التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 16-55

والوجه الثاني: أن يكون فاعلًا بالصفة على حد إعرابه وبروزه إذا جرت الصفة على غير من هي له.
وقد أجاز س في نحو: "مررت برجل مكرمك هو" أن يجعل "هو" تأكيدًا للضمير المستكن في "مكرمك"، وأن يكون فاعلًا بالصفة.
والفرق بين التقديرين يظهر في التثنية والجمع، فعلى الفاعل تقول: مررت برجلين مكرمك هما، وعلى التأكيد: مكرمَيك هما.
وفي الإفصاح: أجاز بعض أهل عصرنا أن تقول: زيد عمرو ضاربة هو، فيكون جاريًا على "عمرو"، وهو له، وترفع الضمير به، أو تجعله توكيدًا.
واحتج بعموم قول س والنحويين.
ولا يجوز عندي على قول من يرى أن ذلك لرفع اللبس؛ لأنهم لم يكونوا ليرفعوا اللبس إذا وقع، ثم يفعلون ما لا يلزم، فيرفعون به اللبس، فهذا نقض لما اعتزموا عليه.
وقوله وإلا برز أي: وإن لم يجر متحمله على صاحب معناه، بل جرى على غير من هو له، برز الضمير، وسواء ألبس أو لم يلبس، هذا مذهب البصريين.
مثاله إلباسه: زيد عمرو ضاربه هو، فلو حذفنا "هو" لتبادر الذهن إلى أن "ضاربه" جرى خبرًا لعمرو، وتكون الهاء لزيد، ويكون المعنى: عمرو ضارب زيد؛ إذ أصل الخبر أن يكون للمبتدأ الذي هو خبر عنه، فإذا أردت معنى أن زيدًا هو ضارب عمرو بهذه العبارة ألبس إن لم تأت بـ "هو"، فيكون بإبراز "هو" فرقًا بين المعنيين، ويتعين هذا المعنى الثاني، ويزول الإلباس.
ومثال ما لا يلبس: زيد الفرس راكبه هو، فلو حذفنا "هو" لم يلبس.

فلو كان الخبر الجاري على غير من هو له مسندًا لغير ضمير المبتدأ، فلا ضمير فيه، فيبرز إذ قد أسند إلى غيره، ومثال ذلك: زيد الفرس راكبه أخوه، فـ "راكبة" خبر جرى على الفرس.
ولو كان الخبر فعلًا فلا نأتي بالضمير على أنه فاعل بالفعل، بل يجوز أن نأتي به على طريق التأكيد للضمير المستكن في الفعل،/ مثال ذلك: زيد هند يضربها، ويجوز أن تقول: يضربها هو، على سبيل التأكيد للضمير المستكن في "يضربها" العائد على "زيد".
هكذا أطلق معظم النحويين في الفعل أنه لا يجب إبرازه.
ويعرض اللبس في الفعل كما يعرض في الصفة، وذلك إذا كان التساوي من كل جهة، نحو: زيد عمرو يضربه، وهند دعد تضربها، والزيدان البكران ضرباهما؛ ألا ترى أن الفعل في كل هذا يحتمل أن يكون للثاني، وهو المتبادر للذهن، ويحتمل أن يكون للأول.
فإذا خيف اللبس في الفعل كرر الظاهر الذي هو الفاعل ليزول اللبس، فتقول إذا ألبس: زيد عمرو يضربه زيد، فـ "يضربه زيد" في موضع خبر "عمرو"، والرابط له به الضمير العائد عليه، و"عمرو" وخبره في موضع خبر "زيد"، والرابط له تكرار لفظ المبتدأ الذي هو "زيد"، ولزم الإظهار لأنك لو قلت: "زيد عمرو يضربه" لم يُدرَ هل الفعل لعمرو أو لزيد.
وزعم المصنف في الشرح أنه إذا خيف اللبس في الفعل وجب الإبراز، كقولك: غلام زيد يضربه هو، إذا كان المراد أن زيدًا يضرب الغلام.
وما زعمه المصنف من إبراز الضمير في هذه المسألة مخالف لما تقدم من ذكر الظاهر الذي هو الفاعل.
وعله بروز الضمير في الوصف دون الفعل أنه إذا تحتملته الصفة لم

يكن له ما يبينه إلا جريان الصفة على من هي له إذ الضمير ليس له صورة في اللفظ، بل هو مستتر في الصفة، فاحتيج إذا جرت الصفة على غير من هي له إلى إبرازه؛ إذ ليس له إذ ذاك ما يبينه إلا خروجه إلى اللفظ وظهوره، وإذا خرج إلى اللفظ لزم انفصاله لأن الصفات لم تستحكم في اتصال ضمائر الرفع بها استحكام الفعل في ذلك؛ لأن الفعل يتصل به الضمير على وجهين: أحدهما: أن يكون مستترَا في الفعل.
والآخر: أن يلفظ به، ويكون كالجزء من الفعل، ولذلك سكنوا له آخر الفعل في مثل ضربت، والصفة لا يتصل بها الضمير إلا أن يكون مستترًا، ولا يلفظ به، ويجعل كالجزء منها، فلما لزم إظهاره في حال جريانها على غير من هي له لما ذكرناه لزم انفصاله، وليس الفعل كذلك؛ إذ لا يعدم مبينًا له، إما جريانه على من هو له نحو: زيد قام، أو اللفظ الموضوع له نحو: قاما، وقاموا، أو العلامات اللاحقة للفعل نحو: أقوم ونقوم وتقوم ويقوم، فلم يحتج إلى إبرازه، وإن جرى على غيره من هو له، إلا إن خفيف لبس ضمير الغيبة كالمسألة التي تقدمت، فيبرز الظاهر.
وإذا برز الضمير في الصفة الجارية على غير من هي له فهو مرفوع بالصفة على الفاعلية، ولا يقال إن الفاعل مستكن في الصفة، والضمير البارز توكيد؛ إذ لو كان كذلك لم يلزم لأن/ التوكيد لا يلزم، ولوجبت تثنية الصفة وجمعها، فكنت تقول: الهندان الزيدان ضاربتاهما هما، والهندات الزيدون ضارباتهم هن، فلما لم تقل ذلك العرب إلا في لغة أكلوني البراغبث، وقالت: الهندان الزيدان ضاربتهما هما، فأفردت

ضاربة، ولم تثن، دل على أنه ليس في الصفة ضمير مستتر، بل هذا الضمير المنفصل مرفوع بالصفة.# وإنما أفردت العرب الصفة الرافعة للضمير المنفصل في جميع الأحوال لجريانها مجرى الفعل، فكما أن الفعل إذا رفع الضمير المنفصل لا تتصل به علامة تثنية ولا جمع، فكذلك الصفة، تقول: الزيدان ما قام إلا هما، والزيدون ما ضرب عمرًا إلا وهم.
وكذلك لو فصل ضمير الفاعل من الفعل في الضرورة لم تتصل به علامة تثنية ولا جمع، نحو: .............. إلا يزديهم حبًا إلى هم وعومل الضمير المنفصل معاملة الظاهر فيما ذكرناه لأن العرب تحكم له بحكم السببي وهو ظاهر، فيقولون: إن زيدًا لم يضربه إلا هو، فيعدون فعله إلى مضمره المتصل، كما يقول: إن زيدًا لم يضربه غلامه، وليس كذلك ضمير الرفع المتصل بدليل أنهم لا يعدون فعله إلى ضميره المتصل في غيره فقدت وعدمت وباب ظننت.
وقال السهيلي: كل صفة جرت على غير من هي له فأصلها أن لا تجري عليه، وأن تكون خبرًا عمن هي له، فقولك: مررت برجل ضاربه عمرو، الأصل: عمرو ضاربه، وكذلك: زيد مررت برجل محبه هو، أصله هو محبه، ثم تقول: "محبه هو" على أن يكون خبرًا مقدمًا، ثم أجريته صفة للأول، وجعلت المبتدأ فاعلًا، فتركته منفصلًا على ما كان يلزمه إذ كان مبتدأ إشعارًا بحكم أصله.
وقوله وقد يستكن إن أمن اللبس وفاقًا للكوفيين إذا جرت الصفة على غير من هي له ففي ذلك خلاف.

مذهب البصريين أنه لا بد من بروز الضمير فيها، ألبس أو لم يلبس، كما ذكرناه إلا في مسألة واحدة، وهي قولك: مررت برجل حسن أبواه جميلين، فجميلين صفة جارية على رجل، وليست له بل للأبوين، ولم يبرز الضمير فيها، فيقال: جميلين هما، أجروا الضمير الرابط هنا مجراه الصفة الجارية على الموصوف، فاستتر، وساغ ذلك، وإن لم يعد على الموصوف، من حيث كان عائدًا على الأبوين المضافين إلى ضميره، فصار لذلك كأنه من جهة المعنى قد قال: مررت برجل حسن أبواه جميل أبواه.
ويذهب الكوفيين أن الضمير إما يتقدم له ذكر أو لا يتقدم، فإن لم يتقدم برز، نحو: مررت برجل ضاربه أنت.
وإن تقدم فإما أن يلبس أو لا: إن ألبس برز، نحو: زيد عمرو ضاربة هو، إذا أردت أن زيدًا ضرب عمرًا؛ لئلا يتلبس بأن عمرا ضرب زيدًا.
وإن لم يلبس جاز أن يبرز وأن لا يبرز، نحو قولك: يدك باسطها أنت، ويجوز: يدك باسطها، وهند زيد ضاربته هي، ويجوز: هند زيد ضاربته./ واستدل لمذهبهم في جواز ترك إبراز الضمير إذا يلبس بقول الشاعر: وإن امرأ أسرى إليك، ودونه سهوب وموماة وبيداء سملق لمحقوقة أن تستجيبي لصوته وأن تعلمي أن المعان موفَّق

وبقول الآخر: ترى أرباقهم متقلديها إذا صدئ الحديد على الكماة ويروي: حمي الحديد.
وقول الآخر: قومي ذرا المجد بانوها، وقد علمت بكنه ذلك عدنان وقحطمان وبقول الآخر: إن الذي لهواك آسف رهطه لجديرة ان تصطفيه خليلًا وحكي الفراء عن العرب: "كل ذي عين ناظرة إليك"، وقال تعالى: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)، وقرأ ابن أبي عبلة: "حتى يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه" بجر (غير).
فمحقوقة صفة للمرأة، وقد جرت على "امرئ"، ولم يبرز الضمير، فيقول: لمحقوقة أنت.
ومتقلديها قد جرى على "الأرباق"، وليس لها، ولم يبرز الضمير، فيقول: متقلديها هم.
و"بانوها" جرى على "ذرا المجلد"، وليس له، ولو برز لقال: بانوها هم.
ولجديرة صفة للمرأة، وقد جرت على "الذي آسف"، ولم يبرز الضمير، فيقول: لجديرة أنت.
و"ناظرة" خبر عن "كل"، وليس له، فلو أبرز لقال: ناظرة هي إليك.

و (خاضعين) صفة لأرباب الأعناق، وجرت على الأعناق، ولم يبرز الضمير، فيقول: خاضعين هم.
و (غير ناظرين) صفة لـ "طعام"، وليس له، ولو برز الضمير لقال: غير ناظرين إناه أنتم.
وقد تأول البصريون هذه الشواهد بإخراجها عن ظاهرها بتأويلات متكفلة، قالوا: لا ضمير مستكن في قوله: "لمحقوقة"، بل قوله: "أن تستجيبي" هو المرفوع بمحقوقه، وأنث على المعنى، والتقدير: لمحقوقة استجابتك لصوته.
وكذلك لجديرة، أي: لجديرة اصطفاءتك له خليلًا.
وقالوا أيضًا: لمحقوقة ولجديرة خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: لانت محقوقة بأن تستجيبي، ولأنت جديرة بأن تصطفيه.
وقالوا أيضًا: هو جملة في موضع خبر إن في البيت قبله، يعنون أن قوله: "لمحقوقة" خبر مقدم، و"أن" تستجيبي" في موضع المبتدأ، كما تقول: أقائم زيد؟ وقالوا في "ترى أرباقهم متقلديها": إنه يخرج على إقحام الأرباق، كأنه قال: تراهم متقلديها، أي متقلدي الأرباق، والمضاف إلي الشيء يعامل معاملة ما أضيف إليه إذا حاز أن تلفظ بما أضيف إليه وأنت تريده، نحو قولهم: اجتمعت أهل اليمامة، لأنك تقول: اجتمعت اليمامة، وأنت تريد أهلها.
وكذلك أيضًا يجوز: ترى أرباقهم متقليدها؛ لأنك تقول: تراهم متقلديها، أي: متقلدي الارباق.
وقالوا أيضًا في تخريجه: إنه على حذف مضاف، أي: ترى أصحاب أرباقهم متقلديها، وروعي ذلك/ المحذوف.
وقالوا في "قومي ذرا المجد بانوها": إن التقدير: قومي بانون ذرا

المجد بانوها.
وفي جواز مثل هذا التخريج خلاف بين أبي علي وأبي الفتح، سيذكر في الاشتغال إن شاء الله.
وقالوا في قول العرب "كل ذي عين ناظرة إليك": أي ألحاظ أو أجفان كل ذي عين، فهو على حذف مضاف.
وقالوا في (فظلت أعناقهم لها خاضعين) " إنها تتخرج على إقحام الأعناق؛ لأنه يجوز: فظلوا لها خاضعين، في معنى (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ).
وقالوا: يجوز أن يراج بالأعناق جمع عنق الجماعات، تقول: أتانا عنق من الناس، أي جماعة منهم، فكأنه قال: فظلت جماعتهم لها خاضعين.
ولما كانت هذه التأويلات متكفلة وافق المصنف مذهب الكوفيين في أنه لا يجب إبراز الضمير إذا لم يلبس.
ومثال الإبراز المجمع عليه قول الشاعر: لكل إلفين بين بعد وصلهما والفرقدان حجاه مقتفيه هما حجا كل شيء: ناحيته.
وحكم هذا الوصف إذا جرى على غير من هو له خبرًا أو نعتًا أو حالًا، جاز فيه هذا التفصيل والخلاف المذكور.
ولم يتعرض المصنف لمطابقة الخبر للمبتدأ في تذكيره وإفراده وفروعهما.
ونقول: بالنسبة إلى التذكير والتأنيث إن كان الأول هو الثاني من جهة المعنى فالمخالفة تجوز بحسب اللفظ، نحو: الاسم كلمة، وفاطمة

هذا الرجل، إذا كان "فاطمة" اسمه.
وإن كان غيره صفة فالموافقة، وقد يخالف إن كان التأنيث غير حقيقي، كقوله: .................. والعين بالإثمد الجاري مكحول على تقدير: والعضو أو شيء مكحول.
وإن كان جامدًا فلا يكون إلا على التحقير نحو: هذا الرجل امرأة، أو التنكير نحو: هذه المرأة رجل.
وأما بالنسبة إلى الإفراد والجمع فإن كان المبتدأ مفرد اللفظ والمعنى فالمطابقة، نحو: زيد قائم، إلا إذا كان ذا أجزاء، فتجوز المخالفة حيث سمع، نحو: هذا الثوب أخلاق، وهذه البرمة أعشار، ولا يقاس عليه: هذا الرجل أعضاء، وإن كان منقسمًا إلى أعضائه.
وإن كان عكسه: فإن كان الخبر مما يقبل التثنية والجمع جامدًا فلا يجوز إلا على نحو: هذا الرجل أسد، فتقول: الرجال رجل واحد، تريد في أنهم على قلب واحد أو على مذهب واحد.
أو مشتقًا فالمطابقة، نحو: الرجال قيام، ولا يكون مفردًا إلا بتقدير موصوف مفرد اللفظ دون المعنى، نحو قوله: ألا إن جيراني العيشة رائح دعتهم دواع للهوى ومنادح

أي: جمع رائح، وليس جيدًا.
وقيل: إن أرادت بالجمع كليه جاز إفراد الخبر، نحو قوله: نصبن الهوى، ثم ارتمين قلوبنا بأعين أعداء، وهن صديق أي: وكل واحدة منهن صديق.
قيل: ومنه (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)، لم تأت "رفقاء" لأنه أراد: كل واحد منهم رفيق.
وإن لم يقبل كأفعال التفصيل: فإن كان بـ "من" فهو في معنى الجمع، أو مضافًا إلى جامد اسم جمع جاز، نحوه: هؤلاء أول حزب، وأحسن قبيل.
أو غيره لم يجز أن تقول: هؤلاء أول رجل، بل: أول الرجال.
أو إلى مشتق فمجيز بلا تأويل، نحو: هؤلاء أول طاعم، ومجيز بتأويل حذف اسم الجمع، أي: أول حزب طاعم، وهو المبرد.
أو على معنى الفعل، أي: أول من طعم.
وإن كان المبتدأ مفرد اللفظ مجموع المعنى، والخبر صفة، جاز أن يفرد، نحو: الجيش منهزم، أو جامد فلا يفرد إلا بحسب القصد، قال الزجاج: "الجيش رجل، يكره لتوهم التقليل.
أما إذا عرف المعنى فيسوغ، نحو: جيشهم إنما هو فرس ورجل، تريد: خيل ورجال، أي: ليسوا بكثيري الأتباع".

وإن كان عكسه، أي: مجموع اللفظ مفرد المعنى، كرجل يسمى زيودًا، فحكمه حكم ما هو مفرد في اللفظ والمعنى.

-[ص: والجملة اسمية وفعلية، ولا يمتنع كونها طلبية، خلافًا لابن الأنباري وبعض الكوفيين، ولا قسمية، خلافًا لثعلب، ولا يلزم تقدير قول قبل الجملة الطلبية، خلافًا لابن السراج.
وإن اتحدت بالمبتدأ معنى هي أو بعضها، أو قام بعضها مقام مضاف إلى العائد، استغنت عن عائد، وإلا فلا.]-

ش: مثاله الاسمية: زيد أبوه قائم، ومثال الفعلية: زيد خرج أخوه.
ويندرج في الجملة الاسمية الجملة المصدرة بحرف عامل في المبتدأ، نحو: "ما" الحجازية و"إن"، نحو: زيد ما هو قائمًا، وزيد إنه قائم، وزيد إن عمرًا ضاربه.
وهذا مذهب البصريين، أعني أنه يجوز وقوع "إن" المكسورة وما عملت فيه موقع خبر المبتدأ.
ومنع ذلك الكوفيون.
ويدخل فيها الجملة المصدرة باسم الشرط غير معمول لفعله، نحو: زيد من يكرمه أكرمه.
ويدخل في الجملة الفعلية الجملة الشرطية المصدرة بحرف أو اسم شرط معمول، نحو: زيد إن يقم أقم معه، وزيد أيهم يضرب أضربه، والمضارع العامل في ظرف مستقبل، نحو: زيد يقوم غدّا، اتفاقًا، والداخل عليه حرف التنفيس باختلاف، نحو: زيد سيقوم أو سوف يقوم، أجاز ذلك الجمهور، ومنعها بعض المتأخرين.
والفعلية المتقدم عليها معمولها نحو: زيد عمرًا ضرب أو يضرب، وبعض النحويين منع من ذلك.
وقوله خلافًا لابن الأنباري أي: ذهب ابن الانباري ومن وافقه من الكوفيين/ إلى أن الجملة الطلبية لا تكون خبرًا للمبتدأ؛ نظرًا إلى أن الخبر

حقه أن يكون محتملًا للصدق والكذب، والجملة الطلبية ليست كذلك.
وهذا قول فاسد لانا قد أجمعنا على أن خبر المبتدأ يكون مفردًا، والمفرد لا يحتمل الصدق والكذب، فكما يقع المفرد- وهو لا يحتمل الصدق والكذب- خبرًا، فكذلك الجملة التي لا تحتمل الصدق والكذب، فإن الخبر يقال باشتراك، لا يقال: إنما ساغ جعل المفرد خبرًا لأنه ينتظم منه مع ما قبله خبر يحتمل الصدق والكذب، والأمر والنهي وما أشبههما لا ينتظم منهما مع المبتدأ قبلها خبر؛ لأنا نقول: قد يقع الخبر أيضًا اسمًا لا ينتظم منه مع المبتدأ خبر، نحو: كيف زيد؟ وأين عمرو؟ ومتى القتال؟ فلا يمتنع قياس الجملة الطلبية على هذا لو كان غير مسموع، فكيف وهو مسموع من لسان العرب، قال الشاعر، وهو رجل من طيئ: قلت: من عيل صبره كيف يسلو صاليًا نار لوعة وغرام وقوله خلافًا لثعلب روى عن ثعلب انه منع الإخبار عن المبتدأ بالجملة القسمية.
وهو محجوج بالسماع، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا)، (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ)، وقال الشاعر: جشأت، فقلت: اللذ خشيت ليأتين وإذا أتاك فلات حين مناص وقوله خلافًا لابن السراج إنما أضمر القول في نحو: زيد اضربه، وإن

التقدير: زيد أقول لك اضربه؛ لأن "اضربه" لا يحتمل الصدق والكذب، فلا يكون خبرًا، وقد قدم الرد على هذا في الرد على ابن الأنباري.
والمتفق على وقوعه خبرًا من الجمل الجملة الخبرية، وقد يعرض لها ما لا يسوغ وقوعها خبرًاـ كدخول "لكن" عليها، أو "بل"، أو "حتى".
وبعض الجمل غير الخبرية لا يجوز أن تقع خبرًا، وذلك جملة النداء، فلا يجوز" زيد يا أخاه، ولا: زيد يا عمرو إليه، تريد: أدعوك إليه، فلو قلت: "زيد يا عمرو قم إليه" لكان الخبر "قم إليه" و"يا عمرو" اعتراض.
وقوله وإن اتحدت بالمبتدأ معنى هي الجملة المتحدة بالمبتدأ معنى هي كل جملة مخبر عن مفرد يدل على جملة كحديث وكلام، ومنه ضمير الشأن.
والقصة، والمضاف إلى حديث أو قول وما أشبهه من ذلك، نحو: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله"، وقولهم: "هجيري أبي بكر لا إله إلا الله"، أي: قوله في الهاجرة لا إله إلا الله.
وقوله أو بعضها الجملة المتحد بعضها بالمبتدأ معنى هي كل جملة تتضمن/ ما يدل على ما يدل عليه المبتدأ بإشارة أو غيرها، نحو قوله: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)، وقوله: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)، فيحصل له ما يحصل بالضمير

مع مزيد الثناء، ويكثر الاتحاد لفظًا ومعنى تعظيمًا لأمر المحدث عنه أو المحدث به، كقوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ).
وقوله أو قام بعضها مقام مضاف إلى العائد مثاله قوله:، والمراد: يتربص أزواجهم، فأقيم ضمير الأزواج مقام الأزواج المضافة إلى ضمير (الذين)، ومثله قول الشاعر: الألى يؤرثون مجدًا، ويعنو ن بتأثيليه يدوم أثيلًا أراد: يدوم مجدهم أثيلًا.
وتأول بعض أصحابنا الآية على حذف مضاف معتد به دون اللفظ، أي: ونساء الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، فيكون كقوله: يسفون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل بردى: موضع، يريد: ماء بردى، فأعاد الضمير من "يصفق" على المحذوف لا على بردى.
وقال: وقد يكون على ما قال س في:

(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) أي: مما يتلى عليكم الذين يتوفون منكم، ثم ابتدأ: يتربصن، لتفسير المتلو.
وقال الأخفش: التقدير: يتربصن بعدهم.
ويقدر المبرد والزجاج: أزواجهم يتربصن.
وقوله استغنت عن عائد يعني به الضمير.
وقوله وإلا فلا أي: وإن لم تكن الجملة متحدة بالمبتدأ من حيث المعنى لا هي ولا بعضها، ولا قام بعضها مقام مضاف إلى العائد، فلا تستغني عن العائد، مثاله: زيد قام غلامه، وزيد أبوه قائم.
وقد رتب المصنف الكلام في الجملة الواقعة خبرًا للمبتدأ بالنسبة إلى الرابط الذي يربطها بالمبتدأ ترتيبًا قلقًا، غير مصطلح القوم، ولا جامعًا للروابط، ولا منبهًا على ما اتفقوا عليه منها، ولا ما اختلفوا فيه، ونحن نذكر ذلك على الاستيفاء، فتقول: الجملة الواقعة خبرًا إما أن تكون نفس المبتدأ في المعنى أو لا، فإن كانت نفس المبتدأ في المعنى فلا رابط، نحو: هجيري أبي بكر لا إله إلا الله"، وهو زيد منطلق.
وإن لم تكت نفس المبتدأ في المعنى فلا بد من رابط، وزعم الفراء، فأما "سواء علي أقمت أم قعدت" فمذاهب:

الأول: أن "سواء" مبتدأ، والجملة خبر، ولم تحتج إلى رابط لأنها المبتدأ في المعنى والتأويل؛ إذ التقدير: سواءٌ علي قيامك أو قعودك، وهو مذهب الزجاج وأبي علي.
الثاني: أن/ الجملة هي المبتدأ، وهي في تقدير اسم مفرد، و"سواء" الخبر، وبه قال جماعة، وهو ظاهر قول أبي علي في "الإيضاح"، ومذهب الزمخشري.
والثالث: أن "سواء" مبتدأ، والجملة في موضع الفاعل، والتقدير: استوى عندي أقمت أم قعدت، أي: قيامك وقعودك، كقولهم: "نولك أن تقوم"، في معنى: ينبغي لك أن تقوم، قاله بعض النحويين.
والرابط المتفق عليه خمسة أشياء: ضمير المبتدأ، نحو: زيد قام غلامه.
وتكرار المبتدأ بلفظه، نحو: زيد قام زيد، وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل والتفخيم، نحو قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (1) مَا الحَاقَّةُ (2)﴾، ﴿الْقَارِعَةُ مَا القَارِعَةُ (2)﴾، التقدير: الحاقة أي شيء هي، كما تقول:

"أي رجل زيد" إذا أردت تعظيمه والتفخيم لشأنه، ومن ذلك قوله: ليت الغراب غداة ينعب دائبًا كان الغراب مقطع الأوداج من زعم أن تكرار المبتدأ بلفظه لا يجوز إلا في موضع التهويل والتعظيم فقد زاد شرطًا لم يزده س، وذكر ابن السراج إجازة النحويين: أجل زيد أحرز زيدًا، وقال: لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا وإشارة إلى المبتدأ، نحو قوله: ﴿ولِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.
والعموم نحو قولك: زيد نعم الرجل، وقال: فأما القتال لا قتال لديكم...................................... وقال: ...................................... وأما الصبر عنها فلا صبرا فـ"زيد" فرد من أفراد المرفوع بـ"نعم"، إذ هو يراد به الجنس،

و"القتال" فرد من أفراد القتال المنفي، و"الصبر" فرد من أفراد الصبر المنفي.
وعطف الجملة بالفاء فيها ضمير المبتدأ على جملة عارية منه، هي خبر المبتدأ، نحو قوله: وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو، وتارات يجم، فيغرق وقال: إن الخليط أجد البين، فانفرقا وعلق القلب من أسماء ما علقا في رواية من رفع "البين".
ففي "فيبدو" ضمير مستكن عائد على المبتدأ الذي هو "وإنسان عيني"، وهي معطوفة على قوله: "يحسر الماء تارة"، وهي خبر المبتدأ، وليس فيها رابط، واكتفى بالربط الذي في المعطوف.
وكذا الكلام في البيت الثاني.
والرابط المختلف فيه هو تكرار المبتدأ بمعناه لا بلفظه، نحو: زيد جاء أبو بكر، إذا كان "أبو بكر" كنية "زيد"، فهذا قد نص س على منعه.
وأجاز ذلك أبو الحسن، وتبعه ابن خروف، واستدل على صحة مذهبه بقوله: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ

ويَهْدِي مَن يَشَاءُ} المعنى عنده: فإن الله يضله ويهديه.
ويقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)﴾، التقدير: إنا لا نضيع أجرهم.
ورد استدلاله بأن خبر (أفمن) محذوف/ لدلالة ما تقدم عليه، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، فكأنه في التقدير: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا فله عذاب شديد خير أم من آمن وعمل صالحًا فله مغفرة وأجر كبير، فحذف لفهم المعنى.
وأحسن من هذا التخريج أن يكون التقدير: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا كمن هدي.
ويدل على هذا قوله بعد: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، فيكون المحذوف خبر المبتدأ فقط، وفي التخريج السابق حذف الخبر ومعادل المبتدأ السابق وخبره.
وأما الآية الأخرى فتأولها من رد على الأخفش بأن الخبر هو ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ﴾، ويكون قوله: ﴿إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ جملة اعتراض.
وتأول ابن عصفور ذلك بأن جعل الرابط محذوفًا، تقديره: من أحسن عملًا منهم.
قال ابن عصفور: "وينبغي أن يجوز هذا الذي

ذهب إليه أبو الحسن من الاستغناء عن الضمير باسم ظاهر هو المبتدأ في المعنى، كما جاز ذلك في الصلة، حكي من كلامهم: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، يريدون: رويت عنه، إلا أن ذلك قليل جدًا" انتهى.
وقال ابن هشام: ويعضده -يعني الأخفش- قول الشاعر: إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت حبال المنايا بالفتى أن تقطعا وقد حسن ابن جني هذا في خصائصه بأنه لم يكن العائد لفظ الأول بل لفظًا آخر هو هو، فصار كالضمير، فلهذا صح.
وعطف جملة بالواو مكان الفاء فيها ضمير المبتدأ على جملة عارية من الضمير وقعت خبرًا، نحو: الخيل جاء زيد وركبها، أجاز ذلك هشان، ومنع ذلك الجمهور، وشرطوا أن يكون العطف بالفاء.
ووقوع الضمير مكان مظهره الذي اتصل به الذكر العائد على المخبر عنه، نحو قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾، التقدير: يتربص أزواجهم، فحصل الربط بهذا المضمر الواقع مكان المظهر الذي هو أزواجهم، و"أزواج" متصل به ضمير المبتدأ.
وأجاز ذلك الأخفش والكسائي، ومنعه الجمهور، واستدل الأخفش والكسائي بهذه الآية.
ولا ينبغي أن تحمل الآية على هذا لأنه ربط بالمعنى، والربط بالمعنى

لا ينقاس، ولذلك لما قالت العرب: مررت برجل حسن أبواه جميلين، وربط الصفة التي هي "جميلين" بالموصوف الذي هو الرجل الضمير المستتر فيها، وهو عائد على الأبوين لا على الموصوف، لكون ذلك الضمير يفيد ما يفيده قولك: "جميلين أبواه"، لم يجز النحويون قياسًا عليه أن تقول: "مررت برجل حسنين جميل أبواه" على إعمال الصفة الثانية والإضمار في الصفة الأولى/، ويجعل الضمير العائد على الأبوين من الصفة الأولى رابطًا للموصوف، كما جعل في الصفة الثانية من قولك: مررت برجل حسن أبواه جميلين؛ لأنه ربط بالمعنى إنما سمع من العرب في الصفة الثانية لا في الأولى، فلم يتعد به موضع السماع، ولذلك أجاز س أن تقول: مررت برجل عاقلة أمه لبيبة، على أن تجعل "لبيبة" مضمرًا فيها الأم.
ووقوع الضمير عائدًا على المبتدأ بدلًا من بعض ما في الجملة الموضوعة موضوع خبره، مثاله: حسن الجارية أعجبتني هو، فحسن: مبتدأ، والجملة بعده خبر، ولا رابط فيه، لكنه ربط بالبدل الذي هو "هو"؛ إذ "هو" بدل من الضمير المؤنث المستكن في "أعجبتني" العائد على الجارية، و"هو" عائد على الحسن.
وفي الربط بهذا خلاف، سنوضحه بأكثر من هذا في باب البدل، إن شاء الله.
فهذه الروابط المختلف فيها، وهي أربعة.
وقد ترك المصنف مما أجمع عليه أنه رابط اثنين: أحدهما العموم، والثاني العطف بالفاء على ما بين.
وأبهم في قوله: "أو بعضها"، وفسره في الشرح باسم الإشارة أو غيره.
وأورد مختلفًا فيه مورد المتفق عليه، وهو قوله "أو قام بعضها مقام مضاف إلى العائد".
وتفسير المتحد بالمبتدأ وهو بعض الجملة بقوله: {إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ

المُصْلِحِينَ}، قال: "لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، فيتحصل به ما كان يتحصل بضمير مع تأكيد الاعتناء ومزيد الثناء" انتهى.
وهذا الذي ذكره هو مذهب الأخفش.

-[ص: وقد يحذف إن علم ونصب بفعل أو وصف، أو جر بحرف تبعيض أو ظرفية، أو بمسبوق مماثل لفظًا ومعمولًا، أو بإضافة اسم فاعل، وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولًا به، والمبتدأ كل أو شبهه في العموم والافتقار، ويضعف إن كان المبتدأ غير ذلك، ولا يخص جوازه بالشعر، خلافًا للكوفيين.]-

ش: احترز بقوله "إن علم" من نحو: زيد ضربته في داره، فلا يجوز حذف هذا الضمير لأنه لا يدري أحذف أم الفعل مسلط على غيره مما يجوز حذفه من المفعولات.
واحترز بقوله "ونصب" من أن يكون الضمير مرفوعًا، فإنه لا يجوز حذفه.
ومثال ما نصب بفعل قول الشاعر: ثلاث كلهن قتلت عمدًا فأخزى الله رابعة تعود أي: قتلتهن عمدًا ومثال المنصوب بوصف قول الراجز:

غني نفس العفاف المغني والخائف الإملاق لا يستغني التقدير: العفاف المغنيه، أي: الذي يغنيه هو غني نفس، فالعفاف: مبتدأ، والمغني: مبتدأ ثان، وخبره "غني نفس"، وفي "المغني" ضميران: أحدهما عائد على العفاف، وهو الفاعل باسم/ الفاعل.
والآخر ضمير نصب، وهو المحذوف العائد على أل، و"المغني" وصف جرى على غير من هو له، ولم يبرز الضمير، ولو برز لقال: المغنيه هو.
ومعنى هذا الكلام: الذي يغنيه العفاف غني نفس.
ويحتمل وجهًا آخر من الإعراب، وهو أظهر وأقل تكلفًا، وهو أن يكون "غني نفس" مبتدأ، وسوغ الابتداء فيه -وإن كان نكرة- كونه متخصصًا بالإضافة، أو كونه نعتًا لمنعوت، أي: إنسان غني، والعفاف: مبتدأ ثان، وخبره "المغني"، وهو وصف جار على من هو له؛ إذ هو خبر عن "العفاف"، فالجملة من قوله: "العفاف المغني" في موضع خبر المبتدأ الذي هو "غني النفس"، والعائد من الجملة محذوف، وهو الضمير المنصوب؛ إذ التقدير: المغنيه، والمعنى: غني النفس العفاف يغنيه.
ومثال المجرور بحرف تبعيض "السمن منوان بدرهم" أي: منوان منه، فمنوان: مبتدأ ثان، وسوغ الابتداء به هذا الوصف المحذوف، وهو "منه"، وبدرهم" خبره، والجملة خبر لقوله: "السمن"، والعائد هو "منه" المحذوف، وهو ضمير مجرور بمن، وهو حرف تبعيض.
ومثال الظرفية قوله: فيوم علينا، ويوم لنا ويوم نساء، ويوم نسر

أي: نساء فيه، ونسر فيه.
وقولهم: "شهر ثري، وشهر ترى، وشهر مرعى" أي: وشهر ترى فيه النبات.
ومثال ما جر بمسبوق مماثل لفظًا ومعمولًا قول الشاعر: أصخ، فالذي توصى به أنت مفلح فلا تك إلا في الفلاح منافسا أراد: أنت مفلح به، فحذف "به" لأنه مسبوق بمماثل لفظًا ومعمولًا، وهو نظير قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ﴾، أي: نسارع لهم به.
ومثال ما جر بإضافة اسم فاعل قول الشاعر: سبل المعالي بنو الأعلين سالكة والإرث أجدر من يحظى به الولد أي: سالكتها، وأنت "سالكة"، وكان القياس: سالكون، لأن "بني" يؤنث، تقول: قالت بنو عامر................................... وقوله وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولًا به، والمبتدأ كل أو شبهه في العموم والافتقار مثاله قراءة ابن عامر (وكل وعد الله الحسنى)، أي:

وَعَده.
وقول الراجز: قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبًا، كله لم أصنع أي: لم أصنعه.
قال المصنف في الشرح: "وكذا ما أشبه كلًا في العموم، نحو: أيهم يسألني أعطي، على جعل أي موصولة.
وكذا ما عم وإن لم يكن موصولًا، نحو: كل رجل/ يدعو إلى خير أجيب، آمر بخير ولو كان صبيًا أطيع، أكثر السائلين أعطي.
فول كان المبتدأ غير ذلك، والضمير مفعول به، لم يجز عند الكوفيين حذفه مع بقاء الرفع إلا في الاضطرار.
والبصريون يجيزون ذلك في الاختيار، ويرونه ضعيفًا، ومنه قراءة السلمي: (أفحكم الجاهلية يبغون) برفع الحكم.
ومثل هذا القراءة قول الشاعر: وخالد يحمد أصحابه بالحق، لا يحمد بالباطل هكذا رواه أبو بكر بن الأنباري برفع "خالد" و"أصحابه" انتهى ما ذكره المصنف، وما مثلناه قبل فمن تمثيله إلا قليلًا.
وهذا التقسيم الذي سلكه في العائد على المبتدأ بالنسبة إلى جواز حذفه غير الطريق الذي سلكه أصحابنا، وفيه ما اختلف فيه وما اتفق عليه،

وفي كلام المصنف دعوى إجماع لا تصح، ونقل عن البصريين والكوفيين لا يوافق عليه، ونحن نوضح ذلك، فنقول: الضمير العائد على المبتدأ من الجملة التي وقعت خبرًا عنه إما أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا؛ إن كان مرفوعًا لم يجز حذفه سواء أكان مبتدأ أم غيره، فلا يجوز: الزيدان قام، ولا: الزيدون ضرب.
وذهب بعض النحويين إلى أنه يجوز حذفه إذا كان مبتدأ، نحو قوله: إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارًا عليك، ورب قتل عرب تقديره: هو عار، فحذف "هو" من الجملة التي هي خبر عن قوله: ورب قتل.
وقال صاحب البسيط: "إن كان مبتدأ جاز حذفه، نحو: زيد هو قائم؛ إذ لا مانع من ذلك" انتهى.
وهذا ليس بشيء لأنك إذا قلت: زيد قائم، وحذفت "هو"، لم يعلم أن "هو" محذوف لصلاحية "قائم" أن يكون خبرًا مستقلًا، وقد منع الخليل: ليس زيد قائم، على تقدير: هو قائم، وحذف "هو"؛ لصلاحية نصب "قائم" فيكون الخبر.
وإن كان منصوبًا فإما أن يكون منصوبًا بفعل أو بغيره: إن كان منصوبًا بغير فعل لم يجز حذفه، نحو: زيد كأنه أسد.
وإن كان منصوبًا بفعل فإما أن يكون فعلًا تامًا أو فعلًا ناقصًا: إن كان فعلًا ناقصاً لم يجز

حذفه، نحو: الصديق كأنه زيد.
وإن كان فعلًا تامًا فإما أن يكون متصرفًا أو غير متصرف: إن كان غير متصرف لم يجز حذفه، نحو: زيد ما أحسنه! واختلف النقل عن الفراء: فحكي عنه أبو بكر بن الأنباري أنه لا يجوز حذف هذه الهاء.
ونقل عنه المصنف أنه يجيز حذفها.
قال: "مع أنه لا يجيز: زيد ضربت، وذلك أن فعل التعجب لا تسلط له على ما قبله، فاستوي تفريغه وعدم تفريغه، بخلاف/ زيد ضربت، فإن تفريغه مع إيثار الابتداء بالعمل ترجيح الأضعف على الأقوى".
قال: "ولم يعتبر ذلك في نحو "كله لم أصنع" لشبه كل بالموصول العام، وكذا ما ككل في العموم" انتهى كلامه.
وحكي أبو بكر بن الأنباري أن الكسائي كان يجيز: أبوك ما أحسن! قال: "لما لم أصل إلى نصب الأب أضمرت له هاء تعود عليه، فرفعته بها، والتقدير: أبوك ما أحسنه! ". وإن كان متصرفًا فمذهب البصريين أنه لا يجوز حذفه إلا في الشعر، وسواء أكان يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه، نحو: زيد ضربه عمرو، أو لا يؤدي، نحو: زيد هل ضربته؟ وزيد هلا ضربته، وزيد إن تضربه أضربه، وسواء في ذلك عندهم أن يكون المبتدأ كلًا أو غيره، ونصوا على شذوذ قراءة ابن عامر (وكلٌ وعد الله الحسنى).

وقد سلك الأدب في ذلك شيخنا الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع، فقال: "جاء في الشعر وفي قليل من الكلام، قرأ ابن عامر (وكلٌ وعد الله الحسنى) ". وذهب هشام إلى أنه يجوز "زيد ضربت" في الاختيار.
وذهب الفراء ومن وافقه من الكوفيين إلى أنه يجوز إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو كلًا أو كلا أو كلتا، وإن أدى حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، فأجاز أن تقول: أيهم ضربت؟ برفع أي، وكل رجل ضربت.
ومما جاء من ذلك قوله: ............................ علي ذنبًا كله لم أصنع وقوله: ثلاث كلهن قتلت عمدًا................................. وقوله أرجزًا تطلب أم قريضًا أم هكذا بينهما تعريضا كلاهما أجد مستريضا وإنما جاز ذلك مع هذه الأسماء خاصة لأن اسم الاستفهام من أسماء الصدور، ولا يجوز أن يتقدم ما بعده عليه، فأشبه لذلك الموصول؛ ألا

ترى أن الموصول لا تتقدم صلته عليه، فكما أنه يجوز أن يحذف هذا الضمير من الصلة، فكذلك يحذف من الخبر.
وكذلك كل وكلا، يدخل الكلام إذا ابتدأت بهما معنى "ما"، و"ما" من أدوات الصدور، فإذا قلت: "كل القوم ضربته" فالمعنى: ما من القوم إلا من ضربته، وكلا الرجلين ضربته، معناه: ما من الرجلين إلا من ضربته.
والدليل على أن الكلام يدخله معنى "ما" قوله: وكلهم حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب جهدها واحتفالها أدخل "إلا" على خبر "كل" لأن المعنى: ما منهم أحد إلا من وجدته، فأشبهت لذلك الموصول، فساغ حذف الضمير.
وقال الفراء أيضًا: لا أضمر الهاء إلا مع ستة أشياء: كل ومن وما وأي -يعني في الاستفهام- ونعم وبئس.
ومثال ذلك في نعم وبئس: نعم الرجل لقيت، وبئس الرجل ضربت، وهذا على مذهب الفراء في أن نعم وبئس يرتفعان على الابتداء.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "والصحيح أن حذف الضمير/ من الجملة الواقعة خبرًا لهذه الأسماء لا يجوز إذا أدى إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه؛ كما لا يجوز ذلك في غيرها، وإن جاء منه شيء في الكلام فشاذ لا يقاس عليه، وإنما جاز حذفه من الصلة، ولم يجز من خبر المبتدأ، لأن حذفه من الصلة لا يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعِه عنه؛

إذ الصلة لا تعمل في الموصول، وليس كذلك أسماء الاستفهام وكل كلا لأن ما من أسماء الاستفهام يسوغ له أن يعمل فيها، وكذلك ما بعد كل وكلا قد يجوز أن يعمل فيها، وأيضًا فالصلة والموصول كالشيء الواحد، فطال لذلك الموصول بصلته، والطول موجب للتخفيف بالحذف، وليست أسماء الاستفهام وكل وكلا مع أخبارها كالشيء الواحد، فيسوغ التخفيف بحذف الضمير من أخبارها" انتهى كلامه.
وقال أبو جعفر الصفار: "أجاز س في الشعر: زيدٌ ضربت، ومنع ذلك الكسائي والفراء وأصحاب س، وحكي عن أبي العباس أنه قال: لا يضطر الشاعر إلى هذا لأن وزن المرفوع والمنصوب واحد.
وأجاز الكسائي والفراء: كلهم ضربت، ورجل ضربت أفضل من رجل تركت؛ لأن كلا إحاطة، إذا قلت "كلهم ضربت" فمعناه: لم يبق أحد إلا ضربت، فلما صار المعنى يصير إلى النكرة صار الفعل كأنه صلة للنكرة، وكذلك النكرات كلها عندهما.
وأجاز الفراء أيضًا الرفع في كل اسم لا يكون إلا في صدر الكلام مثل كم وأي، وفي كل اسم لا يتعرف نحو من وما؛ لأن الاسم يكون في صدر الكلام لا يزايله، والفعل له، فكثر الكلام به، وإنما يجئ مفعولًا به في بعض الكلام، وقد عرف موضعه بالرفع، فأجروه على ذلك، وأضمروا الهاء، ولم يجز ذلك في زيد وعمرو لأنهما يتقدمان ويتأخران، هذا احتجاج الفراء" انتهى ما نقله أبو جعفر.
وأين ما ادعى المصنف من الإجماع في "كل" وما أشبهه في العموم، ولم يقل به في "كل" إلى الفراء في نقل، وإلا الفراء والكسائي في نقل آخر؟

وإن كان الضمير مجرورًا فإما أن يكون مجرورًا بالإضافة أو بحرف جر: إن كان مجرورًا بالإضافة فلا يجوز حذفه، وسواء أكان أصله النصب نحو: زيد أنا ضاربه، أم لم يكن نحو: زيد قام غلامه، هذا نقل أكثر أصحابنا وإطلاقهم، وفي كلام بعضهم أنه إذا كان مجرورًا وأصله النصب فقد يحذف.
وإن كان مجرورًا بحرف جر فإما أن يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه أو لا: إن أدى لم يجز حذفه، نحو: زيد مررت به، وإن لم يؤد جاز، فتقول: السمن منوان بدرهم، التقدير: منوان منه بدرهم، وقال الشاعر: /كأن لم يكونوا حمى يتقى إذ الناس إذ ذاك من عز بزا أي: من عز منهم بز.
ومنه في أحد الأقوال: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)﴾ أي: منهم.
ولخص بعض أصحابنا حذف الضمير، فقال: لا يجوز حذفه إلا بشرط أن لا يكون فاعلًا ولا مفعولًا لم يسم فاعله ولا مؤديًا إلى لبس، نحو: زيد ضربته في داره، ولا إلى إخلال نحو: زيد قام غلامه، لأن حذفه يخل بالتعريف الذي استفادة الغلام منه، ولا إلى التهيئة والقطع، فهذه خمسة شروط في جواز حذف الضمير العائد من الجملة إلى المبتدأ.
وتبين أن ما ذكره المصنف في الفص وفي الشرح منقود من وجوه:

أحدهما: أنه إذا نصب بفعل أو وصف فقد يحذف.
وذكرنا أن ذلك لا يجوز عند البصريين إلا في الشعر، وسواء أكان فعل تعجب أم غيره.
الثاني: أنه إذا جر بحرف تبعيض فقد يحذف.
وليس كما ذكر؛ إذ لو كان حذف الضمير منجرًا بـ"من" التبعيضية، وأدى إلى تهيئة العامل وقطعه، لم يجز، نحو: الرغيف أكلت منه، فلا يجوز حذف "منه" لأن حذفه يؤدي إلى التهيئة والقطع.
الثالث: أنه إذا جر بحرف ظرف فقد يحذف.
واستدل على ذلك بقوله: ........................... ويوم نساء، ويوم نسر وبقوله: وشهر ترى.
وهذا لا يجوز لأنه يؤدي إلى التهيئة والقطع.
الرابع: أنه أعرب "ويوم نساء، ويوم نسر" و"شهر ترى" مبتدأ، والجمل بعدها أخبارها.
وهذا يحتمل أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، و"نسر" و"ترى" جمل في موضع الصفة، وحملها على الصفة أولى لأن الحذف منها أقرب من الحذف من أخبار المبتدأ.
الخامس: أنه إذا كان منجرًا باسم الفاعل فإنه ذكر أنه يحذف.
وذكرنا أنه لا يجوز ذلك عند أصحابنا، وإن جاء منه شيء فبابه الشعر.
السادس: دعواه بالإجماع إذا كان المبتدأ كلًا أو شبهه في العموم والافتقار.
وقد ذكرنا أن الكسائي والفراء في نقل أجازا ذلك مع كل، وأن الفراء أجازه في نقل آخر مع كل.

السابع: أنه ذكر أن ما أشبه كلًا في العموم والافتقار يجوز حذف الضمير من الخبر معه، ومثل بـ"أيهم" الموصولة.
ولا أعلم له سلفًا في ذلك، بل ذلك عند أصحابنا إن وجد ففي الشعر.
الثامن: أنه ذكر أنه فصل بين: زيد ضربت، وبين: كل ضربت، فالرفع في "كل" جائز عند الإجماع، والرفع في "زيد ضربت" ضعيف.
ولا فصل بينهما عند أصحابنا.
التاسع: نقله عن البصريين جواز "زيد ضربت" في الكلام، وأن الكوفيين يخصونه بالشعر.
والنقل عن الكوفيين مختلف، أما هشام/ فنقل عنه أنه يجيزه في الاختيار، وأما الكسائي والفراء فمنعا ذلك في الشعر.
وأما البصريون فجوزوه في الشعر.
وهذا اضطراب كثير في هذه المسألة للمصنف، رحمه الله.

-[ص: ويغني عن الخبر باطراد ظرف، أو حرف جر تام معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق، وفاقا للأخفش تصريحًا، ولسيبويه إيماء، لا لفعله، ولا للمبتدأ، ولا للمخالفة، خلافًا لزاعمي ذلك.
وما يعزى للظرف من خبرية وعمل فالأصح كونه لعامله، وربما اجتمعا لفظًا.]-

ش: مثال الظرف: زيد أمامك، ومثال حرف الجر: زيد في الدار.
وقوله تام احتراز من أن يكون ناقصًا، نحو: زيد فيك، وزيد عنك، فإن مثل هذا لا يصح أن يخبر به عن "زيد".

وقوله معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق فإذا قلت: "زيد أمامك" فتقديره: زيد كائن أمامك.
وإنما كان أجود عنده أن يقدر العامل مفردًا لأن أصل الخبر أن يكون مفردًا، فجعل المحذوف مفردًا لا فعلًا لأتنه جملة بإجماع، ولأن العرب حين تجمعت بين العامل والمعمول جمعت بينهما والعامل اسم فاعل على ما سيأتي، إن شاء الله، ولأن تقدير الفعل لا يغني عن تقدير اسم الفاعل ليستدل به على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل لا يحتاج إلى تقدير، ولأن كل موضع وقع فيه الظرف صالح لوقوع اسم الفاعل، وبعض المواضع لا يصلح فيه الفعل، نحو: أما عندك فزيد، وجئت فإذا عندك زيد.
وقوله لا لفعله هذا منسوب إلى س، وبه قال أبو علي والزمخشري وغيرهما.
ورجح هذا القول بأن الفعل متعين في وصل الموصولات، والفرق بينهما أنه الوصل واقع موقعًا لا يقع فيه المفرد، بل إن وقع أول

بجملة، وهنا الأصل فيه المفرد، وإذا وقعت فيه الجملة أولت بالمفرد.
ورجح أيضًا بأن أصل العمل للفعل، فمتى أمكن أقر على حاله، وقد أمكن بتقديره.
وعورض بأن الموضع للمفرد.
وقال ابن الدهان: رأيت بيتًا هو حجة على أنه جملة، وهو قوله: أفي الله أما بحدل وابن أمه فيحيا، وأما ابن الزبير فيقتل ومعلوم أن "ما" تقطع ما بعدها عما قبلها، والهمزة لا تصدر إلا جملة، ولا تتصدر مفردًا، فثبت أنه جملة.
وقوله ولا للمبتدأ زعم ابن أبي العافية وابن خروف وغيرهما أن مذهب س أن الظرف منصوب بالمبتدأ نفسه، وهو خبر عنه، وعمل فيه المبتدأ النصب لا الرفع لأنه ليس الأول في المعنى، فإذا كان الخبر هو الأول رفع، وإذا كان غير الأول نصب.
قال ابن خروف: "العامل عند س/ في الظرف المبتدأ، وهو الذي نص عليه في أبواب الصفة، عمل فيه نصبًا كما عمل في المفرد رفعًا لكونه إياه، ولما لم يكن المبتدأ الظرف عمل فيه نصبًا، وهو مذهب متقدمي أهل البصرة" انتهى.

وذكر المصنف في الشرح أن ابن خروف ذهب إلى ذلك، وأنه قال: "هو مذهب س".
ثم ذكر المصنف كلامًا لـ"س"، زعم أنه هو الذي حمل ابن خروف على نسبة هذا المذهب لـ"س"، وتأوله، وطول فيه، قال: وهو يبطل من سبعة أوجه: أحدها: أنه قول مخالف لما شهر عن البصريين والكوفيين مع عدم دليل، فوجب اطراحه.
قلت: أما قوله: "إنه مخالف لما شهر عن البصريين والكوفيين" فليس كما ذكر؛ ألا ترى إلى نقل ابن خروف وغيره أنه مذهب متقدمي أهل البصرة.
وأما قوله: "مع عدم دليل" فليس كما ذكر، بل الدليل يدل عليه، فكما أعلمنا المبتدأ في الخبر إذا كان إياه رفعًا، كذلك أعملناه فيه نصبًا، ومتى أمكن نسبة العمل إلى ملفوظ به كان أولى من المقدر، وقد أمكن ذلك بما ذكرناه.
الثاني: أن قائله يوافقنا على أن المبتدأ عامل رفع، ويخالفنا بادعاء كونه عامل نصب، وما اتفق عليه إذا أمكن أولى مما اختلف فيه، ولا ريب في إمكان تقدير خبر مرفوع ناصب للظرف، فلا عدول عنه.
قلت: لا نوافق على أن المبتدأ عامل رفع على الإطلاق، بل الاتفاق على أنه عامل رفع إذا كان الخبر هو الأول، أما إذا كان الخبر ظرفًا فلا.
الثالث: أنه يلزم تركيب كلام تام من ناصب ومنصوب لا ثالث لهما، ولا نظير له، فوجب اطراحه.

قلت: لا يلزم ما ذكر، بل تركب الكلام من مرفوع ومنصوب، فصار نظير: إن زيدًا قائم، فإنه تركب من منصوب ومرفوع.
الرابع: أنه يستلزم ارتباط متباينين دون رابط، ولا نظير له.
قلت: لا يلزم ما ذكره إذ هو نظير: أبو يوسف أبو حنيفة، فهذا التركيب الخاص حصل به الربط بين هذين المتباينين، كما أن تركب "زيد خلفك" هذا التركيب الخاص حصل به الربط، وليس حصول الربط مستدعيًا لفظًا ثالثًا يحصل به الربط.
الخامس: أن نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفاعل من الفعل، والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عن تقدير الفاعل، وكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يغني عن تقدير الخبر.
قلت: ليست نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفاعل من الفعل، فيلزم عنه ما ذكر، بل نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل لأنه محكوم به ومسند إلى المبتدأ، كما أن الفعل محكوم به ومسند إلى الفاعل.
السادس: أن الظرف الواقع موقع الخبر من نحو: "زيد خلفك" نظير المصدر من نحو: "ما أنت إلا/ سيرًا" في أنه منصوب مغن عن مرفوع، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك إلحاقًا للنظير بالنظير.
السابع: أن عامل النصب في غير الظرف المذكور بإجماع لا يكون إلا فعلًا أو شبيهه أو شبيه شبيهه، والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح انتصاب الظرف المذكور به.
قلت: من زعم أن الظرف منصوب بالمبتدأ نفسه لا يخرج المبتدأ عن

أن يكون شبيهًا بالفعل أو شبيه شبيه، والجامع بينهما الاقتضاء.
وقوله ولا للمخالفة هو قول الكوفيين، حكاه عنهم ابن كيسان، فإذا قلت: "زيد أخوك"، فالأخ هو زيد، وإذا قلت: "زيد خلفك" فالخلف ليس بزيد، فمخالفته له عملت فيه النصب.
وقال غيره: الكوفيون الكسائي والفراء وهشام وشيوخ الكوفيين مجمعون على أن المحل ينصب لأنه خلاف الاسم الذي المحل حديثه، لا فعل ينصبه، ولا يقدر معه من قبله ولا من بعده.
ومبناهم على ضعف المحل، وأن الذي يضعف لا يحمل من الحركات إلا الفتح، والفائدة في "زيد خلفك" أن المخاطب دل على موضع زيد، ولم يقصد لفعله في استقرار ولا قيام ولا قعود.
وخالف أحمد بن يحيي أصحابه، فقال: "المحل منصوب بفعل محذوف".
ورد هذا المذهب المنسوب للكوفيين بوجوه: أحدها: أن تخالف المتباينين معنى نسبته إلى كل منهما كنسبته إلى الآخر، فإعماله في أحدهما ترجيح من غير مرجح.
الثاني: أن المخالفة بين الجزأين محققة في مواضع كثيرة، ولم تعمل فيها بإجماع، نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير، ونهارك صائم، وأنت فطر، و ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾، فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف

المذكور لعملت في هذا الأخبار ونحوها لتحقق المخالفة فيها.
الثالث: أن المخالفة معنى لا يختص بالأسماء دون الأفعال، فلا يصح أن تكون عاملة؛ لأن العامل عملًا مجمعًا عليه لا يكون غير مختص، هذا إذا كان العامل لفظًا مع أنه أقوى من المعنى، فالمعنى إذا عدم الاختصاص أحق بعدم العمل لضعفه.
الرابع: أن المخالفة لو كانت صالحة للعمل للزم على مذهب الكوفيين أن لا تعمل في الظرف عند تأخره؛ لأن فيه عندهم عائدًا، هو رافع المبتدأ مع بعده بالتقدم، فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه منه أحق.
وقوله وما يعزى للظرف من خبرية وعمل فالأصح كونه لعامله هذا الذي اختاره المصنف هو مذهب ابن كيسان وظاهر قول السيرافي، فإذا قلت: "زيد خلفك" على مذهب من جعل العامل في الظرف هو غير المبتدأ من اسم فاعل أو فعل فتسميته/ الظرف خبرًا هو مجاز، والخبر في الحقيقة هو العامل المحذوف.
وكذلك إذا قلت: "زيد خلفك أبوه" فأبوه يقال هو فاعل بالظرف، وليس على الحقيقة، بل هو فاعل باسم الفاعل أو بالفعل العامل النصب في الظرف.
وكذلك تحمله للضمير المرفوع العائد على زيد.
وذهب أحمد بن يحيي إلى أن المحل نائب عن الفعل المحذوف الناصب له، يضمر فيه من ذكر الاسم ما يضمر في الفعل.

وذهب الفراء إلى أن المحل إذا تأخر تحمل ضمير "زيد"، وإذا تقدم لا يتحمل ضميرًا لأنه يرفع الظاهر، فزيد مرفوع بالمحل تقدم أو تأخر، إلا أنه إذا تأخر رفع الظاهر، ورفع ضميره.
والمنقول عن البصريين أنه يتحمل ضمير المبتدأ سواء أتقدم على المبتدأ أم تأخر، وأنه يرفع ذلك المضمر، ويرفع الاسم بعده، فإذا قلت: "زيد خلفك" ففي خلفك ضمير مرفوع.
والدليل على ذلك أن العرب أكدت ذلك الضمير، فقالوا: إن زيدًا خلفك هو نفسه، بالرفع، فـ"نفسه"" تأكيد للضمير الذي تحمله الظرف، و"هو" تأكيد له لأنك أكدته بلفظ النفس، فاحتيج إلى توكيد بضمير منفصل.
وتقول: إن المال عندك أجمع، فـ"أجمع" توكيد لذلك الضمير المستكن في الظرف، ولم يحتج إلى تأكيد لأنك أكدت بأجمع.
وقال الشاعر: .............................. فإن فؤادي عندك الدهر أجمع وإذا قلت: "زيد خلفك أبوه" فـ"أبوه" مرفوع بالظرف على الفاعلية، ويجوز أن يرتفع على الابتداء، والظرف قبله خبر، والجملة من المبتدأ والخبر خبر عن "زيد"، والوجه الأول أولى لأنه إخبار بمفرد، والثاني إخبار بجملة، هكذا تلقنا هذا الإعراب من شيوخنا.
وفي "الغرة" ما ملخصه: أبو علي وابن جني يدعيان انتقال الحكم إلى الظرف، إذ لو كان الحكم للعامل لجاز: قائمًا زيد في الدار،

جارٍ التحميل