التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 181-220

ضربا هذاذيك وطعنا وخضا أي: يهذ هذاذيك.
وقوله: إذا شق برد شق بالبرد مثله... دواليك، حتى كلنا غير لابس أي: تداولنا دواليك، ودل علي تداولنا قوله ((إذا شق برد شق بالبرد مثله))، وهذا من فعل الجاهلية، إذا أراد الرجل أن يعقد (مودة) مع امرأة شق كل احد منهما ثوب الأخر ليؤكد المودة.
ودواليك مأخوذ من المداولة.
وسعديك أي: سعد إسعادا لآمرك بعد إسعاد، أي: كلما أمرتني أطعتك وساعدتك، ولا يستعمل سعديك وحده بل تابعا للبيك، كعولة بعد ويلة.
ولبيك يجوز أن يستعمل وحده.
وحجازيك أي: تحجز حجازيك، أي: تمنع.
وحذاريك أي: تحذر.
ولبيك أي: ألزم إجابيتك، وكأنه من ألب بالمكان: إذا أقام به، فهذا منصوب بفعل من معناه، بخلاف ما قبله، فإنه منصوب بفعل من لفظه.
وقد شرح س معاني هذه المصادر، فقال: ((وإذا قال المجيب لبيك وسعديك فقد قال: قربا منك ومتابعة لك)).
ثم [بره] س، ففسر القرب من الله تعالى

بقوله ((لا أنأى عنك في شيء تأمرني به)).
وزعم أيضا أن معنى لبيك: ((إجابة بعد إجابة))، وتقدم ذلك.
وقال س في خذاريك: ((أي: ليكن منك حذر بعن حذر))، أي: احذر ابدا.
واختلفوا في هذه المصادر أهي تثنية يشفع بها الواحد أم تثنية يراد ما التكثير: فذهب السيرافي وجماعة إلى أنها يراد بها التكثير ومداومة الفعل، كقوله تعالى ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، أي: كرات؛ لأن البصر لا ينقلب خاسئا وهو حسير من كرتين ثنتين، وكنى بالتثنية عن الكثير، كما كني عن الكثير بالثتين /في قولهم: إياك ثم إياك، قال السيرافي: ((وأصل التثنية العطف، وقد وجدناهم يريدون بعطف التثنية التكثر، كقولهم: جاؤوا رجلا رجلا، وادخلوا الأول فالأول، وأولآ فأولآ، ومرادهم في ذلك تكرير الشيء أبدا حتى يفنى بالغا ما بلغ، فكذلك أرادوا... تثنية هذه المصادر)).

وذهب بعض النحويين إلى ألها تثنية حقيقية يشفع بها الواحد، فالمراد: حنان موصول بآخر، ومساعدة موصولة بأخرى، ولزوم طاعة موصول بآخر.
وأما دواليك وهذاذيك فثنيا لأن المدوالة المشبهة بداوليك من اثنين.
وكذلك الهذ المشبه بهذاذيك في البيت من اثنين، أي: هذا منا وهذا منهم، ومداولة منا مثل مداولتك، فجاء المصدران لذلك مثنيين حتى يكون المشبه وفق المشبه به.
وإلى نحو من هذا ذهب السهيلي، زعم في حنانيك أن المراد رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة، وفي لبيك إجابة في امتثال الأوامر وإجابة في الازدجار عن المناهي.
وهذا الذي ذهب إليه لا يطرد له، بل يستعمل /العرب ذلك في المخلوق الذي ليس له أخرى يرحم فيها، ويتكلم بذلك من لا يعتقد أخرى؛ ألا ترى إلى طرفة بن العبد - وهو جاهلي - يخاطب عمرو بن هند، وهو جاهلي أيضا: ................................... حنانيك، بعض الشر أهون من بعض فليس المعنى على أنه يطلب منه رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة.
والكاف في لبيك وسعديك وحنانيك الواقع موقع الفعل الذي هو خبر في موضع المفعول؛ لأن المعنى: لزوما وانقيادا لطاعتك، ومساعدة وانقيادا لما تحبه.
ومعنى قول العرب سبحان الله وحنانيه: أسبح الله وأسترحمه.
والكاف في هذاذيك ودواليك وحنانيك إذا وقعت موقع الطلب في موضع الفاعل، كأنه قال: هذك ومداولتك وفي قول طرفة ((حنانيك)) كأنه قال: تحننك.

وزعم أبو الحجاج الأعلم أن الكاف حرف خطاب، فلا موضع لها من الإعراب، كهي في أبصرك والنجاءك وألستك وذلك، وحذفت النون لشبه الإضافة، ولأن الكاف تطلب الاتصال بالاسم كاتصالها باسم الإشارة، والنون تمنعها من ذلك، فحذفت النون لذلك.
واستدل على ذلك أن الكاف إذا جعلت اسما فسد المعنى؛ وذلك أن المصدر إذا أضيف إلى غير فاعل الفعل الناصب له كان مصدرا تشبيهيا، نحو: ضربت ضربك، فالمعنى في البيت: تداولنا مداولتك، أي: مثل مداولتك، وفي سعديك: أجبتك إجابتك، أي: مثل إجابتك وفي لبيك أي: ألزم طاعتك لزومك طاعة غيرك، أي: مثل لزومه، والمعني ليس على المصدر التشبيهي.
فإذا كانت الكاف حرف خطاب استقام المعنى.
وردوا على الأعلم بأن جعل الكاف حرف خطاب لا ينقاس، وبأن النون لا تحذف لكاف الخطاب؛ ألا ترى إلى قولهم ذانك وتانك.
وآما ما ذكره من أنه يلزم أن يكون المصدر تشبيها فقد التزمه بعضهم، وقالوا: يسوغ أن يكون المعنى في سعديك: أجبتك إجابتك لغيرك إذا أجبته، وفي لبيك: ألزم طاعتك لزومك طاعة غيرك إذا لزمها، وفي دواليك: تداولنا مثل مداولتك إذا داولت، ويكون مثل قولهم: دققته دقك بالمنحاز حب الفلفل، المعنى: مثل دقك إذا دققت.
والذي يقطع ببطلان مذهب الأعلم مجيء الأسماء الظاهرة وضمير الغيبة مكان الكاف، ولا يمكن أن يقال إن الاسم الظاهر وضمير الغيبة للخطاب، وذلك قولهم:

.................................. فلبي يدي مسور وسبحان الله وحنانيه.
وأيضا لم تجئ هذه الكاف حرفا متصلة باسم متمكن.
فأما النجاءك/ فاسم فعل غير متمكن.
وأما الإضافة فليست على معنى التشبيه، ووجهها أن المصدر لما ناب مناب فعله أضيف إلى ما يتصل بالفعل من فاعل أو مفعول، فحنانيك مضاف إلى الفاعل الراحم إذا قدرته تحنن وارحم، وإذا قدرته استرحامك فإلى المسترحم.
وكذلك لبيك وسعديك إلى المجاب المتابع، كقوله: (وعَدَ اللَّهُ) لما ناب مناب وعد الله وعدا أضيف إلي الفاعل، ولو أظهر الفعل لقال: وعد الله وعده؛ إذ يصح إضافة المصدر إلى الفاعل؛ لأنه معلوم أنه لا يضرب زيد أو غيره إلا ضربه، وكذلك هذه المصادر.
وانتصاب هذه المصادر المثتاة على المصدر بفعل من لفظها إن استعمل، وإلا فمن معناها كما تقدم.
وذهب س إلى أنه يجوز في هذاذيك ودواليك في البيتين المتقدمين الحال، ونصبهما بفعل من غير لفظهما، كأنه قال: نفعله دواليك، أي: مداولة، وتوقعه هذاذيك، أي: هذا.
ولا حاجة إلى تكلف كونهما حالين؛ إذ الظاهر أنهما مصدران في البيتين.
وزعم ابن خروف وابن عصفور أنه إنما أجاز س ذلك لأنها مصادر تشبيهية، والمعنى: مثل دواليك، ومثل هذاذيك، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والمعنى على إرادته، فكما أن مثلا وإن كان مضافا إلى معرفة نكرة فكذلك ما أقيم

مقامه، إلا أن القائم مقام مثل لا يجري مجرى مثل عند س إلا في الشعر، فلذلك أجاز ذلك في الشعر س، ومثل ذلك قول الشاعر: تأتي المقيم وما سعى حاجاته عدد الحصي، ويخيب سعي الطالب... نصب عدد الحصى علي الحال- وهو مضاف إلي الحصى، وهو معرفة - إجراء له مجرى مثل؛ لأن المعنى: مثل عدد الحصي.
وقد منع س ذلك في مسالة: ((له صوت صوت الحمار))، وهو أن يكون صوت الحمار صفة ل ((صوت)) على تقدير مثل.
ورد على الخليل إجازته، ولذلك قال س ثم: ((وهو قبيح لا يجوز إلا في موضع الاضطرار)).
وهذا الذي اعتذر به ابن خروف وابن عصفور عن س ليس بشيء؛ لأن التشبيه لا يكون في المصدر إلا إن انتصب نصب المصدر، أما إذا انتصب نصب الحال فلا يكون تشبيهيا؛ لأن الحال لا تكون تشبيهية، لا يقال: جاء زيد ضاحك بني فلان، تريد: جاء زيد ضاحكا مثل ضاحك بني فلان، هذا لا يجوز، وكذلك لا يجوز: جاء زيد مشي بني فلان، وأنت تريد: جاء زيد ماشيا مثل مشي بني فلان.
وزعم الأعلم أن س إنما أجاز الحال في دواليك وهذاذيك لكونهما نكرتين؛ إذ الكاف حرف خطاب، وليست باسم قد أضيف /إليه المصدر، وبنى ذلك على مذهبه في أن الكاف حرف خطاب، وقد تقدم ذكر مذهبه والرد عليه.
وقد وجه بعض أصحابنا تخريج س ذلك على الحال بأن قال: ((العرب قد نطقت بدواليك وهذاذيك في البيتين، ويحتمل تخريجها الوجهين، وكلا الوجهين

لا ينقاس، أعني جل المصدر المعرفة حالا، ووضع المصدر موضع فعله، فلما اجتمعا في أن كل واحد منهما لا ينقاس وتقاربا عنده أجازهما)) انتهى كلامه.
وليس الوجهان سواء وإن اشتركا في عدم القياس؛ لأن المصدر ترجح بحمله على نظائره من المصادر المثناة، وهي لبيك وسعديك، وحذاريك، وحجازيك.
وذكر صاحب البسيط في هذه الأسماء المثناة حواليك، فقال: ((وأما حواليك فبمعنى الإقامة والقرب، فكأنه أراد الإحاطة من كل جهة؛ لأنه يقال: أحواله.
ويحتمل أنه يريد إطافة بك بعد إطافة، وليس له فعل من لفظه.
ويجوز نصبه على الظرف لأنه بمعناه، وعلى الحال أيضا)) انتهى.
وقال أيضا: ((وقد جاء منه في الأمر، تقول حذاريك، أي: ليكن منك حذر بعد حذر، كما قلت ذاك في الخبر والدعاء)) انتهى.
قال المصنف في الشرح: ((وقد يغني عن لبيك لب مفردا مكسورا، جعلوه اسم فعل بمعنى أجيت)) انتهى.
وليس باسم فعل كما زعم المصنف، وإنما هو مصدر مبني على الكسر، وقد تقدم من قول س إنه مفرد لبيك، فانتصابه على المصدر كما أن انتصاب لبيك على المصدر، ويكون في معنى إجابة لا في معنى أجبت.
ويقطع بكونه ليس باسم فعل إضافته، قال الشاعر: دعوني، فيا لبي إذا هدرت لهم............................................... البيت.
وإنما غر المصنف في ذلك - والله أعلم - أنه لما رأى النحويين قدروه أجبت اعتقد أنه اسم فعل؛ وإنما فسروا العامل في هذا المصدر لا المصدر، كما

فسروا عامل حنانيك بتحنن.
قوي ذلك عنده أن اسم الفعل لا عامل له، ولا تتسلط عليه العوامل لقيامه مقام ما لا يحتاج إلى عامل.
ومذهب س وغيره أن اسم الفعل في موضع نصب بعامل مضمر، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في شرح ((باب أسماء الأفعال والأصوات)) من هذا الكتاب.
وقوله او لكونه بدلا من اللفظ بفعل مستعمل في طلب قال المصنف في الشرح: ((منه مضاف، نحو: غفرانك، و ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾.
ومنه مفرد، وهو اكثر من /المضاف، وليس مقيسا عند س مع كثرته، وعند الفراء والأخفش مقيس بشرط إفراده وتنكيره، نحو: سقيا له ورعيا، وجدعا لعدوك، وتعسا، ومنه قول الشاعر: سقيا لقوم لدينا هم وإن بعدوا... وخيبة للألي وجدانهم عدم ومثله في الأمر: فصبرا في مجال الموت صبرا... فما نيل الخلود بمستطاع ومثله في النهي: قد زاد حزنك لما قيل: لا حربا... حتي كأن الذي ينهاك يغريكا)) انتهى كلامه.
وذكر اصحابنا هذه المصادر الموضوعة موضع فعل الدعاء، ولم يفصلوها فيذكروا منها ما العامل فيه فعل من معناه لكونه لم يستعمل منه فعل في مكان، وما

العامل فيه فعل من لفظه لكونه استعمل منه فعل في مكان، كما فعله المصنف؛ بل أوردوا ذلك إيرادا واحدا، فقالوا ما لخصته من كلامهم: ((المصادر المستعملة في الدعاء للإنسان أو عليه تنتصب بفعل من لفظ المصدر إن كان له فعل من لفظه، وإلا فمن معناه)).
قالوا: ((وهي سقيا ورعيا، وخيبة، وجدعا وعقرا، وسحقا، وبعدا، وأفة وتفة ودفرا ونعسا وبؤسا ونتنا وبهرا)).
قالوا: ((وقد يجوز أن يكون مالا يستعمل منه فعل منصوبا بفعل من لفظه إلا أنه لم يستعمل إظهاره)).
وباب هذه المصادر أن تكون متعدية، وقد تجيء لازمة، فإن لم يجئ بعدها مجرور فالنصب، أو جاء نحو سقيا لك فكذلك، وقد جاء بعضها في الشعر مرفوعا، قال: أقام، أقوي ذات يوم، وخيبة... لأول من يلقي، وشر ميسر فإن رفعت فالمجرور خبر لها، وإن نصبت فهو خبر ابتداء مضمر، أي: هذا الدعاء له، ولا يجوز أن يكون معمولا للمصدر؛ لأنه يلزم أن تقول: سقيا إياك، لا لك، كما تقول: سقاك الله، لا: سقى لك.
ولا تستعمل هذه المصادر مضافة إلا في قبيح من كلام، بل إذا اضيفت فالنصب حتم، ومما جاء منها مضافا بعدك، وسحقك، أنشد الكسائي: إذا ما المهاري بلغتنا بلادنا... فبعد المهارى من حسير ومتعب وفي البسيط: مما له فعل من لفظه: متعد، نحو: سقيا ورعيا، أي: سقاك الله سقيا، إذا دعوت له.
وجدعا وعقرا، أي: جدعه الله، وهو القطع في الأنف، إذا

دعوت عليه.
ولازم: بعدا، وسحقا، وتعسا، ونكسا، وبؤسا.
والتعس:/ ألا ينتعش من عثرته، والنكس: الرجوع في المرض وكذاك: خيبة، وجوعا ونوعا، وتبا، أي: خسرانا، كأنك قلت: بعد، وجاع، وتعس، ونكس، وخاب، وتب.
وما ليس له فعل من لفظه: دفرا، أي: نتنا، وأفة وتفة كذلك، أو قذرا؛ لأن الأفة وسخ الأذن، والتفة وسخ الأظفار.
وبهرا، أ: تبا في قول س، ولم ينطق له بفعل في هذا المعني، وأنشد: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي... بحارية، بهرا لهم بعدها بهرا وقيل: كون بمعني التعجب، نحو قوله: ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا... عدد الرمل والحصي والتراب وقيل: معناه جهرا لا أكاتم، من قوله بهرني الشئ: غلبني، والقمر الباهر أي: الغالب ضوءه.
ويحتمل أن يكون هنا بمعني التب، كأنه قال: تبا لهم، لما انكروا عليه حبها، لأن قولهم ((تحبها)) على الانكار.
ومنه قولهم: مرحبا وأهلا وسهلا، أي: رحبت بلادك، وأهلت أهلا وسهلت سهلا.
ويحتمل إضمار المصادفة.
ومذهب الأخفش والمبرد أنه قياسي في الدعاء، فتقول: ضربا له، أي: ضربه الله، وحذف، وقتلا، ونحوه؛ لأن هذا قد كثر فيها، وفهم المعني.
قال شيخنا: ويظهر من قول س أنه ليس بقياس؛ لأنه منع القياس في الأسماء المنصوبة علي الدعاء، نحو: تربا وجندلا، وكذلك هذه لأنهما مفعولات بمنزلتها،

ويعضده القياس؛ لأن جعل الاسم في موضع الفعل ليس بقياس، وهذه قد جعلت بمعنى الفعل، فلا يكون قياسا.
قلت: والفرق ظاهر؛ لأن المصدر له دلالة بلفظه على فعله، فكأن الفعل مذكور، وليس كذلك الأسماء، ولأن س قد جعل أسماء الأمر من الثلاثي قياسا، وهو أبعد من هذا، وينبغي أن يفصل فيقال: ما كان منها لها أفعال من لفظها فلا يبعد فيها القياس، وأما ما لم يكن لها فلا قياس فيها.
ويدل عليه كون ارفع فيها، نحو: ويح، وويل، ولا يكون النصب أو يقل.
قالوا منه: سلام عليك، فرفعوا ليس إلا، ولعنة الله عليه، وهو على فعل من لفظه.
وبهذا استدل س على أن استعمالها سماع.
انتهى ملخصا.
وقد أدخل المصنف فيما هو منصوب بفعل مستعمل وهو بدل من اللفظ بالفعل غفرانك، واتبع في ذلك أبا القاسم الزجاجي.
ورد علي الزجاجي ذلك.
وقيل: هي من قبيل ما ينتصب بإضمار فعل، ويجوز إظهاره.
واضطرب/في غفرانك كلام الأستاذ أبي الحسن بن عصفور، فمرة قال: هي منصوبة بفعل لا يجوز إظهاره، وعدها مع سبحان.
ومرة قال: إنما منصوبة بفعل يجوز إظهاره.
واختلفوا في الفعل الناصب لها، أهو بمعنى الطلب أم هو بمعنى الخبر:

فذهب الزجاج- ونسبه السجاوندي إلى س- إلى أن التقدير: اغفر غفرانك.
وقال الزمخشري: «غفرانك منصوب بإضمار فعل، يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك».
فعلى التقدير الأول الجملة طلبية، وعلى التقدير الثاني الجملة خبرية.
وأجاز بعض النحويين أن ينتصب على المفعول به، أي: نطلب أو نسأل غفرانك.
وجوز بعضهم فيه الرفع على الابتداء أو إضمار الخبر، أي: غفرانك بغيتنا.
وقد خلط المصنف في شرحه بين ما هو مصدر بمعنى فعل الأمر وبين ما هو مصدر يراد به الدعاء، كقوله: سقياً لك، و: فصبراً في مجال الموت صبراً.................. وغيره من النحويين ذكروا كل واحد منهما وحده، لكن المصنف لما رآهما قد اشتركا في الطلب خلطهما في كلامه.
وقال المصنف: «ومثله في النهي:

قد زاد حزنك لما قيل: لا حرباً...............» سمى هذا نهياً، ويريد- والله أعلم- أن المعنى على النهي، فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب، ولا يجوز أن يكون تفسير إعراب؛ لأن «لا» التي للنهي من خصائص المضارع، فلا تدخل على الاسم، ولا يجوز أن يدعى أن فعلها محذوف وأن التقدير: لا يحرب حرباً؛ لأن فعل «لا» التي للنهي لا يجوز حذفه.
والذي نختاره أن «لا» للنفي، ودخلت على حربٍ، فنفته، وهو مبني على الفتح معها، ونون ضرورة كما نونوا: سلام الله يا مطر عليها........................ وهو نفي معناه النهي، كما جاء قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ نفياً معناه النهي على أحد التأويلين.
وقوله أو خبر إنشائي أو غير إنشائي قال المصنف في الشرح: «والوارد منه في خبر إنشائي نحو: حمداً وشكراً لا كفراً، وعجباً، وقسماً لأفعلن» انتهى.
وقد تجوز المصنف في قوله «أو خبر إنشائي» لأن الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، وكأنه يعني أن صورته صورة الخبر، والمعنى على الإنشاء.
وما ذكره المصنف من أن حمداً وشكراً وعجباً إنشاء غير موافق عليه من بعض أصحابنا، قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: «حمداً وشكراً وعجباً ثلاثتها

قائمة مقام أفعالها الناصبة لها، أي: أحمدك حمداً، وأشكرك شكراً، وأعجب/عجبا، وتفارق ما قبلها- يعني ويله وأخواتها- في أن معناها الخبر، وما قبلها معناه الدعاء، وتفارق سبحان الله وأخواتها- وإن كان معناها الخبر- من جهة أنها تتصرف، فتستعمل مرفوعة، نحو قوله: عجب لتلك قضية، وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب وتلك لا تتصرف».
فظاهر كلام الأستاذ أبي الحسن أنها خبر لا إنشاء.
وقد سردها س مع ما هو خبر، فقال: «هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره.
من ذلك قولك: حمداً وشكراً لا كفراً، وعجباً، وأفعل ذلك وكرامة ومسرة ونعمة عين، وحبا ونعام عين، ولا أفعل ذلك ولا كيداً ولا هما، ولأفعلن ذلك ورغماً وهواناً، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل، كأنك قلت: أحمد الله حمداً، وأشكر الله شكراً، وكأنك قلت: أعجب عجباً، وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، ولا أكاد كيداً، ولا أهم هما، وأرغمك رغماً».
ثم قال س: «وقد جاء بعض هذا رفعاً، يبتدأ ثم يبنى عليه».
وأنشد س: عجب لتلك قضية....................................... البيت.
قال: «وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمد الله وثناء عليه، كأنه قال: أمري وشأني حمد الله وثناء عليه» انتهى.

فظاهر كلام س وما قرره ابن عصفور يدل على أن ما ذكره المصنف من أنه إنشائي ليس كذلك، بل هو خبر.
وقد ذهب الأستاذ أبو علي إلى أن قوله حمداً وشكراً لا كفراً يراد به الإنشاء، كما ذهب إليه المصنف، فقال: إن قلت: كيف قال إن هذا لا يظهر فعله، ولا شك أنه يجوز أن تقول: حمدت الله حمداً، وأحمده حمداً؟ فالجواب: إنما تكلم س في حمداً الذي هو نفس الحمد- أعني الذي هو صيغة الإنشاء للحمد- وهذا لا يظهر معه الفعل، بل يتعاقبان، والذي أورده المعترض إنما هو محض الخبر عن الحمد لا نفس الحمد.
وقال أبو عمرو بن تقي: قوله- يعني س- حمداً وشكراً لا كفراً كذا يتكلم بالثلاثة مجتمعة، وقد تفرد، وقوله عجباً مفرد عنها.
وقال ابن عصفور: لا يستعمل كفراً إلا مع حمداً أو شكراً، ولا يقال أبداً حمداً وحده أو شكراً إلا أن يظهر الفعل على الجواز، ولا يلتزم الإضمار إلا مع لا كفراً، فهذه الأمور لما جرت مجرى المثل ينبغي أن يلتزم فيها ما التزمته العرب.
وقال س: «مما ينتصب على إضمار الفعل/المتروك إظهاره، ولكنه في معنى التعجب- قولك: كرماً وصلفاً، كأنه يقول: ألزمك الله».
ثم قال: «لأنه صار بدلاً من قولك: أكرم به وأصلف».
قال المصنف في الشرح: «هذا أيضاً مما يتناوله الخبر الإنشائي» انتهى.

وتفسير س العامل بقوله «ألزمك الله» هو تفسير من حيث المعنى؛ لأنه لا يتعجب إلا مما صار للإنسان كالسجية إذ كثر ذلك منه.
وقال بعض أصحابنا: «تنتصب بفعل من لفظها مضمر، تقديره: لكرم كرماً ولصلف صلفاً، ولم يظهر الفعل لنيابة المصدر منابه وتحمله الضمير، ولذلك قلنا إنه انتصب بكرم لأنه من أبنية التعجب؛ لأن أبنية التعجب ليس منها ما له مصدر إلا فعل» انتهى.
وقوله أو غير إنشائي مثل المصنف في الشرح ذلك بقولك في وعد من يعز عليك: أفعل وكرامة ومسرة، وكقولك للمغضوب عليه: لا أفعل ولا كيداً ولا هما، ولأفعلن ما يسوءك، ورغماً وهواناً.
انتهى.
وهو بعض مثل س. ولا يكون «أفعل ذلك وكرامة» إلا جواباً أبداً، وكأن قائلاً قال: افعل كذا، أو: أتفعله؟ فقلت: أفعله وأكرمك بفعله كرامة وأسرك مسرة، ولا يستعمل مسرة إلا بعد كرامة.
وكذا نعمى عين بعد حبا، لا يقال: مسرة وكرامة، ولا: نعمى عين وحبا.
وحذف الفعل لأنه أبلغ من ذكره؛ إذ الفعل إنما يدل على زمان مخصوص، والمصدر مبهم، فكان أبلغ، ولما يرى المخاطب من حاله الدالة على ذلك.
ويمكن أن يكون ما بعد الواو إنشاء.
و «كرامة» هذا اسم موضوع موضع المصدر الذي هو الإكرام، كالعطاء مع الإعطاء.
وكذلك نعمة عين، ونعام عين، وهو بفتح النون وضمها وكسرها،

وأنكر الأستاذ أبو علي الفتح، وهما اسمان في معنى إنعام، ولما كانت بمعنى المصدر ذكرت مع المصدر.
وتفسير س العامل في «ولا كيداً» بقوله «ولا أكاد» في تفسيره خلاف: ذهب الأعلم إلى أن أكاد هذه التي عملت في كيداً هي الناقصة.
وذهب الأستاذ أبو بكر بن طاهر إلى أنها هي التامة، والمعنى: ولا مقاربة.
وقال ابن خروف: «يريد: ولا أكاد كيداً، وهي من أفعال المقاربة.
ويحتمل أن تكون ناقصة، أي: ولا أكاد أقارب الفعل، وحذف الخبر للعلم له.
ويحتمل أن تكون تامة، وهما من هممت بالشيء» انتهى.
وقول س «ولأفعلن ذلك ورغماً وهواناً» جواب لمن قال: افعله وإن رغم أنفه رغماً وإن هان هواناً، وعلى النحو الذي جاء بها تستعملها، ولا تتعدى ذلك؛ إذ هي كالمثل، ويقال: أرغم الله/أنفه، ورغم الله أنفه.
وفي قول س «وقد جاء بعض هذا رفعاً» وإنشاده «عجب لتلك قضية» دليل على أنه لا يطرد، وهو مخالف لكلام ابن عصفور إنها تستعمل مرفوعة، وعجب مبتدأ، والخبر في لتلك، وجاز الابتداء به لأن فيه معنى المنصوب الذي فيه معنى الفعل، كأنه قال: أعجب لتلك، وقضية: تمييز أو حال.
وما ذهب إليه الأعلم من أن «عجب» مرفوعاً على الإهمال ليس بشيء، قال: لأنه لما دخله معنى الفعل لم يحتج إلى خبر؛ لأن الفائدة تمت بالمجرور، وهو الذي أفاد ما يفيده الخبر.

وقال صاحب كتاب «التمهيد»: يقال: نعم عين، ونعمى عين، ونعامى عين، ونعيم عين، ونعام عين، وإنما قدر الفعل الناصب لها رباعيا بالزيادة للدلالة على المعنى، لأن نعمك لا يقال، وإنما يستعمل بحرف الخفض، قال: نعم الله بالخيالين عيناً... وبمسراك- يا أميم- إلينا وكذلك يقدر في كرامة ومسرة وإن كانت من لفظ الثلاثي.
] وقول س «وقد جاء بعض هذا رفعاً، يبتدأ، ثم يبنى عليه»، قال في البسيط: صارت هذه بدلاً من الفعل، كما كانت في الدعاء والأمر لا يجوز إظهاره فيها لكونها بدلاً؛ كباب سقياً، ولا يكون الإضمار هنا إلا بعد ما يجري ذكر للمبني عليه، أو المتعجب منه، أو المحبوب، أو قول يدل عليه، أو حالة تقتضي ذلك، فذلك هو المجوز للإضمار.
وقد يرفع بعض هذه، وليس بقياس، إذا أردت معنى النصب كما كان في أخواته لأنه للفعل، خلافاً لبعضهم، قال: عجب لتلك قضية....................................... وإنما يريد: أعجب لتلك القضية عجباً، أي: لأجلها، فلما أنبته عن الفعل صار المجرور بعد المصدر على نحو ما هو بعد سقياً ورعياً، ورفعه على ذلك، ولذلك كان نكرة في معنى الفعل، كما كان في الدعاء والخبر في المجرور.

ويحتمل أن يكون خبراً، كأنه قال: أمري عجب لتلك، ولما أهم ميز بقوله قضية.
وقد رفعت على معنى: هي قضية.
ونصبت على: أعني.
وقيل: على التمييز.
ولو قلت حمد لله لكان على الفعل، أو على: أمري حمد لله، وهو أبعد عن معنى الفعل.
وأما إذا كانت معارف فالرفع فيها الوجه- كما كان النصب في النكرة [الوجه]- لأجل التعريف، فتقول في أل: الحمد لله، والعجب لك، والكرامة لك والمسرة.
ويظهر أنه قياس فيها لأنها في الأصل خبر، بخلاف باب الدعاء.
والرفع فيه معنى النصب، والمجرور خبر، أو صلة، والخبر محذوف، أي: شأني وأمري.
ويجوز النصب نظراً إلى الأصل، فتقول: الحمد لله، قال س: «ينصبها عامة بني تميم وناس كثير من العرب».
وكذلك العجب لك، و «لك» /بعده كما بعد النكرة، قال س: «كأنك قلت: حمداً وعجباً، ثم أتيت بلك لتبين من تعني».
وأما المضاف فنحو: حمد الله وثناء عليه، أي: وشأني، قاله بعض العرب جواباً لمن قال: كيف أصبحت؟ وفيه معنى المنصوب، والرفع في هذا يفارق النصب بما ذكرناه في الدعاء].

وقوله أو في توبيخ إلى قوله أو [غائب] في حكم حاضر مثال التوبيخ مع الاستفهام قول الشاعر: أذلا إذا شب الغدا نار حربهم... وزهواً إذا ما يجنحون إلى السلم ومثال التوبيخ دون الاستفهام قوله: خمولاً وإهمالاً، وغيرك مولع... بتثبيت أسباب السيادة والمجد ومثاله للنفس قول عامر بن الطفيل يخاطب نفسه: «أغدة كغدة البعير، وموتاً في بيت سلولية».
ومثاله لمخاطب قوله: أطرباً وأنت قنسري ومثاله لغائب في حكم حاضر قولك وقد بلغك أن شيخاً يلعب: ألعباً وقد علاك المشيب! وفي البسيط: لابد من مشاهدة الحال أو تقدير مشاهدتها، ففي الاستفهام لا يكون إلا مضمراً إنكاراً عند كونه ملتبساً بالفعل، أو تحسراً وتندماً، نحو: أطرباً وأنت قنسري أي: شيخ.
والمقدر هنا فعل حال حاصلاً أو مقدراً.

والمصدر ينتصب في الأصل على الإطلاق، ولكن غيره معنى التنكير لتغييره الخبر.
وقد قيل: إنه على الحال المؤكدة؛ لأنه قال س فيه: «ولكنه يخبر أنه في تلك الحال في جلوس وقيام»، وإنما يريد أنه في الزمان والحال في حال الجلوس، فأدخل في على المصدر، فهو حال.
قلت: الفعل هو الحال، فعبر عنه بالمصدر والزمان، ولذلك قال: «وإنما أراد: أتطرب، أي: أنت في حال طرب؟» ففسر الفعل بالحال.
وقد يجوز أن يكون حالاً.
وقيل: يدل عليه أنه لا يجوز أن تقع هنا المعرفة، فلا تقول: الضرب والناس منطلقون؛ لأن الحال لا تكون معرفة، فلزوم التنكير دل على قصد الحال.
ومثال التحسر قول عامر بن الطفيل: «أغدة» إلى آخره.
ومثال الذم والتوبيخ: أعبداً حل في شعبى غريباً... ألؤماً- لا أبا لك- واغترابا أي: أتلؤم لؤماً، وتغترب اغتراباً، أي: أتجمع بين الأمرين.
قال س: «وهو كثير في كلام العرب».
وفي غير استفهام إن تكرر نحو: زيد سيراً سيراً، فلا يجوز الإظهار، ويكون معرفة ونكرة.
وإن أفراد: فإن لم يقصد معنى التكرير/والتنبيه على الخبر كان

الحذف على غير الوجوب لقرينة لفظية أو حالية، نحو: غضب الخيل على اللجم، كأنه قال: غضبت، إذ رآه غضبان.
وإن لم يكن يقصد ذلك المعنى كان الوجوب، ومنه: وعدت وكان الخلف منك سجية... مواعيد عرقوب أخاه بيترب ومنه: أوفرقاً خيراً من حب: أي: أفرقك فرقاً خيراً من حب، جواباً لمن قال: أتحبني؟ فقطعته عليه بـ «أو» وأنشد س في الإفراد الواجب: سماع الله والعلماء أني... أعوذ بحقو خالك يا بن عمرو يريد: أسمع إسماعاً الله، قال س: «جعل نفسه في حال من يسمع، فصار بمنزلة من جعله في حال سير».

ولم يتعرض س للرفع في هذا النوع، ولا يبعد جوازه على تقدير الابتداء، أي: شأنك الطرب، والتعوذ، ونحوه، كما يرفع: حنان، وسمع وطاعة، وقد رفعوا: غضب الخيل على اللجم، على تقدير: غضبك غضب الخيل.
وفي البسيط: «أما ما بين محتمل الجملة فما وقع: أنت قد ملكت فإما عدلاً وإما جوراً، ولو قلت فعدلاً أو جوراً لصح، ومنه: وقد كذبتك نفسك، فاكذبنها فإن جزعاً، وإن إجمال صبر وما لم يقع: إما أملك فعدلاً وإحساناً، أي: فأعدل وأحسن.
وكذلك: ألم تعلم يا فلان مسيري فإتعاباً وطرداً.
ولا يبعد أن يفرد ولا يكرر، فتقول: إما أعطي فمنا، على ما جاز: زيد سيراً، من غير تكرير، ولم أقف عليه.
وأما ما يأتي لمقتضى الجملة فهو مشبه للتأكيد، لكنه قطعه عنه، وصيره إخباراً مستأنفاً، كقول جرير: ألم تعلم مسرحي القوافي... فلا عيا بهن ولا اجتلابا فقد علم أن المسرح لها هو الذي يأتي بها من غير تكلف، ولا يعيا بها، ولا يجتلبها، لكنه لما قدر على ذلك أخبر بأنه لا يعيا بها عيا، ولا يجتلبها اجتلاباً، وقطعه بالفاء من الأول.

ويجوز الرفع في هذه، ونص س عليه؛ لأنه أجاز الرفع في «إن جزعاً وإن إجمال صبر» على: أمري ذلك» انتهى ملخصاً من البسيط.
وقوله أو لكونه تفصيل عاقبة طلب مثاله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
وقوله أو خبر مثاله/قول الشاعر: لأجهدن فإما درء واقعة... تخشى، وإما بلوغ السؤل والأمل وقوله أو نائباً عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر مثال التكرير قوله: أنا جداً جداً، ولهوك يزد اد، إذا ما إلى اتفاق سبيل ومثال الحصر قوله: ألا إنما المستوجبون تفضلاً... بداراً إلى نيل التقدم والفضل قال المصنف في الشرح: «واشترط كون هذا بتكرير ليكون أحد اللفظين عوضاً من ظهور الفعل، فبينت بذلك سبب التزام إضمار الفعل، وقام الحصر مقام التكرير؛ لأنه لا يخلو من لفظ يدل عليه، وهو إنما، أو إلا بعد نفي، فجعل ذلك أيضاً عوضاً، ولأن في الحصر من تقوية المعنى ما يقوم مقام التكرير.

ويشترط كون المخبر عنه اسم عين لأنه لو كان اسم معنى لكان المصدر خبراً فيرفع، كقولك: جدك جد عظيم، وإنما بدارك بدار حريص، وإذا كان اسم عين لم يصلح جعل المصدر خبراً له إلا على سبيل المجاز، فإذا لم يصلح جعله خبراً تعين نصبه بفعل هو الخبر، فتقدير أنا جدًّا جدًّا: أنا أجد جدًّا، وتقدير إنما المستوجبون تفضلاً بداراً: إنما المستوجبون تفضلاً يبادرون بداراً.
فلو عدم الحصر والتكرير لم يلزم الإضمار، بل يكون جائزاً هو والإظهار».
والمصدر إن كرر وجب إضمار الفعل، نحو: زيد سيراً سيراً، وإن زيداً سيراً سيراً، وكان زيد سيراً سيراً، وكذا في أخواتهما.
وفي النفي: ما أنت سيراً سيراً.
وفي الاستفهام: أأنت سيراً سيراً؟ ويجوز أن يكون معرفاً، تقول: زيد السير السير.
وسواء أخبرت عن نفسك أم غيرك، ولا يكون ذلك إلا إذا رأيته على تلك الحال، أو ذكر ذلك، أو قدرت ذلك لنفسك أو غيرك، وذلك على جهة الاتصال، أي: السير متصل بعضه ببعض، أي: توقعه سيراً متوالياً.
ومثله في التكرير ما كان بغير لفظه، نحو: أنت قياماً قعوداً، إذا كان لا يريد أحدهما.
وكذلك ما عطف عليه مصدر آخر بحرف عطف، نحو: زيد ضرباً وقتلاً، وزيد سيراً وردًّا.
وكذلك غير الواو، نحو: أما تقول زيد إما قياماً وإما قعوداً.
وإن لم يكرر والمصدر مثبت بعد نفي أو ما في معناه وجب إضمار/العامل، نحو: ما أنت إلا سيراً، وما أنت إلا السير، وإنما أنت سيراً، وما أنت إلا ضرب الناس، وضرباً الناس، على التشبيه، أي: تضرب ضرباً مثل ضرب الناس، وما أنت إلا شرب الإبل، على التشبيه والإضافة ليس إلا، والإخبار فيه على ما تقدم من مشاهدة الحال والاتصال.

وإن لم يكن مثبتاً بعد نفي أو ما في معناه، وكان فيه الاستفهام، نحو: أأنت سيراً؟ لم يجز إظهاره، قيل: لأن ما فيه من معنى الاستفهام الطالب للفعل كأنه ناب عن التكرير.
وأما ما ليس فيه ذلك، نحو: زيد سيراً، وما زيد سيراً، ونحوه- فقيل: لا يجب إضمار العامل، بل يجوز إظهاره، وس قد نص على أنت سيراً أنه مما لا يجوز إظهاره؛ لأنه أدخله في الباب، فكذلك: ما أنت سيراً؛ لأنه لا يدل على الفعل.
وقد أطلق بعضهم جواز ذلك، ولم يفرق بين الاستفهام وغيره.
وهذا النوع- يعني ما نصب على الفعل الواجب إضماره- يجوز فيه الرفع على جهة المجاز والاتساع: أما ما كان غير مكرر فيجوز فيه.
ويظهر من قول س أنه قياس مطرد، وكذلك في المعطوف، قال س: «وإن شئت رفعت هذا كله».
وأنشد س: .................. فإنما هي إقبال وإدبار ولم يذكر س نصب المعطوف، لكنه يخرج من الرفع، والرفع فيه على معنى النصب من المشاهدة أو تقديرها لأنه مرفوع من هذه الغاية.
وأما إنشاء الأخبار في هذا النوع نحو زيد عدل فلا يدخل هنا، بل يكون سماعاً، ولا تجعله إياه حتى تشاهد امتزاجه به حتى كأنه هو ثم تجوزت في التشبيه.
ويجوز في المتكرر بالعطف

أن يتسع في الأول دون الثاني إذا كان أحدهما منفصلاً في المعنى من الثاني، نحو: ما زيد ضرب وقتلاً، أي: ولا يقتل قتلاً، أنشد س: لعمرك ما دهري بتأبين هالك... ولا جزع مما أصاب، فأوجعا أنشده على التجوز فيهما؛ لأنه يريد: وما دهري دهر جزع، قال: «والنصب جائز».
وأما إن لم ينفصلا، نحو: زيد سيراً ورداً؛ لأنك تريد: لا يثبت على حالة- فهذا المعنى لا يستقل به أحدهما، فلا بد من رفعهما، كقوله: .................... فإنما هي إقبال وإدبار وما كان مكرراً يضعف الرفع فيه لقوة دلالة الفعل على المعالجة، لكنه جائز، ولا يكون في أحدهما دون الآخر، بخلاف الآخر.
انتهى ملخصاً من البسيط.
وقوله أو مؤكد جملة ناصة إلى آخره قال المصنف في الشرح: «ومن المضمر عامله وجوباً المصدر المؤكد مضمون جملة، فإن كان لا يتطرق إليها احتمال/يزول بالمصدر سمي مؤكداً لنفسه؛ لأنه بمنزلة تكرير الجملة، فكأنه نفس الجملة، وهو كقوله: له علي دينار اعترفاً.
وإن كان مفهوم الجملة يتطرق إليه احتمال يزول بالمصدر فتصير الجملة به نصاً سمي مؤكداً لغيره؛ لأنه ليس بمنزلة تكرير الجملة، فهو غيرها لفظاً ومعنى، وذلك كقولك: هو ابني حقاً» انتهى.
وهذا المصدر المؤكد به في ضريبه يجوز أن يأتي نكره، ومعرفة بالألف واللام، وبالإضافة، فمما استعمل معرفة بأل ونكرة: الحق، والباطل، تقول: هذا

عبد الله حقاً، وهذا زيد الحق لا الباطل.
وغير وقول تستعمل مضافة لمعروف، نحو: هذا القول لا قولك، وهذا القول غير ما تقول، ويجوز: هذا الأمر غير قيل باطل، وقال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾، و ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن الكلام الذي قبله صنع ووعد.
وفي البسيط: فالنكرة هذا عبد الله حقاً وقطعاً ويقيناً.
وقيل: منه: هو عالم جداً، كقوله: وإن الذي بيني وبين بني أبي... وبين بني عمي لمختلف جداً وس يقول في قولك هو حسيب جداً: إنه على الحال؛ لأنه يجري عنده وصفاً في قولك: هو العالم جد العالم، فكان على الحال.
ومنه لا إله إلا الله قولاً حقاً.
والمعرفة: هذا عبد الله الحق لا الباطل، واليقين لا الشك، ولا يبعد أن يكون غير مردود، فتقول: هذا عبد الله الحق، وجوزه المبرد.
وقد التزم في بعضها التعريف، فلا يستعمل على التأكيد إلا معرفة، نحو: البتة، كقولك: لا أفعله البتة، ومعناه القطع، ولا عودة له البتة، وأنت طالق البتة، لا يستعمل دون ألف ولام، فأما قوله:

وإني لآتيها، وفي النفس هجرها... بتاتاً لأخرى الدهر ما طلع الفجر فهو على الحال.
وقيل: من هذا الباب، وهو شاذ.
وما كان من اللفظ في الإثبات، كقولك: هذا القول قول الحق، وهذا كلامك لا كلام الناس، وهذا القول لا قولك، وهذا زيد غير ما تقول، وهذا الأمر غير قيل باطل؛ لأن الأمر بمنزلة القول، أو لأن «غير قيل باطل».
بمعنى حقاً.
ومثله: غير ذي شك، وأصله الوصف، كأنك قلت: قولاً غير ذي شك.
قال أبو علي: تقول: غير ذي شك زيد منطلق، فتقدم وتؤخر عن العامل فيه المعنى وإن كان متقدماً؛ لأن «غير ذي شك» نقيضة: ظني، وظني قد أجري مجرى الظرف، والظرف يعمل فيه المعنى متقدماً، نحو: أكل يوم لك ثوب، وكذلك هذا.
فما كان مصدراً نصب بفعل من لفظه، كأنك قلت: أحق وأقطع وأبت.
أو غيرها فبإضمار أقول، أي: أقول غير ما تقول.
وأجاز/الفراء والمبرد رفع جميع ذلك، ولم ينص س إلا على الأول، يعني: ما كان توكيداً لنفسه.
قال في البسيط: «ولا يبعد القياس عليه، وهو أولى؛ لأنه إخبار ثان بزيادة فائدة، ورفعه على ما ارتفع عليه الأول، وقرئ بالوجهين: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ رفعاً ونصباً، والتقدير في الرفع: هذا القول قول الحق.
وأجاز بعض النحويين أن يقع هنا الحق تأكيداً.
وهذا لا يكون على التوكيد» انتهى.

وقال المصنف في الشرح: «وأما قولهم أجدك لا تفعل فأجاز فيه أبو علي الفارسي تقديرين: أحدهما أن يكون لا تفعل في موضع الحال.
والثاني أن يكون أصله: أجدك أن لا تفعل، ثم حذفت أن، وبطل عملها.
وزعم أبو علي الشلوبين أن فيه معنى القسم، ولذلك قدم» انتهى.
فإن قلت: كيف أدخل س هذا في المصدر المؤكد لما قبله، وليس كذلك؛ لأنك إذا فرضته مؤكداً فإنما يكون مؤكداً لما بعده.
قلت: إنما هو جواب لمن قال: أنا لا أفعل كذا، وبلا شك أن المتكلم يحمل كلامه على الجد، فهو مجد فيما يقول، فإذا قلت أتجد ذلك جداً فهو مؤكد لما قبله، لكنه لم يستعمل قط إلا مضافاً.
وقال الشاعر: خليلي، هبا، طالما قد رقدتما... أجدكما لا تقضيان كراكما وقال آخر: أجدك لن ترى بثعيلبات... ولا بيدان ناجية ذمولا وقال آخر: أجدك لم تغتمض ليلة... فترقدها مع رقادها استعمل لن ولم استعمال ما لأنها للحال.
وقيل: ليس كذلك لأنه استفهم في الأول عن شيء مستقبل، وفي الثاني عن شيء ماض.

وقولهم أجدك لا تفعل كذا بمنزلة: أحقاً لا تفعل كذا، وكأنه قال: أجد جداً، كما تقول: أحق حقا.
وقوله والأصح منع تقديمهما يعني أنه لا يجوز أن تقول: اعترافاً له علي دينار، ولا: حقا هو ابني، على الصحيح.
وسبب ذلك أن العامل في هذا المصدر هو فعل يفسره مضمون الجملة المتقدمة من جهة المعنى؛ إذ تقديره: أعترف بذلك اعترافاً، وأحقه حقا، فأشبه ما العامل فيه معنى الفعل، فكما لا يجوز تقديم ما عمل فيه معنى الفعل على معنى الفعل كذلك لا يجوز تقديم هذا المصدر على الجملة المفسرة ما كان عاملاً فيه.
والذي منع التقديم هو الزجاج ومن أخذ بمذهبه.
/وأجاز توسيطه، فتقول: هذا حقا عبد الله.
قيل له: كيف أجرت توسيطه ولم يتقدم شيء يدل على الفعل؟ قال: إذا تقدم جزؤه فلا بد له من جزء آخر ينضاف إليه، والجزء الأول المراد ضمه إلى غيره مبني على التحقيق، فقد تقدم ما يدل على الفعل، ويدل على التوسط قوله: وكذاكم مصير كل أناس... سوف حقا تبليهم الأيام وقال: إني- ورب القائم المهدي- ما زلت حقا- يا بني عدي- أخا اعتلال، وعلى أدي أي: سفر.
ومن ذهب إلى جواز التقديم استدل بقولهم: أحقا زيد منطلق؟ وذلك أن الهمزة تتعين أن تكون داخلة على الفعل الناصب للمصدر، فالمعنى: أأحق حقا؛

لأن تقدير دخولها على ما بعد المصدر، فيكون المعنى أزيد منطلق حقا- يؤدي إلى الفصل بين همزة الاستفهام والمستفهم عنه بجملة، ولا نعلم أحداً أجاز ذلك إلا يونس، قال في قوله: أحار، ترى برقاً، أريك وميضه.................... إن الهمزة للاستفهام لا للنداء، والمعنى: أترى- يا حار- برقاً.
قال: «ولا يجوز أن يكون نداء؛ لأن المعنى في ترى على الاستفهام، ولا يجوز حذف حرف الاستفهام إلا أن يكون في الكلام ما يدل عليه، نحو: ......................... بسبع رمين الجمر أم بثمان» انتهى.
وعلى تقدير صحة مذهبه يكون ذلك جائزاً في الشعر، فلا يدعى في الكلام، وتبين بذلك أنه قد تقدم مع أنه لم يتقدمه دليل.
وأول من منع ذلك على أن قولهم: أحقا زيد منطلق؟ انتصب انتصاب الظرف لا انتصاب المصدر المؤكد، والمعنى: أفي حق زيد منطلق؟ وقد نص س في أحقا أنك منطلق على أنه ظرف خبر للمبتدأ الذي هو أن المفتوحة.
وفي البسيط: قيل: يجوز أن يتوسط هذا المؤكد، فتقول: والله قسماً لأفعلن، وله علي عرفا ألف درهم.
وقيل: مثله قول الأحوص: إني لأمنحك الصدود، وإنني... قسماً إليك مع الصدود لأميل

وأصله: إنني لأميل قسماً.
وعند الزجاج أن هذا النوع كله إنما يؤكد به لإزالة احتمال ما، ولو على بعد أو تقدير، وإلا لم تكن فيه الفائدة.
وهي في كلها بإضمار أفعال من لفظ المصدر، كأنه قال: أعترف اعترافاً، وصبغ الله صبغة، وصنع صنعة، وكتب كتابه، ونحوه.
ويجوز رفع ذلك كله بنص س على تقدير الابتداء، ويكون /لازم الإضمار كالفعل، كأنك قلت: ذاك صنع [الله]، وصبغته، أو: هو، ونحوه.

-[ص: ومن الملتزم إضمار ناصبه المشبه به مشعراً بحدوث بعد جملة حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ، ولا صلاحية للعمل فيه، وإتباعه جائز، وإن وقعت صفته موقعه فإتباعها أولى من نصبها، وكذا التالي جملة خالية مما هو له.]-

ش: يعني بقوله المشبه به المصدر المشبه به، ومثال ذلك: مررت به فإذا له صوت صوت حمار، ومررت به فإذا له صراخ صراخ الثكلى، قال: مقذوفة بدخيس النحض، بازلها... له صريف صريف القعو بالمسد وقال الجعدي:

لها بعد إسناد الكليم وهدئه... ورنة من يبكي إذا كان باكيا هدير هدير الثور، ينفض رأسه... يذب بروقيه الكلاب الضواريا واحترز بقوله مشعراً بحدوث مما لا يشعر بتجدد حدوث، كقولك: له ذكاء ذكاء الحكماء.
قال المصنف: «ولا يجوز النصب؛ لأن نصب صوت وشبهه لم يثبت إلا لكون ما قبله بمنزلة يفعل مسنداً إلى فاعل، فقولك مررت بزيد وله صوت بمنزلة قولك: مررت به وهو يصوت، فاستقام نصب ما بعده لاستقامة تقدير الفعل في موضعه، وإذا قلت مررت بزيد وله ذكاء فلست تريد أنك مررت به وهو يفعل، بل أخبرت عنه بأنه ذو ذكاء، فنزل ذلك منزلة: مررت به وله يد يد أسد، فكما لا ينصب يد أسد لا ينصب ما هو بمنزلته، فإن عبرت بالذكاء عن عمل دال على الذكاء جاز النصب» انتهى.
وقال س: «فإنما انتصب هذا لأنك مررت به في حال تصويت، ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلاً منه، ولكنك لما قلت له صوت علم أنه قد كان ثم عمل، فصار قولك له صوت بمنزلة قولك: فإذا هو يصوت، فحملت الثاني على المعنى».
ثم قال: «كأنه توهم بعد قوله له صوت: يصوت صوت الحمار، أو يبديه، أو يخرجه صوت حمار» انتهى.
فانتصابه على هذا هو على أن يكون مصدراً مبيناً إن قدرت العامل من لفظ صوت، أو على أن يكون حالاً إن قدرت العامل من غير لفظ صوت.
قال س: «فانتصب» وهو مرفوع فيه، وعلته لأنه قدره: «يصوت» تارة، و «يبديه» أخرى، فإذا كان «يبديه مثل صوت الحمار» فهذه حال وقع عليها الفعل؛ لأن الصوت

ليس من جهة صفة الإبداء، وإذا كان «يصوت» كان حالاً وقع فيها الفعل بمعنى سقط؛ لأن الصوت الذي هو مثل صوت الحمار من صفة التصويت، وسيبويه يجعل الحال إذا كانت من صفة الفعل حالاً وقع فيها الفعل، نحو: جاء زيد مسرعاً؛ لأن السرعة من صفة المجيء، وإذا كانت من صفة الفاعل جعلها حالاً وقع عليها الفعل، نحو: جاء زيد ضاحكاً؛ لأن الضحك من صفة زيد لا من صفة المجيء.
واحترز بقوله بعد جملة من أن يكون بعد مفرد، فإنه لا يجوز فيه النصب، مثاله: صوته صوت حمار.
فإن كان المفرد يتضمن إسناداً معنوياً فهل يجري مجرى الجملة أم يجري مجرى المفرد؟ في ذلك نظر، مثاله: زيد له صوت صوت حمار، إذا جعلت صوت/مرفوعاً بالمجرور، ويكون التقدير: زيد كائن له صوت صوت حمار.
واحترز بقوله حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ من نحو قوله: عليه نوح نوح الحمام؛ لأن الهاء في عليه ليست بفاعل، وفيها صوت صوت حمار، فـ «صوت حمار» بدل أو صفة.
قال المصنف في الشرح: «ويضعف النصب لأنه إنما استحسن في له صوت صوت حمار لأن صوت بمنزلة هو يصوت لاشتماله على صاحب الصوت والصوت، فجاز أن يجعل بدلاً من اللفظ بيصوت مسنداً إلى ضمير، بخلاف فيها صوت، فإنه لم يتضمن إلا الصوت، فلم يحسن أن يجعل بدلاً من اللفظ بيصوت.
ومع ذلك فالنصب جائز على ضعف؛ لأن الكلام الذي قبله وإن لم يتضمن اسم ما هو فاعل في المعنى فكونه جملة متضمنة للصوت كاف، فإنك إذا قلت فيها صوت علم أن فيها مصوتا لاستحالة صوت بلا مصوت».

قال س: «هذا صوت صوت حمار؛ لأنك لم تذكر فاعلاً، ولأن الآخر هو الأول».
ثم قال: «وإن شبهت فهو رفع؛ لأنك لم تذكر فاعلاً يفعله».
ثم قال: «ولو نصبت كان وجهاً؛ لأنه قد علم أن مع النوح والصوت فاعلين».
وقال بعض أصحابنا: أفعال العلاج إما أن يتقدم فيها الضمير الذي هو فاعل في المعنى، نحو: فإذا له صوت صوت حمار، وإما أن يتأخر، نحو: فإذا صوته صوت حمار، وإما أن يذكر لا متقدماً ولا متأخراً، نحو: هذا صوت صوت حمار.
واحترز بقوله ولا صلاحية للعمل فيه مما يكون فيه صلاحية للعمل فيه، نحو قولك: هو مصوت صوت حمار، فانتصاب صوت حمار بقولك مصوت، فهذه جملة تضمنت ما فيه معنى الفعل والصلاحية للعمل، فهو العامل للنصب فيه.
وقال الأستاذ أبو علي: «مررت به فإذا له صوت صوت حمار من هذه المسألة، إن كان منكراً فنصبه على وجهين: على الحال، وعلى المصدر، وعلى الحال على وجهين: على حذف مثل، وتقدر إن شئت: له صوت يبديه مثل صوت حمار، أو: له صوت يصوت مثل صوت حمار.
أو لا على حذف مثل، وتجعل صوت حمار بإزاء: منكر، وتأخذ منه المعقول لأنه جنس، ويكون التقدير: يبديه في حال أنه صوت حمار، أي: منكراً.
أو تجعل صوت حمار صوته مجازاً، ولا تأخذ منه المعقول، بل تأخذه بإزاء نسبته إلى الحمار، كما تقول: فلان يضرب ضرب زيد أمس، فإن هذا لا يتصور إلا على حذف مثل، أو على هذا الوجه الأخير، كأنك جعلت ضرب هذا الضارب هو ضرب زيد أمس مبالغة واتساعاً.
ولا يمكن أن تفعل فيه ما فعلت في

صوت حمار من حمله على الوجه الثاني؛ /لأنك فيه أخذت صوت حمار معقولاً ذهنياً، فيمكن أن يوقع، وهذا أخذته شخصياً حاصلاً في الوجود قد انقرض، فمحال أن يوقع.
فهذه ثلاثة أوجه، وفي كل واحد منها تترك الصوت على وضعه من أنه الحقيقة الناشئة عن التصويت، لا تجعله بمنزلة التصويت الذي هو فعلك من تهيئة الأسباب الموجبة للصوت.
وإن جعلته مصدراً تصورت فيه هذه الوجوه كلها، فيمكن أن تقدر: مررت به فإذا له صوت يصوت تصويتاً مثل تصويت حمار، ثم حذفت تصويتاً، وتركت مثل في الكلام، وكان صفة له، فصار نصبه على المصدر لأنها صفة مضافة إلى المصدر، بخلاف رويداً، ثم حذفت المضاف، وأقمت المضاف إليه مقامه، وأعربته مصدراً، ثم وضع الصوت موضع التصويت، هذا وجه.
والوجه الآخر: أن يكون: فإذا له صوت يصوت صوت حمار، وجعل صوت حمار مصدراً يصل إليه يصوت بنفسه من غير حذف على التجويزين المتقدمين في الحال؛ ولا بد في هذا كله من إخراج صوت عن وضعه وتصييره في موضع التصويت.
وأما إن كان معرفة فلا يتصور فيه إلا نصبه على المصدر» انتهى كلامه.
فإن قلت: ما الداعي إلى أن يضمر ناصب لقوله صوت حمار؟ وهلا نصب بقوله صوت من قوله: له صوت، وكأنك قلت: له أن يصوت صوت حمار.
فالجواب: أنه لم يرد بقوله فإذا له صوت أنه يعالج الصوت، ويخرجه على هذه الصفة، وإنما أريد به ما يسمع.
وكذلك: له هدير، لم يرد أنه يحاول الهدير، إنما أريد ما يسمع.
والصوت هنا ليس المصدر الذي ينحل بحرف مصدري والفعل، ولا الذي يكون بدلاً من لفظ الفعل في الأمر والاستفهام، وإنما يراد به ما هو ناشاء عن التصويت.

وقوله وإتباعه جائز يعني رفعه: فإن كان نكرة جاز فيه وجهان: أحدهما الصفة، والثاني أن يكون بدلاً.
وقد أشار س إلى الوجهين في صدر المسألة حين قال: «ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلاً منه».
ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو صوت حمار.
وإن كان معرفة كقوله: «لها هدير هدير الثور» فالبدل.
ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف.
ولا يجوز أن يكون صفة لأنه معرفة، وصوت قبله نكره.
وأجاز ذلك الخليل؛ لأنه عنده في معنى النكرة، ألا ترى أنها في المعنى مضاف إليها مثل.
وزعم س أن هذا قبيح ضعيف، لا يجوز إلا في موضع اضطرار.
وهو الصحيح على ما يبين في باب النعت، إن شاء الله.
واختلف في أيهما الوجه: النصب أم الرفع: فقال ابن/خروف: النصب في هذا الباب الوجه؛ لأن الثاني ليس بالأول، فيدخله المجاز والاتساع.
وقال ابن عصفور: الرفع والنصب فيه متكافئان؛ لأن النصب فيه الإضمار وإن كان ثم ما يدل عليه، وفي الرفع المجاز؛ لأنه جعل الأول فيه الثاني، وليس به.
وقوله وإن وقعت صفته موقعه فإتباعها أولى من نصبها مثال ذلك: له صوت أيما صوت، وله صوت مثل صوت الحمار، ذكر س أن الاختيار فيه الرفع.
وكذلك إذا ذكرت صوتاً ووصفته، نحو قولك: له صوت صوت حسن؛ لأنك إنما أردت الوصف، فذكرت صوتاً توطئة له، فلما لم ترد أن تحمله على الفعل، وكان الآخر الأول- رفعت.

وقال س: «وإن قلت: له صوت أيما صوت، أو: مثل صوت الحمار، أو: له صوت صوتاً حسناً- جاز، زعم ذلك الخليل.
ويقوي ذلك أن يونس وعيسى جميعاً زعما أن رؤبة كان ينشد هذا البيت نصباً: فيها ازدهاف... أيما ازدهاف فحمله على الفعل الذي ينصب صوت حمار؛ لأن ذلك الفعل لو ظهر نصب ما كان صفة وما كان غير صفة» انتهى.
فالتقدير: يصوت صوتاً حسناً، ويصوت أيما صوت، ويصوت مثل صوت الحمار.
وقوله وكذا التالي جملة خالية مما هو له مثاله: هذا صوت صوت حمار، وعليه نوح نوح الحمام، وفيها صوت صوت حمار.
ويعني بقوله وكذا أي: الإتباع أولى من النصب، وتقدم كلام المصنف على شيء من هذا.
وقال: «ولو نصبت كان وجهاً؛ لأنه إذا قال: هذا صوت، أو هذا نوح، أو عليه [نوح]- فقد علم أن مع النوح والصوت فاعلين، فحمله على المعنى، كما قال: ليبك يزيد ضارع لخصومة....................... قال المصنف في الشرح: «ويلحق بله صوت صوت حمار قول أبي كبير الهذلي:

ما إن يمس الأرض إلا منكب... منه، وحرف الساق، طي المحمل ولذلك قال س: صار ما إن يمس الأرض بمنزلة: له طي».

-[ص: وقد يرفع مبتدأ المفيد طلباً، وخبراً المكرر والمحصور والمؤكد نفسه والمفيد خبراً إنشائياً وغير إنشائي.]-

ش: المفيد طلباً قولك: صبر صبر.
ومنه غير مكرر قول حسان: أهاجيتم حسان عند ذكائه... فغي لأولاد الحماس طويل وقول الآخر: يشكو إلي جملي طول السرى... صبر جميل، فكلانا مبتلى/ ومثاله خبراً: أنت سير سير.
ومثال المحصور: إنما أنت سير.
ومثال المؤكد نفسه: له علي دينار اعتراف، ورفعه على إضمار مبتدأ، أي: هذا الكلام اعتراف.
ومثال المفيد خبراً إنشائيا قول الشاعر: عجب لتلك قضية............................................... ومثال المفيد خبراً غير إنشائي قول الشاعر:

جارٍ التحميل