وقوله ولا يُطلق المنع، خلافًا للفراء منع الفراء من تقديم خبر زال وأخواتها عليها بأي حرف كان النفي.
وقوله ولا الجواز، خلافًا لغيره من الكوفيين يعني أن غير الفراء من الكوفيين أجاز تقديم الخبر مطلقًا سواء أنفي بما أم بغيره، فتقول: قائمًا ما زال زيد، وهذا المذهب مشهور نقله عن ابن كيسان، ورُوي عن الكسائي والأخفش، وقال به أبو جعفر النحاس، واختاره ابن خروف، وحكاه صاحب "البسيط" عن ابن كيسان وبقية الكوفيين.
واحتج ابن كيسان على ذلك بأن هذه الأفعال وإن كانت منفية في اللفظ، فإنها مُوجبة في المعنى؛ ألا ترى أن معنى "ما زال زيد عالمًا" ثبوت العلم له لا نفيه عنه، فجرت مجرى "كان"، ويدل على مراعاة هذا المعنى لها كونهم لم يُدخلوا "إلا" على خبرها كما لا تدخل/ على خبر كان الثبوتية.
ورُد هذا المذهب بأن المراعى في التقديم إنما هو اللفظ لا المعنى؛ ألا ترى أنهم لا يُجيزون في "ما ضربت غير زيد" تقديم "غير" وإن كان المعنى على الإيجاب، رعيًا للفظ "ما"، فكذلك هذا.
فرع: إذا توسط الخبر بين "ما" وهذا الأفعال نحو "ما قائمًا زال زيد" فأكثر النحويين على جواز ذلك، وبعضهم منعه.
وفي البسيط: "واحتج بأنها لزمت "ما"، وانقلب معناها بها، ولذلك المعنى عملت في الخبر، فغلب عليها حكم الحرف، فلم يُتصرف في معمولها، ولأنها مع "ما" كـ "حبذا"، فلا يُفصل بينهما.
ولم يُراع الجمهور هذا".
وقال أيضًا: "الاتفاق على أنه لا يجوز تقديم أخبارها على "ما" إذا كان النفي غير لازم، نحو "ما كان" وأخوتها".
وفي الإفصاح: "ومن منع من التقديم - يعني تقديم الخبر على الفعل لا على "ما" - احتج بأنها إذا لم تدخل عليها "ما" لم تعمل بأنها نفي في المعنى، تقول: برح الخفاء، وزال زيد، وانفك عن كذا أو منه، أي: انصرف، فإذا أدخلت هذا، ونفيت الزوال وما في معناه انعكس المعنى إثباتًا، وصارت هذه الأفعال لمصاحبة هذا الحرف تدل على دوام الصفة للموصوف، وهو معنى وجود الخبر للمخبر عنه دائمًا، لم يتهيأ هذا المعنى وهذا الاقتضاء وهذا العمل إلا بالحرف، فكان الحرف هو العامل، فلم يتصرف هذا الفعل في معموله لغلبة الحرف عليه، وكأنه حرف" انتهى.
وهذا التعليل يقتضي امتناع التقديم على الاسم إذا نفي بـ "لا" أو بـ "إن" النافية، نحو: لا يزال زيد محسنًا، وإن يزال زيد محسنًا.
وقوله ولا يتقدم خبر "ما دام" اتفاقًا نحو: لا أصحبك طالعة ما دامت الشمس، لأن "طالعة" معمول لصلة ما، ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول.
وفي الإفصاح: "لا يُقدم الخبر على "دام" لأنها بمنزلة "أن"؛ لأن الحرف المصدري لا يُفصل بينه وبين فعله لأنه كالجزء منه، ولا على "ما" لما تقدم من أن الحرف المصدري لا يعمل ما بعده فيما قبله، كما لا يتقدم بنفسه عليه".
وقال ابن المصنف الإمام بدر الدين محمد: "ما هذه - يعني في ما دام - ملتزمة صدر الكلام، ولا يُفصل بينها وبين صلتها بشيء، فلا يجوز تقدم الخبر على دام وحدها، ولا عليها مع ما.
ومثل دام في ذلك كل فعل قارنه حرف مصدري، نحو: أريد أن تكون فاضلًا" انتهى.
وليس كما ذكر، بل الحرف فيه تفصيل بين أن يكون عاملًا أو غير عامل، إن كان غير عامل جاز أن يتقدم على الفعل لا على الحروف، نحو قولك: عجبت مما زيدًا تضرب، تريد: مما تضرب زيدًا.
وإن كان عاملًا ففي جواز التقديم خلاف، ومذهب البصريين المنع.
فمقتضى ما ذكرناه أن يجوز: لا أصحبك ما طالعة دامت الشمس، وهو الذي يقتضيه القياس على: عجبت مما زيدًا تضرب، إلا إن علل ذلك بأن/ دام لا تتصرف، فيمكن المنع.
وقوله ولا خبر "ليس" على الأصح اختار المصنف منع تقديم خبر "ليس" عليها، فلا يجوز عنده: قائمًا ليس زيد، وهو مذهب الكوفيين والمبرد وابن السراج والزجاج والسيرافي والجرجاني وأكثر المتأخرين، واختاره أبو الحسين بن عبد الوارث الفارسي وأبو زيد
السهيلي.
وذهب قدماء البصريين إلى الجواز، ونسبه صاحب اللباب إلى الكوفيين.
وقال أبو الفتح: "انفرد المبرد بأنه لا يجوز تقديم خبر ليس عليها، وخالفه في ذلك الجمهور" انتهى.
وقد اختلف في ذلك على س، فنسب بعضهم إليه الجواز وبعضهم قال: "ليس في كلامه ما يدل على ذلك".
وإلى جواز ذلك ذهب أبو علي والسيرافي وابن برهان والزمخشري والأستاذ أبو علي الشلوبين، واختاره ابن عصفور، وقال: "هو الذي يعطيه كلام س لأنه أجاز في الاشتغال: أزيدًا لست مثله؟ بنصب زيد بفعل يُفسره ليس، ولا يُفسر في الاشتغال إلا ما يصح له العمل".
واستدل من أجاز ذلك بشيئين، قال:
أحدهما أنه لا خلاف في جواز تقديم خبرها على اسمها، ولم يُوجد الخبر متقدمًا على الاسم وهو غير ظرف ولا مجرور إلا حيث يجوز تقديم
الخبر على العامل؛ ألا ترى أن "كان" يتقدم خبرها على الاسم وعليها، وأن خبر "إن" وأخواتها لا يتقدم على اسمها ولا عليها، فلو كانت "ليس" بمنزلة "إن" و "ما" في امتناع تقديم خبرها عليها لامتنع تقديم خبرها على اسمها، كما امتنع ذلك في "إن" و "ما" وأخواتها، فدل ذلك على أنه يجوز أن يتقدم خبرها عليها كما جاز تقديم خبر "كان" على اسمها.
والثاني قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾، فقدم ﴿يَوْمَ يَاتِيهِمْ﴾ وهو معمول الخبر، ولا يتقدم على الناسخ معمول معموله إلا حيث يجوز تقديم معمول الناسخ عليه؛ ألا ترى أنك تقول: يوم الجمعة كان زيد قائمًا، لأنه يجوز أن تقول: قائمًا يوم الجمعة كان زيد، ولا يجوز أن تقول: قام يوم الجمعة إن زيدًا.
ونظير قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾، قول الشاعر:
فيأبى، فيما يزداد إلا لجاجة وكنت أبيا في الخنا، لست أقدم
فظاهر هذا البيت أن قوله: "في الخنا" متعلق بقوله "أقدم"، و"أقدم" خبر "ليس".
وحجة من منع إن كان مذهبه فيها أنها حرف فمعمول الحرف لم يتقدم على الحرف في موضع من المواضع، وإن كان مذهبه فيها أنها فعل فالفعل إذا لم يتصرف في نفسه لم يتصرف في معموله، دليل ذلك فعل التعجب وعسى ونعم وبئس، مع أن "ليس" شبيهة في المعنى بحرف لا يُشبه الفعل، وهو/ "ما"، بخلاف "عسى" فإنها شبيهة بحرف يشبه الفعل، وهو "لعل"، وكان مقتضى شبه "ليس" بـ "ما"، و"عسى" بـ "لعل" امتناع توسيط خبريهما كما امتنع توسيط خبر "ما" و "لعل"، لكن قصد ترجيح ما
له فعلية على ما لا فعلية له، والتوسيط كاف في ذلك، فلم تجر الزيادة عليه تجنبًا لكثرة مخالفة الأصل.
وقد طول المصنف بما لا حاجة إليه في هذه المسألة من إبداء فروق بين "ليس" وفعل التعجب ونعم وبئس وعسى.
وأجاب أصحاب هذا المذهب عن السماع، وهو قوله: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ بأجوبة:
أحدها: أن المعمول قد يقع حيث لا يقع العامل، نحو: أما زيدًا فاضرب، وعمرًا لا تهن، وحقك لن أضيع، فكما لم يلزم من تقديم معمول الفعل بعد "أما" تقديم الفعل، ولا من تقديم معمول المجزوم والمنصوب على "لا" و "لن" تقديمهما عليهما، كذا لا يلزم من تقديم معمول خبر ليس تقديم الخبر.
الثاني: أن يُنصب ﴿يَوْمَ يَاتِيهِمْ﴾ بفعل مضمر لأن قبله ﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾، فـ ﴿يَوْمَ يَاتِيهِمْ﴾ جواب، كأنه قيل: يعرفون يوم يأتيهم، و ﴿لَيْسَ مَصْرُوفاً﴾ جملة حالية مؤكدة أو مستأنفة.
الثالث: أن يكون ﴿يَوْمَ﴾ مبتدأ بني لإضافته إلى الجملة، فذلك سائغ مع المضارع كسوغه مع الماضي، وللاحتجاج على بناء المضاف إلى المضارع موضع آخر.
الرابع: أنا نُسلم انتصاب ﴿يَوْمَ﴾ بـ ﴿مَصْرُوفاً﴾ لأن الظروف يُتوسع فيها ما لا يُتوسع في غيرها، ولذلك جاز: ما غدًا زيد ذاهبًا، ولم يجز: ما طعامك زيد آكلًا، وجاز: أغدًا تقول زيدًا منطلقًا؟ ولم يجز: أأنت تقول زيدًا منطلقًا؟ انتهت هذه الأجوبة، وهي كلام المصنف في الشرح.
وقال السهيلي: قائمًا لست، وقيامًا لسنا، وخارجين لسنا، ما أظن العرب فاهت بمثله قط.
وقوله ولا يلزم تأخير الخبر إن كان جملة، خلافًا لقوم هذه المسألة أوردها النحويون على طريقتين:
إحداهما أن يكون الخبر جملة من غير تفصيل في الجملة، فسواء أكانت الجملة أسمية أم فعلية، رافعة ضمير المبتدأ أو غير رافعة، مثال ذلك: كان زيد أبوه قائم، وكان زيد يقوم، وكان زيد يمر به عمرو، فكذر ابن السراج عن قوم من النحويين أنهم لا يجيزون تقديم الخبر ولا توسيطه في ذلك، فلا يجوز: أبوه قائم كان زيد، ولا: يقوم كان زيد، ولا: كان أبوه قائم زيد، ولا: كان يقوم زيد، وقال ابن السراج: "والقياس جوازه وإن لم يسمع".
وصحح المصنف الجواز، قال: "لأنه وإن لم يسمع مع كان فقد سمع الابتداء، كقول الفرزدق:
إلى ملك ما أمه من محارب أبوه، ولا كانت كليب تصاهره"
قال: "فلو دخلت كان لساغ التقديم، فكنت تقول: ما أمه من مُحارب كان أبوه.
والتوسيط أولى بالجواز كقوله: ما كان أمه من مُحارب أبوه".
ومما يدل على تقديم الخبر وهو/ جملة قوله تعالى: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾، وتقديم المعمول يُؤذن بتقديم العامل.
والطريقة الأخرى: تقييد الجملة بأن تكون فعلًا مرفوعة ضمير مستتر فيه، نحو: كان زيد يقوم، فمنهم من أجاز تقديمه، وجعل من ذلك قول الشاعر:
وأصبح في لحد من الأرض ميتًا وكانت به حيًا تضيق الصحاصح
في "الصحاصح" عنده اسم "كانت"، و"تضيق" الخبر.
ومنهم من منع، فاسم "كانت" ضمير القصة، و"تضيق الصحاصح" فعل وفاعل في موضع خبر اسم "كانت" الذي هو ضمير القصة.
واستدل من منع ذلك بأن هذه الأفعال داخلة على ما أصله المبتدأ والخبر، فكما إذا قلت: "الصحاصح تضيق" لا يجوز تقديم "تضيق"، ويكون خبرًا للمبتدأ، فكذلك خير هذه الأفعال.
واحتج من أجاز التقديم بأنه إنما لم يجز "تضيق الصحاصح" على أن يكون "تضيق" خبرًا مقدمًا لأنه لا يمكن إعمال الابتداء في "الصحاصح" مع وجود الفعل قبله لأن الابتداء معنى، والفعل لفظ، والعامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي.
ولك في البيت أن تجعل "تضيق" خبرًا مقدمًا، و "الصحاصح" اسم "كان".
ولك أن تجعل "الصحاصح" فاعلًا بـ "تضيق".
فلما كان كل واحد من العاملين - وهما كان وتضيق - لفظيًا لم يكن أحدهما أولى بالعمل من الآخر، فجاز الوجهان.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: والصحيح المنع من تقديم الخبر إذا كان فعلًا مرفوعه ضمير مستتر فيه؛ لأن الذي استقر في باب "كان" أنك
إذا حذفتها عاد اسمها وخبرها إلى الابتداء والخبر، نحو: كان زيد قائمًا، لو أسقطت "كان" قلت: زيد قائم، ولو أسقطها من كان يقوم زيد على أن يكون "يقوم" خبرًا مقدمًا، فقلت: يقوم زيد، لم ترجع إلى المبتدأ والخبر.
وإذا كان في كان ضمير الشأن، والجملة خبر، فحذفت "كان" برز ضمير الشأن، وكان مع ما بعده مبتدأ وخبرًا، فقلت: هو يقوم زيد.
وفي "الغرة": الكوفي لا يُجيز: أبوه قائم كان زيد؛ لأنهم لا يقدمون على "كان" ما لم يعمل فيه، ولا يقولون: كان أبوه قائم زيد، ولا يتقدم على "كان" فعل ماض ولا مُستقبل.
وقوله ويمنع تقديم الخبر الجائز التقدم تأخر مرفوعه مثاله: كان زيد قائمًا أبوه، وكان زيد آكلًا أبوه طعامك، لا يجوز: قائمًا كان زيد أبوه، ولا: آكلًا كان زيد أبوه طعامك، وذلك أن حق العامل أن يُفضل بينه وبين معموله، والمرفوع فضله أصعب لكونه كجزء من رافعه، فلذلك امتنع، ولم يجز بوجه.
وقوله ويُقبحه تأخر منصوبه وذلك نحو: آكلًا كان زيد طعامك، فهذا قبيح، ولا يمتنع لأنه ليس كجزء من ناصبه لكونه فضلة.
/ وقوله ما لم يكن ظرفًا أو شبهه نحو: وإذا كان زيد فيك، ومسافرًا كان زيد اليوم.
وحسن ذلك كون العرب تتسع في الظروف والمجرورات ما لا تتسع في غيرهما.
وقوله ولا يمتنع هنا تقديم خبر مشارك في التعريف وعدمه إن ظهر الإعراب يعني بقوله "وعدمه" أي: وعدم التعريف، وهو التنكير.
مثاله: كان أخاك زيد، وأخاك كان زيد، ولم يكن خيرًا منك أحد، وخيرًا منك لم يكن أحد.
فإن لم يظهر الإعراب فالمتقدم هو الاسم، والمتأخر هو الخبر،
نحو: كان أخي صديقي، ولم يكن فتى أزكى منك.
وقوله وقد يُخبر هنا وفي باب "إن" بمعرفة عن نكرة اختيارًا قال المصنف في الشرح: "لما كان المرفوع هنا مشبهًا بالفاعل، والمنصوب مشبهًا بالمفعول، جاز أن يُغني هنا تعريف المنصوب عن تعريف المرفوع، كما جاز ذلك في باب الفاعل، لكن بشرط الفائدة وكون النكرة غير صفة محضة، فمن ذلك قول حسان:
كأن سُلافة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء
وليس مضطرًا إذ كان يقول: تكون مزاجها عسل وماء، فيجعل اسم "تكون" ضمير السلافة، و"مزاجها عسل وماء" مبتدأ وخبر في موضع نصب خبر "كان"، وقول القطامي:
قفي قبل التفرق يا ضباعا ولا يك موقف منك الوداعا
وليس مضطرًا إذ له أن يقول: ولا يك موقفي منك الوداعا.
والمحسن لهذه شبه المرفوع بالفاعل والمنصوب بالمفعول، وقد حمل هذا الشبه في باب "إن" على أن جُعل فيه الاسم نكرة والخبر معرفة، كقول الشاعر:
وإن حرامًا أن أسب مُجاشعًا بآبائي الشم الكرام الخضارم
وأجاز س: إن قريبًا منك زيد" انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وأنشد غير المصنف:
وقد كان لي في الندى مقتد عصامًا كما كان لي عاصم
وقول الآخر:
فلو كان واليها جاهل لما كان قاضيًا عالم
وقول الآخر:
بمكة حنطة بُلت بماء يكون إدامها لبن حليب
وعليه حمل بعضهم قوله:
لكان التغزي عند كل مصيبة ونازلة بالحر أولى وأجمل
وسكن ياء "التعزي" ضرورة.
وقد أجحف المصنف في هذا الباب بكيفية الإخبار/ عن المعرفة بالمعرفة، وعن النكرة بالنكرة، وعن المعرفة بالنكرة، وعن النكرة بالمعرفة.
ونحن نذكر من ذلك ما تيسر لنا، فنقول: إذا اجتمع معرفتان في هذا الباب فإما أن تكون إحداهما قائمة مقام الآخر، أو مُشبهة به، أو هي نفسه: إن كانت قائمة مقامه أو مُشبهة به جُعل الخبر ما تريد إثباته، نحو: "كانت عقوبتك عزلتك"، وكان زيد زهيرًا، فالعزلة ثابتة لا العقوبة، والتشبيه بزهير ثابت.
ولو قلت: كانت عزلتك عقوبتك فهو مُعاقب لا معزول، ولو قلت: كان زهير زيدًا ثبت التشبيه لزهير بزيد.
وإن كانت المعرفة هي الأخرى بنفسها فإما أن يكون المخاطب يعرفهما أو يجهلهما، أو يعرف أحدهما ويجهل الآخر، فإن كان يعرفها فإما أن تكون نسبة أحدهما إلى الآخر مجهولة أو معلومة، إن كانت مجهولة جاز أن تجعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر، نحو: كان زيد أخا عمرو، وكان أخو عمرو زيدًا، إذا قدرت أن المخاطب يعلم زيدًا بالسماع وأخا عمرو بالعيان، لكنه لا يعلم أن ما علمه بالعيان هو الذي عرفه بالسماع، لا فرق بين أن تجعل زيدًا الاسم وأخا عمرو الخبر، والعكس؛ لأن المجهول إنما هو النسبة، وحظ كل واحد منهما في النسبة واحد، هذا إذا استويا في رُتبة التعريف، إلا إن كان أحدُهما أنْ أو أنَّ المصدريتين، فإن الاختيار جعلهما الاسم والآخر الخبر، ولذلك قرأ أكثر القراء ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا﴾ بنصب ﴿جَوَابَ﴾ - وإن كان متساويي الرتبة في التعريف - لأن ﴿جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ مضاف إلى مضاف إلى المضمر، و ﴿أَن قَالُوا﴾ مقدر بمصدر مضاف إلى المضمر.
وإنما كان الاختيار ذلك من جهة الشبه بالمضمر من حيث إنهما لا يوصفان كما لا يوصف المضمر، فعومل معاملته، والضمير إذا اجتمع مع معرفة غيره كان الاختيار أن يُجعل الاسم لأنه أعرف من الظاهر.
وزعم ابن الطراوة أنه لا يجوز في نحو: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا﴾ إلا أن يكون الخبر ﴿جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ لأنه يلي النافي، فهو في حيز النفي، وإنما يُنفي ويُوجب الخبر، وأما الاسم فلا يُوجب ولا يُنفي، ولكن يُوجب له، ويُنفي عنه، قال: "وأما ما رواه س فإنما هو على تقدير الخبر وإلغاء كان".
ورد عليه بقولهم: ما زيد إلا قائم، وما كان زيد إلا قائمًا، فـ"زيد" في المسألتين مخبر عنه باتفاق مع أنه يلي النافي.
وبأنه لما حل محل "أن" المصدر لم يتعين فيه الرفع، نحو قول الشاعر:
وقد علم الأقوام ما كان داءها بثهلان إلا الخزي ممن يقودها
/ وقول الآخر:
لقد شهدت قيس، فما كان نصرها قتيبة إلا عضها بالأباهم
رُوي بنصب "داءها" و "نصرها" ورفع "الخزي" و "عضها"، ورُوي العكس، ولم يُرو برفع الاسمين، ولا جاء شيء من ذلك في كلامهم.
وما ذكره من إلغاء "كان" متقدمة ففاسد، وسيبين فساده إن شاء الله.
وإن لم يستويا في رتبة التعريف كان الاختيار جعل الأعرف منهما الاسم والأقل تعريفًا الخبر، نحو: كان زيد صاحب الدار؛ لأن العلم أعرف
من المضاف إلى ما فيه "أل"، ويجوز: كان صاحب الدار زيدًا، إلا المُشار، فإنه يُجعل الاسم، وغيره من المعارف الخبر، فتقول: كان هذا أخاك، اعتنت به العرب لمكان التنبيه الذي فيه بالإشارة، ولا يجوز عكس هذا إلا مع المضمرات، فإن الأفصح تقديمه، تقول: ها أنا ذا، ويجوز: هذا أنا، وهذا أنت.
وفي تقرير الإخبار عن الاسم المضمر باسم الإشارة وعكسه إشكال، وأي نسبة بينهما يجهلها المخاطب حتى يصح هذا الإخبار؟
وإن كانت نسبة أحد المعرفتين المعلومين عند المخاطب معلومة عنده لم يجز جعل أحدهما الاسم والآخر الخبر؛ لأنه لا فائدة في ذلك، فلا يجوز على هذا: كان أبوك محمدًا.
وإن كان المخاطب يجهلها لم يجز جعل أحدهما الاسم والآخر الخبر لأنه لا فائدة في ذلك.
وإن كان المخاطب يعرف أحد المعرفتين ويجهل الآخر جُعل المعلوم الاسم والمجهول الخبر، نحو: كان أخو بكر عمرًا، إذا قدرت أن المخاطب يعلم أخا بكر، ويجهل كونه عمرًا.
فلو كان العكس قلت: كان عمرو أخا بكر، إذا كان يعلم عمرا، ويجهل كونه أخا بكر.
وزعم ابن الطراوة أن الذي لا تريد إثباته تجعله الاسم، والذي تريد إثباته تجعله الخبر، وتعلق بقول عبد الملك بن مروان لخالد: "وقد جعلت عقوبتك عزلتك".
قال: "فالعزلة هي الحاصلة".
قال: "ومن
ذلك قول الشاعر:
فكان مُضلي من هديت برشده فلله غاو عاد بالرشد آمرا
أثبت الهداية لنفسه، ولو قال: فكان هادي من أضللت به لأثبت الإضلال".
قال: "وقد غلط في هذا جلة من الشعراء، ومنه قول المتنبي:
ثياب كريم، ما يصون حسانها إذا نُشرت كان الهبات صوانها"
قال: "ذمه وهو يرى أنه مدحه إذ أثبت الصون، ونفى عنها الهبات، كأنه قال: الذي يقوم لها مقام الهبات أن تُصان، ولو قال: كان الهبات صوانها لكان/ يهب ولا يصون، كأنه قال: كان الذي يقوم لها مقام الصون أن تُوهب".
قال: "وكذلك قول حبيب:
ذلل ركائبه إذا ما استأخرت أسفاره فهمومه أسفار"
قال: "فجعل الحاصل - وهو همومه - المبتدأ، وجعل غير الحاصل - وهو أسفار - الخبر، فظاهر العجز مُناقض للصدر إذ جعل همومه هي الأسفار، وهو قد قال: إن أسفاره قد استأخرت، بقوله: إذا ما استأخرت أسفاره".
قال: "إنما كان ينبغي لهما أن يقولا: "كان الهبات صوانها، وفأسفار هموم".
قال ابن عصفور: "وهذا الذي ذكره ليس على إطلاقه، إنما يُتَصَوَّر
إذا كان الخبر قائمًا مقام الأول أو مشبهًا به كما ذكرنا، أما إذا كان هو نفس المبتدأ فالمعنى واحد، نحو: كان أخو عمرو زيدًا، وكان زيد أخا عمرو.
وأما:
فكان مُضلي من هُديت برشده.....................................
فالمعنى واحد أيًا جعلت منهما الاسم أو الخبر إذا كانت الهداية والضلال وقعا فيما مضى، وإنما يختلف لو كان زمن الخبر في الحال وزمن المُخبر عنه في الماضي؛ ألا ترى أن قولك: "كان مُضلي فيما مضى من هُديت به الآن" عكس قوله: كان من هُديت به فيما مضى مُضلي الآن.
وأما:
...................................... كان الهبات صوانها
فإن جعلت الهبات خلاف الصوان بطل المعنى المراد من المدح بجعل الصوان خبرًا، وإن جعلت الهبات نفس الصوان كان المعنى واحدًا، نصبت الصوان أو رفعته" انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: " قول ابن الطراوة فاسد، واعتراضه على المتنبي فاسد لأن قوله: "ثياب كريم"، ونعته للممدوح بالكرم، وأنه لا يصونها، يُعطي خلاف ما اعترض به ابن الطراوة، ومن كونهما معرفتين له أن يجعل أيهما شاء الاسم والخبر، ثم إنه يلزم أن لا يكون إلا برفع "الهبات" ونصب "صوانها"، فإن الخبر إذا نُزل منزلة الأول لزم تأخيره، ولو قدمت لانعكس المعنى، فإنما أراد أن الهبات للثياب تقوم مقام الصوان.
وكذلك بيت حبيب، فإنه جعل همومه تقوم مقام الأسفار.
وأما قول عبد الملك فالمعنى لز أن يكون الثاني الخبر لأنه لم يُعاقبه،
فجعلت بمعنى صيرت، أي: صيرت عقوبتك عزلتك، فهي كجعلت الطين خزفًا، أي: صيرته، فلو عكس لانعكس المعنى.
وكذلك "فكان مُضلي من هديت برُشده" المعنى ألزم أن يكون الثاني الخبر" انتهى.
وأيضًا فإن ابن الطراوة قال: "إذا كان المعرفتان لا يظهر فيهما إعراب فالثاني هو الخبر"، وقوله: "فكان مُضلي من هديت برُشده" لا يظهر في "مُضلي" إعراب لأنه مضاف إلى ياء المتكلم، ولا في "من" لأنه مبني، فتعين أن يكون "من" هو الخبر من حيث المعنى ومن حيث هذا الذي قرر.
ومن تمام اجتماع المعرفتين أن تعلم أن ضمير النكرة - وإن كان معرفة - فإنه في باب الإخبار يعامل معاملة النكرة إذا اجتمعت مع المعرفة؛ لأن تعريفه إنما هو لفظي من حيث عُلم على من يعود، نحو: لقيت رجلًا فضربته، أما أن يُعلم من هو في نفسه فلا، فالإخبار عن ضمير النكرة بالمعرفة بابه الشعر، نحو قوله:
/ أسكران كان ابن المراغة إذ هجا تميمًا بجوف الشام أم مُتساكر
ففي "كان" ضمير "سكران"، وهو نكرة، وقد أخبر عنه بابن المراغة، وهو معرفة، والجائز في الكلام: أسكران كان ابن المراغة، بنصب "سكران" خبرًا، ورفع "ابن المراغة" اسمًا.
وقال الآخر:
ألا من مُبلغ حسان عني أسحر كان طبك أم جنون
وقال الآخر:
فإنك لا تُبالي بعد حول أظبي كان أمك أم حمار
فهذا ونحوه استدل به س على جعل الاسم نكرة والخبر معرفة.
ورده المبرد بتأويل إلى ما عليه الجمهور من أن اسم "كان" مضمر فيها، والمضمر معرفة.
وانتصر قوم لـ "س"، فقالوا: هذه الضمائر تعود إلى نكرات، فهي نكرات.
قال ابن الدهان: "وليس بشيء لأنه لا يكون ضمير إلا معرفة إلا ما دخل عليه رب، نحو: ربه رجلًا.
والدليل على أن ضمائر النكرات معارف كونها لا توصف، وهي تؤكد، ولما فارقها ضمير رب لزمه التفسير" انتهى.
وذهب قاضي القضاة أبو جعفر بن مضاء صاحب كتاب
"المشرق"، والأستاذ أبو الحسن بن خروف، وشيخه ابن طاهر والأستاذ أبو علي في إقرائه القديم إلى أنه إذا اجتمع في هذا الباب معرفتان جعلت أيهما شئت الاسم والآخر الخبر من غير التفات إلى المخاطب؛ لأنه إذا كان يعرف مثلًا زيدًا، ولا يعلم أنه أخو عمرو، وقلت: كان أخو عمرو زيدًا، حصلت له الفائدة.
قال ابن خروف: "وعلى هذا كلام العرب أن تجعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر، ووقفوا في ذلك مع ظاهر كلام س لأنه قال: "وإذا كانا معرفتين فأنت بالخيار أيهما ما جعلته فاعلًا رفعته، ونصبت الآخر، كما فعلت ذلك في ضرب".
ولم يعتبر س المخاطب".
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور في شرح الجمل الصغير: "إن كانا معرفتين جعلت أيهما شئت الاسم والآخر الخبر.
ولم يفصل لا بالنظر إلى معرفة المخاطب، ولا بالنظر إلى استوائهما في التعريف أو عدم استوائهما".
وهكذا أطلق أبو علي الفارسي، قال: "إذا اجتمع معرفتان كان لك أن تجعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر".
وقد تأول الشراح كلامه، وقسموا التقسيم الذي بدأنا به أولًا في اجتماع المعرفتين.
وبعض شراح كلام أبي علي حمله على عمومه، وقال: "الذي عليه المتقدمون قول أبي علي.
وقد احتج أبو علي بقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا﴾ قرئ رفعًا ونصبًا.
وذكر س: و ﴿مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا﴾، وذكر أن بعض العرب يقرؤونها بالرفع، وأنشد:
وقد علم الأقوام.. البيت.
قال: وإن شئت رفعت/ الأول، وأنشد:
فقدت شهدت قيس... البيت.
برفع العض ونصبه، وهو دليل على ما ذكره النحويون المتقدمون؛ ألا ترى أن "كان" هنا حالها بخلاف سائر الأفعال لما كان مرفوعها هو منصوبها في المعنى، وكانت إنما تدل على أن الثاني منسوب للأول وموجود له؛ لأنك إذا قلت: ما ضرب زيد إلا عمرًا كان المعنى: إن زيدًا ضرب عمرًا، ولم يضرب سواه، فإذا عكست فقلت: ما ضرب زيدًا إلا عمرو كان المعنى: إن عمرًا ضرب زيدًا، ولم يضربه غيره، ويمكن أن ضرب عمرو غير زيد، وفي "كان" المعنى واحد لما تقدم.
وذكر س في هذا الفصل قولهم: من كان أخاك؟ ومن كان أخوك؟ وبلا شك إن المستفهم عنه هو الذي لا يعرفه السائل، ويريد أ، يُخبر به، فلو كان ما زعموا صحيحًا لم يجز إلا: من كان أخوك؟ وقد سُمع الرفع
والنصب عنهم.
وكذلك: ما جاءت حاجتك.
قال س: "كما تقول: من ضرب أباك؟ إذا كان من الفاعل، ومن ضرب أبوك؟ إذا جعلت الأب الفاعل".
يريد أنك تخالف هذا بشرط اختلاف المعنى، وفي "كان" تخالف، والمعنى واحد" انتهى، وهو من الإفصاح.
وقال السيرافي وابن الباذش والأستاذ أبو علي في آخر إقرائه والأستاذ أبو الحسن بن الضائع: مُراد س أنك لا تخير المخاطب، فتجعل له الخبر عن "كان" المجهول عنده، إنما مراده أنهما إذا كانا معرفتين، والمخاطب يعرف كلًا على انفراده لا التركيب، فأردت أن تُخبر بانتساب أحدهما إلى الآخر، فأنت إذًا بالخيار، أيهما جعلت الاسم والخبر؛ لأن كلًا منهما عنده في المعرفة سواء، إذ مقصودك إنما هو أن تُعرفه بتركيبهما ونسبتهما إذ كان يجهل ذلك، مثال ذلك أن يعرف زيدًا اسمًا لا شخصًا، ويعرف الشخص وجهًا لا اسمًا، فتُعرفه أن الذي في خاطره معروف هو اسم ذلك الشخص الذي يعرفه بوجهه، فأردت أن تخبره بما عندك، فأنت بالخيار أيهما جعلت الاسم أو الخبر.
وإذا اجتمع نكرتان فإن كان لكل واحد منهما مُسوغ لجواز الابتداء بالنكرة جعلت أيهما شئت الاسم والآخر الخبر، نحو: أكان رجلٌ قائمًا؟ وأكان قائم رجلًا؟ وإن كان لأحدهما مُسوغ، والآخر لا مُسوغ له، فالذي له مُسوغ هو الاسم، والآخر الخبر، نحو: كان كل أحد قائمًا، ولا يجوز: كان قائم كل أحد.
وإذا اجتمع معرفة ونكرة فالمعرفة الاسم، والنكرة الخبر، ولا يُعكس إلا في الشعر، وإذ ذاك إن كان للنكرة مُسوغ للإخبار عنها، وبنيت المعنى
على الإخبار عن المعرفة بالنكرة، كان مقلوبًا، نحو: أكان قائم زيدًا؟ إذا أردت أن المعنى: أكان زيد قائمًا؟ وإن بنيت المعنى على الإخبار عن النكرة بالمعرفة لم يكن/ مقلوبًا، نحو: أكان قائم زيدًا؟ تريد: أكان قائم من القائمين يُسمى زيدًا؟ وإن لم يكن مُسوغ فالمسألة مقلوبة، نحو: كان قائم زيدًا، والقلب للضرورة جائز باتفاق، وإنما الخلاف في جوازه في الكلام.
ومن القلب في باب كان قوله:
كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم
يريد: كما كان الرجم فريضة الزنى.
-[ص: فصل
يقترن بـ "إلا" الخبر المنفي إن قُصد إيجابه وكان قابلًا.
ولا يُفعل ذلك بخر "برح" وأخواتها لأن نفيها إيجاب، وما ورد منه بإلا مؤول.
وتختص "ليس" بكثرة مجيء اسمها نكرة محضة، وبجواز الاقتصار عليه دون قرينة، واقتران خبرها بواو إن كان جملة موجبة بـ "إلا".
وتُشاركها في الأول "كان" بعد نفي أو شبهه، وفي الثالث بعد نفي.
وربما شُبهت الجملة المُخبر بها في ذا الباب بالحالية، فوليت الواو مطلقًا.]-
ش: يشمل قوله: "الخبر المنفي" ما نُفي بحرف نفي، نحو: ما كان زيد قائمًا، أو بفعل نحو: ليس زيد قائمًا.
ويدخل في الخبر ثاني "ظننت" وثالث "أعلمت" لأنهما خبر في الأصل، فإذا أردت إيجاب هذا المنفي أدخلت "إلا"، فقلت: ما كان زيد إلا قائمًا، وليس زيد إلا قائمًا، وما ظننت زيدًا إلا قائمًا، وما أعلمت زيدًا فرسك إلا مُسرجًا، فلو كان دخل على حرف النفي أو على فعله همزة التقرير لم تدخل "إلا" على الخبر لأنه مُوجب من حيث المعنى، نحو: ألم يكن الله مُحسنًا إليك، وأليس الله مُحسنًا إليك، فهذا ونحوه لا تدخل على خبره "إلا"، وإذا دخلت إلا على الخبر بقي على إعرابه من النصب، إلا في "ليس" في لغة تميم، فيرفع، وسيأتي الكلام على ذلك في باب "ما" حيث تعرض له المصنف.
وقوله وكان قابلًا احتراز مما يكون الخبر فيه لا يجوز استعماله إلا منفيًا، فإنه لا يجوز دخول "إلا" تُوجب الخبر، فتكون قد استعملت مُوجبًا ما لا يُستعمل إلا منفيًا، فمن ذلك أن يكون الخبر مشتقًا
من "زال" وأخواتها، نحو: ما كان زيد إلا زائلًا ضاحكًا، وما أصبح بشر إلا مُنفكًا منطلقًا، فلا يجوز ذلك لأن زائلًا ومنفكًا لا يستعمل في الإيجاب.
وكذلك: ما كان زيد إلا أحدًا؛ لا يجوز لأن "أحدًا" من الألفاظ التي لا تستعمل إلا في النفي.
وقال المصنف في الشرح: "فإن كان الخبر مما لا يُستعمل إلا في نفي لم يقرن بإلا، نحو: ما كان مثلك أحدًا، وما كنت تعيج، أي: تنتفع، فلو قرنت أحدًا أو تعيج بإلا لم يُجز لأن تنقض النفي، وأحد وتعيج من الكلم التي لا تستعمل إلا في نفي" انتهى.
يعني أن/ العرب لم تستعمل عاج يعيج بمعنى انتفع إلا منفيًا.
وقد ذكر ثعلب في "الفصيح" قوله: "وشربت دواء فما عجت به، أي: ما انتفعت به".
وما ذهب إليه المصنف من أن عاج بمعنى انتفع لم تستعمله العرب إلا منفيًا ليس بصحيح، أنشد أبو علي القالي في النوادر، قال: أنشدنا أحمد بن يحي عن ابن الأعرابي:
ولم أر شيئًا بعد ليلى ألذه ولا مشربًا أروى به، فأعيج
فرع: يجوز: ما كان زيد زائلًا ضاحكًا؛ لأن "ما" إذا دخلت على هذه الأفعال نفت أخبارها، فكأنك قلت: ما زال زيد ضاحكًا، ولو قلت "ما أضحى زيد رجلًا زائلًا ضاحكًا" لم يجز لأن حرف النفي لا ينفي صفة الموصوف إذا دخل عليه، لو قلت: "ما زيد العاقل قائمًا" لم يكن نافيًا للعقل عن زيد، فكذلك لم ينتف كونه زائلًا ضاحكًا، وذلك غير جائز.
وقوله ولا يُفعل ذلك بخبر "برح" وأخواتها أي: لا تدخل "إلا" على
أخبارها، فلا يقال: ما زال زيد إلا ضاحكًا، وكذلك انفك وبرح وفتئ.
ثم علل المصنف ذلك بقوله لأن نفيها إيجاب.
ومعناه أنك إذا قلت "ما زال زيد عالمًا" فيه إثبات العلم لزيد، فصار نظير "كان زيد عالمًا" في إثبات العلم له، فكما لا يجوز: كان زيد إلا عالمًا، كذلك لا يجوز: ما زال زيد إلا عالمًا.
وقوله وما ورد منه بإلا مؤول مثال ذلك قول ذي الرمة:
حراجيج ما تنفك إلا مُناخة على الخسف، أو نزمي بها بلدًا قفرا
فظاهره أن "إلا" دخلت على خبر "تنفك"، فقيل: أخطأ ذو الرمة حيث أوقع "إلا" غير موقعها، وهذا قول من ذو الرمة عنده لا يُستشهد بكلامه، قال الأصمعي: "لا يُحتج بذي الرمة، فطالما أكل الزيت من حوانيت البقالين"، يعني أنه كثرت ملازمته الحاضرة، ففسد لسانه.
وجمهور أهل العلم على الاحتجاج بكلامه.
وخرج البيت أبو الفتح على أن "إلا" زائدة.
وكذلك قال في قراءة ابن مسعود: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾.
وهذا ضعيف لأن "إلا" لم تثبت زيادتها في غير هذا فيحمل هذا عليه، وأما قراءة ابن مسعود فتخريجها على أن "إن" نافية، و"إلا" على بابها، و ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ جواب قسم محذوف، أي: وما كل إلا أقسم ليُوفينهم.
وما ذهب إليه أبو الفتح من زيادة "إلا" في البيت تقدمه إليه المازني, واستدل على أن "إلا" تكون زائدة بقول الشاعر: ما زال مذ وجبت في كل هاجرة بالأشعث الورد إلا وهو مهموم وقال: وكلهم حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب جهدها واحتفالها وقال: وكلهم حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب جهدها واحتفالها وقال: أرى الدهر إلا منجنونًا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معذبًا قيل: عيب هذا على ذي الرمة, فلما فطن قال: إنما قلت: "آلا" أي: شخصًا, كمال قال: فما بلغت بنا سفوان حتى طرحن سخالهن, فصرن آلا
وخَرَّجه ابن عصفور والمصنف على أن "تنفك" تامة, ومناخة حال, أي: ما تنفك أي: ما يزول بعضها من بعض لأنها متصلة إما لتساويها في السير أو لأنها مقطرة مربوط بعضها ببعض, فإذا أنيخت زالت عن الاتصال, فلا تنفك إلا في حال إناختها على الخسف, وهو حسبها على غير علف, يريد أنها تناخ معدة للسير عليها, فلا ترسل من أجل ذلك في المرعى, و "أو" بمعنى إلى أن, كأنه قال: هي في حال إناخة إلى أن نرمي بها بلدًا قفرًا, وسكن الياء ضرورة, و"على الخسف" في هذا التخريج متعلق بقوله "مناخة".
وهذا التخريج سبقهما إليه ابن خروف, قال: "تنفك هنا تامة, فلم تدخل "إلا" على خبرها, فتكون قد دخلت قبل أن يتم الكلام, ومناخة خال, كقولك: ما جاء زيد إلا راكبًا".
قال ابن هشام: "وهذا الذي ذكر فيه إشكال, فإنك إذا قلت: ما زال زيد, وما انصرم, فالكلام إثبات, فمعنى ما زال الأمر: ثبت, وأنت لا تقول: ثبت زيد إلا قائمًا, ولا: ثبت الأمر إلا مستشبعًا؛ لأنك أدخلت "إلا" على معمول الفعل قبل أن يتناوله, وهو موجب, وذلك باطل كقولك: ضربت إلا زيدًا, وجئت إلا مسرعًا, فإن قال: اللفظ نفي, قلنا: كذلك نقول: اللفظ نفي, وهي ناقصة, وأنت قد منعت ذلك لأنه نفي في اللفظ إيجاب في المعنى, فكذلك إذا كانت تامة.
وكذلك يروى عن الفراء أنه قال: هي ناقصة على الأكثر, وعلى
الخسف: الخبر, وإلا مناخة: حال, ويلزم فيه ذلك لأنه إيجاب, ولم يأخذ العامل عمله, لو قلت: ما انفك زيد في الدار إلا جالسًا لم يجز وكذلك ما انفك زيد إلا جالسًا في الدار" انتهى.
وما رد به ابن هشام غير محقق لأن "انفك" إذا كانت تامة تدل على الانفصال, وهو معنى ثبوتي, فإذا نفيته ذلك الانفصال الذي معناه الثبوت, فيصح إذ ذاك دخول "إلا"؛ ألا ترى أنك تقول: ما انفصل زيد عن عمرو إلا راضيًا بصحبته, فكذلك تقدير هذا: ما تنفصل عن السير إلا في حال إناختها عل الخسف.
وخرج ابن عصفور والمصنف هذا البيت أيضًا على أن تكون "تنفك" ناقصة, وعلى الخسف: الخبر, ومناخة: حال, والمعنى: ما تنفك كائنة على الذل والتعب أو مرميًا بها بلد قفر إلا في حال إناختها, وقد تقدمها إلى هذا التوجيه قوم.
وفيه قبح من وجهين:
أحدهما: أن "مناخة" حال من الضمير المستكن في الجار, وقد قدمته عليه, ولا يجوز إلا عند الأخفش.
والثاني: تقديم "إلا" على الموصلة هي له, قال ابن الدهان: فإن أعلمت "تنفك" في الحال كان حسنًا.
فرع: ما امتنع فيه دخول إلا امتنع فيه دخول الباء, فلا تقول: ما زال زيد بقائم؛ لأن الباء إنما تدخل تأكيدًا للنفي, والخبر هنا ثابت, ويمتنع أن يكون لها جواب بالنصب كما يكون في: ما كان زيد قائمًا فيذهب عمرو, وكذلك لا يكون اسمها نكرة كما يجوز في النفي, قاله في البسيط.
وقوله وتختص "ليس" بكثرة مجيء اسمها نكرة محضة لما كان النفي من مسوغات جواز الابتداء بالنكرة, وكانت "ليس" موضوعة للنفي, اختصت بكثرة مجيء اسمها نكرة, قاله المصنف, وأنشد:
كم قد رأيت, وليس شيء باقيًا من زائر طيف الهوى ومزور
وقول وبجواز الاقتصار عليه دون قرينه يريد على اسم "ليس" ويعني بقوله "دون قرينة" أي: دون قرينة سوى كون اسمها نكرة عامة؛ لأنه بذلك يشبه اسم "لا", فيجوز أن يساويه في الاقتصار عليه.
وقال المصنف: "فيجوز أن يساويه في الاستغناء به عن الخبر".
وليس بجيد لأنه لم يستغن به عن الخبر, بل لابد من تقدير الخبر ضرورة أن كل محكوم عليه لابد من محكوم به له, فليس هذا من باب الاستغناء, وأنشد المصنف:
ألا يا ليل ويحك نبئينا فأما الجود منك فليس جود
أراد: فليس منك جود, أو: ليس عندك جود, وقال آخر:
بئستم, وخلتم أنه ليس ناصر فبوئتم من نصرنا خير معقل
وحكي س: "ليس أحدًا" أي: ليس هنا أحد.
وقال الفراء: يجوز في "ليس" خاصة أن تقول: ليس أحد إلا وهو هكذا؛ لأن الكلام قد يتوهم تمامه بـ"ليس" ونكرة؛ ألا ترى أنك تقول: ليس أحد, وما من أحد, انتهى ما قاله المصنف.
ونص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها, ولا حذف خبرها لا اقتصارًا ولا اختصارًا, أما حذف اسمها فلأنه يشبه بالفاعل, والفاعل لا يحذف, فكذلك ما أشبهه, وأما الخبر فكان قياسه أن يحذف لأنه إن راعيت أصله فكان خبر مبتدأ, وخبر المبتدأ يجوز حذفه اختصارًا, وإن راعيت ما آل إليه من شبهه بالمفعول فالمفعول يجوز حذفه, لكنه صار عندهم عوضًا من المصدر؛ ألا ترى أنك لا تقول "كان زيد قائمًا كونًا" لئلا تجمع بين العوض والمعوض منه, وإنما عوض لأنه في معنى المصدر؛ ألا ترى أن القيام كون من أكوان زيد, ولما صار عوضًا صار كأنه من كمال الفعل, فكأنه جزء منه, فلم يحذف لذلك, وأيضًا فالأعواض لازمة لا يجوز حذفها.
قالوا: وقد يحذف الخبر في الضرورة, نحو قوله:
لهفي عليك للهفة من خائف يبغى جوارك حين ليس مجير
يريد: ليس في الدنيا مجير, فأنت ترى تباين ما بين كلام المصنف من أنه يجوز الاقتصار على اسم "ليس" دون قرينة, وكلام أصحابنا أنه مختص بالضرورة, وأنه لا يجوز حذف خبر هذه الأفعال سواء أكان الفعل "ليس" أم غيره, فأما:
زماني بأمر كنت منه ووالدي بريئًا ومن أجل الطوي رماني
وقول الآخر:
إني ضمنت لكل شخص ما جنى وأبي, فكان وكنت غير غدور
فخرج على حذف الخبر لفهم المعنى ضرورة, أي: كنت منه بريئًا ووالدي بريئًا, وأبي فكان غير غدور, أو على وضع المفرد موضع المثنى ضرورة, أي: كنت منه ووالدي بريئين, وفكان وكنت غير غدورين, أو على أن بريئًا وغدورًا مما يقع على المفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد, نحو عدو وفريق وصديق.
وقوله واقتران خبرها بواو إن كان جملة موجبة بألا أنشد المصنف دليلًا على ما ادعاه من هذا الحكم قول الشاعر:
ليس شيء إلا وفيه إذا ما قابلته عين البصير اعتبار
وهذا الذي ذهب إليه من جوار اختصاص "ليس" بدخول الواو على خبرها إذا كان جملة موجبة بألا لا يجوز عندنا؛ لأن أصل هذا أنه خبر للمبتدأ, فكما لا يجوز دخول الواو على خبر المبتدأ إذا كان بهذه الصفة, كذلك لا يجوز إذا وقع خبرًا لـ"ليس" لئلا يكون الفرع أكثر تصرفًا من الأصل, وما استدل به المصنف لا حجة فيه لاحتمال أن يكون خبر "ليس" محذوفًا, إما لأن اسمها نكرة على زعم المصنف جواز ذلك, وإما ضرورة كما يقول أصحابنا, والجملة الداخلة عليها الواو جملة حالية لا في موضع الخبر, ويحتمل أن تكون الواو زائدة, وتكون الجملة هي الخبر, والوجه الأول أحسن عندي.
وقوله وتشاركهما في الأول "كان" بعد نفي الأول هو كثرة مجيء اسمها نكرة, لكن لفظ المشاركة ينفى قوله: "وتختص ليس بكذا" فاشتراك "كان" مع "ليس" في كثرة مجيء اسمها نكرة ينفي كون "ليس" مختصة بذلك, فلو قال: "ويكثر مجيء اسم ليس نكرة" لكان أجود وأبعد من النقد, وأنشد:
إذا لم يكن أحد باقيًا فإن التآسي دواء الأسى
وقال الآخر:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جني فأبعدكن الله من شجرات
وقوله أو شبهه مثاله:
ولو كان حي في الحياة مخلدًا خلدت, ولكن ليس حي بخالد
وقال الآخر:
فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ولكن حمد الناس ليس بمخلد
وقال آخر:
فلو كان حي ناجيًا لوجدته من الموت في أحراسه رب مارد
وقال آخر:
فإن يكن شيء خالدًا أو معمرًا تأمل تجد من فوقه الله عاليًا
وقوله وفي الثالث بعد نفي الثالث هو اقتران الخبر بواو إذا كان جملة موجبة بإلا, وأنشد المصنف شاهدًا على ذلك قول الشاعر:
ما كان من بشر إلا وميتته محتومة, لكن الآجال تختلف
وأنشد الفراء:
إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن سراج لنا إلا ووجهك أنور
وهذا الذي ذهب إليه المصنف لا يجوز عندنا لما بيناه في "ليس", فأما البيت الأول فيتخرج على حذف خبر "كان" للضرورة, وأما الثاني فـ"لنا" هو خبر "يكن", والجملة في البيتين حالية.
وقوله وربما شبهت إلى قوله مطلقًا أنشد المصنف دليلًا على إثبات
هذا الحكم الذي ذكره قول الشاعر:
فظلوا ومنهم سابق دمعه له وآخر يثني دمعة العين بالمهل
وقول الآخر:
وكانوا أناسًا ينفحون, فأصبحوا وأكثر ما يعطونك النظر الشزر
ولا حجة في هذا على ما ادعاه لأن القياس يأباه, وهو محتمل أن تكون فيه "فظلوا" و "فأصبحوا" تامتين, ويحتمل أن تكونا ناقصتين, وحذف خبرهما ضرورة لفهم المعنى: فظلوا مفترقين, يدل عليه ما بعده من التفصيل, وأصبحوا لا ينفحون, فحذف لدلالة قوله قبله "ينفحون".
وأنشد غير المصنف:
دخلت على معاوية بن حرب وكنت وقد يئست من الدخول
وقول الآخر:
إن الجميل يكون وهو مقصر والقوم فيما تم غير سواء
أنشدهما الفراء, وروى: كان عبد الله وإنه لجميل, وأنشد أبو الحسن:
كنا ولا تعصي الحليلة بعلها فاليوم تضربه إذا ما هو عصى
وما ذكره المصنف هو قول الأخفش, شبه خبر كان الجملة بجملة الحال, وحمله على ذلك قولهم: كان ولا مال له, كما تقول: جاد ولا ثوب عليه, ولا يعرف ذلك البصريون, وقال الفارسي: "كنا" تامة, ولا تعصي واو الحال.
-[ص: وتختص "كان" بمرادفة "لم يزل" كثيرًا, وبجواز زيادتها وسطًا باتفاق, وأخرًا على رأي, وربما زيد أصبح وأمسى ومضارع كان, وكان مسندة إلى ضمير ما ذكر, أو بين جار ومجرور, وتختص "كان" أيضًا بعد "إن" أو "لو" بجواز حذ 5 ها مع اسمها إن كان ضمير ما علم من غائب أو حاضر, فإن حسن مع المحذوفة بعد "إن" تقدير "فيه" أو "معه" أو نحو ذلك جاز رفع ما وليها, وإلا تعين نصبه, وربما جر مقرونًا بـ"إلا" أو بـ"إن" وحدها إن عاد اسم "كان" إلى مجرور بحرف, وجعل ما بعد الفاء الواقعة جواب "إن" المذكورة خبر مبتدأ أولى من جعله خبر "كان" مضمرة, أو مفعولًا بفعل لائق, أو حالًا, وإضمار "كان" الناقصة قبل الفاء أولى من التامة.]-
ش: مثال مرادفة "كان" لـ"لم يزل" قوله: وكنت أمرًا لا أسمع الدهر سبة أسب بها إلا كشفت غطاءها فهذا قصد بـ"كان" الدوام, قاله المصنف, وقال أيضًا: "الأصل في كان أن يدل بها على حصول ما دخلت عليه فيما مضى دون تعرض لأولية ولا انقطاع, كغيرها من الأفعال الماضية, فإن قصد الانقطاع ضمن الكلام ما يدل عليه, كقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء
فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} وقول الشاعر:
وتركي بلادي, والحوادث جمة طريدًا, وقدما كنت غير مطرد"
انتهى.
وما اختاره في "كان" وادعاه فيها وفي الأفعال أن الفعل الماضي يدل على وقوعه فيما مضى من غير دلالة على الانقطاع ليس هو الصحيح عند أصحابنا.
قال أصحابنا: "اختلف النحاة في "كان" هذه, هل تقتضي الانقطاع أو لا تقتضيه؟ فأكثرهم على أنها تقتضي الانقطاع, وأنك إذا قلت: "كان زيد قائمًا" فإن قيام زيد كان فيما مضى, وليس الآن بقاتم, وهذا هو الصحيح بدليل أن العرب إذا تعجبت من صفة هي موجودة في المتعجب منه في الحال قالت: ما أحسن زيدًا! فإذا تعجبت من الحسن فيما مضى, وهو الآن ليس كذلك, قالت: ما كان أحسن زيدًا!
وزعم بعضهم أنها لا تقتضي الانقطاع, واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾, ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ أي: كان الآن كذلك.
قالوا: والجواب أن ذلك قد يتصور فيه الانقطاع بأن يكون المراد الإخبار بأنه غفورًا رحيمًا فيما مضى كما هو الآن كذلك, وبمعنى أنه كان فاحشًة, أي: كان عندكم فاحشًة في الجاهلية, ولم يتعرض لخلاف ذلك, فيكون المراد الإخبار عن الزنى كيف كان عندهم في الجاهلية".
والذي تلقناه من الشيوخ أن "كان" تدل على الزمان الماضي المنقطع, وكذلك سائر الأفعال الماضية, ومن تعقل حقيقة المضي لم يشك في الدلالة على الانقطاع, لكن مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وإن دل على الماضي المنقطع - فإنه يعلم أن هذه الصفة ثابتة له في الأزمان كلها من دليل خارج لا من حيث وضع اللفظ.
وقوله وبجواز زيادتها وسطًا باتفاق قال المصنف في الشرح: "تختص زيادتها بلفظ الماضي بين مسند ومسند إليه, نحو: ما كان أحسن زيدًا ولم ير كان مثلهم, وكقول أبي أمامة الباهلي: يا نبي الله أو نبي كان آدم" انتهى.
وأطلق المصنف في قوله "بين مسند ومسند إليه", وينبغي أن يقيد, فإن زيادتها في مثل: قام كان زيد, ومثل: يضرب كان زيد تحتاج إلى سماع.
ومن زيادتها بين الصفة والموصوف قول الشاعر:
في غرف الجنة العليا التي وجبت لهم هناك بسعي كان مشكور
وبين المتعاطفين قول الفرزدق:
في لجة غمرت أباك بحورها في الجاهلية كان والإسلام
وبين "نعم" وفاعلها, أنشد الفراء:
ولبست سربال الشباب أزورها ولنعم كان شبيبة المختال
وحكي من كلامهم: "ولدت فاطمة بنت الخرشب الكملة من بني عبس لم يوجد كان أفضل منهم".
وقال الفارسي: "وحكم ما تلغيه أن توسطه وأن لا تبتدئ به قياسًا على "هو" التي للفصل, لأنه غير معتد به, والقصد في الإفادة غيره, فقبح أن تؤخر شيئًا الاهتمام به أكثر, وتقدم ما الاهتمام به أقل".
ومن زيادة كان عند س ما حكي من قولهم: "إن من أفضلهم كان زيدًا", وقال المبرد: زيدًا: اسم إن, ومن أفضلهم: خبر كان, واسم كان مضمر فيها, واسمها وخبرها في محل خبر إن, وأجاز ذلك الرماني وبعض المتأخرين, وهذا خطأ لأنه يؤدي إلى أن جعل الخبر جملة مقدمًا في "إن", وهذا لا يجيزه أحد.
وفي "كان" الزائدة خلاف: ذهب السيرافي والصيمري وغيرهما إلى أن فاعلها مضمر, وهو ضمير المصدر الدال عليه الفعل, كأنه قيل: كان هو, أي: كان الكون, ويعني بالكون كون الجملة التي تزاد فيها.
وذهب الفارسي إلى أنها لا فاعل لها, وحجته أن الفعل إذا استعمل استعمال ما لا يحتاج إلى فاعل استغنى عن الفاعل, دليل ذلك أن
"قلما" فعل, لكن لما استعملته العرب للنفي, فقالت: "قلما يقوم زيد" في معنى: ما يقوم زيد, لم يحتج إلى فاعل, كما أن "ما" لا تحتاج إلى فاعل, بل صارت بمنزلة الحروف التي تصحب الأفعال, فتقول: قلما يقوم زيد, فكذلك "كان", لما زيدت للدلالة على الزمان الماضي صارت بمنزلة "أمس", فكما أن "أمس" لا يحتاج إلى فاعل, فكذلك ما استعمل استعماله.
وقال المصنف في الشرح: "وزعم السيرافي أن "كان" الزائدة مسندة إلى مصدر منوي, ولا حاجة إلى ذلك, ولا يبالي بأن يقال: خلوها من الإسناد إلى منوي يلزم منه كون الفعل حديثًا عن غير محدث عنه, لأن "كان" المحكوم بزيادتها تشبه الحرف الزائد, فلا يبالي بخلوها من الإسناد, كما أن الضمير الواقع فصلًا لما قصد به ما يقصد بالحروف من الدلالة على معنى في غيرها استجيز أن لا يكون له موضع من الإعراب" انتهى.
ولا يسلم له أن الواقع فصلًا هو ضمير قصد به ما يقصد من الحروف, بل الأصح انه حرف, فهو مشترك بين أن يكون ضميرًا وأن يكون فصلًا.
قال المصنف: "وأيضًا فإن "كان" قد زيدت بين "على" ومجرورها, فإذ نوى معها فاعل لزم الفصل بين الجار والمجرور بجملة, ولا نظير لذلك, وإذا لم ينو معها ضمير "كان" الفصل بكلمة واحدة, فلا يمتنع كما لم يمتنع الفصل بـ"ما" بين عن ومن الباء ورب والكاف ومجروراتها انتهى, ولا يلزم من ذلك محظور لأنها جملة كالمفرد إذ لم يصرح بأحد جزأيها, وهو المسند إليه "كان".
وقوله وآخرًا على رأي هذا مذهب الفراء, أجاز زيادة "كان" أخرًا, فتقول: زيد قائم كان, وقاس ذلك على إلغاء "ظن" أخرًا, قال المصنف: "والصحيح المنع لعدم استعماله, ولأن الزيادة على خلاف الأصل, فلا تستباح في غير مواضعها المعتادة".
وقوله وربما زيد أصبح وأمسى هذا مذهب الكوفيين, وحكوا من كلامهم: ما أصبح أبردها! وما أمسى أدفأها يعنون الدنيا, وهذا عند البصريين إذا ثبت من القلة بحيث لا يقاس عليه, وهو خارج عن القياس, لأن القياس في اللفظ أن لا يزاد.
وقال ابن الدهان: "وجدت بيتًا يدل على الزيادة, قال:
قد بث أحرسني وحدي, ويمنعني صوت السباع به يصبحن والهام"
انتهى, فادعى أن يصبحن زائدة, والظاهر أن معنى "به يصبحن" أي: به يقمن في الصباح, فالمعنى أن السباع بهذا المكان والهام دائمًا في الليل والصباح, وروي: يضبحن, والضباح: صوت الثعلب, وصوت أجواف الخيل.