التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 216-255

فأما قول الشاعر: عدو عينيك وشانيهما أصبح مشغول بمشغول وقول الآخر: أعاذل قولي ما هويت, فأوبي كثيرًا أرى أمسى لديك ذنوبي فأجاز أبو علي أن تكون فيه أصبح وأمسى زائدتين.
وأجاز بعض النحويين زيادة "أضحى" وسائر أفعال هذا الباب وكل فعل غير متعد من غير هذا الباب إذا لم ينقض المعنى, فأجاز: ما أضحى أحسن زيدًا وزيد أضحى قائم, واستدل على ذلك بأن العرب قد زادت الأفعال في نحو قوله: فاليوم قربت تهجونا, وتشتمنا فاذهب, فما بك والأيام من عجب ولم يرد أن يأمره بالذهاب, وقولهم: فلان قعد يتهكم بعرض فلان, المعنى: فلان يتهكم, وقول الشاعر:

على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد المعنى: على ما يشتمني.
والصحيح أن ذلك لا يجوز لاحتمالين التأويل, ولو جاء مكان لا يحتمل التأويل قيل بزيادته حيث ثبت, ولا يقاس عليه.
وقوله ومضارع كان قال المصنف: "شذت زيادة "تكون" في قول أم عقيل بن أبي طالب: أنت تكون ماجد نبيل إذا تهب شمأل بليل وأجاز الفراء زيادة "يكون" بين أفعل و"ما" في التعجب, نحو: ما يكون أطول هذا الغلام ولفظه يشعر بأنه مسموع لأنه قال: وقد يقال في المستعمل: ما يكون أطول هذا الغلام ويشهد لقوله قول رجل من طيئ: صدقت قائل ما يكون أحق ذا طفلًا ببذ ذوي السيادة يافعا قال الفراء: وأخوات "كان" تجري مجراها".
وزيادة "يكون" ينبغي أن تحمل على الشذوذ لأن صاحب البسيط ذكر الاتفاق على أن زيادتها لا تكون إلا بلفظ الماضي, فلا ينبغي أن يقاس إلا على ما وقع الاتفاق عليه.
وقوله و"كان" مسندة إلى ضمير ما ذكر مثاله قول الشاعر:

فكيف إذا مررت بدار قوم وجيران لنا كانوا كرام قال المصنف: "لا يمنع من زيادتها إسنادها إلى الضمير, كما لم يمنع من إلغاء ظن إسنادها في نحو: زيد ظننت قائم, هذا مذهب س" انتهى.
وهذا الذي ذهب إليه المصنف في هذا البيت هو مذهب س - كما ذكر - والخليل.
وذهب أبو العباس وأكثر النحويين إلى أنها ليست زائدة, بل كانوا: كان واسمها, ولنا: في موضع خبرها, والجملة في موضع الصفة لجيران, وكرام: صفة بعد صفة, وصار نظير قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) وقول امرئ القيس: وفرع يغشي المتن أسود فاحم......................... ورد ذلك الزجاج وابن شقير, وقالا: اللام للملك, ولم يرد أن الجيران كانوا ملكه, وإنما يريد: وجيران لنا.

وقال الفارسي في التذكرة: "كان في هذا البيت لغو, لأن "لنا" قد جرى صفة على الموصوف, فلا يقدر فيه الانتزاع من موضعه كما لم يجز في قوله: "مررت برجل معه صقر صائدًا به", لأن "معه صقر" صفة لرجل".
قال أبو علي: "فإن قلت: كيف تلغى "كان" وقد عملت في الضمير؟ قلنا: تكون لغوًا, والضمير الذي فيها تأكيد لما في "لنا" لأنه مرتفع بالفاعل, ألا ترى أنه لا خبر له.
قال: فإن قيل: كيف جاز أن تلغيه وقد عمل؟ قلنا: لا يمتنع إلغاؤه وإن عمل, ألا ترى انك تلغي ظننت الجملة بأسرها وقد عمل ما تلغيه في الاسم, وكذلك يجوز أن تلغي "كان" وحدها في قوله: "وجيران لنا كانوا كرام" كما جاز أن تلغي الجملة بأسرها في ظننت, وجاز إلغاء "كانوا" لأنه لم يقع أولًا, وإنما وقع بين صفة وموصوف, فجاز إلغاؤه كما جاز إلغاؤه لما كان بين الخبر والمخبر عنه".
وقال أبو علي في غير التذكرة: "إنما قيل في "كان" هنا إنها زائدة, كأنهم لم يستجيزوا أن يجعلوا "لنا" خبر "كان", فيقدروا به غير موضعه وقد جرى صفة على "جيران".

قال: ومما يؤكد ذلك أن الشيء إذا احتمل حمل على الأقوى والأقرب لئلا يقع لبس, كقولك: ضربت جالسًا زيدًا, فجعلك "جالسًا" حالًا من التاء هو الوجه لا من "زيد", ويؤكد ذلك أنك إذا جعلت "كان" غير زائدة كنت قد فصلت بين الصفة والموصوف بجملة, وذلك ضعيف, وأيضًا فإنه إذا كان للشيء صفتان مفردة وجملة كان تقديم الصفة المفردة أولى".
واحتج أبو الفتح للخليل بأن قال: "وجه زيادتها في هذا البيت أن يعتقد أن الضمير المتصل وقع موقع المنفصل, والضمير مبتدأ, و"لنا" الخبر, ولكنك لما وصلت أعطيت اللفظ حقه, ولم تعتقد أن الواو مرفوعة بكان" انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "أصل المسألة: وجيران لنا هم كرام, فـ"لنا" في موضع الصفة, وهم: فاعل بـ"لنا" على حد: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدا, لأن س نص على أن صقرًا مرفوع بـ"معه", لأنه لو قدم خبرًا لصقر كانت النية به التأخير, إذ النية في الخبر أن يكون بعد المبتدأ, وإذا كان صفة, وصقٌر مرفوع به, كان في موضع لا ينوي به التأخير, واللفظ إذا أمكن أن يكون في موضعه لم يجز أن ينوي به الوقوع في غير موضعه, ثم زيدت "كان" بين "لنا: و"هم" لأنها تزاد بين العامل والمعمول, فصار: لنا كان وهم, ثم اتصل الضمير بكان وإن كانت غير عاملة فيه, لأن الضمير قد يتصل بعير عامله في الضرورة, نحو قوله:

.............. أن لا يجاورنا إلاك ديار والأصل: إلا إياك، وإذا كان يتصل بالحرف فالأحري أن يتصل بالفعل" انتهي.
وهذه التخريجات كلها متكلفة.
والذي نختاره في البيت أن "كانوا" و"لنا": كان واسمها وخبرها، ومعني اللام الاختصاص، والجملة في موضع الصفة، وإطلاق الخليل وس عليها أنها زائدة لا يعنيان بالزيادة ما فهم النحويون عنهما، إنما أرادا بالزيادة أنه لو لم تدخل هذه الجملة بين "جيران" و"كرام" لفهم أن هؤلاء القوم كانوا جيرانه فيما مضي، وأنه قد فارقهم، فالجيرة كانت في الزمان الماضي، فجئ بقوله: "كانوا لنا" علي هذا المعني، لا يستفاد بها إلا تأكيد ما فهم من المضي قبل دخولها، فأطلق عليها الخليل الزيادة بهذا المعني لا بمعني أنها زيدت كزيادة: ما كان أحسن زيدا! ولا كزيادة: ........................ علي كان المسومة العراب ويدل علي أنه يصف حالا ماضية قوله قبل هذا البيت: هل انتم عائجون بنا لعنا... نري العرصات أو أثر الخيام فهذا يصف حالة الأحباء التي مضت وانقضت.
ولا يمتنع أيضا أن يكون قوله: "كانوا" التامة، ويكون على حذف

مضاف، أي: وجدت جيرتهم في الزمان الماضي وحدثت، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فقيل: كانوا، وتكون الجملة صفة، ويكون معني الزيادة علي ما قررناه لا علي ما فهمه النحويون حتي احتاجوا في تصحيح كلام الخليل إلي تلك التمحلات والتكلفات، وكلامهم في ذلك يمكن رد أكثره، ولا كبير فائدة في نقضه، فضربنا عن ذلك صفحا إذ قد طال الكلام في هذا البيت.
وقوله وبين جار ومجرور مثاله: /سراة بني أبي بكر تساموا... علي كان المسومة العراب هكذا أنشده أصحابنا.
وأنشده المصنف: "علي كان المطهمة الصلاب".
وكان ينبغي للمصنف أن لا يطلق فيقول "وبين جار ومجرور"، بل كان يقول "وبين علي ومجرورها"؛ لأنه لا تحفظ زيادتها في غير هذا البيت بين جار ومجرور، وزيادتها بينهما شاذة، لا يقاس عليها.
وقوله وتختص "كان" أيضا بعد "إن" أو "لو" بجواز حذفها مع اسمها إن كان ضمير ما علم من غائب أو حاضر الإضمار هنا جائز لا واجب, قال س: "وإن شئت أظهرت بالفعل".
ومثاله مع الغائب قوله: قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا... فما اعتذارك من قول إذا قيلا

وقوله: انطق بحق وإن مستخرجا إحنا... فإن ذا الحق غلاب وإن غلبا وقول الآخر: لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السهل والجبل التقدير: وإن كان مستخرجا، أي: وإن كان الحق.
ولا يتعين أن تكون "كان" هنا مسندة إلي ضمير غائب، بل يصح أن يكون مسندا لضمير المخاطب، أي: وإن كنت مستخرجا بالحق إحنا.
والتقدير في لو: ولو كان ملكا، أي: ولو كان ذو البغي ملكا.
ومثاله مع الحاضر قول الشاعر: حدبت علي بطون ضبة كلها... إن ظالما فيهم وإن مظلوما وقول الآخر: لا تقربن الدهر آل مطرف... إن ظالما فيهم وإن مظلوما

وقول الآخر: وأحضرت عذري عليه الشهو... د، إن عاذرا لي وإن تاركا التقدير: إن كنت ظالما، وإن كنت ظالما، وإن كنت عاذرا، يريد الأمير المخاطب.
وقال الشاعر في "لو": علمتك منانا، فلست بآمل... نداك، ولو غرثان ظمآن عاريا والحاضر: يشمل المتكلم والمخاطب.
ويتعين النصب في هذه المثل لأنها خبر "كان".
ويجري مجري "لو" غيرها من الحروف الدالة علي الفعل إذا تقدم ما يدل عليه، نحو "هلا" و"ألا"، لكنه ليس بكثير الاستعمال، وتقول: ألا طعام ولو تمرا، وائتني بدابة ولو حمارا، يجوز النصب، أي: ولو يكون الطعام تمرا, والرفع, أي: ولو يكون عندكم تمر,/ وعلي الفعل التام, أي: ولو سقط تمر أو وجد تمر، والأحسن ما كان عند الظهور أحسن, وهو "كان", والأحسن منها ما نصب, وقد يقبح غير النصب إذا كان بعدها صفة لا تستعمل وحدها، كقولك: ألا ماء ولو باردا، يقبح الرفع لأنك لو قلت: "جاءني بارد" تريد ماء لم يكن.
وقد جروا في هذه بدون الجار، ويقبح في "بارد" لأنه يقبح فيه بوجوده.
وقالوا: ادفع الشر ولو إصبعا، أي: ولو كان إصبعا،

أي: قدرُه إصبعًا، وعلي الفعل التام، أي: ولو دفعته إصبعا، والرفع علي معني: ولو كان في قدره إصبع، أي: ولو وقع إصبع، أي: قدر إصبع.
وقوله فإن حسن مع المحذوفة بعد "إن" تقدير "فيه" أو "معه" أو نحو ذلك جاز رفع ما وليها مثاله "الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر"، و"المرء مقتول بما قتل به، إن سيفا فسيف، وإن خنجرا فخنجر".
فانتصاب خيرا وشرا وسيفا وخنجرا علي تقدير: إن كان العمل خيرا أو شرا، وإن كان المقتول به سيفا أو خنجرا.
وارتفاعها علي أنها اسم "كان"، أي: إن كان في أعمالهم خير، وإن كان في أعمالهم شر، وإن كان معه سيف، أو كان معه خنجر.
ويجوز ارتفاعه علي أنه فاعل بـ"كان" التامة.
وقوله وإلا تعين نصبه أي: وإلا يحسن تقدير "فيه" أو "معه" أو نحو ذلك تعين النصب علي أنه خبر "كان" المحذوفة، قال سيبويه: "مثال ذلك مررت برجل إن طويلا وإن قصيرا، وامرر بأيهم أفضل إن زيدا وإن عمرا، ومررت برجل قبل إن طويلا وإن قصيرا، لا يكون في هذا إلا النصب؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: إن كان فيه طويل، أو إن كان فيه زيد، ولا يجوز علي: إن وقع.
ومثل ذلك: مررت برجل إلا صالحا فطالح، ومن العرب من يقول: إلا صالحا فطالحا" انتهي.
وقدره س: إلا يكن صالحا فقد لقيته طالحا، فنصب طالحا علي الحال.
وقوله وربما جر مقرونا بـ (إلا) أو بـ "إن" وحدها إن عاد اسم "كان" إلي مجرور بحرف قال المصنف في الشرح: "وحكي يونس: إلا صالح

فطالح، والتقدير: إلا أمر بصالح فقد مررت بطالح، وأجاز: امرر بأيهم أفضل إن زيد وإن عمرو، علي تقدير: إن مررت بزيد وإن مررت بعمرو.
وجعل س إضمار الباء بعد إن هذه أسهل من إضمار رب بعد الواو" انتهي.
وليس أسهل إلا باعتبار ما، وإلا فباب واو "رب" أقوى لأن الخافض قد جعل عوضا منه الواو، فكأنها الخافضة، وإنما اعتبر س هنا قوة هذا في أنه فعل، وذلك حرف، وإلا فذاك مطرد، وهذا لا يقال منه إلا ما سمع.
قال س: "وزعم يونس أن من العرب/ من يقول: "إلا صالح فطالح" علي: إلا أكن مررت بصالح فبطالح، وهذا قبيح ضعيف لأنك تضمر بعد إلا فعلا آخر غير الذي تضمر بعد إلا في قولك: إلا يكن صالحا فطالح.
ولا يجوز أن يضمر الجار، ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شبهوه بغيره من الفعل، وكان هذا عندهم أقوي إذ أضمرت رب ونحوها في قولهم: وبلده ليس بها أنيس............................... ومن ثم قال يونس: امرر علي أيهم أفضل إن زيد وإن عمرو، يعني: إن مررت بزيد أو مررت بعمرو" انتهى.

وهذا الذي أجاز يونس ليس مذهبنا، إنما قاسه يونس علي: إلا صالح فطالح، وليس موضع قياس للكلفة التي فيه مع إضمار ما يجر.
وتقدير المصنف فيما حكي يونس من قول بعض العرب "إلا صالح فطالح" مخالف لتقدير س؛ لأن المصنف قدره: إلا أمر بصالح فقد مررت بطالح، وقدره س: إلا أكن مررت بصالح فبطالح, وتقدير س هو الصواب لأنه مبني علي قوله: مررت برجل إلا بصالح فبطالح، فهو مبني علي ماض، فتقديره بـ"إلا أكن مررت" مطابق لما قبله؛ بخلاف "إلا أمر", فهذا مستقبل، فلا يناسب هذا التقدير.
وأيضا فتقدير س يقضي بأن المحذوف هو "يكن"، وهي المعهود حذفها بعد "إن"، بخلاف "أمر".
وقال أبو الفضل البطليوسي في شرح كتاب س لما قدر س "إلا أكن مررت" فأضمر فعلين: "فإن قلت: ما دعاه إلي هذا التكليف؟ وهلا أضمر فعلا واحدا، فقدر: إلا أمر بصالح؟ قلت: لابد من إضمارهما؛ ألا تري أنه يصير الماضي بعد إن مستقبلا، وأنت إذا قلت "إلا أمر" نقضت المعني؛ فإنك قد قلت: مررت برجل صالح، ثم تقول: إلا أمر بصالح فيما أستقبل، وإنما المرور واقع، فلابد من إضمار الكون، فتقول: إلا أكن فيما يستقبل موصوفا بكوني مررت بصالح فأنا قد مررت بطالح، فلما كثر الإضمار، وكان إضمار الجار بعد، ضعفه س، فقال: لأنك تضمر بعد إلا فعلا آخر غير الذي تضمره بعد إلا في: إلا يكن صالحا".
وقوله وجعل ما بعد الفاء إلي قوله أو حالا مثال تقديره خبر مبتدأ: فالذي يجزون به خير.
ومثال تقديره خبر "كان" مضمرة: كان الذي يجزي به خيرا.
ومثال تقديره مفعولا بفعل لائق: فهو يجزى خيرا، أو فهو يعطي خيرا.
ومثال تقديره حالا: فهو يلقاه خيرا.

وقوله وإضمار "كان" الناقصة قبل الفاء أولي من التامة قال المصنف: "وسبب ذلك أن إضمار الناقصة مع النصب متعين، وهو مع الرفع ممكن، فوجب ترجيحه ليجري الاستعمالان علي سنن واحد، ولا يختلف العامل، ولأن الفعل التام إذا أضمر بعد إن الشرطية لا يستغني عن مفسر، نحو ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ/ اُلْمُشْرِكِيِنَ اسْتَجَاَرَكَ﴾، فخولف هذا في كان الناقصة لوقوع ثاني جزأيها موضع المفسر، ولأنها توسع فيها بما لا يستعمل في غيرها، فمقتضي الدليل أن لا تشاركها التامة في الإضمار المشار إليه، لكن أجيز فيها لشبهها بالناقصة، فلا يستويان في التقدير" انتهي.
والذي بدأ به س في تركيب "إن خيرا فخير" نصب الأول ورفع الثاني، ثم قال: "ومن العرب من يقول: إن خيرا فخيرا".
ثم ذكر أن رفعهما عربي حسن، نحو: إن خير فخير.
وذكر النحويون هذه الأوجه، وزادوا: "إن خيرا فخيرا" برفع الأول ونصب الثاني، قالوا: وأحسن الوجوه إن خيرا فخير، ثم إن خير فخير، ثم إن خيرا فخيرا، ثم إن خير فخيرا.
فالأولي أضمرت "كان" واسمها بعد إن.
وأضمرت "كان" من بين سائر الأفعال لأنها يعبر عن كل فعل، وكثيرا ما تستعمل، ولما كان الفعل والفاعل كالشيء الواحد كنا كأنا أضمرنا شيئا واحدا، ورفع الثاني بإضمار مبتدأ هو الخبر، فقد أضمرت ما أظهرت، والموضع للجملة الاسمية، فلهذا كان هذا الوجه المختار.

وأما عكسها فإنك تضمر في الأول "كان" وخبرها، فيكثر الإضمار, وتضمر في الثاني مع المبتدأ ما ينصب "خيرا", فيكثر الإضمار، والتقدير: إن كان في عمله خير فهو يجزي خيرا، ولا يصح أن تقول: "فيجزى خيرا" لأن الفاء إنما يؤتي بها بالجمل الاسمية، ولأجلها دخلت الفاء، فكان هذا أردأ الوجوه، وهو الوجه الذي لم يذكره س. وأما نصبهما ورفعهما فزعم الأستاذ أبو علي أنهما متكافئان لأن ما في نصب الأول من الحسن يقابله قبح رفعه، وما في نصب الثاني من القبح يقابله حسن رفعه.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: هذا خطأ لأن أحسن الحسنين اللذين هما نصب الأول من "إن خيرا فخيرا" ورفع الثاني من "إن خير فخير" رفع الثاني؛ لأن إضمارا كإضمار، ويفضل الرفع لأنك أضمرت ما أظهرت، ففضل حسنه حسن نصب الأول، ولأن أقبح القبيحين نصب الثاني لأن فيه إضمار كلام، وفي رفع الأول إضمار جزء الكلام.
وتضمر "كان" في الشرط الصريح المحض، تقول: أنا أفعل هذا إلا معينا لي فلا مفسدا علي، أي: إلا تكن معينا لي فلا تكن مفسدا، ويجوز الرفع إذا صح المعني، ومنه في المثل "إن لا حظية فلا ألية"، قالته امرأة لزوجها لم تحظ عنده، ولم تقصر هي في الخدمة، كأنها قالت: إن لا تكن لك في النساء حظية، أي: أنت ممن لا تحظي عنده امرأة لأن طبعك لا يلائم طباعهن، فإني غير مقصرة فيما يلزمني من خدمة الزوج.
ولو نصبت "حظية" لجاز، لكنها لم تعن نفسها حال الرفع لأنه أعم،/ وهو عزاءٌ لها

في ذلك إذ ليس من شأنه، يقال: ألوت أي: قصرت، فأنا آل وألي، فألية تأنيث ألي.

-[ص: وربما أضمرت الناقصة بعد "لدن" وشبهها، والتزم حذفها معوضا منها "ما" بعد "أن" كثيرا، وبعد "إن" قليلا.
ويجوز حذف لامها الساكن جزما، ولا يمنع ذلك ملاقاة ساكن وفاقا ليونس.
ولا يلي عند البصريين "كان" وأخواتها غير ظرف وشبهه من معمول خبرها، واغتفر ذلك بعضهم مع اتصال العامل، وما أوهم خلاف ذلك قدر فيه البصريون ضمير الِشأن.]-

ش: مثال إضمار كان الناقصة بعد "لدن" قول الشاعر: من لد شولا فإلي إتلائها الشول: هي التي ارتفعت ألبانها من النوق، قال أبو زيد: يقال شولت تشويلا.
وقال كراع: واحدها شائلة، وواحدة الشول التي تشول بأذنابها شائل.
وقدره س والجمهور: من لد أن كانت شولا، قال المصنف: "وعندي أن تقدير أن مستغني عنه، كما يستغني عنها بعد مذ" انتهي.
والذي حمل عليه أصحابنا كلام س أنه تفسير معني لا تفسير إعراب،

والمعنى: من لد كانت شولا، ولا يقدر: من لد أن كانت، ولا: من لد كونها؛ لأنه لا يجوز حذف بعض الموصول وإبقاء بعضه، وقد منع س من ذلك في قوله: ............................................... إلا الفرقدان قال: "ولا يكون علي: إلا أن يكون الفرقدان؛ لأن الاسم الذي من تمامه هذا لا يحذف" انتهي.
والمعني: من لد كونها شولا إلي إلقاحها فإلي إتلائها، ولذا أتي بالفاء ليحمل شيئا علي شيء، ولولا ذلك لم يجز دخول الفاء؛ ألا تري أنه لا يجوز: خرجت من الدار فإلي المسجد.
وإتلاؤها هو أن يتلوها ولدها ويتبعها.
ويروى: من لد شول، فقيل: هو علي حذف، أي: من لد شولان شول، وقيل: شول المصدر.
وقوله وشبهها شبه "لدن", قال المصنف: "قول الشاعر: أزمان قومي والجماعة كالذي لزم الرحالة أن تميل مميلا أراد: أزمان كان قومي مع الجماعة كالذي لزم الرحالة، كذا قال س".

وقوله والتزم حذفها معوضا منها "ما" بعد "أن" كثيرا مثال ذلك قول الشاعر: أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع وقول الآخر: إما أقمت وأما أنت مرتحلا فالله يكلأ ما تأتي وما تذر وقال س: "أما زيد ذاهبا ذهبت معه", والتقدير: أن كنت ذا نفر, [2: 84/أ] وأن/ كنت مرتحلا، فانفصل الضمير لأنه إذا حذف العامل انفصل الضمير الذي كان مع إثباته متصلا، نحو قو الشاعر: وإن هو لم يحمل علي النفس ضيمها... فليس إلي حسن الثناء سبيل وكذلك: أن كان زيد ذاهبا ذهبت معه، ولما حذف "كان" عوض منها "ما".
والدليل علي أنها عوض من "كان" أنهما لا يجتمعان، فلا يقال: أما كنت منطلقا.
و"أن" هذه مفتوحة، وهي في موضع نصب- بعد إسقاط حرف جر- مفعولا ما أجله، أو في موضع جر علي الخلاف الذي فيه.
ولما كانت

"ما" عوضاً من "كان" المحذوفة لم يجز حذفها، فلا يقال: أن أنت منطلقا.
والمرفوع بعد "أما" اسم "كان" المحذوفة، والمنصوب خبرها.
وزعم أبو علي وابن جني أن "ما" هي الرافعة الناصبة، لما كانت عوضا زادوها لما استقبحوا أن تلي "أن" الأسماء، وصارت عوضا من الفعل، فنابت منابه في العمل، ويريانه مذهب س، وإنما تكلم علي حكم الأصل.
وذهب الكوفيون إلي أن "أن" هذه أداة شرط كـ"إن" المكسورة الهمزة.
وجوز حذف الفعل في المذهبين العلم بأن "أن" لا يقع بعدها إلا الأفعال، إما لأنها هي المخلصة للاستقبال علي رأي، وإما لأنها للجزاء علي رأي.
وقد اتفقوا علي أنك إن حذفت "ما" وأتيت بالفعل أنها مكسورة، وهي غير "إن" عند البصريين، ولا تكون بمنزلتها إلا عند الكوفيين، فلا يبعد فتحها، ويختار كسرها.
وقد استدلوا علي أنها شرط بقوله: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْداهُمَا﴾،

ولذلك دخلت الفاء في الجواب، وأما قوله: إما أقمت، وأما أنت مرتحلا.......................... فكسر مع الأول وفتح لظهور الفعل، وفتح الثاني مع عدمه.
وصح عطف أحدهما علي الآخر لأنه في معني الشرط كالأول، وهو شرط علي رأي الكوفيين.
وهل يصح الكسر مع عدم الفعل ووجود "ما"؟ فقال س: "حذف الفعل لا يجوز هنا كما لم يصح ثم إظهاره" يريد في المفتوحة، وقد يقال: لا يبعد علي رأي الكوفيين.
وزعم أبو العباس أنه يجوز إظهار الفعل مع المفتوحة، وتجعل "ما" زائدة, فتقول: أما كنت منطلقا انطلقت معك.
والصحيح أنه لا يجوز ذلك لأنه كلام جري مجري المثل، والأمثال وما يجري مجراها تقال كما سمعت، ولا يطرد فيها قياس، وليس هذا الموضع من مواضع قياس زيادة "ما".
وقوله وبعد "إن" قليلا مثاله قول العرب: افعل ذلك إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره.
ومثله قول الراجز: أمرعت الأرض لو أن مالا... لو أن نوقا لك أو جمالا أوثلة من غنم إما لا أي: إن كنت لا تجد غيرها، و"ما" عوض من الفعل.
ولا يحذف الفعل مع المكسورة معوضا منه "ما" إلا في هذا، فلو

قلت: "إما كنت منطلقا انطلقت معك" فـ"ما" ليست بعوض، ولا تحذف "كان" وتكون "ما" عوضا، فلا تقول: إما أنت منطلقا انطلقت معك, كما لا يجوز إظهار الفعل مع المفتوحة.
ومثله حذفهم الفعل في قولهم: "آثرا ما" يريدون: آثرا افعل كذا، أي: افعله أول شيء، فأبدلوا منه "ما" لكثرة الاستعمال، وهو شاذ لا يقاس عليه.
وفي البسيط ما ملخصه: وأما ما يجب فيه الحذف ففي باب الاشتغال وفي موضعين يعوض منها: أحدهما بعد "أن", يعوض منها "ما"، نحو: أما أنت منطلقا انطلقت معك.
والثاني في "أما" التحقيقية في قولك: أما زيد فقائم، فإن الفعل محذوف للنيابة، ويصح تأويله بـ"كان" الناقصة، فإن أبقينا بعض معمولاتها كان من هذا الباب كقولك: أما قائما فزيد قائم، أي: مهما يكن شخص قائما فزيد قائم.
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: قال س: "إما لا".
يقول الرجل: أنا لا أقدر علي فعل كذا وكذا، فيقال له: إما لا فافعل، أي: إن كنت لا تفعل كذا فافعل كذا، وصار الفعل لا يظهر، ودل عليه وعلي الفعل في المسألة التي قبله أن الكلام لا يقال إلا علي معني ما.
وقوله ويجوز حذف لامها الساكن جزما يشما المضارع بجميع

حروف المضارعة, فالهمزة ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾, والنون ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾, والتاء ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾, والياء ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾.
ويشمل مضارع الناقصة والتامة, فالناقصة ذلك فيها كثير لكثرة تصرفها في الكلام, والتامة يقل فيها ذلك كقراءة من قرأ: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا﴾ برفع التاء.
وحذف النون شاذ في القياس لأنها من نفس الكلمة نحو النون من لم يصن ويهن, لكن سوغه كثرة الاستعمال وشبه النون بحروف العلة, فكأنهم جددوا له جزما, وتنوسي الجزم القياس لما قدروا كثرة استعماله بالنون, فكأنه لم يحذف منه شيء للجزم, فجددوا عليه الجزم, وجعلوا النون كأنها حرف مد, ولذلك لم يحذفوها من هذا اللفظ إلا في موضع لا تجب لها الحركة فيه؛ لأن الشبه إنما هو من أجل الغنة التي تلحقها بعد خروجها من مخرجها من اللسان, وإنما تتبين لها تلك الغنة منها عند سكونها, فإذا تحركت ضعفت, فضعف الشبه, فلم تحذف في مثل ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ﴾ إلا أن تضم ضرورة إلي حذفها, كقوله: لم يك الحق علي أن هاجه.....................................

وقد أطلق المصنف/ في موضع التقييد, وهو أنه لا يجوز حذف النون إذا اتصل بها خبرها ضميرا متصلا, نحو: أنت الصديق فإن لم تكنه فمن يكونه, فلا يجوز أن تقول "فإن لم تكه" لأن الضمير يرد الشيء إلي أصله, كما رد نون "لد" إذا أضيفت إلي الضمير, فقيل: "لدنه", ولا يجوز "لده".
وقوله ولا يمنع من ذلك ملاقاة ساكن وفاقا ليونس قال المصنف في الشرح: "وبقوله أقول؛ لأن هذه النون إنما حذفت للتخفيف, وثقل اللفظ بثبوتها قبل ساكن أشد من ثقله بثبوتها دون ذلك, فالحذف حينئذ أولي, إلا أن الثبوت دون ساكن ومع ساكن أكثر من الحذف, فلذلك جاء القرآن بالثبوت مع الساكن في قوله: ﴿لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾, وقد استعملت العرب الحذف قبل الساكن كثيرا, ومنه قوله: لم يك الحق سوي أن هاجه رسم دار قد تعفي بالسرر وقول الآخر: فإن لم تك المرآة أبدت وسامة فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم وقول الآخر:

إذا لم تك الحاجات من همة الفتي فليس بمغن عنه عقد التمائم" قال: "ولا ضرورة في هذه الأبيات لإمكان أن يقال في الأول: لم يكن حق سوي أن هاجه, وفي الثاني: فإن تكن المرآة أخفت وسامة, وفي الثالث: إذا لم يكن من همة المرء ما نوى" انتهي.
وليس التخفيف علة لحذف النون, وأي ثقل في لفظ "لم يكن"؟ وإنما حذفت لكثرة الاستعمال ولشبه هذه النون لأجل سكونها بحروف العلة, فمجموع هذا هو العلة في الحذف لا التخفيف.
وأما ما ذكر من الحذف مع الساكن فذلك عن س ضرورة.
وأما ما ذكره المصنف من أنه لا ضرورة في ذلك إذ كان له أن يقول ما ذكر فما من ضرورة في شعر العرب إلا ويمكن تبديلها ونظم شيء مكانها, فعلي ما ذكر لا يكون في كلام العرب ضرورة, وقد بحثنا معه في هذا في "كتاب التكميل", وبينا أنه ليس كما زعم.
وقوله ولا يلي عند البصريين "كان" وأخواتها غير ظرف وشبهه من معمول خبرها مثال معمول غير ظرف وشبهه: كان زيد آكلا طعامك, ولا يجوز: كان طعامك زيد آكلا.
وقوله "من معمول خبرها" يشمل كل ما ينتصب بالخبر من مفعول به ومفعول من أجله وحال وغير ذلك إلا الظرف وشبهه.
ولا يختص هذا الفصل بكان/ وأخواتها, بل ينبغي أن لا يلي عاملا

من العوامل ما نصبه غيره أو رفعه, تقول: جاء زيد راكبا فرسك, ولو قلت "جاء فرسك زيد راكبا" لم يجز, وكذلك في باب الظن وباب إن.
وقوله واغتفر ذلك بعضهم مع اتصال العامل مثاله: كان طعامك آكلا زيد, لا يجوز عند س, وأجازه بعض البصريين, منهم ابن السراج والفارسي, وتبعهما ابن طلحة وابن عصفور, قال ابن عصفور: "والذي يجيز حجته أن المعمول من كمال الخبر وكالجزء منه, فأنت إذا إنما أوليتها الخبر, وهو الصحيح" انتهي كلامه.
وليس بصحيح لأنه ليس مسموعا من لسانهم, وإنما أجازها من أجازها بالقياس.
وأورد بعضهم هنا سؤالا, فقال: "إن قال قائل: إن لم يرد السماع بها عينها فقد ورد بمثلها, قال تعالي: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾, وقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَي أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾, وقال الشاعر: ....................... فعادوا كأن لم يكونوا رميما فأولي ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾, و ﴿أَبَدًا﴾ ﴿مَّاتَ﴾, و"رميما" "يكونوا", وليست معمولات لما وليته, بل ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ معمول لقوله ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾, و ﴿أَبَدًا﴾ معمول لـ ﴿تُصَلِّ﴾, و"رميما" معمول لـ"عادوا".

فالجواب أن جميع ذلك ليس بمنزلة: كان طعامك آكلا زيد؛ لأنك لم تولها الفعل, إنما أوليتها الفاعل, وهو الضمير الذي في ﴿بَخِلُوا﴾ و ﴿مَّاتَ﴾ ويكونوا" انتهي.
وكلتا المسألتين- وهما: كان طعامك زيد آكلا, وكان طعامك آكلا زيد- سواء كما قلنا عند س. وأبو بكر وأبو علي يقولان لا يفصل بين "كان" وخبرها بأجنبي منهما, ويريان أن المعمول هنا من تمام العامل, ودليلهما جواز: زيد عمرا ضارب, قالا: فالمبتدأ يطلب الخبر كما تطلبه "كان), فلما تقدم معمول الخبر قبله في الابتداء كذلك يفعل في "كان".
وهذا قياس لا يصح لأن المبتدأ يطلب الخبر بلا واسطة, و"كان" تطلبه بوساطة اسمها, وهي فعل كسائر الأفعال, فلا تخرج عنها إلا بدليل, وتشبيهه الفعل بالاسم غير المشتق الخارج عن النظائر لا ينبغي؛ لأن الاسم الجامد يرفع لم يوجد في كلامهم إلا في الابتداء علي الخلاف الذي فيه, ومرفوع يتقدم علي رافعه لم يوجد إلا في هذا الباب, فهو خارج, ولا يقاس عليه خلافه.
وتجوزان عند الكوفيين, ومن حججهم قول الشاعر:

قنافذُ هدَّاجونَ حولَ بيوتهمْ بما كانَ إيَّاهم عَطيةُ عَوَّدا وقولُ الآخر: فأَصْبحُوا والنوَى عالي مُعَرَّسِهمْ وليسَ كلَّ النوَى يلقى المساكينُ فـ (إياهم) منصوب عندهم بقوله: (عَوَّدَ)، وهو خبر (كان) و (عَطِيةُ) اسمها، و (كُلَّ النَّوى) منصوب بـ (يُلقي).
واحتج لهم المنصف بقول الشاعر: بانتْ فؤاديَ ذاتُ الخالِ سالبةً فالعيشُ إنْ حُمَّ لي عيشٌ من العَجَبِ وقولِ الآخر: لئن كان سَلمى الشَّيْبُ بالصَّدِّ مُغْرِيًا لقد هَوَّن السُّلْوانَ عنها التَّحَلمُ فـ (فوادي) منصوب ب (سالبة)، وهو حال من (ذاتِ الخال)، والعامل فيه (بانت)، فهو شبيه بـ (كان طعامَك زيدٌ آكلاً).
و (سَلمى) منصوب بـ (مغريًا)، وهو خبر (كان).
فلو كان معمولُ الخبر ظرفا أو جارَّا أو مجروراً جاز أن يلي (كان) منفصلاً عن الخبر ومتصلاً به، نحو: كان عندَك زيدٌ مقيماً، وكان عندَك مقيماً زيدٌ، وكان بسيفٍ زيدٌ ضاربًا، وكان بسيفٍ ضاربًا زيدٌ، وذلك لاتساع

العرب في الظرف والمجرور؛ ألا تراهم فصلوا بهما بينَ المضاف والمضاف إليه، وقد أجيز: ما غداً زيدٌ ذاهباً، فإجازةُ ذلك في (كان) أَولى.
وقولَ وما أَوْهَمَ خِلافَ ذلك قدَّر فيه البصريون ضميرَ الشأن أي: ما أَوهم إيلاءَ معمولِ خبرٍ غيرِ ظرف أو شبهه لـ (كان).
فأوَّلوا قوله (بما كان) على أنَّ في (كان) ضميرَ الشأن، وعطية: مبتدأ، وعَوَّدَ: فعل ماضٍ في موضع الخبر، وإياهم: مفعول بعَوَّدَ، لمَّا تقدم على العامل انفصل كقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
وكذلك في قوله (وليس كُلَّ النوى) في (وليس) ضمير الأمر، ويُلقي المساكنُ: خبر لكانَ، والمساكنُ: فاعل بيُلقي، وكُلَّ النوى: مفعول بيُلقي، فلم يلِ (ليسَ) معمولُ خبرها إذ فيها ضمير الشأن.
وكذلك (بما كان إياهم).
وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن هذا التخريج في: ................... بما كان إياهم عطيةُ عَوَّدا لا يجوز (لأنه يؤدي إلى ما لا يجوز، وذلك أن خبر المبتدأ لا يتقدم معموله على المبتدأ إذا كان فعلاً) انتهى.
وهذه مسألة خلاف، المنعُ مذهب س والكسائي، والإجازة مذهب هشام، يجيزه مع الماضي والمستقبل والدائم، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب الابتداء.

وأجاز المصنف في (بما كان إياهم عَطيةُ عَوَّدا) أن تكون (كان) زائدة.
وأجاز أيضاً أن تكون (ما) بمعنى الذي، وفي (كان) ضمير عائد على (ما)، هو اسمُها، وعطية: مبتدأ، وعَوَّدَ: خبره، وهو يتعدى إلى اثنين: أحدهما إياهم، والثاني هاء عائدة على (ما)، حُذفت، وهي مقدرة.
وما احتجَّ به المصنف لهم من البيتين ظاهرُ الدلالة على جواز: كان طعامَك زيدٌ آكلاً، وذكر أنَّ البيت الأول يقوي ما ذهب إليه الكوفيون، وقال: (أراد: بانت ذاتُ الخال/ سالبةُ فؤادي، فقَدَّم منصوبَ الحال على مرفوع عاملها، وهو شبيه بما منعه البصريون من تقديم منصوب كان على مرفوعها) انتهى.
وقال في قوله: لئن كان سَلمى الشيبُ بالصَّدِّ مُغْرياً............................... (لا سبيل إلى ضمير الشأن لظهور النصب في الخبر، فسلم الدليل، ولم توجد لمخالفته سبيل).
وما ذهب إليه المصنف من سلامة الدليل وأنه لا سبيل إلى مخالفته ليس كما ذكر لاحتمال أن يكون (فؤادي) ليس معمولاً ل (سالبةَ)، ولا (سَلمى) معمولاً لقوله (مُغْرِياً)، بل هما مُنادَيان، كأنه قال منادياً لسلمى: لئن كان - يا سلمى - الشيبُ بالصَّدِّ - أي بِصَدِّكِ - مُغرياً، وقال منادياً لفؤاده: بانت - يا فؤادي - ذات الخال سالبةً، أي سالبةً لك، وإذا احتمل أن يكون منادَيَيْنِ لم يكن في ذلك حُجة؛ لأنه إذا دَخل الدليلَ الاحتمالُ سقط به الاستدلال، فلو كان مكان (سَلمى) و (فؤادي) اسم يظهر فيه الإعراب نصباً كان يسلم الدليل، لكنه لا يظهر فيه النصب، فاحتمل ما قاله

المصنف، واحتمل ما قلناه، فسقط استدلال المصنف به على صحة المُدَّعى.
وبقى علينا الكلام في معمول الخبر بالنظر إلى جواز تقديمه على هذه الأفعال ومنعه، فنقول: إن قدمته مع الخبر جاز في كل موضع يجوز فيه تقديم الخبر، وذلك نحو: في الدار قائماً كان زيدٌ، وإن قَدَّمته وحده لم يجز كان ظرفًا أو مجروراً أو غير ذلك، فلا تقول: في الدار كان زيد قائمًا، ولا: يومَ الجمعة كان زيدٌ ذاهباً، ولا: طعامَك كان زيدٌ آكلاً، لكثرة الفصل بين المعمول الذي هو فضلة الخبر والعامل الذي هو الخبر.
هذه نقل بعض أصحابنا.
وقال ابن السراج: (جميع ما جاز في المبتدأ والخبر من التقديم والتأخير فهو جائز في (كانَ) إلا أن يفصل بينهما وبين ما عَملت فيه بما لم تعمل فيه).
قال: (وأصحابنا يجيزون: غلامَه كان زيدٌ يضربُ، ينصبون الغلام بيَضربُ؛ لأنَّ كل ما جاز أن يتقدم من الأخبار جاز تقديم معموله) انتهى.
وفي البسيط: وأما تقديم معمول الخبر على هذه الأفعال التي يتقدم خبرها عليها إذا كان غير ظرف نحو: زيداً كان عمرٌو ضاربًا، وغلامَه كان زيدٌ يَضربُ، فقيل: لا يجوز لأنه قد حالَ بين المعمول وعامله بجمله أجنبية، وإن كانت محتاجة إلى خبر، لكنها في صورة التام كالفعل والفاعل.
وفيه نظر، قال تعالى ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، وقال

في الظرف والمجرور: ﴿أَلَا يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾، وقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.
والصحيح عند النحويين جوازه ظرفاً كان أو غيرَ ظرف، ونَصَّ النحويون عليه، ولا تراعى الصورة، بل يُلاحَظُ المعنى.
وقد تقدم مذهب الكوفيين في منعهم / تقديم الخبر وتوسيطه إذا كان يتحمل الضمير، وتخريج مثل: قائماً كان زيدٌ، وكان قائماً زيدٌ على مذهب الكسائي ومذهب الفراء.
وأما التفريع على مذهبهم في تقديم المعمول على الفعل أو على الاسم فإما أن تقدِّمه بعدَ الخبر أو قبلَه، فإن قدَّمتَه بعد الخبر، نحو: قائماً في الدار كان زيدٌ، وكان قائماً في الدار زيدٌ، فالأمر على ما كان عليه لو لم يكن له معمول.
وإن قدَّمته قبلَ الخبر، نحو: في الدار قائماً كان زيدٌ، وكان في الدار قائماً زيدٌ، فالأمر عندهم على ما كان عليه إلا أنه لا يجوز أن يكون خلفاً من الموصوف؛ لأنه الصفة إذا تقدَّمَها معمولُها لم يجز أن تخَلُف الموصوف عند الكسائي كان المعمول ظرفًا أو غيرَ ظرف.
وفصَّل الفراء، فقال: إن كان معمول الخبر ظرفاً أو مجروراً جاز أن تكون الصفة خلفًا، وإن كان غيرهما لم يجز أن تكون خلفًا، نحو: طعامَك آكلاً كان زيدٌ، وكان طعامَك آكلاً زيدٌ.
والصحيح عندنا في جميع ذلك أنه خبر مُقدَّم لم يخلف موصوفاً يُثَنَّى ويُجْمَع.
مسألة: إذا قدَّمتَ الخبر وأَخَّرتَ المعمول، نحو (آكلاً كان زيدٌ

طعامَك)، فهذا لا يجوز للفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، أعني ما ليس بمعمول لآكل.
هذا مذهب الكوفيين ومقتضى مذهب البصريين، إلا إن جعلت (طعامَك) مفعولاً بفعلٍ مضمر يفسِّرُ هذه الظاهر، وكأنك قلت بعد قولك آكلاً كان زيدٌ: يأكلُ طعامَك، فإنه يجوز على كل مذهب.
مسألة: إذا قلت: (كان كائناً زيدٌ قائماً) فالكسائي يجعل في (كان) ضمير الشأن، وكائنًا خبر كان، وزيدٌ مرفوع بكان وكائنٍ على أنه اسمهما، وقائماً خبر كائن وخبرها - وهو قائم - بأجنبي، ولا يجوزحمله على فعل مضمر يدل عليه كائن كما كان في: آكلاً كان زيدٌ طعامَك؛ لأن كائناً ناقص لا يتم إلا بخبر، وإنما يتصور قطع الاسم عن العامل الأول إذا كان مما يتم دونه.
ولا يجوز عند أهل الكوفة (كان يقوم زيدٌ) على أن يكون خبراً مقدماً؛ لأنه لا يُتصور أن يكون خلفاً؛ لأن الفعل لا يَخلف الموصوف، فيلزم إذا جُعل خبراً أن يكون فيه ضمير يعود على الاسم، والضمير المرفوع لا يتقدم عندهم على ما يعود عليه، فلا يجوز عندهم إلا على أن يكون في (كان) ضمير الشأن، ويقوم في موضع الخبر على مذهب الفراء، وزيد مرفوع بيَقومُ.
ولا يجوز عندهم تقديم (يقوم) على الفعل، فتقول: (يقومُ كانَ زيدٌ) على وجه من الوجوه؛ لأن هذه الأفعال لا يدخل عليها الفعل، والظروف والمجرور/ جاريان مجرى الفعل لكونهما لا يخلفان الموصوف.
فإن كان الخبر اسماً لا يَتحمل الضمير جاز توسيطه وتقديمه عندهم، نحو: كان أخاك زيدٌ، وأخاك كان زيدٌ، إذا أرَدتَ أُخُوَّة النسَب لا أُخُوَّة الصداقة.
مسألة: خبر هذه الأفعال إذا كان جملة أو ظرفاً أو مجروراً فهو في

موضع نصب على ما تقرر في عمل هذه الأفعال.
وإذا كان مفرداً انتصب، ولا يجوز أن يرتفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، لا تقول: كنتُ قائمٌ، تريد: أنا قائمٌ؛ لأنه إضمار لا فائدة في تكلفه، وقد نص الخليلُ على ذلك، ولَحَّنوا زياداَ الأعجم في قوله: هل لكَ في حاجتي حاجةٌ... أَمَ آنْتَ لها تارِكٌ طارحُ أَمِتْها، لك الخيرُ، أو أحْيها... كما يَفْعَلُ الرجلُ الصالحُ إذا قلْتُ: قد أَقبلَتُ، أَدْبرَتْ... كمَنْ ليسَ غادٍ ولا رائحُ أراد: كمن ليس غاديًا ولا رائحًا، فرفع على إضمار هو، أي: كمن ليس هو غادِ ولا رائحٌ.
قالوا: (ولا حجة في كلامه عند أكثر العلماء لأنه نزل بإصْطَخْرَ من بلاد فارس، ففسد لسانه بها، ولذلك لقب الأعجم، فكثيراً ما يوجد اللحن في شعره) انتهى.
وهذا الذي قالليس بجيد لأن إمام الصنعة س قد استشهد في كتابه بشعره.
وأما البيت الذين زعموا أنه لحن فليس على ما زعموا، وله وجه صحيح في العربية، وهو أن يرتفع غادٍ ورائح على أنه اسم ليس، ويكون خبرها محذوفًا على حد قولهم: .............................. حينَ ليسَ مُجيرُ تقديره: كمن ليس له غادٍ ولا رائح، أي: ليس له من يغدو عليه ولا من يروح، فلا يكون على هذا اسمُ ليس ضميراً يعود على مَنْ، فيلزم منه أن

ينتصب غادٍ ورائح على خبرها، والمعنى: أن حاجته لا تنبتً ولا ينقضي أمرها، فهي كشيء ليس له من يغدو عليه ولا من يروح فيبقى هملاً كحاجته.
ووهم ابن عصفور في إنشاد شعر زياد، فركْب نصفاً من بيت على نصف بيت آخر، وأنشد: أَمِتْها - لك الخير - أو أَحْيهِا كَمَنْ ليسَ غادٍ ولا رائحُ وإذا كان له توجيه صحيح في العربية فلا يكون لحناً.
فأما قول الآخر: كَم مِنْ لئيمٍ رأينا كانَ ذا إِبلِ فأصبحَ اليومَ لا مُعْطٍ ولا قارِ فينبغي أن يُتأول على أنه أراد: لا مُعطيًا ولا قاريًا، وحذف الياءَ للضرورة، فيكون نحو قوله: وَكَسَوتَ عارٍ لحمُه...................................... يريد: عاريًا، وهذا أولى من ادِّعاء (هو) مضمرة، فيقدر: لا هو مِعْطٍ ولا هو قارٍ.
وفي البسيط: أكثر النحويين اتفقوا على أن الاسم / ثاني من معمولي (كان) وأخواتها خبر بنفسه، ولا يكون في موضع رفع بتقدير مبتدأ، كقولك: كان زيدٌ قائمًا، ولا يجوز رفعه على الإضمار، فأما قولُه: ....................... فأَبيتُ لا حَرِجٌ ولا محرومُ

فهو عند الخليل على الحكاية، أي: أَبيتُ كالذي يُقالُ له لا حَرِجٌ ولا محروم.
وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون في موضع خبر، أي: لا أنا حرجٌ.
انتهى وقال س بعدما حكى تخريج البيت على الحكاية ما نصُّه: (وقد زعم بعضهم أنَّ رفعه على النفي، كأنه قال: فأبيتُ لا حَرِجٌ ولا محرومٌ بالمكان الذي أنا به) قال س: (والتفسير على النفي كأنه أسهل) انتهى.
ويَعني بالنفي النفيَ العامْ، وإذا كان لا حَرِج ولا محروم نفيًا عامًا لكل حَرِج ومحروم لزم منه أن يكون الثابت لا حَرِجًا ولا محرومًا لأنه فرد من أفراد العامّ.
فأن كان الموضعُ تفصيل جاز النصب، وجاز الإضمار، نحو قولك: كان الزيدان قائمًا وقاعدًا؛ لأن موضع التفصيل تقوى فيه الدلالة على الإضمار، والمعنى على أن المراد أحدهما كذا والآخر كذا، وما أشبه ذلك، وقد نص س على جواز ذلك، ومنه قول الشاعر: فأصبحَ في حيثُ الْتقيْنا شَرِيدُهُمْ طَليقٌ ومكتوفُ اليدين ومُزْعَفُ التقدير: أحدُهم طليقٌ، والآخر مكتوف اليدين، والآخر مُزْعف، أو: مِنْهم طليقٌ، ومنهم مكتوفُ اليدين، ومنهم مُزْعف.

وفي البسيط: فإن كان في موضع تقسيم جاز، كقولك: كان الزيدان قائمٌ وقاعدٌ، أي: أحدهما.
وخالف بعض الكوفيين.
أما ما عدا أفعال المقاربة فقالوا هو منصوب على الحال، وليس مشبهًا بالمفعول به) انتهى.
وقد تقدم ذكرُ حُجَج الكوفيين والبصريين في أوائل هذا الباب.
مسألة: أجاز الجمهور رفع الاسمين بعد (كان).
وأنكر الفراء سماعه.
وهو محجوج بثبوت ذلك عن العرب، نحو قولِه: إذا مت كان الناس صنفان: شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع في رواية من رواه (صِنْفان) بالألف، وقوله: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها... وليس منها شفاء الداء مبذول وإذا ارتفع الاسمان بعد كان فمذهب الجمهور أن في (كان) ضمير الشأن، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع نصب على الخبر.
ونقل عن الكسائي أن كان ملغاة، ولا عمل لها.
وإلى ذلك كان يذهب أو الحسين بن الطراوة.
نقله عن السُّهيلي وغيره.
قال السُّهيلي: والصحيح ما ذهب إليه النحويون، يدل على ذلك قول العرب: (إنه أَمةُ اللهِ ذاهبةٌ)، فتَبَيَّنَ ضمير الأمر في (إنَّ) لما كان نصبًا، ولم يتبين في (كان) لما كان رفعًا، وصارت الجملة في موضع خبر.

فإن قيل: هلا كانت تامة مكتفية باسم واحد، وهو المضمر فيها، وكانت الجملة بدلًا؛ لأن الجملة حديث، والمضمر فيها حديث؟ قلنا: قولهم: "إن أمة الله ذاهبة" يبين أن الجملة في موضع خبر؛ إذا لا يصح في "إن" أن تكتفي باسم واحد، فبان أنها في موضع خبر.
مسألة: "كان" إذا أضمر فيها ضمير الشأن فهي ناقصة، والجملة الواقعة بعدها في موضع خبرها، وليست غير الناقصة فتكون قسمًا برأسها، هذا مذهب الجمهور، وذهب أبو القاسم خلف بن فرتون الشنتريني، عرف بابن الأبرش، إل أنها قسم غير الناقصة.
مسألة: أجاز هشام: ما كان أحد زائلًا يذكرك، ولا أظن أحدًا زائلًا يذكرك.
وأباهما الفراء.
مسألة: أجاز الكسائي وهشام: ما يزال أحد يقول ذلك، ونحوها من المستقبل.
وانفرد هشام بإجازتها مع الماضي.
ومنعها الفراء فيهما.
مسألة: اختلفوا: هل تعمل في الظروف والمجرورات والأحوال أو لا؟ فقيل: لا تعمل لأنها لا استدعاء لها لذلك، والعامل مستدع.
وقيل: تعمل لأنها فعل، وإذا عمل "هذا" في الحال بتأويل الفعل فأحرى "كان".
مسألة: لا يجوز الاقتصار على الفاعل دون الخبر كما لا يجوز في المبتدأ والخبر، وأما حذف الاختصار فيمتنع في اسمها لأنه هنا كالفاعل، وأما في الخبر ففيه خلاف، أجازه في البسيط، قال: تقول في جواب من قال: ألم تكن غنيًا؟ كنت، ويقول: أكاد زيد يقوم؟ فتقول: قد كاد.
وقال ابن عصفور ما معناه: "ما المانع من حذف الخبر، وأنت إن حكمت له بحكم لفظه فإنه يشبه المفعول، والمفعول يجوز حذفه، أو

بحكم أصله فهو خبر في الأصل، والخبر يجوز حذفه اختصارًا لفهم المعنى، فكان ينبغي أن يجوز حذفه على كل حال؟ والجواب أنه قد صار عوضًا من المصدر، فلا يجمع بينهما كراهة الجمع بين العوض والمعوض، وإنما عوض منه لأنه في معنى المصدر؛ ألا ترى قولك: "كان زيد قائمًا" أن القيام كون من أكوان زيد، فلما كان الخبر المصدر في المعنى استغني عنه كما استغني بـ"ترك" عن "وذر" لما كان معناهما واحدًا، ولولا أنه عوض لصرح بالمصدر إذ لا فعل إلا له مصدر أخذ منه، وقيام الدليل على ذلك، فلما صار عوضًا من المصدر صار كأنه من تمام الفعل، وكأنه جزء من أجزائه.
وأيضًا فالأعواض لازمة لا يجوز حذفها، وقد يحذف الخبر في الضرورة، نحو: ................................................ حين ليس مجير" وهذا تلخيص من كلام أبي بكر أحمد بن الحسن المعروف بابن/ شقير في "كان" واسمها وخبرها ومعموله وما يتصور فيه من التراكيب: كان زيد آكلًا طعامك، كان آكلًا طعامك زيد، آكلًا طعامك كان زيد، كان زيد طعامك آكلًا، طعامك كان زيد آكلًا، طعامك كان آكلًا زيد، كان آكلًا زيد طعامك، زيد كان آكلًا طعامك، زيد آكلًا طعامك كان، آكلًا طعامك زيد كان، زيد كان طعامك آكلًا، طعامك زيد كان آكلًا، زيد طعامك كان آكلًا.
قال ابن شقير: كل هذا جائز من كل قول.
كان طعامك آكلًا زيد، كان طعامك زيد آكلًا، جائزتان من قول الكوفيين، وخطأ من قول البصريين.

آكلًا كان زيد طعامك، زيد آكلًا كان طعامك، آكلًا زيد كان طعامك، الثلاث جائزات من قول البصريين، وخطأ من قول الكوفيين إلا على كلامين من قول الكسائي.
طعامك آكلًا كان زيد، زيد طعامك آكلًا كان، طعامك آكلًا زيد كان، هذه الثلاث جائزة من قول البصريين والكسائي، وخطأ من قول الفراء لأنه لا يقدم مفعول خبر كان عليه إذا كان خبر كان مقدمًا من قبل أنه لو أراد رده إلى فعل ويفعل لم يجز عنده.
والكسائي يجيز تقديمه كما يجيز تقديم الحال.
طعامك زيد آكلًا كان جائز، من قول البصريين، وخطأ من قول الكوفيين.
آكلًا كان طعامك زيد خطأ من كل قول.

-[ص: فصل ألحق الحجازيون بـ"ليس" "ما" النافية بشرط تأخر الخبر، وبقاء نفيه، وفقد "إن"، وعدم تقدم غير ظرف أو شبهه من معمول الخبر.
و"إن" المشار إليها زائدة كافة لا نافية، خلافًا للكوفيين.
وقد تزاد قبل صلة "ما" الاسمية والحرفية، وبعد "ألا" الاستفتاحية، وقبل مدة الإنكار.
وليس النصب بعدها لسقوط باء الجر، خلافًا للكوفيين.
ولا يغني عن اسمها بدل موجب، خلافًا للأخفش.
وقد تعمل متوسطًا خبرها، موجبًا بـ"إلا" وفاقًا لـ"س" في الأول، وليونس في الثاني.
والمعطوف على خبرها بـ"بل" و"لكن" موجب، فيتعين وفعه.]-

ش: أصل العمل للأفعال، يدل على ذلك أن كل فعل لابد له من فاعل، إلا ما استعمل زائدًا نحو "كان" على خلاف ذلك، أو استعمل في معنى الحرف نحو "قلما"، أو تركب مع غيره نحو "حبذا" على خلاف في هذا.
وما عمل من الأسماء فلشبهه بالفعل.
وأما الحرف فإما أن يختص بما دخل عليه أو لا، إن اختص فإما أن يتنزل منزلة الجزء منه أو لا، إن تنزل فلا يعمل لأن جزء الشيء لا/ يعمل في الشيء، وإن لم يتنزل فقياسه إن اختص بالفعل أن يعمل من الإعراب النوع المختص بالفعل، وهو الجزم، وإن اختص بالاسم فقياسه أن يعمل من الإعراب النوع الذي يختص بالاسم، وهو الجر، وإن لم يختص بما يدخل عليه فقياسه أن لا يعمل، و"ما" من هذا النوع.
ولها شبهان: أحدهما هذا، وهو عام فيما لا يعمل من الحروف، وراعاه بنو تميم، فلم يعملوها.
والثاني خاص، وهو شبهها

بـ"ليس" في كونها للنفي وداخلة على المبتدأ والخبر، وتخلص المحتمل للحال كما أن "ليس" كذلك، وراعى هذا الشبه أهل الحجاز.
وقوله ألحق الحجازيون بليس يعني في العمل بأن ارتفع ما بعدها اسمًا لها، وانتصب الثاني خبرًا لها، وه 1 االإلحاق هو على مذهب البصريين، وسيأتي مذهب الكوفيين في ذلك.
وقال الكسائي: هي لغة أهل تهامة.
وقال الفراء: "لا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء" انتهى.
وقد جاء النصب في أفصح الكلام وأجله، قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، قالوا: ولم يحفظ ذلك في كلامهم إلا في بيت من الشعر، قال: وأنا النذير بحرة مسودة تصل الجيوش إليكم أقوادها أبناؤها متكنفون أباهم حنقو الصدور، وما هم أولادها وأجمع النحويون على إجازة: ما زيد قائم.
وحكى س أنها لغة

جارٍ التحميل