئاً تابع لهنيء.
وذهب بعضهم إلى أنه يستعمل وحده غير تابع لهنيئاً، ولا يحفظ ذلك من كلام العرب إلا في بيت فرق/بينهما، أنشده أبو العباس، وهو: كل هنيئاً، وما شربت مريئاً... ثم قم صاغراً، فغير كريم وتقدم من قولنا إن هنيئاً ومريئاً اسما فاعل للمبالغة.
وأجاز أبو البقاء العكبري أن يكونا مصدرين جاءا على وزن فعيل كالصهيل والهدير، وليسا من باب ما يطرد فيه فعيل في المصدر؛ لأن ذلك لا يكون في غير الأصوات إلا قليلاً كالنقير.
وقد أورد المصنف هنيئاً مع: عائذاً بك، وأقائماً وقد قعد الناس، وهما وأشباههما منصوبات بأفعال مضمرة من لفظها.
وهنيئاً ذكر فيه س تقديرين: أحدهما أنه منصوب بثبت.
والتقدير الثاني أنه منصوب بهنأ، أي: هنأه ذلك هنيئاً.
قال س: «فاختزل الفعل لأنه صار بدلاً من اللفظ بقولك هنأك»، فعلى هذا التقدير يكون هنيئاً موافقاً لقولك: عائذاً بالله، وأقائماً وقد قعد الناس، إلا أنه فيه معنى الدعاء.
قال بعض أصحابنا: ونصبه بثبت أولى لكون الحال فيه مبينة، وإن نصبته بهنأ كان هنيئاً حالاً مؤكدة.

وقوله وأسماء أعيان كترباً وجندلاً انتصاب هذا على تقدير: ألزمك الله، أو أطعمك ترباً وجندلاً، قال س: «واختزل الفعل هنا لأنهم جعلوه بدلاً من قولك: تربت يداك»، ويعني س أنه لا يقال ترباً إلا في المعنى الذي يقال فيه: تربت يداك، لا أن تربت يداك هو الناصب لترباً؛ لأنه ليس بمصدر.
ويجوز رفعه على الابتداء، و «لك» الخبر، قال الشاعر: لقد ألب الواشون ألباً بجمعهم... فترب لأفواه الوشاة وجندل وهو في الرفع بمعنى النصب من الدعاء.
ولا ينقاس الرفع في أسماء الأعيان التي يدعى بها، لو قلت: فوها لفيك، على قصد الدعاء- لم يجز.
ولا تعريفها بالألف واللام؛ لأن الدعاء بالاسم قليل، والألف واللام للاسم الذي لم يوضع موضع الفعل.
وفي البسيط: «وقد أدخلوا هنا الألف واللام، كما فعلوا في المصدر رفعاً ونصباً، فقالوا: الترب له، والترب له» انتهى.
ولا يقاس هذا الباب، لا يقال: أرضاً، ولا جبلاً، بهذا المعنى.
وقوله وفاها لفيك الضمير في فاها للداهية، قاله س. ويستعمل هذا في معنى: دهاه الله.
وإنما قال لفيك لأن فم الإنسان في غالب أحواله منه يكون هلاكه، إما بأن يتكلم فيجني عليه كلامه، وإما أن الأغذية إنما تتوصل لهلاكه من فيه.

وجعل بعضهم الضمير في فاها عائداً على الخيبة.
وانتصب فاها بإضمار فعل، تقديره: ألزم الله فاها لفيك، وجعل الله فاها لفيك، وأنشد س: /فقلت له: فاها لفيك، فإنها قلوص امرئ، قاريك ما أنت حاذره وقوله وأأعور وذا ناب قال المصنف في الشرح: «ومن نيابة المفعول به عن فعل الإنكار قول رجل من بني أسد: «يا بني أسد، أأعور وذا ناب»؟ يريد: أتستقبلون أعور وذا ناب، وذلك في يوم التقى فيه بنو أسد وبنو عامر، فرأى بعض الأسديين بعيراً أعور، فتطير، وقال لقومه هذا الكلام، فقضى أن قومه هزموا، وقتل منهم» انتهى.
ويعرف هذا اليوم الذي التقيا فيه يوم جبلة، وكان بنو عامر قد جعلوا في مقدمتهم عند اللقاء جملاً أعور مشوه الخلق ذا ناب، وهو المسن، فعلوا ذلك ليتطير به الآخرون، فيكون ذلك سبباً لانهزامهم، فلما رأوه قال بعضهم: أأعور وذا ناب؟ أي: أتستقبلون هذا، وأنكر عليهم استقبالهم إياه، فلم يسمعوا منه، فهزموا، كأنه تطير بالناب، وتفاءل منه غماء وشدة، وبالعور؛ لأنه نقصان وتعور أمر، وكأنه قال: أتستقبلون من الأمر ما فيه عور وشدة، هذا تفسير المعنى، وتفسير الإعراب ما ذكره س، فانتصب على أنه مفعول به، والعرب تكره البعير الأعور إذا رأته في عسكر عدوها.
وقيل: إنهم لقوا بعيراً أعور وكلباً.
وقيل: بل البعير كان

له ناب طويلة.
قال س: «ولو قال أعور وذو ناب كان مصيباً» انتهى.
وارتفاعه على مبتدأ مضمر يقدر فيه ما يصلح للمعنى، أي: مستقبلكم، أو مقابلكم، أو مصادفكم أعور.
وقوله والأصح كون الأسماء مفعولات والصفات أحوالاً أما الخلاف في الصفات فقد تقدم الكلام فيه، وأن المبرد يزعم أنها مصادر جاءت على وزن الصفة، وتقدم الرد عليه.
وأما الأسماء التي هي: ترباً وجندلاً، وفاها لفيك، وأعور وذا ناب- فقد قدر س لها عوامل تنصبها نصب المفعول به، وهو الذي اختار المصنف، وهو تأويل الأكثرين.
وذهب الأستاذ أبو علي وغيره إلى أن ترباً وجندلاً ينتصب كنصب المصادر؛ لأنها وإن كانت جواهر فقد وقعت موضع المصادر؛ لأن هذا المعنى كثر فيها، فلذلك قدرها س بألزمك الله، أو أطعمك، ثم قال: «لأنهم جعلوه بدلاً من تربت يداك».
فالأول هو التقدير الأصلي، والثاني هو الطارئ الذي قلناه.
وكذلك قدر في جندلاً فعلاً من لفظه ينتصب عليه، ولذلك تدخل فيه اللام، فتقول: ترباً لك، كما تقول: سقياً لك، وقصته قصته.
وأما «أعور وذا ناب» فقد تقدم تقدير س له: أتستقبلون أعور وذا ناب، فظاهرة ما ذهب إليه المصنف /من أنه منصوب على المفعول به.

وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: قول س «أتستقبلون أعور» مشكل؛ لأن الأسماء التي ذكر في هذا الباب أحوال مبينة.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن خروف: ظاهره أنه مفعول، ولم يرد ذلك، إنما قاله على جهة التفسير والبيان، وحقيقة التقدير فيه: أتستقبلونه أعور وذا ناب، ولم يذكر في الباب مفعولاً، فإنما أراد ما يظهر في التفسير، ولم يقصد الإعراب ولا إلى الفعل الذي هذا الاسم بدل منه.
وقال ابن عصفور: يتخرج ذلك على وجهين: أحدهما أن يكون تفسير معنى، وإنما أراد: أتستقبلونه أعور، وإذا استقبلوه أعور فقد استقبلوا الأعور.
والثاني أن يكون حذف المفعول اقتصاراً أو اختصاراً، فيكون تفسير إعراب.
وقد خلط المصنف في جمعه بين ترباً، وجندلاً، وفاها لفيك، وبين أعور وذا ناب، فذكرهما في فصل واحد، وس ذكر الثلاثة الأول في «باب ما جرى من الأسماء مجرى المصادر التي يدعى بها»، وذكر أعور وذا ناب في «باب ما جرى من الأسماء التي لم تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل»، فذكر في هذا الباب: أتميميا مرة وقيسياً أخرى، وأأعور وذا ناب، وقول الشاعر: أفي السلم أعياراً جفاء وغلظة... وفي الحرب أشباه النساء العوارك

وقول الآخر: أفي الولائم أولاداً لواحدة... وفي العيادة أولاداً لعلات ويجوز النصب في الخبر أيضاً، فتقول: تميميا مرة وقيسياً أخرى، وأنشد يعقوب: هلا غير عمكم ظلمتم... إذا ما كنتم متظلمينا عفاريتاً علي وأكل مالي... وجبناً عن رجال آخرينا ويجوز ارتفاع ذلك، فتقول: أتميمي مرة وقيسي أخرى؟ على إضمار مبتدأ، التقدير: أأنت تميمي مرة.

-[ص:

باب المفعول له

وهو المصدر المعلل به حدث شاركه في الوقت ظاهراً أو مقدراً، والفاعل تحقيقاً أو تقديراً.
وينصبه مفهم الحدث نصب المفعول به المصاحب في الأصل حرف جر، لا نصب نوع المصدر، خلافاً لبعضهم.]- ش: مناسبة هذا الباب لما قبله أنه لما ذكر في الباب قبله المصدر وجملة من أحكامه ذكر المفعول له؛ لأن من شرطه على الأشهر أن يكون /مصدراً، ولأن بعضهم قد ذهب إلى أنه ينتصب انتصاب المصدر على ما سنذكره إن شاء الله.
وقوله وهو المصدر هذا جنس يشمل المفعول له وغيره، وتظافرت النصوص من النحويين على اشتراط المصدرية في المفعول له، وذلك أن الباعث إنما هو الحدث لا الذوات.
وزعم يونس أن قوماً من العرب يقولون: أما العبيد فذو عبيد، بالنصب، وتأوله على المفعول له وإن كان العبيد غير مصدر.
وقبح ذلك س، وإنما أجازه على ضعفه إذا لم ترد عبيداً بأعيانهم، فلو قلت: أما البصرة فلا بصرة لك، وأما الحارث فلا حارث لك، لم يجز لاختصاصها.
وقدر الزجاج في نصب العبيد تقدير الملك ليصيره إلى معنى المصدر، كأنه قال: أما تملك العبيد، أي: مهما تذكره من أجل تملك العبيد، وهذا كله مراعاة للمصدر.

والمصدر إن كان أجنبياً عن مصدر العامل بحيث لا يصدق عليه باعتبار مجازي فاللام، نحو: فعلت ذلك لأمر الله، وتركته لزجرك، ومنه ﴿الرحمن الرحيم صدق الله﴾، إلا أن يكون مسبوكاً بأن وأن، نحو: (لبيك أن الحمد والنعمة لك)، وقوله: أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا........................ وقد حكي عن أبي علي جوازه، فتقول: جئتك ضرب زيد، أي: لضرب زيد، وقاسه على: جئتك طمعاً في الخير.
وقيل: هو باطل؛ لأن الطمع فعل الجائي وإن كان لا يصدق عليه المجيء، بخلاف الضرب.
وإن لم يكن أجنبياً حذفت اللام، نحو: ضربته تقويماً وتأديباً، وقعدت عن الحرب جبناً؛ ألا ترى أنه يصدق أن يقال: ضربي له تقويم، وقعودي عن الحرب جبن، كقوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾، انتهى ملخصاً من البسيط.
وقوله المعلل به حدث احترز به مما ينتصب من المصادر لا يعلل به حدث، كقولك: قعدت جلوساً، ورجع القهقرى.
وقوله شاركه في الوقت ظاهراً مثاله: ضربت ابني تأديباً، فالفعل المعلل في هذا المثال ملفوظ به.

وقوله أو مقدراً مثاله ما جاء في حديث محمود بن لبيد الأشهلي: «قالوا ما جاء بك يا عمرو؟ أحدباً على قومك أم رغبة في الإسلام»، الحدث المعلل به هنا مقدر، تقديره: أجئت حدباً على قومك.
وقوله والفاعل تحقيقاً مثاله أن تذكر الفاعل ظاهراً أو مضمراً.
وقوله أو تقديراً مثاله أن يحذف الفاعل لبعض أسباب الحذف، ويبنى الفعل للمفعول، كقولك: ضرب الصبي تأديباً، فهذا يقدر أن الضارب هو المؤدب حتى يتحد الفاعل.
قال بعض النحويين: «شرطوا في نصبه أربعة شروط: أن / يكون مصدراً، وعلى غير لفظ الفعل الأول، وسبباً له أو مسبباً عنه، وفاعلهما واحد.
فالأول قد نص عليه س بقوله: «ما ينتصب من المصادر».
وعلى الثاني بقوله: «وليس منه»، وعلى الثالث بقوله: «لأنه عذر له»، والعذر يكون سبباً ومسبباً.
وعلى الرابع بقوله: «لأنه موقوع له».
وإنما كان مصدراً لأنه علة، ولا يكون إلا معنى، ولو كان من لفظ الأول لانتصب انتصاب الأول لا السبب، ولو لم يكن عذراً لانتصب انتصاب: أتيته ركضاً.
ولو كان فاعلهما مختلفاً لبطل الربط بينه وبين الفعل الأول، فلم يصح نصبه لأن الرابط إما لفظي أو معنوي، فاللفظي حرف الجر، وهو معدوم في النصب، فلم يبق إلا المعنوي، وهو ما ذكرنا».
انتهى كلامه.

وزاد بعض النحويين في الشروط أن يكون المصدر غير نوع للفعل؛ إذ قد يكون المصدر من نوع الفعل وغير نوعه، فمثال ما تحرز منه: جاء زيد ركضاً، فإنه إذا قصد بهذا أن يكون باعثاً على الفعل فلا بد من اللام.
وزاد بعض المتأخرين شرطاً آخر، وهو أن يكون من أفعال النفس الباطنة، ولا يكون من أفعال الجوارح الظاهرة، نحو: جاء زيد خوفاً، ورغبة، ولو قلت جاء زيد قراءة للعلم، وقتالاً للكافر، تريد جعل ذلك مفعولاً له- لم يجز لأنه من الأفعال الظاهرة.
وزاد بعضهم أيضاً ألا يكون المصدر من لفظ العامل، نحو: أجللتك إجلالاً.
وإنما امتنع ذلك لأن الشيء لا يكون علة لوقوع نفسه.
ويمكن رد جميع هذه الشروط التي زيدت إلى معنى الشروط التي تقدمت.
وقوله وينصبه مفهم الحدث نصب المفعول به المصاحب في الأصل حرف جر هذا مذهب س وأبي علي الفارسي، وهو الصحيح بدليلين: أحدهما: أنك إذا أضمرت المصدر المنصوب على أنه مفعول من أجله وصل الفعل إلى ضميره باللام، نحو: ابتغائي ثواب الله هو الذي تصدقت له، فدل الوصول للضمير باللام على أن الأصل أن يصل إلى الظاهر باللام؛ لأن المضمرات كثيراً [ما] ترد الأشياء إلى أصولها.
والدليل الثاني: ما ذكره س وأبو علي من أنه في جواب لمه، والجواب أبداً على حسب السؤال في مختار كلامهم، فينبغي في جواب من قال: لم ضربت

زيداً؟ أن يجاب بضربته للتأديب، إلا أنه أسقط اللام ونصبه لشبهه بالمصدر؛ ألا ترى أنه دخل معنى ضربت زيداً تأديباً: أدبت زيداً بضربي له تأديباً، فانتصب لذلك؛ إذ الفعل قد تعدى تعدية الفعل الذي في معناه، ولذلك إذا انخرم شرط تعدى الفعل إليه بحرف السبب.
وذهب الكوفيون إلى أنه ينتصب انتصاب المصادر، وليس على إسقاط الحرف، ولذلك لم يترجموا له استغناء بباب المصدر عنه، وكأنه عندهم من قبيل المصدر المعنوي، فإذا قلت ضربت زيداً /تقويماً له فكأنك قلت: قومت زيداً بضربي له تقويماً، وإذا قلت جئتك إكراماً لك فكأنك قلت: أكرمك بمجيئي لك إكراماً، وكذلك يتقدر عندهم كل ما جاء من هذا النوع.
وكأن الذي حملهم على ذلك أنهم رأوا العامل إذا وصل إلى معمول بحرف الجر لم يجز حذف الحرف ووصول الفعل بنفسه باطراد إلا مع أن وأن لطولهما بالصلة؛ أو في ظرف الزمان والمكان، فلما رأوا المفعول له يصل إليه الفعل بنفسه باطراد، ولم يفهموا سبباً لذلك- حملوه على ما ذكرناه، ولم يحملوه على أنه منصوب بعد إسقاط حرف العلة.
وقوله لا نصب نوع المصدر، خلافاً لبعضهم هذا المذهب نسبه المصنف إلى الزجاج، فقال في النسخة القديمة من هذا الكتاب: خلافاً للزجاج، وقال في النسخة القديمة من شرحه لهذا الكتاب: «وزعم الزجاج أن المفعول له منصوب نصب نوع المصدر، ولو كان كذلك لم يجز دخول لام الجر عليه كما لا تدخل على الأنواع، نحو: سار الجمزى، وعدا البشكى، ولأن نوع المصدر يصح أن يضاف إليه كل، ويخبر عنه بما هو نوع له، كقولك: كل جمزى سير، ولو فعل

ذلك بالتأديب والضرب من قولك ضربت تأديباً لم يصح، فثبت بذلك فساد مذهب الزجاج».
وقال ابن عصفور: وذهب الزجاج إلى أن المصدر في المثل المذكور منصوب بفعل مضمر من لفظه، فالتقدير عنده في قولك جئت إكراماً لك: أكرمتك إكراماً، فحذف الفعل، وجعل المصدر عوضاً من اللفظ به، ذكر ذلك في «المعاني» له.
وما ذكره أبو موسى الجزولي من أن أبا إسحاق يرى أن المفعول له ينتصب انتصاب المصدر الملاقي للفعل في المعنى دون الاشتقاق كما ذهب إليه الكوفيون وهم، وكأن أبا إسحاق امتنع من أن يجعله منصوباً على إسقاط الحرف لما ذكرناه قبل، يعني في اعتلال الكوفيين لذلك.
قال ابن عصفور: «ورأى أيضاً أن المصدر إنما ينتصب بعد فعل من لفظه، نحو: قمت قياماً، أو من معناه، نحو قوله: ............................... وآلت حلفة.......... ورأى أن الإكرام ليس من لفظ المجيء ولا معناه؛ إذ قد يكون المجيء إليه إكراماً وغير إكرام، فجعله منصوباً بفعل من لفظه، وجعل المصدر عوضاً من اللفظ بذلك الفعل، ولذلك لم يظهر» انتهى.
وقال المصنف في النسخة الجديدة من شرح هذا الكتاب ما معناه: «إن الذي ذهب إلى أنه انتصب انتصاب نوع المصدر- وهو بعض المتأخرين- قال: وقد نسب إلى الزجاج، وليس بصحيح، بل مذهبه مذهب س» انتهى.

وما ذكره ابن عصفور عنه ليس هو مذهب س؛ لأن مذهب س أنه منصوب بالفعل قبله الذي هو علة له بعد إسقاط الحرف، ومذهب /الزجاج أنه منصوب بفعل مضمر من لفظه واجب الإضمار، وقال: «نص على ذلك في كتاب المعاني له»، فقد اختلف نقل المصنف ونقل ابن عصفور عن الزجاج.

-[ص: وإن تغاير الوقت، أو الفاعل، أو عدمت المصدرية- جر باللام أو ما في معناها.
وجر المستوفي لشروط النصب مقروناً بـ «أل» أكثر من نصبه، والمجرد بالعكس، ويستوي الأمران في المضاف.
ومنهم من لا يشترط اتحاد الفاعل.]-

ش: مثال تغاير الزمان قول الشاعر: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها... لدى الستر إلا لبسة المتفضل فنضت ماض، والنوم لم يقع، فعدي الفعل إليه باللام لما اختلف الزمان.
وهذا لم يذكر المصنف فيه خلافاً لا في الفص ولا في الشرح.
وذكر غيره فيه خلافاً، وأنه من اشتراط المتأخرين كالأعلم، شرط أن يكون مقارناً للفعل في الزمان، قال: ولم يشرط ذلك س ولا أحد من المتقدمين، فيجوز على هذا: أكرمتك أمس طمعاً غداً في معروفك.

ومثال تغاير الفاعل قول الشاعر: وإني لتعروني لذكراك هزة... كما انتفض العصفور بلله القطر ففاعل تعروني هزة، وفاعل الذكرى الشاعر، أي: وإني لتعروني لذكراي إياك هزة.
وذكر المصنف الخلاف في هذا الشرط بقوله: ومنهم من لا يشترط اتحاد الفاعل.
وقال في الشرح: «وأجاز ابن خروف حذف الجار مع عدم اتحاد الفاعل من كل وجه، وزعم أنه لم ينص على منعه أحد من المتقدمين.
قال: ومن حجة من أجازه شبهه في عدم اتحاد الفاعل بقولهم: ضربته ضرب الأمير اللص، فكما نصب الفعل في هذا المصدر وفاعلاهما غيران كذا ينصب جئت حذر زيد؛ إذ لا محذور في ذلك من لبس ولا غيره.
وظاهر قول س يشعر بالجواز، قال بعد أمثلة المفعول له: «فهذا كله ينتصب لأنه مفعول له، كأنه قيل له: لم فعلت كذا؟ فقال: لكذا، ولكنه لما طرح اللام عمل فيه ما قبله كما عمل في دأب بكار ما قبله حين طرح مثل»، يشير إلى قول الراجز: إذا رأتني سقطت أبصارها... دأب بكار شايحت بكارها فشبه انتصاب المفعول له بانتصاب المصدر المشبه به، وفاعل المشبه به غير فاعل ناصبه، فكذلك لا يمتنع أن يكون فاعل المفعول له غير فاعل ناصبه، وهذا بين» انتهى.

وليس هذا ببين؛ لأن س إنما شبهه في أنه نصب على إسقاط الجار كما نصب دأب بكار بعد إسقاط الخافض، وهو مثل، ولا يلزم من ذلك ما ذكره المصنف.
وقال بعض /أصحابنا: اشترط المتأخرون كالأعلم أن يكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل، قالوا: فإن لم يكن كذلك فلا بد من اللام أو الباء أو من، ولم يشترط ذلك س ولا أحد من المتقدمين، ومن لا يشترط يستدل بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، فالإراءة من الله، والخوف والطمع من المخلوقين، وبقول الشاعر، وهو ابن أحمر: مدت عليك الملك أطنابها... كأس رنوناة وطرف طمر وقول الآخر: غشوا ناري، فقلت: هوان تيم... تصلوها، فقد حمي الوقود أي: لهوان تيم، وقول النابغة: وحلت بيوتي في يفاع ممنع... تخال به راعي الحمولة طائرا حذاراً على ألا تنال مقادتي... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا وقول الآخر:

ومنا الذي اختير الرجال سماحة................... وقول الآخر: أرى أم عمرو، دمعها قد تحدرا... بكاء على عمرو، وما- كان- أصبرا فالملك ليس من أفعال الكأس، والهوان من فعل تيم لا من فعل الغاشين، والحذار منه لا من البيوت، والسماحة ليست من فعل الذي اختار.
فأما من اشترط اتحاد الفاعل فتأول هذا كله: فتأول الآية على أن «خوفاً وطمعاً» مصدران في موضع الحال من المفعول، أي: خائفين وطامعين.
أو في موضع الحال من الفاعل، وهما مصدران بمعنى الإخافة والإطماع، فهما مصدران على حذف الزيادة.
وتأول المصنف الآية على أن معنى يريكم: يجعلكم ترون، ففاعل الرؤية فاعل الخوف والطمع في التقدير، فيتحد الفاعل.
ويتأول بيت ابن أحمر على أن يكون «الملك» مفعول مدت عليك الخلافة أطنابها.
وتؤول أيضاً على أن يكون الملك مصدراً معرفاً بالألف واللام في موضع الحال، نحو: أرسلها العراك، كأنه قال: مدت عليك مملكاً أطنابها، قاله السيرافي.
ورد بأن الحال المعرفة لا تقاس.
وتؤول «هوان تيم» على أن يكون منادى مضافاً حذف منه حرف النداء، التقدير: يا هوان تيم.
وتؤول بيت النابغة بأن المعنى في قوله وحلت بيوتي: أحللت بيوتي، فالفاعل متحد في التقدير.
وقيل: المراد بالبيوت هو وأهله، وكأنه قال: وحللنا في يفاع

ممنع حذاراً على ألا تنال مقادتي.
وقيل: المراد بالبيوت القبائل، يقال: بيت فلان كريم، أي: قبيلته.
وقيل: هو على حذف مضاف، أي: وحل أهل بيوتي، /كما قالوا: جاءت اليمامة، أي: أهل اليمامة.
وقيل: مصدر في موضع الحال من الياء في بيوتي.
وقيل: هو مفعول من أجله، والعامل فيه الفعل في البيت الذي قبله، وهو: سأكعم كلبي أن ينالك نبحه... وإن كنت أرعى مسحلان فحامرا وهذا أظهر؛ لأنه أراد بأكعم أكف، وكلبي استعاره للسانه، فالمعنى: إني لا أهجوك وإن كنت في هذه المواضع؛ لأني لا أتخلص منك بها، فيكون كما قال: فإنك كالليل الذي هو مدركي... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع وأما «سماحة» فأول على أنه يمكن أن يكون من التمييز المنقول، والأصل: اختيرت سماحته، ثم صار: اختير هو سماحة.
وأما «بكاء على عمرو» فيتخرج على أنه مصدر في موضع الحال.
وقوله أو عدمت المصدرية مثاله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقول الشاعر: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة... كفاني ولم أطلب قليل من المال ويعني بالمصدرية أن يكون صريح المصدر، فلو كان اسم إشارة إليه أو ضميره لم ينتصب، وأن وأن وما تعلق بهما يصل الفعل إليهما بنفسه، وهما مقدران بالمصدر، مثاله: أزورك أن تحسن إلي، أو أنك تحسن إلي، وسواء أكان الزمان

متحداً أو متغايراً، سواء أيضاً أكان الفاعل متحداً أم متغايراً، وسواء أكان العامل فعلاً أم ما جرى مجراه أو معنى فعل؛ لأن حرف الجر قد اطرد حذفه معها كثيراً بشرط ألا يلبس، وأما مع المصدر فيصل إليه الفعل بنفسه أو ما جرى مجراه.
وأما معنى الفعل فلا ينصبه، بل لا بد من حرف الجر، إلا مع أما في باب «أما سمناً فسمين» في مذهب الزجاج، وتبعه في ذلك ابن طاهر، وقصراه على هذا الباب.
قال بعض أصحابنا: «وأنا أشك هل قصره أبو إسحاق على ذلك الباب أو أجاز أن يعمل فيه المعنى على الإطلاق» انتهى.
وقوله جر باللام هذا هو الكثير، وهو أنه متى انخرم شرط جر باللام.
وقوله أو ما في معناها الذي في معناها هو «من» التي للتسبب، كقوله تعالى ﴿خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، والباء كقوله تعالى ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾.
قال المصنف في الشرح: «وفي، كقوله عليه السلام: (إن امرأة دخلت النار في هرة)، أي: من أجل هرة».
وقوله وجر المستوفي لشروط النصب مقروناً بأل أكثر من نصبه هذا يتضمن جواز مجيئه معرفة بالألف واللام، وهذه مسألة خلاف: ذهب س وجمهور البصريين إلى جواز ذلك، قال س: «وحسن فيه الألف /واللام لأنه ليس بحال، فيكون في موضع فاعل حالاً، ولا يشبه بما مضى من المصادر في الأمر والنهي ونحوهما» انتهى.

وذهب الجرمي والرياشي والمبرد إلى أن من شرطه التنكير، فإن وجدت فيه أل كانت زائدة؛ لأن المراد ذكر ذات السبب الحامل، فيكفي فيه النكرة، فالتعريف زيادة لا تحتاج.
وهذا فاسد، فإن السبب الحامل قد يكون معلوماً عند المخاطب، فتحيله عليه، فتعرفه ذات السبب وأنها المعلومة له، ولا تنافي بينهما، ولا يلزم عدم الاختصار إلا فيما يذكر، ولا يحتاج إليه.
والصحيح ما ذهب إليه س والجمهور.
وقد كثر مجيئه بأل منصوباً، قال الراجز: لا أقعد الجبن عن الهيجاء... ولو توالت زمر الأعداء وقال الشاعر: فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا... شدوا الإغارة فرساناً وركبانا وقال الآخر: لك الخير إن أزمعت صرمي وأصبحت... قوا الحبل بتراً جذم الوصل جاذف وقال الآخر:

لما رأى نعمان حل بكرفئ... عكر، كما لبج النزول الأركب التقدير: للجبن، وللإغارة، وللصرم، وللنزول.
قال المصنف في الشرح: «ويمكن أن يكون القسط من قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ مفعولاً له؛ لأنه مستوف للشروط» انتهى.
والظاهر أن (القسط) صفة للموازين؛ إذ هو مصدر وصف به، أي: الموازين العادلة المقسطة، والوصف بالمصدر أكثر من مجيء المفعول له منصوباً بأل.
وقوله والمجرد بالعكس أي: المجرد من أل ومن الإضافة نصبه أكثر من جره، فمن النصب: ﴿َتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وقول حاتم: ................. وأعرض عن شتم اللئيم تكرما وزعم أبو موسى الجزولي أنه إذا كان نكرة لا يجوز جره، فلا يجوز: قمت لإعظام لك.
قال الأستاذ أبو علي: «هذا غير صحيح، بل هو جائز، ولا مانع منه، ولا أعرف له سلفاً في هذا القول» انتهى.
وقوله ويستوي الأمران في المضاف يعني أن نصبه وجره كثير، فمثال نصبه: ﴿يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾، وقول حاتم:

وأغفر عوراء الكريم ادخاره......................... ومثال جره قوله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾.
ويجوز تقديم المفعول له على عامله الفعل أو الجاري مجراه إن لم يكن فيه /مانع، وما تلزم فيه اللام يقوى فيه اللزوم في التقديم لضعف العامل، وأما ما تحذف منه فيقوى ذكر اللام عند التقديم، فتقول: للطمع جئتك، ويجوز تركها.
ومنه تقديمه مع أما، نحو: أما تقويماً فأنا أضربك.
ويجوز أن يكون العامل فيه الفعل الذي دلت عليه أما، ويكون أصله اللام، وحذفت هنا سماعاً.
ومنع قوم تقديم المفعول له على العامل، منهم ثعلب.
والسماع يرد عليهم، قال جحدر: فما جزعاً- ورب الناس- أبكي... ولا حرصا على الدنيا اعتراني وهذه الإضافة محضة، خلافاً للجرمي والرياشي والمبرد؛ إذ ذهبوا إلى أنها غير محضه؛ لأنهم يلتزمون تنكيره قياساً على الحال والتمييز، وسيأتي ذلك في باب الإضافة إن شاء الله.
وقال الكميت: طربت، وما شوقاً إلى البيض أطرب... ولا لعباً مني، وذو الشيب يلعب فقدم شوقاً- وهو مفعول له- على العامل فيه، وهو أطرب.

فرع: اشتركت كي وحتى في أحد معانيها في أنهما للتعليل، مثال ذلك: أسلمت كي أدخل الجنة، وأسلمت حتى أدخل الجنة، ومع ذلك يجوز في كي وما بعدها أن يكون مفعولاً له، ولا يجوز ذلك في حتى.
وإنما جاز ذلك في كي لأن لها محملين في لسان العرب: أحدهما: أن تكون حرف جر، فيكون النصب بإضمار أن بعدها، وهي في هذه الحال لا تكون مفعولاً له.
والثاني: أن تكون حرف نصب، فتكون مصدرية كأن، فتكون في هذه الحال مفعولاً له.
وأما حتى فلا تنصب بنفسها، إنما النصب بإضمار أن بعدها، فهي حرف جر لم ينسبك مصدر منها ومن الفعل الذي بعدها، إنما ينسبك من أن المضمرة بعد حتى ومن الفعل المنصوب بأن المضمرة، ولا يكون مفعولاً له إلا ما كان مصدراً أو مقدراً به منصوباً على الشروط التي تقدمت.

-[ص

: باب المفعول المسمى ظرفاً ومفعولاً فيه

وهو ما ضمن من اسم وقت أو مكان معنى «في» باطراد لواقع فيه مذكور أو مقدر ناصب له.
ومبهم الزمان ومختصه لذلك صالح، فإن جاز أن يخبر عنه أو يجر بغير «من» فمتصرف، وإلا فغير متصرف، وكلاهما منصرف وغير منصرف.]- ش: ما ضمن جنس يشمل الحال، والظرف، والسهل والجبل من قول العرب: مطرنا السهل والجبل.
وقوله من اسم وقت أو مكان خرج بذلك الحال، كذا قال المصنف في الشرح؛ لأن الحال ليست مضمنة معنى في، إنما هي على معنى: في حال كذا، فإذا قلت جاء زيد راكباً فراكباً لم يتضمن معنى في.
/وقوله معنى في باطراد خرج بذلك السهل والجبل من قولهم: مطرنا السهل والجبل، فإنه لا يقاس على ذلك لا في الفعل ولا في الأماكن، فلا تقول: أخصبنا السهل والجبل، ولا: مطرنا القيعان والتلول، بل يقتصر على مورد السماع، ولا يزاد عليه إلا إن عضد بسماع ممن يوثق به، وذلك بخلاف ما ينتصب على الظرفية، فإنه يجوز أن يخلف الفعل والاسم غيرهما، تقول: جلست خلفك، فيجوز: قعدت خلفك، ويجوز: جلست أمامك.

قال المصنف في الشرح: «ويتناول أيضاً قولي ضمن معنى في ما نصب بدخل من مكان مختص.
وخرج بذكر الاطراد، فإن المطرد لا يختص بعامل دون عامل، ولا باستعمال دون استعمال، فلو كان نصب المكان المختص بدخل على الظرفية لم ينفرد به دخل، بل كان يقال: مكثت البيت، كما يقال: دخلت البيت، وكان يقال: زيد البيت، فينتصب بمقدر كما يفعل بما تحققت ظرفيته؛ لأن كل ما ينتصب على الظرفية بعامل ظاهر يجوز وقوعه خبراً، فينتصب بعامل مقدر، ولذا قال س بعد أن مثل بقلب زيد الظهر والبطن، ودخلت البيت: «وليس المنتصب هنا بمنزلة الظروف؛ لأنك لو قلت: هو ظهره وبطنه، وأنت تريد شيئاً على ظهره وبطنه- لم يجز» هذا نصه، وقد غفل عن هذا الموضع الشلوبين، فزعم أن نصب المكان المختص بدخل عند س على الظرفية، وهذا عجيب من الشلوبين مع اعتنائه بجمع متفرقات الكتاب وتبين بعضها ببعض» انتهى كلامه.
وقوله ضمن من اسم الوقت أو المكان معنى في المفهوم منه أن الاسم يدل بالوضع على الزمان أو المكان، ويدل على معنى في بالتضمن، فيكون نظير أسماء الشرط والاستفهام، فإنك إذا قلت من يقم أقم معه فقد دلت من على شخص عاقل بالوضع، ودلت على ارتباط جملة بجملة وتوقفها عليها بتضمنها معنى إن الشرطية، ويلزمه على هذا أن يكون الظرف مبنياً؛ لأنه تضمن معنى الحرف،

وليس كذلك، والنحويون يقولون إن الظرف على تقدير في، وإنما فر المصنف من قول النحويين- والله أعلم- لأنه لا يلزمه من ذكر التضمين أن يجمع بين المتضمن والمتضمن، ووجد بعض الظروف لا يتقدر عنده، نحو عندك، فوقع في التضمين الذي يلزم منه بناء الظرف، ولا يلزم من قول النحاة إن الظرف يقدر بفي أنه يجوز دخول في عليه وأنه يتلفظ به، وكم من مقدر لا يلفظ به، نحو الفاعل في اضرب، فإنه مقدر، ونحو الفعل الناصب للمنادى في نحو: يا عبد الله، فإنه مقدر، وكلاهما لا يلفظ به.
وقد ذكر المصنف في مكان آخر أن «المفعول فيه هو ما نصب من اسم زمان أو مكان مقارناً معنى في دون لفظها»، وزعم أن ذكر المقارنة أعم من ذكر تقدير /في؛ لأن من الظروف ما لا تدخل عليه في، كعند ومع، وهما مقارنان لمعناها ما داما ظرفين.
وهذا كله بناء منه على أنه يلزم من تقدير في أن تدخل عليه لفظاً، وقد بينا أن ذلك لا يلزم.
والذي يقطع ببطلان التضمن أنه لو كان كما زعم ما جاز الجمع بين في والظرف؛ لأنه يلزم منه الجمع بين المتضمن والمتضمن، وذلك لا يجوز؛ ألا ترى أن من الشرطية أو الاستفهامية لا يجمع بينهما وبين أداة الشرط ولا أداة الاستفهام، وهذان يجوز الجمع بينهما، تقول: جئتك يوم الخميس، وفي يوم الخميس، وجلست مجلس زيد، وفي مجلس زيد، لا خلاف في ذلك، فدل على بطلان التضمن.
وقوله في الشرح: إن المكان المختص منصوب بدخلت نصب المفعول به لا نصب الظرف.
ونقول: المذاهب في ذلك ثلاثة:

الأول: مذهب س والمحققين أنه منصوب على الظرف تشبيهاً للمكان المختص بالمكان غير المختص.
الثاني: مذهب أبي علي الفارسي ومن ذهب مذهبه أنها متعدية في الأصل بحرف الجر- وهو في- إلا أنه حذف حرف الجر اتساعاً، فانتصب على المفعول به.
الثالث: مذهب الأخفش وجماعة أنه مما تعدى تارة بنفسه وتارة بحرف الجر.
وحجته أنك تقول: دخلت البيت، ودخلت في البيت، ودخلت في أمر فلان, ودخلت أمر فلان, وكثرة ذلك فيها تقضي بكون ذلك فيها أصلين إلا أن يقوم دليل على خلاف ذلك.
وأيضاً لو كان دخل زيد الدار على تقدير إسقاط الحرف لوجب أن يكون أدخلت زيداً الدار على تقدير إسقاطه، وما حكمه كذلك لا يجوز أن يقام مقام الفاعل مع وجود ما ليس كذلك؛ ألا ترى أنه لا يجوز: اختير الرجال زيداً، بل: اختير زيد الرجال، ويجوز: أدخل الدار زيداً، وأدخل فوه الحجر، فدل على أنهما مفعولان صريحان، ليس الثاني منصوباً على إسقاط الحرف.
والجواب عن هذا أن قولهم: أدخل فوه الحجر لا حجة فيه؛ لأنه إنما جاز بعد القلب، والتقدير: أدخل فوه [في] الحجر, وقد ثبت استعمال القلب في أدخل في فصيح الكلام، حكى س عنهم أنهم يقولون: أدخلت القلنسوة في رأسي.

وحجة من ذهب إلى أنه حذف اتساعاً أو تشبيهاً للمختص بالمبهم أن دخلت في معنى غرت، وغرت يتعدى بفي, فوجب أن يعتقد ذلك في دخلت.
وأيضاً فإنهم نقلوه بالهمزة والباء, نحو أدخلته, ودخلت به, وما كان يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف جر كنصح لم يجز نقله, فأما قولهم أجاءه مع أنهم قالوا جئته وجئت إليه فإنما ساغ من جهة أن جاء لازمة, وأن الأصل في جئته جئت إليه.
وأيضاً فتعديها بفي أعم من تعديها بنفسها؛ إذ تعديها بفي يكون في الأماكن وغيرها، وتعديها للمعاني لا يكون إلا بفي, / فدل على أن تعديها بفي هو الأصل، وذلك أن الدخول حقيقة لا يتصور إلا فيما له جوف كالدار والمسجد, وأما المعاني فالدخول فيها مجاز, وحذف حرف الجر مجاز, فكرهوا المجاز في المجاز.
وأيضاً فنقيضها خرج، وخرج لازم, فينبغي أن تكون هي لازمة؛ لأن الشيء يجري مجرى ما يناقضه؛ ألا ترى إلى جوعان وعطشان حملا على نقيضهما شبعان وريان, وقام وابيض لازمان, وقعد واسود كذلك, وجهل ومدح يتعديان, وعلم وذم كذلك.
وأيضاً مصدره الفعول، وفعول في الغالب للازم، وشكور قليل, فينبغي أن يحمل على الكثير.
وأيضاً فجعل دخل مما يكون يتعدى إلى سائر معمولاته على السواء أولى من الاختلاف في التعدي؛ لكونها في الأماكن من قبيل ما تعدى تارة بنفسه وتارة

بحرف الجر؛ وفي المعاني من قبيل ما تعدى بحرف جر, فيكون مرة من باب مررت بالنظر إلى بعض المعمولات, و [مرة] من باب نصحت بالنظر إلى بعضها, ومثل ذلك قليل جداً, لم يجئ منه إلا بعث عند أكثر اللغويين, قالوا: يتعدى بنفسه إذا دخل على ما يصل بنفسه, وبالباء إذا دخل على ما لا يصل بنفسه, تقول: بعثت زيداً, وبعثت بالكتاب, ولا تقول: بعثت بزيد، ولا: بعثت الكتاب؛ لأن زيداً يصل بنفسه, والكتاب لا يصل بنفسه, ولذلك لحن أبو الطيب في قوله: فآجرك الإله على عليل... بعثت إلى المسيح به طبيبا واعتذر عن أبي الطيب بأن العليل صار من الضعف بحيث لا يقدر أن يصل بنفسه.
وظاهر كلام المصنف أن دخل ينصب المكان بعدها انتصاب المفعول به, وليس أصله أن يتعدى بفي، واتسع فيه كما يقول الفارسي، ولا أن أصله أن يتعدى تارة بفي, وتارة بنفسه, كما يقوله الأخفش فيما نقلناه عنه.
وقد نقل عن الأخفش والجرمي أن قوله دخلت البيت مثل هدمت البيت، يعني أنه انتصب نصب المفعول به الصريح.
وقد فصل السهيلي في دخل تفصيلاً لم أر أحداً ذكره غيره, وهو أنه إن اتسع المدخول فيه حتى يكون كالبلد العظيم كان النصب لا بد منه؛ كقولك: دخلت العراق، ويقبح أن تقول: دخلت في العراق, وإن كان كالبئر والحلقة كان النصب بعيداً جداً؛ لأن الدخول قد صار ولوجاً وتقحماً, نحو: دخلت في البئر,

وأدخلت إصبعي في الحلقة، والإبرة في الثوب، وقال: فقس عليه.
وسكت عن المتوسط.
وقياس تفصيله يقتضي أنه يجوز فيه الوجهان: التعدي بنفسه, والوصول بوساطة في.
وأما ما استدل به المصنف من أن المطرد لا يختص بعامل دون عامل, ولا /باستعمال دون استعمال إلى آخره- فكلام صحيح، إلا أن قولهم إن دخل تتعدى إلى كل مكان مختص بنفسها دون وساطة «في» لا ينقض هذا؛ لأن ذلك عندهم جاء على سبيل الشذوذ, والاطراد ما ذكر.
وأما قوله «ولذا قال س بعد أن مثل بقلب زيد الظهر والبطن، ودخلت البيت: وليس المنتصب هنا بمنزلة الظروف؛ لأنك لو قلت: هو ظهره وبطنه, وأنت تريد شيئاً على ظهره وبطنه لم يجز.
هذا نصه» - فلا حجة له في ذلك على أنه ينتصب البيت بعد دخلت نصب المفعول به؛ لأن انتصاب الظهر والبطن ليس على تقدير في, إنما هو على تقدير على, والأصل قلب زيد على ظهره وبطنه, ولذلك قال في امتناع أن ينتصب على الظرف: «إنك لو قلت: هو ظهره وبطنه- وأنت تريد شيئاً على ظهره وبطنه- لم يجز», فجعل المحذوف على, ولم يجعل المحذوف في؛ لأن حذف على ووصول الفعل إلى الاسم المجرور بها فينصبه لا يكون نصبه على الظرف, إنما هو مثل: مررت زيداً، ولا ينقاس ذلك، ولم يمثل س بدخلت, وإنما معنى قوله «وليس المنتصب هنا» أي: في مسألة: قلب زيد الظهر والبطن، ولذلك مثل بقوله: هو ظهره وبطنه, وقد نص س على خلاف ما ادعاه المصنف عليه من أنه ينتصب بعد دخلت انتصاب الظرف، قال س بعد أن ذكر تعدي الفعل إلى اسم المكان وإلى ما اشتق من لفظه اسماً للمكان، ومثل بقوله: ذهبت المذهب البعيد، وجلست مجلساً, وقعدت المكان الذي رأيت, وذهبت وجهاً من الوجوه, قال:

«وقال بعضهم: ذهبت الشام, فشبهه بالمبهم إذ كان مكاناً, وكان يقع عليه المكان والمذهب, وهذا شاذ, ليس في ذهب دليل على الشام, وفيه دليل على المذهب والمكان.
ومثل ذهبت الشام: دخلت البيت» انتهى.
فهذا نص على أن انتصاب البيت بعد دخلت مثل انتصاب الشام بعد ذهبت، والشام ظرف مكان مختص، وقد نص س على الشذوذ في ذهبت الشام؛ إذ وصل ذهبت إلى ظرف مختص, وليس مما اشتق من لفظه، ولا هو من لفظ المكان.
ثم قال: «ومثل ذلك دخلت», أي: مثله في الشذوذ ووصول دخلت إلى البيت, وهو ليس فيه دلالة على البيت؛ إذ ليس البيت مشتقاً من لفظ دخل, ولا هو لفظ المكان.
وقوله «وقد غفل عن هذا الموضع الشلوبين» لم يغفل عنه الأستاذ أبو علي كما زعم المصنف, بل رأى أنه لا حجة فيه.
وقد بينا أنه لا حجة فيه.
وقوله «وهذا عجيب من الشلوبين مع اعتنائه بجمع متفرقات الكتاب وتبيين بعضها ببعض»، ليس هذا بعجيب، بل العجيب غفلة المصنف عن نص /س إن دخلت البيت مثل ذهبت الشام في الشذوذ.
وأما قوله «مع اعتنائه بجميع متفرقات الكتاب» فإن الاعتناء بذلك هو الذي لم يجعله يقول بقول المصنف, ويغتر بما لا دليل فيه, ويترك النص الذي لا يحتمل تأويلاً، وأين المصنف من رجل يقال إنه ختم عليه كتاب س بحثاً ونظراً نحواً من ستين مرة، وأقرأ النحو نحواً من ستين سنة, ورحل إليه الناس من أقطار الأرض, ولم يكن في عصره بل في أعصار قديمة قبل عصره مثله, رحمه الله.

وقوله لواقع فيه مذكور أو مقدر ناصب له يعني أن الناصب له هو واقع فيه، فإذا قلت قمت يوم الجمعة فالقيام واقع في يوم الجمعة، وإذا قلت قمت أمامك فالقيام واقع في الأمام, وهذا العامل مذكور.
والعامل المقدر مثل: زيد أمامك, والقتال يوم الجمعة, فالعامل فيهما كائن أو مستقر، وهو مقدر, وليس ملفوظاً به.
وهذا التقسيم الذي قسمه المصنف في المفعول فيه أنه اسم وقت ومكان لا يصح إلا على مذهب البصريين؛ لأنهم يسمون المفعول فيه ظرفاً.
وأما الكوفيون فلا يسمونه ظرفاً لأمرين: أحدهما: أن العرب لم تسم اسم المكان ولا اسم الزمان في موضع من كلامها بالظرف.
والآخر: أن الظرف في اللغة اسم الوعاء, قالوا: والأوعية متناهية الأقطار, محاط بنواحيها، نحو الجراب والعدل, واسم المكان الذي يسمونه ظرفاً ليس متناهي الأقطار, نحو: زيد خلفك، وأمامك؛ ألا ترى أنه إذا كان كذلك لم ينتصب على الظرف، تقول: زيد في داره, وزيد في الحمام, ولا تقول زيد داره، ولا: زيد الحمام.
ولا يلزم ما ذكروه؛ إذ لا مشاحة في الاصطلاح، مع أنه إنما يسمى ظرفاً على سبيل المجاز تشبيهاً بالظرف الحقيقي من جهة اشتماله على الفعل، كما سمي بالزمام الكتاب لضبط ما فيه كما تضبط الدابة بالزمام.
وسمى الفراء وأصحابه المفعول فيه محلاً.
والكسائي ومن أخذ بقوله يسمون الظروف صفات.
ولا مشاحة في الاصطلاح.

وقد ذكر أصحابنا ظرف الزمان, فقالوا: هو اسم الزمان، نحو سرت اليوم، أو عدده، نحو: سرت عشرين يوماً، أو ما قام مقامه مما حذف قبله اسم الزمان وكان مضافاً إليه قبل حذفه، نحو: سرت قدوم الحاج، أي: وقت قدوم الحاج، وخفوق النجم، أي: وقت خفوق النجم، ونحو: لا آتيك معزى الفزر، ولا آتيك القارظ العنزي, أي: زمن تفرق معزى الفزر، وزمن فقد القارظ العنزي، أو كان صفة له، نحو: مشى عليه طويلاً, أي: زماناً طويلاً، فيجوز ذلك في صفة الظرف وإن لم تكن خاصة به ولا من الصفات التي استعملت استعمال الأسماء؛ كما جاز ذلك في الصفة المنتصبة على الحال أو ما شبه به، نحو قولهم: أحقاً /أنك قائم، قال: ألا أبلغ بني جشم رسولاً... أحقا أن أخطلكم هجاني وقولهم: أالحق أنك قائم؟ قال عمر بن أبي ربيعة: أالحق أن دار الرباب تباعدت... أو انبت حبل أن قلبك طائر

فأن في موضع مبتدأ، وحقاً والحق ظرف لأنه في تقدير في.
ويدل على الابتداء أنهم إذا أبدلوا من أن أتوا بالمصدر بدل أن ورفعوه، قال: أحقا عباد الله جرأة محلق... علي، وقد أعييت عاداً وتبعا والدليل على أن حقا منصوب على تقدير «في» تصريحهم بها في بعض الأماكن، قال: أفي حق مواساتي أخاكم... بمالي، ثم يظلمني السريس وفي التصريح بـ «في» دليل على بطلان ما ذهب إليه أبو العباس في قولك: أحقا أنك قائم، من أن قولك أنك قائم في موضع رفع على الفاعلية.
والصحيح ما ذهب إليه س من أن انتصابه على الظرف، وما بعده مبتدأ، فحق ليس اسم زمان، ولا عدده, ولا قائم مقامه, وإنما هو مشبه به من جهة أنه اسم معنى, كما أن اسم الزمان اسم معنى, وأنه مشتمل على المحقق كاشتمال الزمان على ما وقع.
ويدل على أنه سلك به مسلك الزمان وقوعه خبراً عن المصادر لا عن الجثث.
ومثل حقا أنك قائم قولهم: غير شك أنك قائم، وجهد رأيي أنك قائم, وظنا مني أنك قائم.
وهذا النوع استعماله ظرفاً موقوف على السماع.
أو ما أضيف إليه بشرط أن يكون إياه في المعنى, نحو: سرت جميع اليوم, أو بعضه, نحو: سرت بعض اليوم.
وشرط أن يكون على تقدير في, واحترز بذلك من أن يكون مرفوعاً أو مخفوضاً أو منصوباً على غير تقدير في, فإنه لا يكون ظرفاً.

وذكروا أيضاً ظرف المكان, فقالوا: هو اسم المكان, نحو: خلفك وأمامك.
أو عدده, نحو: عشرين ميلاً.
أو ما قام مقامه: إما صفته, نحو: قعدت قريباً منك وأمامك, وإما ما كان الظرف مضافاً إليه, نحو: تركته بملاحس البقر أولادها، فملاحس مصدر بدليل نصب أولادها به، وهو هنا ظرف مكان، تقديره: مكان ملاحس.
أو ما شبه به، نحو: زيد فوق عمرو في الشرف, ودون زيد في العلم, فليسا اسمي مكان, ولكنهما شبها بفوق ودون المكان.
من ذلك ما حكاه الأخفش من قول العرب: هم هيئتهم، فنصب على أنه ظرف مكان على تقدير في، أي: هم في هيئتهم، والهيئة ليست مكاناً, لكنها شبيهة بالمكان لاشتمالها على ذي الهيئة كاشتمال المكان على ما يحل فيه.
ويدل على أنها ظرف مكان وقوعها خبراً عن الجثث, وهذا النوع يحفظ, ولا يقاس عليه.
وما أضيف إليه بشرط أن يكون إياه في المعنى نحو: سرت /جميع الميل, أو بعضه, [نحو]: سرت نصف الميل.
وشرط أن ينتصب على تقدير «في» احتراز من رفعه أو جره أو نصبه لا على تقدير في، فإنه لا يكون ظرفاً.
وقوله ومبهم الزمان ومختصه لذلك صالح أي: للظرفية صالح, فيتعدى إليه الفعل, وينصبه نصب الظرفية, والسبب في جواز تعدي الفعل إلى جميع ظروف الزمان قوة دلالته عليها, كما أن السبب في تعديه إلى جميع ضروب المصادر قوة

الدلالة عليها من حيث يدل عليها من جهة المعنى واللفظ؛ فالفعل يدل على المصدر بلفظه لتضمنه حروفه, ويدل على الزمان بلفظه من حيث إن الزمان إنما يتبين من صيغة الفعل.
وفي البسيط: «حكي عن الكوفيين أنهم لا ينصبون المكان المطلق عن الفعل, فيقتضي القياس ذلك في الزمان, فلا تقول: قمت زماناً؛ لأنه مفهوم من الأول, فلا فائدة فيه, فإذا نصبت خصصت بالوصف.
وذهب بعض النحويين إلى أن ما كان من الظروف معطياً غير ما أعطى الفعل- كالظروف المعدودة والموقتة- فنصبها نصب المفعول, على تقدير نيابتها عن المصدر، كأنه قال: سرت سيراً مقدراً بيومين, ونحوه؛ لأنه لا دلالة للفعل عليه.
وقيل: هو بمنزلة: ضربته سوطاً, أي: سير يومين, فحذف.
والصحيح أنه تعدى إليه بعد حذف الجار, فنصبه، وهو في جميع أنواع الظروف الزمانية مبهماً وغير مبهم» انتهى ملفقاً.
وقال أيضاً ما معناه: «ينتصب المبهم على جهة التأكيد المعنوي؛ لأنه لا يريد على دلالة الفعل، بل دلالة الفعل أخص منه، ومن التأكيد ما جاء بعد فعل مخصص بزمان, نحو: ظللت نهاراً، وبت ليلاً، ومنه ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾؛ لأن الإسراء لا يكون إلا بالليل, ولا ينكر التأكيد في الظرفين كما لا ينكر في المصدر والحال» انتهى.
وهذا التقسيم الذي ذكره المصنف في الزمان إلى مبهم ومختص هو الصحيح.
وقسمه بعضهم إلى مبهم ومعدود ومختص، فجعل المعدود قسيم المبهم والمختص، وهو في الحقيقة قسم من المختص.

جارٍ التحميل