فالجواب: أن ذلك لا يسوغ لأنك إن حملت على الموضوع كان العطف من قبيل عطف المفردات، فيكون المعطوف في حكم المفرد، فلا يجوز حمله على الجملة المفسرة بضمير الشأن، وضمير الشأن لا يفسر بالمفرد.
وأيضًا فالمعنى مع ضمير الشأن ليس كالمعنى مع عدمه لأنه يؤتى به للتعظيم، وإذا سقط لم يكن في الكلام تعظيم.
واستدل الفراء لمذهبه بقول الراجز:
يا ليتني وأنت يا لميس في بلدة ليس بها أنيس
إلا اليعافير والعيس
وبقول الآخر:
يا ليتني وهما نخلو بمنزله... حتى يرى بعضنا بعضًا ونأتلف
وهذا خطأ عند البصريين، وهو لا يجوز عندهم في (إن)، فهو في ليت وكأن ولعل أبعد.. وتأولوا هذا البيت على أن التقدير: يا ليتني وأنت معي، فحذف (معي)، وهو خبر/ (أنت)، والجملة حالية واقعة بيت اسم (ليت) وخبرها.
ويحتمل أن يكون التقدير: يا ليتني أنا وأنت يا لميس، فيكون (أنا وأنت) مبتدأ، و (في بلدة) خبر، والجملة خبر (ليتني)، كما تأولوا "إنك وزيد ذاهبان" على معنى: إنك أنت وزيد ذاهبان.
وعلى مذهب الفراء يخرج قول أبي محمد بن حزم:
كأني وهي والكأس والخمر والدجا حيًا وثري والدر والتبر والسج
-[ص: والنعت وعطف البيان والتوكيد كالمنسوق عند الجرمي والزجاج والفراء. وندر: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيدان ذاهبان.
وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي (ظن) إن خفي إعراب الثاني.]-
ش: يعني بقوله (كالمنسوق) أنه إن كان النعت وعطف البيان والتوكيد بعد الخبر جاز الرفع عند الجرمي والزجاج والفراء ويعني بعد (إن) و (لكن)، فتقول: إن زيدًا قائم العاقل، وإن زيدًا قائم نفسه، وإن زيدًا قائم بطنه.
وأما قبل الخبر فالذي يقتضيه مذهب الفراء جواز الرفع بشرط خفاء إعراب الاسم، نحو: إن هذا العاقل قائم، وإن هذا أخوك قائم، وإن هذا نفسه قائم.
وأما مذهب الجرمي والزجاج فلا يجوز هذا عندهما لأنهما لا يريان العطف بالرفع قبل الخبر، فلا ريان إتباع الاسم بالنعت وعطف البيان والتوكيد.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "فإن أتبعت إن بتابع غير عطف النسق فالإتباع عند المحققين من أهل البصرة على اللفظ، نحو: إن زيدًا القائم منطلق، وإن زيدًا منطلق القائم، ولا يجوز غيره إلا أن يسمع فيحفظ، ولا يقاس عليه.
وأما أهل الكوفة وبعض البصريين فالإتباع عندهم فيما عد (إن) و (لكن) على اللفظ ليس إلا لأنها حروف غيرت معنى الابتداء والخبر وحكمه.
وأما (إن) و (لكن) فإن أتبعت بعد الخبر جاز عندهم النصب على اللفظ، والرفع على المعنى.
أو قبل الخبر فعلى مذهب الكسائي يجوز النصب على اللفظ، والرفع على الموضع، قياسًا على ما سمع من قولهم (إنهم أجمعون ذاهبون) بالرفع على موضع إن قبل دخولها.
وعلى مذهب الفراء إن كان الاسم مبنيًا جاز النصب على اللفظ، والرفع على الموضع، نحو: إن هذا نفسه ذاهب، وإن كانا معربًا فالنصب على اللفظ ليس إلا، فقاس على قولهم (إنهم أجمعون) ما هو بمثله في البناء) انتهى.
وفد تأول "إنهم أجمعون ذاهبون" على حذف المبتدأ، والتقدير: إنهم هم أجمعون ذاهبون، فأجمعون توكيد لقوله (هم) المحذوفة.
وينبني جواز هذا التأويل على جواز حذف المؤكد، وفيه خلاف سيذكر في بابه إن شاء الله.
وقوله وأجاز الكسائي إلى آخر الباب.
مثاله: ظننت زيدًا صديقي وعمرو، هكذا مثل المصنف هذه المسألة.
والذي حكاه الفراء عن الكسائي أنه أجاز: أظن عبد الله وزيد قاما/ وأظن عبد الله وزيد يقومان، وأظن عبد الله وزيد مالهما كثير، فيرفع زيدًا في كل ما كان خبره وخبر المنصوب مستويين، وكان لا يجيز: أظن عبد الله وزيد قائمين، ولا: قائمًا؛ لأن الرفع والنصب يستبين في (قائمتين).
واحتج الكسائي بأن الخبر في (ظننت) كالمبتدأ إذا كان على هذه الجهات.
قال الفراء: وقد ذهب مذهب عالم إلا أني لا أجد بدا إذا قلا "أظن عبد الله وزيد" بموضع رفع أو نصب، ولا أقدر على أن أعطل (يقومان) بغير إعراب ظاهر فيهما ولا مضمر، فإن كان في موضع نصب دخل عليه أن يقول: أظن عبد الله وزيد قائمين، ولا يجوز أن ترفع زيدًا وتنصب خبره، وإن قضيت عليه أنه في موضع رفع قلت: أظن عبد الله
وزيد قائمان، فكان أيضًا خطأ أن تنصب عبد الله وترفع خبره، ورأيته يلزمه ألا يعطف (قائمين) على (يقومان)، فيمنع الكلام مما يجوز فيه، فيمنعني من أن أقول: أظن عبد الله وزيد يقومان وقاعدين، لا برفع ولا بنصب.
انتهى كلام الفراء ورده على الكسائي.
والقول عند البصريين قول الفراء.
واتضح من هذه المسألة أن تصوير المسألة الذي صوره المصنف وتمثيله الذي مثله خطأ، وتصحيحها أن يقول: وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن إذا كان المسند إليهما لا يستبين فيه الإعراب.
وإذا عطفت الجملة على هذه الحروف ما عملت فيه فلا خلاف في جوازها، نحو: إن زيدًا قائم وعمرو منطلق، وكذا في ليت ولعل وكأن ولكن، لكن لا يكون داخلًا في معناها، فإذا قلت: "ليت زيدًا منطلق وعمرو قائم" لا يكون الانطلاق متمني، لكنه يضعف من جهة عطف غير مناسب.
وهذه مسائل من أبواب (إن):
الأولى: أجاز الأخفش: إن فيها جالسين أخويك/ بنصب (جالسين) على الحال.
قال أبو العباس: وهذا خطأ.
قال: ولا اعرفه للأخفش إلا في هذا الكتاب.
يعني (الأوسط).
وإنما جاز في الظرف لأن الحال في الظرف، فهو أعم.
وحكي الكسائي: إن ههنا يلعبون صبيانًا، يجعل (يلعبون) في موضع الحال.
قال الكسائي: فقلت لأبي العباس: لم تكره هذا والفعل قبل
اسم (إن) أقبح من الاسم في الحال؟ قال: إنما كرهت ذلك لأن حال المنصوب لا تحسن؛ ألا ترى أنك تقول: ضربت يضحك زيدًا، وبقبح: ضربت ضاحكًا زيدًا؛ لأن الاسم يوهمك أنه مفعول، وهذا يوهمك الحال أنها اسم (إن).
وأجاز أبو العباس ذلك على أن (جالسين) اسم (إن) و (أخويك) بدل.
وأجاز ذلك الكوفيون على أن يكون (أخويك) ترجمة.
والثانية: أجاز ابن كيسان: إن فيها قائمًا ويقعد أخويك.
قال: كما أقول: رب رجل وأخيه، فيكون في المعطوف/ ما لا يكون في المعطوف عليه.
ومنع الكوفيون، قالوا: لأن (قائمًا) لا يقع موقعه هنا (يقوم)، فامتنع كما امتنع: سوف يقوم وقاعد عبد الله.
الثالثة: إذا قدمت الظرف أو المجرور، فقلت: إن فيها زيدًا قائمًا، وإن أمامك عمرًا جالسًا، اختار س والكوفيون النصب في قائم وجالس.
فإن بدأت بالاسم، نحو "إن زيد فيها قائم" اختاروا الرفع.
وزعم أبو العباس أن التقديم والتأخير في هذا سواء.
الرابعة: إذا تكرر الظرف، نحو "إن زيدًا في الدار واقفًا فيها" جاز الرفع والنصب عند البصريين، ولم يجز عند الكوفيين إلا النصب.
وحجه البصريين أنك إنما تجيء به مؤكدًا، فأن اختلف فهو يجرى هذا المجرى، نحو: إن عبد الله في الدار جالسًا في صدرها، وجالس، عند البصريين، وهذا زيد في الدار راغبًا في شرائها، كما قال:
والزعفران على ترائبها... شرقًا به اللبات والنحو
والفراء لا يجيز إلا النصب، ويجعل "اللبات والنحر" كأنهما معهما عائدًا على الترائب.
قال ابن كيسان: والرفع عندي جائز.
وإنما أرادوا: والزعفران على الترائب في حال شروق اللبة والنحر به، وإذا رفع أراد: والزعفران شرق في لبتها ونحرها على الترائب منها، فبين موضع شروقه، كأن موضع النحر واللبه شرق بالغفران على هذا الموضع الآخر، أعني الترائب.
الخامسة: أجاز الفراء أن يلي الفعل (ليت) لأنها بمعنى (لو)، فتقول: ليت زيد، وليت خرج عمرو، فلا يكون لها إذ ذاك عمل في شيء، كما أن (لو) لا عمل لها في شيء، وقد جاء في كلام العرب ما يدل على ظاهرة، نحو قوله:
فليت دفعت اللهم عني ساعة فبتنا على ما خليت ناعمي بال
ولا يجوز ذلك عند البصريين، وتأولوا ما ورد مما ظاهرة ذلك على أنه مما حذف فيه اسم (ليت)، إما على أن يكون ضمير الشأن، وإما على أن يكون ضمير الخطاب، أي: فليت، كما جاز الحذف في قوله:
.............. ولكن زنجي عظيم المشافر
أي: ولكنك زنجي
السادسة: إذا عطفت على اسم (إن) وأخواتها فالخبر على حسب المتعاطفين، تقول: إن زيدًا وعمرًا قائمان، ولا يجوز (قائم) إلا حيث سمع، نحو قوله:
فمن يك سائلًا عني فإني جروة لا ترود ولا تعار
وقوله:
فمن يك أمسى بالمدينة رحلة فإني وقيارًا بها لغريب
ونحو قوله:
إن شرخ الشباب والشعر الأسـ ـود ما لم يعاص كان جنونًا
/ والوجه أن يكون: لا نرود ولا نعار، بالنون، ولغريبان، ما لم يعاصيا.
واختلف في تخريج هذه الأبيات:
فذهب الفارسي إلى أنهما لتلازمهما أخبر عنهما إخبار الواحد، فجعله من باب قوله:
لمن زحلوقة زل... بها العينان تنهل
وقوله:
ولو رضيت يداي بها، وضنت...............
وخرجه أكثر النحويين على أنه من الحذف للدلالة، فحذف الخبر من الأول لدلالة الثانية عليه، فالتقدير: فإني لا أرود، وجروة لا ترود.
ولما كان باب الحذف أن يكون من الثاني لدلالة الأول عليه، وكان هذا بالعكس، لم ينقس.
وأما الكوفيون فجعلوا مقيسًا على أن تكون الواو عندهم واو (مع)، ولو كانت للعطف للزمت المطابقة من الخبر للمتعاطفين.
واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:
فإنك والكتاب إلى علي كدابغة وقد حلم الأديم
ألا ترى أن (كدابغة) لا يكون إلا خبرًا عن الكاف، ولو أخبر عن المتعاطفين لقال: كدابغة ودبغها، فيشبه الكتاب بالدبغة وكتابه بالبدغ، لكنه لما لم يرد بالواو إلا معنى (مع) لم يخبر إلا عن الاسم الأول.
قال أصحابنا: ولا حجة في هذا لاحتمال أن يكون من حذف المعطوف، كقولهم: راكب الناقة طليحان، أي: والناقة طليحان.
قال بعض أصحابنا: والصحيح أن واو (مع) كالواو العاطفة في
التشريك في الخبر بدليل قول العرب: كأن زيد وعمرًا كالأخوين، فعلى تقدير أن تكون واو (مع) وجبت المطابقة.
السابعة: إذا جمعت بين ظرفين تام وناقص وقدمت التام، نحو: إن في الدار عبد لله بك واثقًا، أو إن زيدًا في الدار بك واثقًا، جاز الرفع والنصب.
وزعم محمد بن سعدان أن هذا لا يجوز لأن (بك) في صلة (واثق).
قال: ولا يجوز: إن فيك زيدًا راغب.
وقال ابن كيسان: الرفع الاختيار لأن الحال في تقدير الأسماء، وتمامها يجب أن يكون بعدها، فلما قدمت (بك) - وهو من تمامها- اخترت إخراجها عن الحال لأن تجعلها خبرًا، وكذا: إن زيد في الدار عليك نازل، وفيك راغب.
فإن قدمت الناقص، فقلت: إن فيك زيدًا في الدار راغب، أو إن فيك في الدار زيدًا راغب، أو إن زيدًا فيك في الدار راغب، جاز الرفع والنصب.
والكوفيون لا يجيزون النصب لأنك حين بدأت بما هو من تمام الخبر قبل الظرف التام صرت كأنك بدأت بالخبر، أي كأنك قلت: إن عبد الله راغب فيك في الدار.
وهذا لا يلزم لأن الظرف إنما هو تبيين عن موضع الفعل، فكأنه في تقدمه مؤخر.
الثامنة: إن عبد الله في الدار طعامك آكل: أجاز أكثر النحويين
الرفع والنصب/.
وقال ابن كيسان: لا يجوز عندي النصب لأن الظرف لاشتماله على الفعل تقديمه كتأخيره، والمفعول عندي إنما هو تمام الفعل كبعض حروفه، فليس هو قبله مثله بعده.
التاسعة: إن من خير الناس أو خيرهم زيد: فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: ما هذب إليه الكسائي وشيبه بن الوليد، وهو أنه برفع (خيرهم) وبنصب (زيد)، تجعل زيد اسم (إن)، و"من خير الناس" في موضع الخبر، و (خيرهم) مبتدأ محذوف الخبر، التقدير: إن من خير الناس زيدًا أو خيرهم هو.
وجوازًا ارتفاع (خيرهم) على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أو هو خيرهم، ففي التقدير الخبر أو المبتدأ محذوف لفهم المعنى، وفصل بين خبر (إن) واسمها بالجملة المعطوفة من الابتداء والخبر، فصار العطف قبل تمام معمول (إن).
وفي جواز مثل هذا نظر، وهو من عطف الجمل، ولا جائز أن يكون من الإعمال، ولا من باب عطف المفردات:
أما الإعمال فإنه لا يتأتى في الحروف ولا في المعاني لأن (إن) حرف، و"أو خيرهم" مرفوع بالابتداء، فيقال إن (إن) تطلي زيدًا منصوبًا، و"أو خيرهم" يطلبه مرفوعًا بما ذكرناه.
وأما كونه من باب عطف المفردات فلا يجوز لأنه إما أن تعطفه على موضع اسم (إن)، وهو زيد، أو على موضع "من خيرهم"، وهو الخبر:
لا جائز أن يكون معطوفًا على موضع اسم (إن) لأنه لم يذكر بعد، إنما جاء اسمها متأخر، فيكون قد عطف على ما أتى بعده، والعطف من التوابع، لا يجوز أن يتقدم على المعطوف (عليه) إلا في الشعر، وبشروط هي مذكورة في موضعها، وليس هذا منها.
ولا جائز أن يكون معطوفًا على الخبر الذي هو "من خير الناس" لأنه يلزم من ذلك تقدم الخبر الذي ليس بظرف ولا مجرور على اسم (إن)، وذلك لا يجوز بإجماع.
المذهب الثاني: ما ذهب إليه أبو أحمد البلخي، وهو رفع (خيرهم) ورفع (زيد)، فرفع (زبد) على الابتداء، و"من خير الناس" في موضع الخبر، و"أو خيرهم" معطوف على الخبر، واسم (أن) محذوف ضمير الأمر، وحذفه في مثل هذا قليل، حكي الخليل عن العرب "إن بك زيد مأخوذ"، التقدير: إنه من خير الناس أو من خيرهم زيد، والعطف هنا من عطف المفردات لأنه "أو خيرهم" معطوف على الخبر المتقدم.
والكلام كله على هذا جملة واحدة، وعلى مذهب الكسائي يكون الكلام جملتين.
وهذا المذهب حسن.
المذهب الثالث: ما ذهب إليه أبو محمد يحي بن المبارك اليزيدي، وهو نصب (خيرهم) ورفع (زيد)، فاسم (إن) محذوف لفهم المعنى ولدلالة ما بعده عليه، و (خيرهم) منصوب بإضمار (إن) لدلالة (إن)، التقدير: إن من خير الناس زيدًا أو إن من خير زيد، فحذف (زيدًا) لدلالة
(زيد) / الأخير بعده عليه، وحذف اسم (إن) لفهم المعنى جائز، فحذف من الجملة الأولى اسم (إن) للدلالة فيما بعده عليه، وحذف من الجملة الثانية (إن) للدلالة في الجملة الأولى عليها، وكل ذلك جائز، وقد أنشد أبو المطوق الإعرابي مثل هذا التركيب، وهو قول بعض المحدثين:
فإن من خيرهم وأفضلهم... خيرهم بتة أبو كرب
فوافق عليها، وأجازها، وكان أبو المطوق ممن تؤخذ عنه العربية لفصاحته.
العاشرة: أجاز س: إن زيدًا لفيها قائم، جعل (فيها) ملغاة.
وهذا لا يجوز عند الكوفيين لأنها (فيها) لو كانت لغوًا لم تؤكد.
والحجة لـ (س) قول العرب: إن زيدًا لبك مأخوذ.
الحادية عشرة: أجاز الكسائي: إن بك لكفيلين لأخواك.
ومنعه الفراء لأن الاسم مرفوع بالفعل، فلا تحول بينهما اللام.
وهو جائز عند البصريين على أن ارتفاع (أخويك) هو على الخبر لـ (إن).
الثانية عشرة: المعاني التي جاءت لها الحروف كلها لا تعمل في ظرف ولا حال، ولا يتعلق حرف جر.
والدليل على ذلك أنك لو قلت "ليت زيدًا اليوم ذاهب غدًا" لم يجز، وذكر بعض أصحابنا في ذلك الإجماع.
وقد نص الزمخشري في (مفصله) على أن ليت ولعل وكأن
ينصبن الحال، بخلاف أخواتها، أما (كأن) فبالاتفاق عليها.
وقد علل منع ذلك الفارسي في (الحلبيات) بأنها في دلالتها على المعاني قصد بها غاية الإيجاز، فالألف تغني عن: أستفهم، و (ما) عن: أنفي، و (إن) عن: أؤكد، فلو أعلمت في الظرف والحال، ومكنت تمكين الفعل، لكان نقصًا لما قصد من الإيماء.
انتهى.
وقال بعض أصحابنا: ليس من الحروف ما يعمل في ظرف أو حال إلا (كأن) وكاف التشبيه، قال:
كأنه خارجًا من جنب صفحته ود شرب نسوة عند مفتاد
وتقول: كأن زيدً اليوم أسد.
والفرق بينهما وبين سائر الحروف أن كل حرف معناه معنى الفعل، فمعناه في نفس المتكلم، فالمتمني هو الناطق بـ (ليت)، والمستفهم هو الناطق بـ (هل)، والفعل بخلافه، معناه مسند إلى ما دخل عليه من الاسم، فإذا قلت "قام زيد" فالقائم (زيد) لا المتكلم، فهذا فرق ما بين الحرف والفعل.
وأما (كأن) ففيها دلالة على التشبيه والشبه، فالتشبيه معنى في نفس المتكلم، فمن هذا الوجه هي كسائر الحروف، والشبه مسند إلى (زبد) إذا قلت "كأن زيدًا أسد" أي: أشبه زيد كذا، فشاركت الأفعال من هذا الوجه، فعمل ذلك المعنى الذي/ هو الشبه المسند إلى (زيد) في الحال والظرف، وتعلق به حرف
الجر، وليس ذلك في التمني ولا التأكيد ولا النفي ونحوها، فمن هنا فارقت (كأن) أخواتها، فعملت بلفظها كعمل أخواتها في الأسماء، وعمل معناها في الحال والظرف، وفارقتها أيضًا في وقوعها نعتًا للنكرة حالًا من معرفة وخبرًا لـ (كان) وأخواتها، قال:
فبت كأني ساورتني ضئيلة................
الثالثة عشرة: هل يجوز تعداد خبر هذه الحروف أم لا تقتضي إلا خبرًا واحدًا؟ اختلف في ذلك:
فالذي يلوح من مذهب س المنع؛ لأنه يزعم أنك إذا أتيت بالاسمين أتبعت الأول منهما، ثم رفعت الآخر، نحو: إن زيدًا الظريف منطلق، فإن لم تذكر الآخر رفعت، فنسب المنع إليه من حيث لم يذكر رفعهما، وهو الذي يدل عليه القياس، لا يقال: كما يجوز أن يكون للمبتدأ خبران يجوز لهذه الحروف؛ لأنها إنما شبهت بالفعل، فكما لا يقتضي الفعل مرفوعين فكذلك هذه، قيل: مع أنا لم نسمعه في موضع من المواضع فينبغي ألا يجوز.
الرابعة عشرة: إن زيدًا وإن عمرًا منطلقان: لا يجوز من جهة أن الخبر إذ ذاك يكوم معمولًا لعاملين، وهو لا يجوز.
الخامسة عشرة: أجاز الجمهور: إن زيدًا فيها قائمًا.
ومنع ذلك ابن الطراوة لأنك إن جعلته خبرًا فلا اعتنيت به، وجعلته أولًا، ولا أخرته في موضعه جبريًا على مذهبه في منع: ضرب عمرًا زيد.
انتهى.
كذا هذه المسألة في (شرح أبي الفضل الصفار)، وينظر ذلك في (المقدمات) لابن الطَّراوة.
-[ص: باب (لا) العاملة عمل (إن)
إذا لم تكرر (لا)، وقصد خلوص العموم باسم نكرة يليها غير معمول لغيرها، عملت عمل (إن)، إلا أن الاسم إذا لم يكن مضافا ولا شبيها به ركب معها وبني علي ما كان ينصب به، والفتح في نحو (ولا لذات للشيب) أولي من الكسر.
ورفع الخبر- إن لم يركب الاسم مع (لا) - بها عند الجميع وكذا مع التركيب على الأصح.]-
ش: (لا) علي أربعة أقسام: تكون للنهي، وتختص بالمضارع، نحو: لا تقم.
وللدعاء، نحو: لا عذب الله زيدا.
وزائدة، نحو ﴿مَا مَنعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾.
ونافية، فتنفي الفعل، ولا عمل لها فيه، وتدخل علي الاسم، فيجوز أن تهمل ويجوز أن تعمل، وإذا أعملت فتارة تعمل عمل (ليس)، فترفع الاسم، وتنصب الخبر، وتقدم ذلك في فصل (ما) بشروطه، وتارة تعمل عمل (إن) بشروطه التي تذكر.
فقوله باب (لا) يريد (لا) التي تنفي.
وقوله/ العاملة احتراز من التي تهمل.
وقوله عمل (إن) احتراز من التي تعمل عمل (ليس).
وعملها عمل (إن) هو فرع فرع فرع؛ لأنها حملت على (إن)، فهي فرع، و (إن) حملت علي: ضرب زيدا عمرو، فـ (إن) فرع، و"ضرب زيدا عمرو" فرع
على: ضرب عمرو زيدا.
وحمل (لا) علي (ليس) قوى في القياس لأنها نافية مثلها، وإذا جاز قياسها علي (إن) في العمل مع أنها نقيضتها فحملها علي نظيرتها أولي، لكن حمل (لا) علي (إن) في العمل أفصح وأكثر في الاستعمال.
فإن قلت: كيف عملت (لا) في الاسم النكرة وليست مختصة إذ تدخل علي الفعل؟
قلت: إذا دخلت علي الاسم النكرة اختصت به إذا كانت للنفي العام، فإذا قلت: "لا رجل في الدار" فقد نفيت القليل والكثير من جنس الرجال، ولذلك لا يجوز: لا رجل في الدار بل رجلان
وإنما يجوز ذلك في (لا) غير العاملة.
وإذا ثبت أنها في النكرات للنفي العام ثبت أنها ليست الداخلة على الفعل؛ لأنها لا تنفي نفيا عاما بدليل أنك تقول: أنت لا تضرب زيدا ضربه، وأنت لا تضربه ضربتين، فلو كانت لنفي الضرب العام لم يسغ ذلك.
ولما اختصت بما دخلت عليه كان القياس أن تعمل جرا، فلم تجر لئلا يتوهم أن الجر بـ (من) المنويه؛ لأنها في حكم الموجودة لظهورها في بعض المواضع، نحو قوله:
فقام يذود الناس عنها بسيفه وقال: ألا لا من سبيل إلى هند
ولأن عامل الجر لا يستقل كلام به وبمعمولة، ولا يستحق التصدير، و (لا) المذكورة بخلاف ذلك.
ولم يكن عملها رفعا لأنه يوهم الرفع بالابتداء، ولئلا تلتبس بما لا يقتضى التنصيص علي العموم، وهو (لا) العاملة عمل (ليس)، فلذلك عملت نصبا.
ولما لم تستغن عن جزء ثان عملت رفعا لأنه عمل لا يستغنى بغيره عنه في شيء من الجمل.
وأيضا فإعمال (لا) هذه إلحاق لها
بـ (إن) لمشابهتها لها في التصدير والدخول على المبتدأ والخبر.
قال المصنف في الشرح: "وإفادة التوكيد، فإن (لا) لتوكيد النفي، و (إن) لتوكيد الإثبات انتهى.
وليس كما ذكر من أن (لا) لتوكيد النفي، بل هي لتأسيس النفي إذ لم تدخل علي شيء مثبت، فأكدت ذلك الإثبات.
قال المصنف: " ولفظ (لا) مساو للفظ (إن) إذا خففت.
وأيضا فإن (لا) تقترن بهمزة الاستفهام، ويراد بها التمني، فيجب إلحاقها بـ (ليت) في العمل، ثم حملت في سائر/ أحوالها علي حالها في التمني" انتهى.
وهذا ضعيف لأن غالب أحوالها أنها لا تدخل عليها همزة الاستفهام ويراد بها التمني، بل غالب أحوالها لمجرد النفي، وإذا دخلت عليها الهمزة فقد تبقى على النفي، نحو:
ألا طعان، ألا فرسان عادية...................................
ولا تحمل الحال الغالبة علي الحال النادرة، بل الباب في نحو هذا العكس.
وقوله إذا لم تكرر عدم التكرار شرط في وجوب العمل لأنها إذا كررت جاز إلغاؤها وإعمالها، فمن أعملها فلعدم تغير حالها وحال مصحوبها، ومن ألغاها فلشبهها بالمكررة مع المعرفة، فتلك لا تعمل، فكذلك هذه.
وقوله وقصد خلوص العموم لأنه إذا لم يقصد خلوص العموم لم تعمل عمل (إن)، بل تعمل عمل (ليس)، أو يرفع ما بعدها بالابتداء، فتحتمل إذ ذاك نفي العموم، ونفي الوحدة، ونفي وصف الرجلة والنجدة، فإذا قلت"لا رجل: كان المعني النفي العام، أي: لا واحد من هذا الجنس ولا أكثر ولا قوي ولا ضعيف، وهي جواب لـ"هل من رجل"؟ وكما أن السؤال يقتضي العموم فكذلك الجواب.
وقوله باسم نكرة احتراز من المعرفة، وسيأتي دخولها علي المعرفة وعملها فيه عند ذكر المصنف لذلك إن شاء الله.
وقوله يليها احتراز من ألا يليها، وأنها إذ ذاك لا تعمل، نحو قوله تعالي ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾.
وفي (البسيط): شرط بنائها ألا يفصل بينها وبين (لا) بشيء، فغن فصلت رفعت وكررت،
قال س: وإنما كان ذلك لوجهين: أحدهما: أنه صار بمنزلة خمسة عشر، فامتنع كما امتنع فيه.
والثاني: أنه محمول علي السؤال، وأنت لا تقول فيه: هل من فيها رجل.
وذهب الرماني إلى أنه يجوز الفصل، ويرجع على النصب والعمل، ويبطل البناء لحصول الفصل، ويكون جوابا لمن قال: هل فيها من رجل؟
ويدل عليه قولهم: لا كذلك رجلا، ولا كزيد رجلا، و:
............. لا كالعشية زائرا..................
أما الأول فعلى التمييز، كما تقول: لا مثله رجلا، والمنصوب بـ (لا) محذوف، أي: لا أحد كذلك رجلا، أو يكون محمولا علي المحذوف.
وأما الثاني فقال س: "علي معنى: لا أرى كالعشية زائرا، كما تقول: ما رأيت كاليوم رجلا" أي: ما رأيت رجلا كرجل رأيته اليوم.
وقوله غير معمول لغيرها احتراز من نحز قوله تعالي ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، ولا يحتاج إلى احتراز من هذا ولا إلى ذكره؛ لأن ﴿مَرْحَبًا﴾ لم يل (لا) إلا في اللفظ؛ ألا ترى أنه منصوب بفعل محذوف، فالذي ولي (لا) غنما هو ذلك الفعل المحذوف لا هذا الاسم النكرة.
ولأنه أيضا قد/خرج مثل هذا بقوله"وقصد خلوص العموم باسم نكرة"، وفي قوله ﴿لا مَرْحَبًا﴾ لم يقصد ذلك باسم نكرة، فلا يحتاج على أن يحترز منه لأنه لم يندرج فيما قبله لما ذكرناه.
وقوله عمل (إن) زاد غير المصنف شرطا آخر، وهو ألا تقع بين عامل ومعمول، نحو قولك: جئت بلا زاد؛ لأنها لك تكرر، وقصد بها قصد العموم بنكرة وليت (لا)، ومنع ذلك لا تعمل عمل (إن).
وقوله إلا أن الاسم إذا لم يكن مضافا ولا شبيها به ركب معها فالمضاف نحو: لا صاحب بر مذموم، والشبيه به نحو: لا راغبا في الشر محمود، منصوبان نصبا صريحا، والشبيه بالمضاف يسمى في الاصطلاح المطوَّل والممطول، من قولهم: مطلت الحديدة، أي: مددتها.
والمطول في هذا الباب هو الاسم الذي يعمل فيما بعده عمل الفعل.
فإذا لم يكن مضافا ولا شبيها به فهو المسمي عندهم بالمفرد، والمفرد في هذا الباب وباب النداء هو قسيم المضاف والمطول إذ المفرد يقال باصطلاحات.
وفي وقول المصنف: ركب معها دليل علي البناء، وقد ذكره بعد، فإذا قلت"لا رجل" فهذه الحركة فيها، وسيأتي الكلام مع من ذكر أنها حركه إعراب عند تعرض المصنف لذلك.
وذهب أكثر البصريين الأخفش والمازني والمبرد والفارسي إلى أنها حركة بناس، واختلفوا في موجب البناء:
فقيل: بنيت لتضمنها معنى (من)، كأن قائلا قال: هل من رجل في الدار؟ فقال مجيبه: لا رجل في الدار، ولأن (لا) نفي عام فينبغي أن تكون جوايا لسؤال عام، ولذلك صرح بـ (من) في بعض المواضع، وصححه ابن عصفور.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع:"كان يصح ما ذكر لو كان الاسم بعد (لا) هو المتضمن معنى الحرف، وليس كذلك.
فيقال
له: (لا) هي المتضمنة معني (من) لا الاسم، فلا موجب لبناء الاسم، هذا إذا سلم أن الاستغراق في (لا) لنيابتها مناب (من)، بل قد قال السيرافي: إن (لا) لا تقتضي في النفي عموم النفي"
وقيل: بني لتركبه مع (لا)، وصارا كالشيء الواحد مثل خمسة عشر.
قال ابن عصفور:"والصحيح الأول لان ما بني من الأسماء لتضمنه معني الحرف أكثر مما بني لتركيبه مع الحرف، نحو قوله:
أثور ما أصيدكم أم ثورين... أم هذه الجماء ذات القرنين
وقال ابن هشام:" ويقوي البناء للتركيب بناء الاسم مع صفته، على ما سيأتي" وهو ظاهر كلام س.
وقال ابن هشام:"مذهب س والجماعة إن العرب ركبت (لا) مع الاسم، وجعلتها كلمه واحدة، فبنوا الاسم للتركيب كخمسة عشر.
ودليل ذلك/ أنه فصل بينهما أعربوا الاسم، نحو: لا في الدار رجل ولا امرأة، وأن قوما من أهل الحجاز يقولون (لا رجل أفضل من زيد) في التزام التنكير وترك تقديم الخبر وعدم الفصل، وأن المعنى استغراق
الجنس وقد أعربوا، لكنهم لم يعتقدوا التركيب وفيها معنى (من) في هذه المواضع كلها لأنها تعطي الاستغراق" انتهى.
وزعم بعضهم أنه بني لتضمنه اللام التي لاستغراق الجنس.
وهو فاسد بوصفه بالنكرة، ولو كان علي ما زعم لوصف بالمعرفة، كما قالوا: لقيته أمس الدابر.
وقوله وبني علي ما كان ينصب به يعني أنه عن كان مما ينصب بالفتحة بني على الفتحة، نحو: لا رجل في الدار، أو مما ينصب علي الياء بني عليها نحو المثنى، تقول: لا رجلين فيها، قال الشاعر:
تعز، فلا إلفين بالعيش... متعا ولكن لوراد المنون تتابع
ونحو المجموع جمع سلامة، تقول: لا مساعدين لك، وقال الشاعر:
يحشر الناس لا بنين ولا آباء إلا وقد عنتهم شؤون
وقوله والفتح في نحو (ولا لذات للشيب) أولى من الكسر يعني أن ما جمع بالألف والتاء المزيدتين لا يتعين أن يبني مع (لا) علي ما ينصب به -وهو الكسرة- بل يجوز فيه أن يبني علي الفتح، وهو أولي من الكسر.
وقوله (ولا لذات للشيب) قطعة من بيت لسلامة بن جندل، وقد أنشده المصنف:
إن الشباب الذي مجد عواقبة... فيه نلذ، ولا لذات للشيب
وقال:"يروى بكسر التاء وفتحها، والفتح أشهر".
ورواه غيره:
أودى الشباب الذي مجد عواقبه...........
"وبالوجهين أيضا أنشد قول الآخر:
لا سابغات ولا جأواء باسلة... تقي المنون لدي استيفاء آجال
وإذا ثبت عن العرب البناء علي الفتح وعلي الكسر ظهر بطلان قول من أوجب البناء علي الفتحة وقول من أوجب البناء علي الكسر.
وفرع بعض أصحابنا الفتح والكسر علي الخلاف في حركة" لا رجل"، فمن قال إنها حركة إعراب قال هنا"لا لذات" بالكسر، ومن قال هي حركة بناء: فالذي يقول إنه يبنى بجعله مع (لا) كالشيء الواحد قال"لا لذات" بالفتح، ولا يجوز عنده الكسر لأن الحركة ليست عنده لـ (لذات) خاصة، إنما هي لـ (لذات) و (لا).
والذي يقول يبني لتضمنه معنى الحرف يقول في النصب"لا لذات" بالكسر.
وحجته إن المبنى مع (لا) قد أشبه المعرب المنصوب، ولذلك نعت علي اللفظ، فكما الجمع بالألف والتاء في/حال النصب مكسور، فكذلك مع (لا)، وهو
الصحيح.
قال هذا القائل:"وبه ورد السماع".
ثم أنشد بيت ابن جندل، ونسبه لابن مقبل، وهو:
........................... ولا لذات للشيب
قال:"فإنه روي بكسر التاء".
وقال شيخنا أبو الحسن الضائع: "القياس يقتضى أن يبنى علي الكسر، ولابد؛ لأن هذا الجمع يفتح آخره معربا كان أو مبنيا،
ولذلك زعم النحويون أن من قال (هيهاة) فبناه علي الفتح فهو عنده مفرد، تقلب تاؤه هاء في الوقف علي اللغة الفصيحة، ويقوي ذلك أن ها الجمع يجري مجري جمع المذكر السالم، فكما يقال: لا زيدين، فيكون بناؤه علي صيغة المنصوب كذلك يبنى جمع المؤنث السالم علي اللفظ المنصوب" انتهى.
وقال أبو الحكم بن عذره: "اختلفوا في جمع المؤنث السالم: فمنهم من قال: يحكم له في حال البناء بما حكم له في الإعراب، فيجعل فتحه بالكسر كما كان نصبة، وهو قول الأكثر.
وقال المازني والفارسي: ينبغي أن يفتح، فيقال: لا ورقات لك.
قالا: لأن الحركة في حال الإعراب كانت للورقات نفسها، وهى الآن لمجموع المركب (لا) والاسم المنفي، وحركة المركبين الفتح.
فأما س: فلا نص له علي أحد المذهبين أصلا.
وما ذهب إليه المازني قياس جيد" انتهى.
ولما ورد الأستاذ أبو الحسن بن خروف الجزيرة الخضراء سأل طلبتها المشتغلين بالنحو، واستنهض منهم الأستاذ أبا عبد الله بن هشام الخضراوي، فقال: كيف تقول: لا مسلمات لك؟ قال: فقلت: أقول: لا مسلمات، بالخفض والتنوين؛ لأن هذه النون كنون (صالحين) بدليل ﴿مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ و:
............ أذرعات........................
بالكسر والتنوين، فكما أقول "لا مسلمين لك" أقول "لا مسلمات".
فقال ابن خروف: بهذا أجبت، وهو الحق.
واعترض ابن هشام هذا، وقال: "لم أر هذا التنوين يثبت حيث يحذف غيره إلا هنا، ورأيته يحذف في النداء في: يا مسلمات، كما تقول: يا زيد، وأنت تقول: يا مسلمون، فتثبت النون، وتحذفه مع اللام، فتقول (المسلمات) كما تقول (الرجل)، وفي الوقف إذا قلت: جاءني مسلمات، وتقول (المسلمون) في الوصل والوقف، فقد رأينا هذه النون تنوينًا لا يخالف غيره إلا في هذا الموضع، فإذا جهلنا السماع في موضع ما حملناه على الأكثر، وقد جرى هذا التنوين مجرى غيره في كل موضع، فكما أجريته مجرى نون (رجل) في كل ما ذكرته، فكذلك تجريه هنا، فتقول: لا مسلمات، كما تقول: لا رجل، وتبنيه على الكسر لأنه نظير الفتح هنا، وهو علامة النصب، فيكون علامة للبناء، كما قال س/ في هيهات: من قاله بالفتح فهو مفرد مبني على الفتح، ومن قال بالكسر فجمع هيهاة، بناه على الكسر لأن الكسر في الجمع نظير الفتح في المفرد" انتهى.
وقد اعتذر ابن هشام عن صرف (عرفات) بما يوقف عليه من كلامه.
وقال أبو علي: من يعتقد الإعراب في "لا رجل" قال "لا مسلماتِ لك" بحذف التنوين، وكانت الكسرة عنده علامة نصب، ومن بني بناها على الكسر لأن الكسرة هنا نظير الفتحة، واللفظ واحد، والحكم مختلف.
وقال ابن جني في الخصائص: "لم يجز أصحابنا فتح هذه التاء إلا شيئًا قاسه أبو عثمان، فقال: أقول (لا مسلمات) بفتح التاء؛ لأن الفتحة الآن ليست لـ (مسلمات) وحدها، وإنما هي لها ولـ (لا) قبلها، وإنما يمتنع من فتح التاء ما دامت الحركة لها وحدها، فإذا كنت لها ولغيرها فقد زال طريق الحصر الذي كان عليها، فأقول (لا هيهات لك) بفتح التاء".
وقال أبو الفتح: "وغيره [يقول]: لا هيهات لك، بالكسر على كل حال بلا تنوين" انتهى.
وتلخص في "لا مسلمات" أربعة مذاهب:
أحدها: الكسر والتنوين، وهو مذهب ابن خروف، وقد سبقه إلى ذلك قوم من النحويين، قاله ابن الدهان في (الغرة).
والثاني: الكسر بلا تنوين، وهو مذهب الأكثرين.
والثالث: الفتح، وهو مذهب المازني والفارسي.
والرابع: جواز الكسر والفتح من غير تنوين في الحالين، وهو الصحيح إذ ورد به السماع، أعني الكسر والفتح من غير تنوين فيهما، ولو كانوا وقفوا على السماع ما اختلفوا.
وفي (البسيط) ما ملخصه: إن كان جمعًا على أصله لم يسم به ولم يضف بني على حركة إعرابه، وهي الكسرة.
وقيل: ينبغي أن يفتح لأنه بناء للتركيب، فالحكم له لأنه حادث، وسببه (لا)؛ ألا تراه يشبه الإعراب، فيحمل على لفظه، وهذا البناء يكون على الفتح كخمسة عشر، فالحكم لهذا الحادث، وتلغى حالة الأصل، وبع قال الرماني والصقلي من المتأخرين.
وقال ابن جني: "الكسر هو الوجه عند النحويين، وإنما قال ذلك بعضهم قياسًا".
وإن أضيف لفظًا أو تقديرًا، نحو "لا مسلمات زيد" أو "لا مسلمات لك" كسر على الأصل لأنه معرب اتفاقًا.
فإن ركبته مع اسم آخر، فقلت "لا سرح مسلمات"، وتقدم الاسم على الجمع، فعلى رأي الصقلي تفتح التاء لأن هذه فتحة لبناء التركيب، فالحكم له.
وعلى قياس الأكثر تكسر عملًا بالأصل.
وقد يقال: القياس يقتضي التنوين إذا كان للمقابلة لأنه نظير النون في الجمع، وأنت تقول: لا زيدين، فتبنيه على الياء لأنه للنصب،/ ويثبت التنوين، فكذلك الكسرة والتنوين.
وربما قال به ابن خروف فيما حكي عنه بعض الأشياخ.
فإن كان علمًا فعلى من جعل الإعراب في النون في الجمع حذف التنوين وفتح، فقال: لا مسلماتَ، وعلى من جعل الإعراب بالحروف كسر التاء، وحذف التنوين، وعلى قياس قول الرماني الفتح مطلقًا، وكذا على قول من لا يلاحظ التركيب الحادث، يكسر ليس إلا.
وقوله ورفع الخبر -إن لك يركب الاسم مع لا- بها عند الجميع مثال ذلك: لا آمرًا بمعروف مذموم، ولا صاحب خبث مأمون، فرفع (مذموم) و (مأمون) هو بنفس (لا)، عملت في الاسم النصب وفي الخبر
الرفع.
وذكر الأستاذ أبو علي الشلوبين أنه لا خلاف في رفع الخبر بها عند عدم تركيبها.
والخبر في هذا الباب لا يكون إلا نكرة؛ لأنه إن كان معرفة أدى ذلك إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة، وذلك لا يجوز، وجاز ذلك على قلة في (إن) لأنها أقوى في العمل من (لا)، فعلى هذا لا يجوز: لا كريم أنت، ولا فاضل زيد، فأما ما حكاه الأخفش عن العرب من قولهم "لا موضع صدقة أنت" فـ (موضع) منصوب على الظرف لا على أنه اسم (لا)، وأنت: مبتدأ، وكان ينبغي تكرارها، لكنهم لم يكرروها لأن ذلك جرى في الكلام مجرى المثل، قاله المازني، والأمثال لا تغير؛ ألا ترى أنهم يقولون "وريت بك زنادي" لأنه مثل، ولا يقولون في الكلام إلا: ورت الزناد تري.
وقوله وكذا مع التركيب على الأصح هذا الذي اختاره المصنف هو مذهب الأخفش والمازني وأبي العباس وجماعة، ذهبوا إلى أن (لا) هي العاملة في الخبر الرفع إجراء لها مجرى (إن)، وأنه يجوز أن تقول: لا رجل في الدار وامرأة، فتعطف على الموضع، كما يجوز أن تقول: إن زيدًا قائم وعمرو، فتعطف على الموضع.
واعترض على هذا المذهب بأن الحرف الذي ينصب الاسم ويرفع الخبر إذا غير معنى الكلام الذي دخل عليه لم يجز الحمل فيه على الموضع، ولذلك لم يجز في ليت ولعل وكأن، فكان ينبغي على هذا ألا يجوز العطف على الموضع مع (لا) لأنها غيرت معنى ما دخلت عليه من الإيجاب إلى النفي.
فأجاب السيرافي عن ذلك بأن قال: (لا) حدث فيما دخلت عليه معنى النفي، ومعنى النفي لا يناقض الابتداء لأن حروف النفي يجوز دخولها على الابتداء، نحو قولك: لا رجل في الدرار ولا امرأة، وليست لعل وليت وكأن كذلك؛ لأنها لا يقع بعدها المبتدأ في شيء من كلامهم.
وذهب/ غيره من النحويين إلا أنها لم تعمل في الخبر شيئًا، بل النكرة مع (لا) العاملة فيها في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدها خبر للابتداء، كما أن النكرة مع (من) في قولك "هل من رجل قائم" في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدهما خبر للمبتدأ.
وهذا المذهب الأخير هو الظاهر من كلام س، وهو الصحيح.
والدليل على ذلك أنه يجوز أن تحمل جميع توابعها على الموضع قبل أن تأتي بالخبر، كما يجوز أن تحمل توابع النكرة المجرورة بـ (من) في قولك "هل من رجل في الدار" على الموضع قبل الخبر، فتقول: لا رجل عاقل في الدار، ولا رجل وامرأة في الدار، كما تقول: هل من رجل عاقل في الدار؟ وهل من رجل وامرأة في الدار؟ فلولا أنهما مع (لا) محكوم لهما
بحكم اسم مبتدأ جاز الحمل على الموضع قبل الخبر، كما لم يجز الحمل على موضع (إن) قبل الخبر، بل من أجاز ذلك من البصريين في باب (إن) إنما يجيزه بعد الخبر.
وثمرة الخلاف تظهر في نحو قولك: لا رجل ولا امرأة قائمان، فعلى مذهب الأخفش لا يجوز ذلك لأنه يؤدي إلى إعمال عاملين في معمول واحد، بيان ذلك: تقول: لا رجل في الدار، فالعامل عنده في الخبر (لا)، بمنزلة الخبر في (إن)، فإذا قلت "لا رجل ولا امرأة عاقلان" لزم أن يكون (عاقلان) يعمل فيه عاملان: (لا) من حيث هو خبر اسمها، وتعمل فيه (امرأة) من حيث هو خبرها، ولا يجوز ذلك.
وعلى المذهب الآخر يجوز لأنهما اسمان مبتدآن معطوف أحدهما على الآخر، كما تقول: زيد وعمرو قائمان.
وأما إذا كان الخبر مما يصلح أن يكون لأحدهما، نحو قول الشاعر:
فلا لغو ولا تأثيم فيهما.........................
فـ (فيها) خبر عن الاسمين على ظاهر قول س، وخبر عن
أحدهما، وخبر الآخر محذوف على قول أبي الحسن.
وقال المصنف في الشرح ما نصه: "وغير ما ذهب إليه س أولى لأن كل ما استحقت (لا) به العمل من المناسبات السابق ذكرها باق، فليبق ما ثبت بسببه، ولا يضر التركيب كما لم يضر (أن) صيرورتها بفتح الهمزة مع معمولها كشيء واحد، ولو كان جعل (لا) مع اسمها كشيء واحد مانعها من العمل في الخبر لمنعها من العمل في الاسم؛ لأن أحد جزأي الكلمة لا يعمل في الآخر، ولا خلاف في أن التركيب لم يمنع عملها في الاسم، فلا يمنع عملها في الخبر.
وأيضًا فإن عمل (لا) في الخبر أولى من عملها في الاسم؛ لأن تأثيرها في معناه أشد من تأثيرها في معنى الاسم، والإعراب إنما جيء به في الأصل للدلالة على المعنى الحادث في العامل.
وإنما لم يكن خلاف في ارتفاع الخبر بـ (لا) غير المركبة لأنه مانع التركيب هو كون الاسم مضافًا أو/ شبيهًا به، وكلاهما صالح للابتداء مجردًا عن (لا)، كما أن اسم (إن) صالح للابتداء به مجردًا عن (إن)، وليس كذلك مصحوب (لا) المركب، فإن تجرده من (لا) يبطل الابتداء به لأنه نكرة لا مسوغ لها، فإذا اقترنت بـ (لا) كانت بمنزلة نكرة ابتدئ بها لاعتمادها على نفي" انتهى ما رجح به المصنف ما اختاره من مذهب الأخفش، وتقدم بطلانه.
وفي (الغرة): وقياس الكوفي أن يكون الخبر مرفوعًا بخبر الابتداء ظهر العمل في الاسم أو لم يظهر، كما يقول الكوفي ذلك في (إن).
وما ذهب إليه معظم النحويين من أن النكرة المبنية مع (لا) في موضع نصب بها نظير قولهم "يا بن أم"، و"يا بن عم"، فإنهم زعموا أنهما بنيا، وجعلا بمنزلة اسم واحد، وزعموا أن (عم) في موضع خفض بالإضافة، كما أن موضع الاسم النكرة نصب بـ (لا).
وهذا في كلتا المسألتين مشكل جدًا، وذلك أنهما من حيث التركيب صار كل منهما كجزء كلمة، وجزء الكلمة لا يعمل في الجزء الآخر، ومن حيث العمل لا يكون كجزء كلمة، فتدافعا.
ولهذا الإشكال -والله أعلم- زعم بعضهم أن حركته حركة إعراب لا حركة بناء، وسيأتي ذكر هذا المذهب، وإنما اضطروا إلى دعوى العمل لأنهم وجدوا هذه النكرة تتبع قبل الخبر رفعًا ونصبًا، فتقول: لا رجل وامرأة عندك، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.
وليسوا مضطرين إلى دعوى ذلك في "يا بن أم"، و"يا بن عم"؛ إذ يجوز ألا يكونا مركبين، بل يكونان متضايفين، والأصل: يا بن أما، ويا بن عما، وقد سمع ذلك، وحذف الألف المنقلبة عن ياء الإضافة، واجتزئ بالفتحة عنها، وسيأتي تحرير ذلك في باب النداء إن شاء الله تعالى.
ص: وإذا علم كثر حذفه عند الحجازيين، ولم يلفظ به عند التميميين، وربما أبقي وحذف الاسم.
ولا عمل لـ (لا) في لفظ المثنى من نحو: لا رجلين فيها، خلافًا للمبرد.
وليست الفتحة في نحو (لا أحد فيها) إعرابية، خلافًا للزجاج
والسيرافي.
ودخول الباء على (لا) يمنع التركيب غالبًا، وربما ركبت النكرة مع (لا) الزائدة.
ش: قوله وإذا علم احتراز من ألا يعلم، ولا يدل عليه دليل، فلو قلت "لا رجل" في ابتداء الكلام، ولا دليل على حذف الخبر لا من لفظ سابق ولا من قرينة حالية، لم يكن كلامًا، بل يجب إثبات الخبر كقوله "لا أحد أغير من الله"، وقال الشاعر:
ورد جازرهم حرفًا مصرمة ولا كريم من الولدان مصبوح
فـ (مصبوح) عن س خبر.
وزعم ابن الطراوة أنه يمكن أن يكون صفة، والخبر محذوف، أي: ولا كريم مصبوح في الوجود.
ورد عليه بأن الشاعر إنما يصف عامهم بالمحل/، أي: ورد جازرهم حرفًا، أي: ناقة كالحرف، لضمورها تشبه بالنون، ومصرمة: صيرها مصرمة الأخلاف ضنانة باللبن لئلا يرضعها الفصيل إن كان فيها لبن، ثم قال: ولا كريم مصبوح، أي: ليس من كريم مصبوح، أي: ليس من كريم من يصبح، أي: يسقى اللبن في الصباح؛ لأنه ليس ثم لبن، فإذا كان كريم الولدان ذو المال والرفه لا يصبح فما ظنك بمن ليس بكريم، فإنما نفي أن يصبح الكريم، والنفس إنما يتوجه على الخبر.
والذي قال ابن الطراوة يكون معناه: ليس في الوجود كريم مصبوح، فالمنفي هو "في الوجود" لا المصبوح إذ الصفة لا تنفي، ولو قلت "ما زيد العاقل قائم" كان نفيًا للقيام لا لزيد العاقل، وكذلك الكريم المصبوح ليس في الوجود، بل مات، فكأنه قال: الكرام المصبوحون فقدوا، أي: كان ثم كران مصبوحون وفقدوا.
وليس هذا مقصد الشاعر، إنما يريد أن كريم الولدان من هؤلاء القوم لا يصبح وإن كان يبقي عليه ويشفق لصغره.
انتهى.
فإذا علم بدلالة لفظ سابق أو قرينة حالية كثر حذفه عند الحجازيين، سواء أكان ظرفًا أم مجرورًا أم غير ذلك، وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع (إلا)، نحو ﴿لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ﴾.
ومن حذفه دون (إلا) قوله ﴿لا ضَيْرَ﴾، ﴿فَلا فَوْتَ﴾، "لا ضرر ولا ضرار"، و"لا عدوى ولا طيرة".
ومن حذفه للقرينة قولك للمريض: لا بأس، أي: لا بأس عليك.
وإنما كثر الحذف في الخبر بعد (لا) هذه لأمرين:
أحدهما: أنها مشبهة في العمل بـ (إن)، وخبر (إن) النكرة يكثر حذفه.
والآخر: أن (لا) وما دخلت عليه جواب استفهام عام، والأجوبة
يقع فيها الحذف والاختصار كثيرًا، ولذلك يكتفون بـ (لا)، وبـ (نعم) في الجواب، ويحذفون الجملة رأسًا بعدهما.
وقوله ولم يلفظ به عند التميميين ظاهر هذا أنه إذا علم الخبر لا يثبته التميميون مطلقًا، سواء أكان ظرفًا أم مجرورًا أم غيرهما.
وقال في الشرح: "لا يلفظ به التميميون ولا الطائيون، بل الحذف عندهم واجب بشرط ظهور المعنى".
قال: "ومن نسب إليهم التزام الحذف مطلقًا -يشير إلى الزمخشري- أو بشرط كونه ظرفًا -يشير إلى الجزولي- فليس بمصيب" انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "بنو تميم يلتزمون حذفه إذا كان اسمًا يظهر فيه الرفع".
وقال في مكان آخر: "والخبر لا يخلو أن يكون ظرفًا أو مجرورًا أو غير ذلك، فإن كان ظرفًا أو مجرورًا جاز لك فيه وجهان: إن شئت حذفته، وإن شئت أثبتته.
وإن كان غير ذلك فبنو تميم يلتزمون الحذف، وأهل الحجاز يجيزون الحذف والإثبات".
فما ذكره/ ابن عصفور مخالف لما ذكره المصنف؛ لأن المصنف ذكر أن بني تميم يلتزمون الحذف مطلقًا إذا علم، وابن عصفور ذكر أنهم لا يلتزمون حذفه إلا إذا كان غير ظرف ولا مجرور.
وفي كتاب "البديع) ما يوافق كلام المصنف، قال فيه: "أهل الحجاز يظهرون خبر (لا)، فيقولون: لا رجل أفضل منك، ويحذفونه كثيرًا، فيقولون: لا أهل، ولا مال، ولا بأس، أي: لك، وعليك، وبنو تميم لا يثبتونه أصلًا".
وقال س: "والذي بني عليه في زمان أو مكان، ولكنك تضمره، وإن شئت أظهرته: لا رجل، ولا شيء، تريد: لا رجل في مكان، ولا شيء في زمان.
والدليل على أن لا رجل في موضع اسم مبتدأ قول العرب من أهل الحجاز: لا رجل أفضل منك، كأنه قال: ما رجل أفضل منك، وهل من رجل خير منك؟ كأنه قال: هل رجل خير منك" انتهى.
وشرحه أصحابنا، فقالوا: يريد أن الخبر لهذا المبتدأ في السؤال أو الجواب يكون زمانًا أو مكانًا، أضمرته أو أظهرته، بحسب المبتدأ المنفي أو المسؤول عنه، إذ قد يكون شخصًا وغيره، وقد يكون الخبر غير طرف بدليل قول س بعد "لا رجل أفضل منك"، وإنما اقتصر أولًا على ذلك لأنه الأكثر، ولأن الكلام عليه أدل.
وقول س "ولكنك تضمره" يعني في جميع اللغات.
وقوله "وإن شئت أظهرته" يعني في لغة أهل الحجاز.
ثم استدل على أنه في الموضعين مرفوع بظهور الخبر مرفوعًا، ومراده هنا أن يستدل على أن الاسم بعد (لا) ليس في موضع رفع بـ (لا) على لغة من يقول:
........................................................ لا براح
وقال "في لغة بني تميم" لأنهم لا يظهرون الخبر، فصار الأمر محتملًا أن يكون مرفوعًا بـ (لا)، والخبر محذوف.
وللخصم أن يقول: لو ظهر عندهم لكان منصوبًا، فاستدل بظهوره
في لغة أهل الحجاز.
ووجه الدليل من ذلك أن بني تميم لم يعملوا (ما) البتة، وهي أقوى من (لا)، وإنما أعملها الحجازيون، وإذا كان أهل الحجاز يقولون "لا رجل أفضل منك" بالرفع وإبطال عمل (لا) فيما بعدها الرفع إذ لم ينصب بعدها الخبر فأحرى التميمي الذي لا يعمل بوجه ألا يعمل (لا) التي هي أضعف.
وفي (الغرة): بنو تميم كثيرًا ما يحذفون الخبر، وأهل الحجاز يظهرونه، وكذا السيرافي في تأويل ما قال س.
ومن حذف الخبر قولهم: لا أهل، ولا مال، ولا بأس، و"لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار"، وكل العرب يقول ﴿لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ﴾، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يضمرون: في الدنيا، أو: لنا، أو: في الوجود، وما أشبه ذلك في المعنى.
ويجوز في ذي الفقار ونحوه الرفع على البدل/ من الموضع -وسيأتي الكلام في ذلك في باب الاستثناء- وعلى الصفة، ويجوز النصب على الاستثناء، فتقول: إلا ذا الفقار، وإلا اللهَ، بالنصب.
ولا يجوز فيها كان معرفة نحو "إلا ذو الفقار" حالة الرفع أن يكون خبرًا لأنه معرفة، واسم (لا) نكرة، ولا خبر عن النكرة بالمعرفة، ولأن (لا) لا تعمل في المعارف، ولا تعمل في الموجب إذا فرعنا على قول من يقول إنها ترفع الخبر.
وزعم أبو عمر الجرمي في (الفرخ) أنه لا يصح في {لا إلَهَ إلاَّ
اللَّهُ} إلا الرفع، قال: لأنه لم يتم الكلام، وكأنك قلت: الله إله، وزيد رجل، وهذا غير بين؛ لأن الكلام تام بالإضمار، وقد ذكر س "لا أحد فيها إلا زيدًا" بالنصب، وأجاز ذلك في قول الشاعر:
.................... ولا أمر للمعصي إلا مضيعا
وبلا شك أن الكلام تام.
وما جاز فيه الإتباع جاز فيه النصب.
وقوله وربما أبقي، وحذف الاسم أي: أبقي الخبر.
قال س: "ونظير (لا كزيد) في حذفهم الاسم قولهم: لا عليك، وإنما يريد: لا بأس عليك، ولا شيء عليك، ولكنه حذف لكثرة استعمالهم إياه".
وقال أيضًا س: "وتقول: لا كالعشية عشية، ولا كزيد رجل؛ لأن الآخر هو الأول، ولأن زيدًا رجل، وصار (لا كزيد) كأنك قلت: لا أحد كزيد، ثم قلت: رجل، كما تقول: لا مال له، ثم تقول: قليل ولا كثير، على الموضع، قال امرؤ القيس:
ويلمها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
كأنه قال: ولا شيء كهذا، ورفع على ما ذكرت لك" انتهى.
وإنما قل حذف اسم (لا) لأن (لا) قد تنزلت من النكرة منزلة (من) منها في السؤال، فكما لا يجوز حذف النكرة وإبقاء (من) فكذلك لا يجوز حذف النكرة وإبقاء (لا)، بل ما سمع من ذلك حفظ، ولم يقس عليه.
وقوله ولا عمل لـ (لا) في لفظ المثنى من نحو (لا رجلين فيها)، خلافًا للمبرد في عبارة المصنف قصور لأنه قصر هذا الحكم على المثنى، والخلاف في الجمع الذي على حد التثنية كالخلاف في التثنية، فنقول: اختلفوا فيهما:
فذهب المبرد إلى أنه لا يجوز أن يبنيا مع (لا).
واستدل على ذلك بأنهما لم يجعلا مع ما قبلهما اسمًا واحدًا، ولا وجد ذلك في كلامهم كما لم يوجد المضاف ولا الموصول مع ما قبله بمنزلة اسم واحد، وإذا لم يجعلا معها بمنزلة اسم واحد كانا معربين بعدها.
ولم يجز عنده في نعتهما إلا وجهان: النصب على اللفظ، والرفع على الموضع.
وذهب س والخليل وأبو بكر وأبو إسحاق الفارسي وابن جني والجماعة إلى أنهما مبنيان مع (لا).
واستدل الفارسي على ذلك
في (الحلبيات)، فقال: "قولك لا يدين بها لك بمنزلة لا رجل لك، و ﴿لا قُوَّةَ إلاَّ/ بِاللَّهِ﴾؛ ألا ترى أنه ليس مضافًا إلى شيء، وإذا لم يكن مضافًا كان في حكم الأسماء المفردة المبنية على الفتح في هذا الباب، وكون حرف التثنية فيه لا يمنه من بنائه مع (لا) وجعله معها بمنزلة اسم واحد؛ ألا ترى أن حرف التثنية ليس بشيء مضاف إليه كـ (رجل) من قولك: لا غلام رجل، وإنما هو بمنزلة تاء التأنيث وألفيه وكياءي النسب، فكما أنك لو قلت: لا كرسي لك، ولا بصري عندك، ولا جمعة لك، لم يمتنع أن تبنى هذه الأسماء مع (لا)، وتجعلها معها كاسم واحد، كذلك لا يمتنع ذلك في المثنى والجمع.
ومما يدل على جواز بناء ذلك مع (لا) أن آخر المجموع بمنزلة أواخر الكلم المعربة، فمن حيث جاز بناء سائر الكلم المعربة مع (لا) كذلك يجوز بناء المثنى والمجموع.
فأما كون النون في الآخر في التثنية والجمع فليس بمانع من ذلك للحاقها ما يلحق سائر المبنية، كما لم تمنع الميم اللاحقة لقولهم (اللهم) أن يجري البناء المطرد في النداء على حرف الإعراب الذي قبله.
وإذا كان كذلك كان (لا يدين بها لك) مثل (لا غلام لك)، ووقعت الياء في التثنية من حيث كانت الفتحة بمنزلة النصبة، فساوتها في لفظ التثنية كما تساوتا في لفظ الإفراد.
وليس قول من قال إنه لا يجوز ذلك لأنك لم تجد مثله بمستقيم في هذا لأن الشيء إذا دلت الدلالة على صحته لم يقدح في دلالته أن لا نظير له وإن كان في إيجاد النظير بعض الإيناس".