التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 125-164

ففي الجنة خالدين فيها) وكقوله تعالى (فكان عقبتهما أنهما فى النار خالدين فيها) انتهى.
ولا فرق بين أن يتقدم الاسم على الظرف كالايتين, او يتاخر نحو: فى الدار زيد قائما فيها, أو قائم فيها وقال المصنف فى الشرح: وادعى الكوفيون أن النصب مع التكرار لازم, لأن القرأن نزل به لا بالرفع.
وهذا لا يدل على أن الرفع لا يجوز, بل يدل على أن النصب أجود منه, فلو كرر الظرف والمخبر به لجاز الوجهان أيضا, وحكم برجحان الرفع, لنزول القرأن به فى قوله تعالى (وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خالدون)» انتهى وقال صاحب الانصاب ما ملخصه:» احتج الكوفيون بالسماع, وهو إجماع القراء على النصب فى (ففى الجنة خالدين فيها) و (انهما فى النار خالدين فيها) وبالقياس, وهو أن الفائة فى الظرف الثانى إنما تحصل مع النصب لا مع الرفع, لانه فى النصب يكون الظرف الاول خبرا.
والثانى ظرف للحال, ويكون الصلة لقائم منقطعا عما قبله, ويكون كلاما مستقيما لم يلغ منه شئ.
وفى الرفع بطلت فائدته فى الثانية لنيابة الاولى عناه فى الفائدة.
وحمل الكلام على ما فيه فائدة أشبه بالحكمة

واحتج البصريون بأن الاجماع قد رفع على جواز الرفع والنصب إذا لم يكرر, فكذللك إذا كرر.
وما ذكروه من اجماع القراء على النصب ليس بصحيح, بل قرأ الاعمش (ففى الجنة خالدون فيها), وقرئ (أنهما فى النار خالدان فيها) وعلى تقدير إجماعهم على النصب لا يدل ذلك على أنه لا يجوز الرفع, ألا ترى إجماع القراء على لغة الحجاز فى (ما) فى نصب الخبر, ولا يبطل ذلك لغة تميم, بل هي المشهورة المقيسة.
وأما أن التكرار مع الرفع يفيد ما أفادت الأولى فلا يصلح أن يكون ذلك مانعا, لانه تكرر على طريق التأكيد, والتأكيد فى كلام العرب شائغ, وهذا كقولهم: فيك زيد راغب فيك.
ومع هذا التأكيد لا تمتنع صحة المسألة» انتهى.
وقد وافق الكوفيين ابن الطرواه, فقال «لا يجوز: فى الدار زيد قائم فيها, بالرفع, إذ لا يكون لأحد الجارين متعلق, إذ لا يتعلقان بقائم, ولا يتصور التوكيد, إذ لا يؤكد الظاهر بالمضمر, ولا المضمر بالظاهر.
إذ ليس من لفظه فإن أظهرت الضمير, فقلت: فى الدار زيد قائم فى ادار - جاز على التأكيد اللفظى» انتهى.
وما قاله غير لازم.
لان الظاهر هنا هو المضمر فى المعنى وإن كان بغير لفظة ك «مررت به أنت» ويحتمل أن يكون «في الدار» خبر مقدما.
وقائم خبر ثان

و «فيها» متعلق بقائم, فلا يلزم ما قال من أنه لايكون لأحد الجارين متعلق, فلا مانع من جاوز الرفع وقد احتج بعضهم لجواز التكرار على سبيل التأكيد بقوله تعالى (وهم بالاخرة هم كافرون), فكرر (هم) للتاكيد, فكذلك الظرف.
وفرق بين «في الدار» وبين «هم» إذ لا يتعلق «هم» بشيء, بخلاف الظرف.
وإن يختلف الظرف فهو يجرى هذا المجرى, تقول: زيد فى الدار جالس فى صدرها, وجالسا فى صدرها.
وزيد فى الدار راغب فى شرائها,وراغبها فى شرائها, فحكم المختلف حكم المكرر.
وقال الشاعر: والزعفران على ترائبها... شرقا به اللبات والنحر ويحيز الفراء فى هذا النوع إلا النصب, ويجعل اللبات والنحر كأن معمها عائدا على الترائب وقال ابن كيسان: «الرفع عندي جائز, وإنما أراد: والزعفران على الترائب فى حال شروق اللبة والنحر به, وإذا رفع أراد: والزعفران شرق به لبتها ونحرها على الترائب منها, فبين موضع شروقه.
كأن موضع النحر واللبة شرق بالزعفران على هذا الموضع الاخر, أعنى الترائب» انتهى.

ويقتضي مذهب الكوفيين جواز الرفع والنصب فى هذه المسألة وهو إذا اختلف الظرفان, لانه لا يؤدى إلى إلغاء أحدهما,فلا يكون توكيدا.
وتخلص من هذه المسائل أن الظرف إذا تكرر بلفظه أو بضميره أو اختلف جاز فى الاسم الرفع والنصب عن البصريين, واذا كرر بلفظه أو بضميره أو اختلف لم يجز عند الفراء إلا النصب, وقياس مذهب الكوفيين جواز الرفع والنصب.
قوله وتلتزم هى فى نحو: فيك زيد راغب اى: تلتزم الخبرية.
ولا تجوز الحالية.
وقال المصنف فى الشرح: «فإن كان ما تضمن الكلام من ظرف أو حرف جر غير مستغنى به تعين جعل المخيل للحالية والخبرية خبرا مع التكرر ودونه.
نحو: فيك زيد راغب, وفيك زيد راغب فيك.
وأجاز الكوفيون نصب راغب وشهه على الحال, وانشدوا: فلا تلحنى فيها, فأن بحبها... أخاك مصاب القلب جما بلابله والرواية المشهورة: مصاب القلب جم, بالرفع, على أنا لا نمنع رواية النصب, بل نجوزها على أن يكون التقدير: فإن بحبها أخاك شغف أو فتن مصاب القلب, فإن ذكر الباء داخلة على الحب يدل على معنى شغف أو فتن, كما أن ذكر (فى) داخلة على زمان أو مكان يدل على معنى استقر, وليس كذلك ذكر (فى) داخلة على الكاف فى قولهم: فيك زيد راغب ونحوه» انتهى.

وقوله خلافا للكوفيين فى المسألين أى: انهم يوجبون النصب فى: فيها زيد قائما فيها, ويجيزونه فى: فيك زيد راغب.
وإذا اجتمع ظرفان تام وناقص, فبدأت بالتام فقلت: إن عبدالله فى الدار بك واثقا, وإن فى الدار عبدالله بك واثقا, جاز الرفع والنصب وزعم ابن سعدان أن هذا لا يجوز: لان بك فى صلة واثق, قال: ولا يجوز: إن فيك زيدا راغب.
وقال ابن كيسان: الرفع الاختيار, لان الحال فى تقدير الأسماء, وتمامها يجب ان يكون بعدها, فلما قدمت بك وهو من تمامها اخترت إخراجها عن الحال لأن تجعلها خبرا, وكذا إن عبدالله فى الدار عليك نازل, وفيك راغب.
فإن قدمت الناقص فى أول الكلام, فقت: ان فيك عبدالله فى الدار راغب, أو ان فيك فى الدار عبدلله راغب, أو: إن عبدالله فيك فى الدار راغب - جاز الرفع والنصب.
والكوفيون لا يجيزون النصب, لانك حين بدأت بما هو تمام للخبر قبل الظرف التام صرت كأنك بدأت بالخبر, اى كأنك قلت: ان عبدالله راغب فيك فى الدار.
قال أبو جعفر النحاس: وهذا لا يلزم لأن الظرف إنما هو تبيين عن موضع الفعل, فكأنه فى تقدمه مؤخر.
وإذا اجتمعا بعد المبتدأ, وتوسط بينهما اسم يجوز أن يكون خبرا, وقدمت التام, وكان مع الناقص ذكر عائد على التام - اختير نصب الاسم المتوسط عند

الجمهور, ووجب النصب عند الفراء, ومثاله: زيد فى الدار مفتن بها, فالجمهور يختارون انتصاب مفتنن لأن الظرف التام قد وقع موقع الخبر, فانتصب مفتتنا على الحال, ويجزيون رفعه, إما على أن يكون مفتنن خبرا بعد خبر, وإما» أن» يكون في الدار متعلقا, بمفتتن فإن قدمت التام على المبتدأ, واخرت الناقص, نحو: فى الدار زيد مفتتن بها - فالمسالة بحالها عند البصريين, والكوفوين جميعا يوحبون النصب فإن قدمت الناقص على العامل فيه وعلى التام, وأخرت التام على المبتدأ, نحو: زيد فيك راغب فى الدار, فهى عند البصريين كالتى قبلها, والكوفيون يوحبون الرفع.
فإن قدمت الظرفين جميعا على المبتدأ, وبدأت بالناقص - فالبصريون على ما تقدم, وذلك فى نحو: فيك راغبا فى الدار زيد, وقياس قول الكوفيين إيجاب النصب, وحكى النحاس عنهم إيجاب الرفع فإن كان بدل الناقص مفعول للخبر, فقدمت المبتدأ ثم الظرف التام ثم المفعول, نحو: زيد فى الدار طعامك أكل - لم يجز عند البصريين إلا الرفع وأجاز الكسائى النصب, هذا نقل ابن أصبغ.
وقال أبو جعفر النحاس: أكثر النحويين يجيز الرفع والنصب.
وقال ابن كيسان: لا يجوز عندى النصب.
لان الظرف لاشتماله على الفعل تقديمه كتأخيره, والمفعول إنما هو تمام الفعل كبعض حروفه, فليس هو قبله مثله بعده

-[ص: فصل

يجوز اتحاد عامل الحال مع تعددها واتحاد صاحبها أو تعدده بجمع وتفريق, ولا تكون لغير الأثرب إلا لمانع, وإفرادها بعد» إما» ممنوع, وبعد «لا» نادر.]-

ش: مثال ذلك: جاء زيد راكبا مسرعا.
فزيد صاحب الحال, وقد تعددت, واتحد عاملها وقال المصنف فى الشرح ما معناه:» أن للحال شبها بالخبر والنعت, فكما جاز تعدد الاخبار والنعوت مع كون المخبر عنه والمنعوت واحدا جاز ذلك فى الحال» ثم قال: «وزعم ابن عصفور أن فعلا واحدا لا ينصب أكثر من حال واحد لصحاب واحد قياسا على الظرف, واستثنى الحال المنصوب بأفعل التفضيل, فإنه يعمل فى حالين كما يعمل فى ظرفين» ثم ذكر علة عمل أفعل التفضيل فى حالين وظرفين, واخذ المصنف يندد على ابن عصفور فى تمثيله جاء زيد ضاحكا مسرعا بقمت يوم الخميس يوم الجمعة, فقال: «تنظيره هذا بذلك لا يليق بفضله,، ولا يقبل من مثله, لان وقوع قيام واحد فى يوم الخميس ويوم الجمعة محال ووقوع

مجيء واحد في حال ضحك وحال إسراع غير محال» ثم قال «ولكن المشرفى قد ينبو, واللاحقى قد يكبو» انتهى.
وهذا الذى ذهب إليه ابن عصفور من امتناع تعدد الحال لذى حال واحدة واتحاد العامل, نحو: جاء زيد راكبا ضاحكا - هو مذهب كثير من المحققين, منهم أبو على الفارسى, ذهبوا إلى أنه لا يقضى العامل أزيد من حال واحد من غير واسطة حرف لذى حال واحد مع اتحاد العامل, فإذا جاء فى كلامهم مثل خرج زيد مسرعاه باكيا احتمل عندهم وجهين أحدهما أن باكيا صفة ل «مسرعا» الذي هو حل.
والثانى أن باكيا حال من الضمير المستكن فى مسرعا.
والعجب للمصنف وعدم إطلاعه على أن هذا مذهب الفارسى وكثر من محققى النحويين حتى ينسبه لابن عصفور وحدة, ويوهم لفظه أنه مما انفرد به ابن عصفور.
وذهب أبو الفتح وجماعة إلى أنه يجوز أن يقضى العامل الواحد من الأحوال التى لذى حال واحد أزيد من حال واحدة من غير توسط حرف.
ولم يختلفوا فى أن العامل إذا لم يكن أفعل التفضيل لا يقضى من ظروف الزمان ولا من ظروف المكان ولا من المصادر أزيد من شئ واحد إلا بحرف عطف, ولا يجوز إسقاط الواو فى ذلك كما لا يجوز فى نحو: ضربت زيدا وعمرا, واختلفوا فى الحال كما ذكرنا وحجة من منع ان الحال مع عاملها شبيهة بالمفعول والفعل المتعدى إلى واحد وشبيه بالظرف, وقد تقدم كيفية ذلك الشبه, فكما أن المتعدي إلى

واحد لا يتعدى إلى اثنين بغير وساطة حرف فكذلك الحال وعاملها, وكما ان الفعل لا يتعدى إلى ظرفين إلا بواسطة حرف العطف, فكذلك الحال, لانها فى تقدير: فى حال كذا, ولو صرحخت العطف, فتقول: فى حال كذا وفى حال كذا, ولا يلزم من إمكان أحوال لذى حال واحد جواز نسبة تلك الاحوال إليه بغير حرف العطف, كما لم يلزم ذلك فى نحو: مررت بزيد وبعمرو, وإن كان المرور الواحد يمكن وقوعه بمتعلق كثير, ومع ذلك لا يجوز: مررت بزيد بعمرو, فلا بد فيه من حرف العطف.
وإذ قد انجز الكلام إلى ان العالم إذا لم يكن أفعل التفضيل لا يقضى من ظروف الزمان ولا من ظروف المكان ولا من المصادر أزيد من شئ واحد إلا بحرف عطف.
وأنهم لم يختلفو فى ذلك, فهو نقل بعضهم, وقد وقع خلاف فى مسألة الكتاب, وهى قول س: وتقول: اعلمت هذا زيدا قائما العلم اليقين إعلاما: فذهب الفارسى إلى أن العلم اليقين منصوب بفعل مضمر يفسره أعلم, اى فعلم العلم اليقين وإعلاما مصدر لاعلم, وقد رد مذهب أبى على أبو الفتوح ابن فاخر العبدري

وذهب ابن الطرواة إلى ان أعلم تعدى ألى مصدرين: احدهما مبين.
وهو العلم اليقين, وهو عنده مصدر على غير المصدر, والاخر مؤكد, وهو قوله إعلاما, فنصبهما من وجهين مختلفين واختاره ابن عصفور.
وذعب بعضهم إلى ان العلم اليقين بدل من المفعولين,قال: لان المفعولين اللذين أصلهما المبتدا والخبر هما المعلوم, فأبدل منهما, فكأنه قال المعلوم المتيقن.
والذى نختاره أن انتصاب العلم اليقين مفعولا به على السعة, وإن كان اصله مصدرا مبينا فى الاصل فانتصب بأعلم على انه مفعول به إلى المصدر اتساعا.
وتقرير هذه المذاهب والاستدلال لها وعليها ليس هذا موضعه, وإنما أردنا التنبيه على أن من النحاه من قال: يتعدى الفعل الى مصدرين إذا اختلفت جهتهما وقوله أو تعدده بجمع وتفريف ولاتكون لغير الاقرب إلا لمانع عطف «أو تعدده» على قوله» واتحاد صاحبها» فيعنى أنه اتحد عامل الحال وتعدتت هى, وتعدد صاحبها, ومثال ذلك فيما اتفق إعرابه وتعددها بجمع: جاء زيد وعمرو مسرعين, وضربت زيدا وعمرا مظلومين, ومررت بزيد وسعد باكين.
ومنه (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) و «هذه ناقة وفصيلها راتعين» فيمن جعل فصيلها معرفة, وهى أفصح اللغتين, ومن جعله نكره قال» راتعان» على النعت

ومثال تعددها فيما اختلف إعرابه: لقي زيد عمرا ضاحكين، وقال الشاعر: / تعلقت ليلى، وهي ذات مؤصد... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغيرين، نرعى البهم، يا ليت أننا... إلى اليوم لو تكبر، ولم تكبر البهم

وقال الأخر: وأشعث، قد نبهته عند رسله... مقيمين، بلوى شقه وتنائف

وقال الأخر: متى ما تلقنى فردين ترجف... روانف أليتيك، وتستطارا

ومن فروع هذه المسألة اتفاق الكوفيين على إبطال: راكبين لقي زيد عمرا، ولقي زيد راكبين عمرا، ولقي راكبين زيد عمرا.
وكل هذا جائز على قياس البصريين لان العامل فعل متصرف.
ولا يجوز عند الكوفيين لقيت مسرعين زيدا ولا: مسرعين لقيت زيدا ويجوز عندهم: مسرعين لقيتك وراكبين لقيتنى ولا يجوز في قولهم: مر زيد مسرعين بسعد ولا: مسرعين مر زيد بسعد.
ويجوز

عندهم: مسرعين مررت بك، ومررت مسرعين بك.
ولا يجوز عند البصريين تقدر حال المخفوض ظاهر ولا مكنى.

وهذه المسائل منفصل تقدم الحال على ذي الحال وعلى عامله، ومذهب الكوفيين انه متى أدى تقديم الحال إلا تقدم مضمر على ذي الحال وهو اسم غائب، أو شركه اسم غائب -فان ذلك لا يجوز، ولا يجمع الحالان حتى يصلح انفراد كل وصف بالموصوف، فان اختلفا في هذا المعنى لم يجمعا.
وجاز الكسائى وهشام أن تجئ الحال مجموعه من مضاف ومضاف إليه، نحو «لقيت صاحبه الناقة طليحين» على أن طليحين حال الصاحب والناقة، إذا هما معنيان كلاهما والمختار عندنا أن طليحين حال من الصاحب ومن المعطوف المحذوف، التقدير: لقيت صاحب الناقة والناقة طليحين.
وإنما لم يكن حالا من الصاحب والناقة المضاف إليه الصاحب لان المضاف اليه من تمام الأول وحال منه محل التنوين، ولم يقصد الإخبار عنه، إنما الإخبار عن المضاف، والحال خبر من الإخبار، فلذلك لما يكن طليحين حالا من المضاف والمضاف إليه، وهذه العلة هي المانعة من امتناع مجيء الحال من المخفوض الإضافة الذي ليس بفاعل ولا مفعول.
وان تعدد ذو الحال وتفرق الحالان فيحوز أن يلي كل حال صاحبه، ويجوز أن يتأخرا عن صاحبيهما، فالأول نجو: لقيت مصعدا زيدا منحدرا، والثاني: لقيت زيدا مصعدا منحدرا، فيكون مصعدا حالا من زيد.
ومنحدرا حالا من التاء في لقيت، فتلي الحال الأول ذا الحال الثاني، وتكون الحال الأخيرة لذي الحال الأول، وهذا هو الأول، لان فيه اتصال احد الحالين بصاحبه، وعاد ما فيه من

ضمير إلى أقرب المذكورين.
واغتفر انفصال الثاني وعود ما فيه من ضمير إلى ابعد المذكورين إذ لا يستطاع غير ذالك مع ان اللبس مأمون حينئذ، ومن ذلك قول الشاعر: وإنا سوف أدركنا المنايا... مقدره لما ومقدرينا وقول الأخر: عهدت سعاد ذات هوى معنى... فزدت، وعاد سلوانا هواها ويتعين هذا أن خيف اللبس، فان امن اللبس جاز جعل الحال الأولى لأول الاسمين والثانية لثانيها، كما قال امرؤ القيس في إحدى الروايات: خرجت بها امشي تجر وراءنا... على اثرينا ذيل مرط مرحل وقال صاحب التمهيد «لو قلت لقيت زيدا مصعدا منحدرا لجاز، وهو من كلام العرب تجعل ما تقدم من الحالين للفاعل الذي هو متقدم، وما تأخر للمفعول، ولو جعلت الأخر للأول جاز ما لم يلبس، ولذلك منع بعضهم: أعطيت ضاحكا زيدا، إذا لما يكن ضاحكا للتاء، وأجاز: أعطيت يضحك زيدا، لارتفاع اللبس مع الفعل.
وما ذكره صاحب التمهيد مخالف لما قررناه قبل.
وقال ابن السراج: «إذا أزلت الحال عن صاحبها، ولم تلاصقه، لم يجز ذلك إلا أن يكون السامع يعلمه كما تعلمه، فان كان غير ذلك لم يجز»

وقال أبو العباس في نحو لقيته مصعدا منحدرا» إذا كان احد كما مصعدا والأخر منحدرا» وكذلك قال في قولك: رأيت زيدا ماشيا راكبا: «إذا كان أحدكما ماشيا والأخر راكبا».
وليس هذا بمعارض لما ذهب إليه ابن السراج وقررناه قبل من اشتراط العلم أو عدم اللبس، لان أبا العباس إنما تعرض لجواز ذلك في اللسان، ولم يتعرض للوجه الذي يجوز ذلك عليه، فهو مسكوت عنه.
وفي البديع: «فان اختلفت حالاهما فلهما طريقان: احدهما: أن تقرن كل حال بصاحبها، وتقرن حال الثاني منهما به، فتقول: لقي زيد عمرا منحدرا مصعدا، ومنحدرا: حال لعمرو، ومصعدا: لزيد، لأنك لو لزمت الرتبة إلى للفعل معها لو توف أحدا منهما حقه.
قال ابن السراج: إذا قلت رأيت زيدا مصعدا منحدرا تكون أنت المصعد وزيد المنحدر، فيكون مصعدا حالا للتاء.
ومنحدرا حالا لزيد، وكيف قدرت بعد أن يعلم السامع من المصعد ومن المنحدر جاز» انتهي.
وقد تجئ الحال مفرده من احد ما دل عليه ضمير التثنية أو الجمع لا من مجموع الضمير، نحو: زيد وهند خرجا طائفا بها، قال الشاعر يصف حمار وحش واتانا: /

صافا يطوف بها على قلل الصوى... وشتا كذلق الزج غير مقهد وقوله: وإفرادها بعد إما ممنوع قال المصنف: «ويجب للحال إذا وقعت بعد إما أن تردف بالأخرى معادا معها إما، كقوله تعالى «انا هديناه البيل اما شاكرا وإما كفورا»، وإفرادها بعد إما ممنوع في النثر والنظم» انتهي.
وما ذكره من انه يجب أن تردف بالأخر معادا معها «إما» ليس كما ذكر، بل قد ينوب عن إما «أو» فلا يتعين إذ ذاك الإتيان بإما، تقول: ايتنى إما راكبا أو ماشيا، وقد نص على ذلك النحويون، وقال الشاعر: وقد شقني أن لا يزال يروعني... خيالك إما طارقا أو مغاديا وقوله بعد «لا» نادر تقوله: جئتك لا رغبا ولا راهبا، فتكرر لا، وقد تفرد في الشعر قال: قهرت العدا لا مستعينا بعصبه... ولكن بأنواع الخدائع والمكر ص: ويضمر عاملها جوازا الحضور معناه أو تقدر ذكره في استفهام أو غيره، ووجوبا أن جربت مثلا، أو بينت ازدياد ثمن أو غيره شيئا فشيئا مقرونة بالفاء أو بثم أو نابت عن خبر، أو وقعت بدلا من اللفظ بالفعل في توبيخ وغيره.

ويجوز حذف الحال ما لم تنب عن غيرها، أو يتوقف المراد على ذكرها، وقد يعمل فيها غير عامل صاحبها، خلافا لما منع.
ش: مثال ما حضر معناه قولك للراحل: رشدا مهديا، أي: تذهب، وللقادم: مبرورا مأجورا، أي: رجعت، وللمحدث: صادقا، أي: تقول، هذه مثل المصنف في الشرح.
وذكر س هذه المثل، وذكر أيضا قولهم: مصاحبا معانا، أي: اذهب مصاحبا معانا، وتقول: متعرضا لعنن لم يعنه، أي: دنا من هذا الأمور متعرضا، تقول ذلك للرجل واقع أمرا وتعرض له.
وذكر س جواز الرفع في هذا، وهو على إضمار مبتدأ، أي: أنت، وذكر أن الرفع في هذه الأشياء في هذه الأشياء هو على أن الذي في نفسك ما أظهرت، وأراد بذلك ترجيح الرفع على النصب، وذلك انك إذا أضمرت المبتدأ، وبقى الخير _ كان هو إياه، فقويت دلالته عليه من كل جهة، بخلاف الفعل، فان الدلالة عليه من جهة الحال فقط لأنه غير ما بقى ولقوه الرفع احتاج ان يستدل على النصب، فقال: «وان شئت نصبت، حدثنا بذلك عن العرب عيسى ويونس وغيرهما» وذكر كثره النصب في: راشدا مهديا، واعتل له بأنه صار بمنزله ما صار بدلا من

اللفظ بالفعل، أي: انه دخله معنى: رشدت راشدا، فصار بمنزله المنصوب على الفعل الذي لا يظهر، وان كان على معنى اذهب.
وهذا النوع ليس بموقوف على السماع، بل كل ما فهم معناه يجوز إضمار الفعل فيه، ويجتزأ عن الفعل بما يفهم الحال.
وقوله أو تقدم ذكره / في استفهام وغيره مثله المصنف بقوله «راكبا» لمن قال: كيف جئت؟ وبلى مسرعا، لمن قال: لم تنطلق، فالناصب لراكبا جئت في الاستفهام المتقدم، ولمسرعا انطلقت في غير الاستفهام.
ومنه قوله تعالى «بن قدرين»، أي: نجمعها قادرين، حذف لدلاله ما تقدم قبله من قوله «أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه»،كذا قدره س. وذهب الفراء ال أن (قادرين) مفعول بـ (يحسب)، دل عليه قوله (أيحسب)، كأنه قيل: يلي فليحسبنا قادرين على أن نسوى بنانه، أي: على أزيد من ذلك.
وقيل: معناه: نقدر قادرين، فيكون من باب: قائما علم الله فأوقعه موقع الفعل.
ورد بأن الباب لابد فيه من مشاهده الحال، كما في: قائما وقد سار الركب، ولأنه بالواو والنون، ولا ينوب مناب الفعل إلا المفرد لأنه اقرب وأشبه بالمصدر.
انتهي من البسيط.

وقوله وجوبا إن جرت مثلا مثاله: حظيين بنات صلفين كنات، أي: عرفتم.
وإنما لم يجز إظهار العامل هنا لأنه مثل، والأمثال لا يجوز تغييرها عما وردت عليه، إلا ترى إلى قولهم: الكلاب على البقر، وقولهم: في كل واد بنو سعد، حيث لم يجز في الأول تقديم الخير، ولا في الثاني تقديم المبتدأ.
وقوله أو بينت ازدياد ثمن قال المصنف في الشرح: كقولك: بعته بدرهم فصاعدا، تريد: فذهب الثمن صاعدا».
وقوله أو غيره مثله المصنف في الشرح بقوله: «وتصدق بدينار فسافلا، تريد: فانحط المتصدق به سافلا» انتهي كلامه.
ولم أر أحدا مثل في هذه المسألة بمثل: تصدق بدينار فسافلا، فان لم ينقل عن العرب فهو ممنوع لان حذف الفعل العامل في الحال وجوبا على خلاف الأصل.

وقال س: «أخذته يدرهم فصاعدا، وأخذته بدرهم فزائدا»، وقدر س الناصب: فزاد الثمن صاعدا، أو فذهب صاعدا وهذا الكلام إنما يقال جوابا لمن قال: بكن اشتريت هذا المتاع؟ فأخير إن أدناه مشترى بدرهم، ما وعداه أكثر من درهم، فلذلك قال: فزاد الثمن، أي: ثمن ما عدا الذي هو بدرهم زاد على الدرهم صاعدا، أي: زيادة مبهمة على السائل».
وقال ابن خروف: «انتصب صاعدا على الحال، والمعنى انه لما اشتراه زاد ثمنه، فاشترى منه بأكثر من ذلك الثمن، ثم زاد، فاشترى منه بأكثر من ذلك الثمن، فاخبر بأدنى الثمن، وهو درهم، ثم زاد فاشترى منه بأكثر من ذلك الثمن، فاخبر بأدنى الثمن، وهو درهم، ثم زاد عليه، ولم يخبر بأعلى الثمن الذي انتهي إليه، ولا بمقدار الزيادة».
وقال الأستاذ أبو على: «هذا الكلام بقوله من اشترى ثوبا مثلا بأثمان مختلفة أدناها درهم، ثم ترقى، والترتيب إنما هو في الأثمان لا في الأخذ فانه لا يعطى هذا انك أخذته بالدرهم ثم أخذته بدرهم، ثم أخذته بثلاثة، بل ممكن أن تكون أخذته أولا بثلاثة، وإنما تريد أن تقول: اقل من أخذت هذا الثوب بدرهم، فذهب الثمن بعد الدرهم صاعدا» انتهي.
ولا يجوز الجر في قوله: فصاعد، أو: ثم صاعد.
قال س: «حذفوا الفعل لكثره استعمالهم إياه.
ولأنهم امنوا أن يكون على الباء لو قلت أخذته بصاعد

كان قبيحا لأنه صفه، ولا تكون في موضع الاسم.
يعنى يقوله «قبيحا»: ممتنعا، ويعنى يقوله «لأنه صفه» أي: للثمن لا للدرهم، ومعنى «ولا تكون في موضع الاسم» أي: لا يلي العوامل لكونه صفه، ولما لم يمكن في الخفض لان الصفة لا تلي العوامل، ولأنه كان يكون المعنى انه اشتراه مرتين لمعلوم وبمجهول لان الفاء مرتبه، ولم يمكن الرفع - لم يبق إلا النصب، فقويت الدلالة عليه من جهة المعنى ومن جهة اللفظ.
وقال ابن خروف: «وقد يجوز الجر بالفاء وثم على أقامه الصفحة مقام الموصوف» انتهي.
وظاهر كلام س منع العطف.
وقال بعض أصحابنا: «قال بعض المتأخرين: ما قدره س من إضمار ناصب لا يحتاج إليه، وبدرهم: في موضع الحال، والعامل فيه كائنا، وصاعدا معطوف عليه، والضمير فيه عائد على الثوب مجازا، وهو يريد ثمنه، على حذف المضاف وأقامه المضاف إليه مقامه، وهو كثير في كلامهم، وبهذا ينفصل عمن ألزم أن يظهر الضمير لان حامله جار على غير من هو له، والتقدير: أخذته مشترى بدرهم فصاعدا عليه، أي: في هذه الحال وفي هذه، وإحداهما قبل الأخرى».
وهذا الذي قاله هذا المعترض فاسد من جهة اللفظ، كثير التكلف، غير مخلص من جهة المعنى، وذلك انه انتقد على س كونه قد عدل إلى الحذف، ثم عدل هو إلى حذف لا يجوز، وذلك انه قدر العامل في «بدرهم» مشترى، وترك الفعل الظاهر، وهو يكن أن يعمل فيه، وهو تكلف لا يجوز، فانه لم يقل احد من النحويين انك إذا قلت ضربته في الدار أن في الدار يعمل فيه كائن، لأنه تكلف لا يحتاج إليه، ثم اربي على س بالمجاز في ساعدا في إن أعاد الضمير على المثمن، وهو للثمن.

وأما من جهة المعنى فانه قدر المعنى بأنه أخذه في حالين: أحداهما كونه مشترى بدرهم، والأخرى كونه صاعدا ثمنه على الدرهم، وهذا لا يعطى كونه زائدا على الدرهم بأثمان شتى، بل يمكن إلا يزيد عليه إلا ربع درهم مثلا، فلفظه ليس بملخص للدلالة على هذا المعنى الذي قاله س فهما عن العرب، والذي قدره س مخلص للدلالة فانه قدره: فزاد صاعدا، أي: زاد وحاله البسوق بعد لم تقف، ف (س) أسعر بالمسألة من طرفيها اللفظي والمعنوي.
وفي البسيط: «وقد قيل: أن صاعدا هنا في موضع المصدر، كأنه قال: فصعد صعودا» قال: «وفاعل من ابنيه المصادر، كالفالج، وكقوله «ليس لوقعتها كاذبة»، كما قال بعضهم في الهنيء: انه كالشهيق والصهيل» انتهي.
وقوله مقرونة بالفاء أو بثم هذا شرط في نصب هذه الحال أن تكون مصحوبة بالفاء أو بثم، ولم يبين المصنف أيهما أكثر في لسان / العرب، ونص س على أن الفاء أكثر من ثم، وقال س: «وثم بمنزله الفاء، تقول: ثم صاعدا، إلا أن الفاء أكثر في كلامهم» انتهي.
قال بعض أصحابنا: إنما كان ذلك لان في ثم مهله، وليس المعنى عليها.

ونصوا على أن الواو لا تكون هنا، لا يجوز أن تقول: وصاعدا، لا بالنصب ولا بالجر، وامتنع ذلك لان الواو لا تعطى هذا المعنى من جعل الدرهم أدنى الثمن، إذ يحتمل «أخذته بدرهم وصاعدا» أي: وذهب صاعدا قبل أخذيه بالدرهم، أي: أخذته بربع درهم مثلا، ثم ذهب صاعدا إلى الدرهم، وهو إنما أراد أن يجعل الدرهم الأدنى.
وعن هذا عبر س بقوله: «ولكنك أخبرت بأدنى الثمن، فجعلته أولا، ثم فروت شيئا بعد شيء الأثمان شتى، فالواو لم يرد فيها هذا المعنى، ولم تلزم الواو الشيئين أن يكون احدهما بعد الأخر».
وقوله أو نابت عن خبر مثاله: ضربي زيدا قائما، وقد تقدم الكلام مشبعا على هذه المسألة في باب الابتداء.
وقوله أو وقعت بدلا من اللفظ بالفعل في توبيخ مثاله: أقائما وقد قعد الناس.
وأقاعدا وقد سار الركب.
وكذلك إذا أردت التوبيخ ولم تستفهم تقول: قاعدا قد علم الله وقد سار الركب.
وتقول لمن لا يثبت على حال: أتميميا مره وقيسيا أخرى، أي: أتحول، ولمن يلهو وقرناؤه يجدون: ألاهيا وقد جد قرناوك.
أي: أتثبت، وقال الشاعر:

أراك جمعت مسألة وحرصا... وعند الحق زحارا انانا الانان: الأنين، والعامل فيه زحارا، لان زحر قريب المعنى من أن.
وقوله وغيره أي غير توبيخ، مثاله: هنيئا مريئا، قال س: «وإنما نصبته لأنه ذكر خيرا أصابه إنسان فقلت هنيئا مريئا، كأنك قلت: ثبت له هنيئا مريئا، أو: هنأه ذلك هنيئا»، فتكون حالا مؤكده، وقد تقدم الكلام على ذلك مشبعا في باب المصدر الواقع مفعولا مطلقا.
ومن غير التوبيخ مما عامله في الإنشاء مضمر قول الشاعر: الحق عذابك بالقوم الذين طغوا... وعائذا بك أن يعلوا فيطعونى أراد: وأعوذ بك عائذا، حذف الفعل وأقام الحال مقامه.
وقول النابعة: أتاركه تدللها قطام... وضنا بالتحية والسلام وتقدم مذهب المبرد في: عائذا بك، وأقاعدا وقد سار الركب، ونحوهما، أنها مصادر جاءت على وزن فاعل.
فرع: إذا كان العامل معنويا - أي فيه معنى الفعل- كالظرف والمجرور واسم الإشارة ونحوه، فلا يجوز حذفه عاملا في الحال لضعفه في نفسه، فهم ذلك أو لم يفهم، لأنه إنما عمل بالنيابة عن الفعل لفظا أو معنى، والفرع لا يقوى قوه الأصل، ولأنه مجتمع فيه تجوزان، فيبعد المفهوم، احدهما تنزل العامل منزله الفعل، والثاني حذفه، فلا يجوز: الدار زيد قائما، تريد فيها قائما.

وأجاز المبرد ذلك في الظرف، لأنه حمل: .............................................. وإذ ما مثلهم بشر على إن مثلهم منصوب على الحال، وان التقدير: وإذ ما في الدنيا بشر مثلهم.
وأباه الأكثرون، كما لا تتقدم الحال عليه لضعفه، إلا في نحو: ضربي زيدا قائما، وهي الحال إلى تنزلت الخبر عن المصدر، فهنا حذف المعنوي ونابت الحال عنه.
وقوله يجوز حذف الحال ما لم تنب عن غيرها يعنى الحال إلى ما سدت مسد الخير، وما لم تقع بدلا من اللفظ بالفعل، وتقدم ذكرهما.
وقوله أو يتوقف المراد على ذكرها مثاله «وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لعين»، و «لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى»، «ولا تمش في الأرض مرحا»، «وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا»، «وإذا بطشتم بطشتم جبارين»، «وهذا بعلى شيخا»، و «هي رسول الله صلى الله عليه وسلم -عن بيع الحيوان اثنين بواحد»، أي: متفاضلا (9 (، وقال الشاعر (10):

[متى تبعثوها تبعثوها ذميمة... وتضر إذا ضريتموها فتضرم وقول الأخر: فجزيت خير جزاء ناقة واحد... ورجعت سالمة القرا بسلام وقول الآخر: عدوك من يرضيك مبطن إحنة... ومبدي دليل البغض مثل صديق وقول الآخر: إنما الميت من يعيش كئيبا... كاسفاً باله قليل الرخاء وكذلك الحال التي لا يفهم المراد إلا بثبوتها المجاب بها استفهام، نحو: جئت راكباً، لمن قال: كيف جئت؟ ولا ينكر كون الحال يعرض لها ما لا يجيز حذفها، فتصير إذ ذاك كالعمد وإن كان أصلها فضلة، كما عرض ذلك للمجرور وللصفة في قوله تعالى (ولم يكن له كفواً أحد)، وفي قولك: ما في الدنيا رجل يبغضك، ولو حذفت (له) و ((يبغضك)) انتفت الفائدة.
وقوله وقد يعمل فيها غير عامل صاحبها، خلافاً لمن منع قال المصنف في الشرح ما ملخصه: ((الأكثر أن العامل في الحال العامل في صاحبها؛ لأنهما كالصفة والموصوف، ولكنهما أيضاً كالمميز والمميز، والخبر والمخبر عنه، والعامل ]

في هذين يكون واحدا وغير واحد، فكذلك الحال، فالواحد: طاب زيد نفسا، وان زيدا قائم، وجاء زيد راكبا.
والمختلف: لي عشرون درهما، وزيد منطلق، على مذهب س، «إن هذه أمتكم أمه واحده»، فالعامل في «أمتكم» أن، وفي الحال اسم الإشارة».
قال: «وتقدم من كلام س ما يدل على أن صاحب الحال في: لعزه موحشا طلل................................................. هو المبتدأ لا الضمير المستكن في الخبر.
ومن ورود الحال والعامل / فيها غير العامل في صاحبها قوله: ها بينا ذا صريح النصح، فأصغ له... وطع، فطاعة مهد نصحه رشد» انتهي، يعنى أن قوله «غير عامل صاحبها» انه عامل في الحال النصب، ولا يكون عاملا في صاحبها، كاسم الإشارة في قوله «إن هذه آمتكم» هو أن، وليست عامله في (أمه واحده)، وكذلك انتصاب «بينا» بما في «ها» من معنى التنبيه، وليس عاملا في ذي الحال.
ويظهر من كلام س أن اسم الإشارة يعمل في الحال في نحو: هذا زيد منطلقا، وانك إذا أدخلت عليه أن، كان الخبر معمولا لان، وكانت الحال معمولة لاسم الإشارة، فقد عمل في الحال غير العامل في صاحبها.

وممن ذهب إلى أن العامل في الحال قد يكون اسم الإشارة كما ذهب إليه المصنف ابن عصفور.
وتقدم أن مذهب السهيلى أن الحروف سوى الكاف وكان لا تعمل في الأحوال ولا اسم الإشارة.
ومذهب ابن أبى العافية ان حرف التنبيه لا يعمل في الحال.
ومذهب الكوفيين في ان قولك هذا زيد منطلقا لم ينتصب منطلقا على الحال، وانه خبر التقريب.
والذي تختاره مذهب الأكثرين، وهو أن العامل في ذي.
وأقول أن حرف التنبيه واسم الإشارة لا يعملان في الحال.
ويكون العامل في منطلقا من نحو هذا زيد منطلقا محذوفا تدل عليه الجملة السابقة، وتقديره: انظر إليه منطلقا وفي كتاب س وما يدل على ذلك، وينبغي أن يرد إليه ما ظاهره خلاف هذا، وذلك أن الحال قيد للمحكوم عليه من فاعل أن مفعول حاله وقوع الفعل منه أو به أو حاله نسبه الحك على المبتدأ بالخبر أن كان جامدا، فلو جعلنا حرف التنبيه عاملا في الحال كنا قد أعملنا شيئا لم يثبت له قط عمل لا في اسم الإشارة ولا في زيد ولا في غيرهما، وزيد الخبر عن اسم الإشارة منصف بالانطلاق وملتبس به، سواء انتهيت أنت لانطلاقه أم لم تنتبه، ولو جعلنا اسم الإشارة عاملا في الحال كنا قد حكمنا على اسم الإشارة بأنه زيد في حاله الانطلاق، والمشار إليه بأنه زيد ثابتة له الزيدية سواء أكان المشار إليه منطلقا أم غير منطلق، وقد سوى س في كتابه بين قولك: هذا زيد منطلقا، وهو زيد معروفا، فكما لا يدعى ان «هو» عامل في الحال فكذلك لا يدعى أن اسم الإشارة عامل في

الحال، وقد قال س: «كأنه قال أثبته أو ألزمه معروفا» وقال في هذا زيد منطلقا: «فكأنك قلت: انظر إليه منطلقا».
وإذا تقرر هذا فلا يجوز: ها منطلقا ذا زايد، ولا: هذا منطلقا زيد.
فان ورد شيء من هذا في كلامهم اضمر له ناصب، ولا يكون انتصابه على الحال العامل فيها حرف التنبيه ولا اسم الإشارة.
وفي البسيط: «لا تعمل (ها) التنبيه لوجهين: احدهما: أنها زيادة لا عمده، وإنما دخلت لإبهام الإشارة، إلا تراها لا تدخل على /خاص، فلا تقول: ها زيد، وما لا يكون عمده في الكلام فلا يكون العامل.
والثاني: أنها قد تحذف والعمل موجود، فتقول: من ذا قائما بالباب؟ وذلك الرجل ذاهباً».

...

-[ص: [فصل]

يؤكد بالحال ما نصبها من فعل أو اسم يشبهه، وتخالفها لفظا أكثر من توافقهما.
ويؤكد بها أيضا في بيان يقين أو فخر أو تعظيم أو تصاغر أو تحقير أو وعيد خير جمله جزاها معرفتان جامدان جمودا محضا.
وعاملها أحق أو نحوه مضمرا بعدهما، لا الخبر مؤولا بمسمى، خلافا للزجاج، ولا المبتدأ مضمنا تنبيها، خلافا لابن خروف.]-

ش: الحال أما أن تدل على معنى لا يفهم مما قبلها، وهي المبينة، أو تدل على معنى يفهم مما قبلها، وهي المؤكدة.
وفي المؤكدة خلاف: ذهب الجمهور إلى إثباتها، وذهب الفراء والمبرد والسهيلى إلى إنكارها، قال الفراء: «الحال لا تكون إلا مبينة، ولا يدل عليها من قبلها ولا تخلو من تجدد فائدة عند ذكرها، كقولهم: عبد الله عندك قائما، ومحمد خلقك جالسا، لأنه ليس في عندك وخلقك دليل على جلوس ولا قيام».
قال: «والمنصوب على القطع هو الذي يدل ما قبله عليه، ولا يفيد سواه، كقيلهم: عبد الله على الفرس راكبا، وسعد في الحمام عريانا، لا يغلف على «في الحمام» إلا الدلالة على العرى، وكذلك «على الفرس» لا يفيد غير الركوب، فانتصاب هذا وما يشبهه على القطع، وهو توكيد لما قبله، يجرى مجرى «سرت به سيرا» في أنهم ذكروا سيرا ليؤكدوا به سرت»

وزعم أيضاً أن القطع في موضعين آخرين يرجعان إلى معنى هذا, فقال: «إذا قال القائل: قام زيد الظريف, وبناؤه على أن زيداً لا يعرف إلا بالظريف - ففي الظريف مكنى من زيد, لأنه مشبه بالصالة مع الموصول.
فان كان زيد يعرف دون الظريف فلا ضمير في الظريف من زيد, وهو مكرر عليه, لأنه كان تقديره: قام زيد قام الظريف, كما يقول القائل: نظرت إلى شيء بغل أو حمار, كأنه انصرف عن الشيء إلي البغل والحمار», يعنى أنه أتى بعد الأول بأخر هو أكشف لمعناه وأبلغ لمقصده, والأول قد حصل معناه ولم ينعت.
قال: «فإذا كان زيد لا يعرف إلا بالظريف, ثم سقطت الألف واللام منه, قيل: قام زيد ظريفاً, فينصب على القطع من زيد, لأن زيداً يدل عليه في حال نصبه, كما دل الظريف وهو مرفوع عليه, فهو بإزاء: عبد الله على الفرس راكباً.
وإذا كان زيد يعرف دون الظريف, وسقطت منه أل, فهو نصب على الحال, لأنه لا دلاله عليه في زيد, فهو بإزاء: عبد الله في الدار قائماً, حين لم يكن في (عندك) ما يدل على قيام ولا جلوس».
وقال أيضاً: «إذا قيل زيد قائم حقاً فحقاً مقطوع من الكلام كله, لأنه ليس زيد مختصاً بالحق دون قائم كما اختص زيد بالركوب, فلما وصف الكلام كله بالحق لم يصلح حمله على إعراب زيد, إذا لم يكن له دون قائم, فلزمه الضعف حين رايله أن يكون / وصفاً للمحدث عنه القوى, فنصبه قائم وزيد جميعاً».
وقد رد مذهب الفراء من أن الحال لا تأتى مؤكده بقوله تعالى} ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون {, وبقول الشاعر:

طعناً زياداً في إسته وهو مدبر... وثوراً أبادته السيوف القواطع فهاتان جملتان في موضع الحال بدليل دخول واو الحال عليهما, وهما مؤكدتان للكلام الذي قبلهما, فوجب أن يجعل عرياناً من قولك زيد في الحمام عرياناً حالاً, وكذلك أمثاله من المنتصب على الحال, لأن الحال قد ثبت أنها تكون مؤكده, ولم يثبت النصب على القطع.
وأما «زيد قائم حقاً» وأمثاله فحق مصدر منصوب بفعل مضمر أتى به لتوكيد الكلام الذي قبله.
وقد يمكن أن يدعى في قوله} وأنتم معرضون {أنها حال مبينه, لأن التولي قد يكون عن أعراض وعن غير أعراض, ولو فرضنا أن التولي واٌلإعراض مترادفان أمكن أن يختلفا باختلاف متعلقيهما, وقد قال ذلك المفسرون, قال.
وأما «وهو مدبر» فيمكن أن يكون حالاً مبينه, لأن الطعن في الاست لا يدل على أن المطعون مدبر عن القتال, لأنه يمكن أن يجيئه الطعن ورائه في استه وهو مقبل على القتال وعلى أقرانه, فجاء قوله «وهو مدبر» حالاً مبينه أنه كع عن القتال, وولى دبره.

وقال السهيلي: «الحال التي يسمونها مؤكده للفعل, وزعموا أن منها قوله تعالى} وأرسلنك للناس رسولاً ﴿,﴾ وهو الحق مصدقاً ﴿, إنما تظن منهم, ولا وجود للحال المؤكدة في كلام فصيح ولا تقول: ضربت زيداً مضرباً, ولا: تكلم عمرو متكلماً, لأن الفعل إنما يؤكد بفعل مثله أو بالمصدر الذي هو أصله, وهو مضمن في لفظه, وأما الحال فصفه للفاعل أو المفعول, فكيف يؤكد الفعل بما هو صفه لغير؟ وأيضاً فان في الحال ضميراً فاعلاً, فحكه حكم جمله من فعل وفاعل,والشيء الواحد لا يؤكد بجمله ولا بما فيه زيادة على معنى الفعل, بل في الفعل زيادة على معنى المصدر, وهو المضي والاستقبال.
فأما﴾ هو الحق مصدقاً ﴿فمعناه ناطقاً بالتصديق لما بين يديه, فناطقاً حال كسائر الأحوال, والعامل فيه ما في الحق من معنى الفعل, لأنه صفه مشتقه من حق يحق, أي: ثب, وقد يكون الشيء حقاً ولا يكون مصدقاً لغيره ولا مكذباً, والقران حق, وهو مع ذلك ناطق بتصديق ما سبق من الكتب المنزلة, فصح النصب في مصدق كما صح في ناطق.
وأما﴾ وأرسلنك للناس رسولاً ﴿فلم يقل: وأرسلناك مرسلاً, فيكون لهم حجه, ألا تراه كيف قال﴾ وكلم الله موسى تكليماً ﴿, ولم يقل مكلماً,﴾ ونزلنه تنزيلاً ﴿, ولم يقل منزلاً, فهذا كله يدل على أن الفعل لا يؤكد بالحال, فلا تقول: أرسل الله محمداً / مرسلاً, وتقول: أرسله للناس رسولاً, لأن الشيء المرسل قد لا يكون رسولاً, قال تعالى﴾ أرسلنا عليهم الريح العقيم {, فالريح مرسلة

وليست برسول, وكذلك} أرسلنا عليهم حاصباً ﴿,﴾ فأرسلنا عليهم رجزاً ﴿, فبين - تعالى - أنه - عليه السلام - ليس بعذاب أرسله, بل أرسله رحمه مبلغاً لرسالته, وحقيقة الرسول من جاءتك الرسالة والهداية على يديه أو على لسانه, كما قال﴾ على لسان داود وعيسى ابن مريم ﴿, ومن هنا صار الرسول كالجامد, ولم يكن مثل ضروب وقتول فيعمل عمل الفعل,بل هو من باب الصبوب والحدور والهبوط وما يجري عليه الفعل, أو هو طريق له, ومن ثم قال س. (أريد أنت رسول إليه, لا يجوز أزيداً وان كان ضميره مجروراً لأنه مجرور لا يتعلق بفعل لفظي), ولو قلت: أزيد أنت مرسل إليه لنصبت زيداً لأنه بمنزله من يقول: أأنت أرسلت إليه, وبمنزله: أزيداً مررت به؟ وإذا لاح الفرق بين رسول ومرسل بطل ما تعلقوا به من إثبات الحال المؤكدة, وإنما هي أحوال وقع الفعل فيها, ولم يؤكد بها, وكذلك جميع ما تخيلوا أنه حال مؤكده للفعل, إذا فحصت عنه لم تجده إلا كسائر الأحوال» انتهى.
وأما دليل الجمهور فيأتي في الكلام على ما ذكره المصنف.
وقوله وتخالفهما لفظاً أكثر من توافقهما مثال تخالفهما﴾ قم وليتم مدبرين ﴿,﴾ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴿,﴾ ويوم يبعث حياً},

﴿لا من من في الأرض كلهم جميعا﴾,} فتبسم ضاحكاً من قولها {وقال لبيد: وتضئ في وجه الظلام منيرة... كجمانه البحري سل نظامها وقال أيضاً: فعلوت مرتقياً على ذي هبوة... حرج إلى أعلامهن قتامها وقال أخر: فإني الليث مرهوباً حماه... وعيدي زاجر دون افتراسي فمرهوباً حال مؤكده للخبر, وهو العامل فيها بما تضمن من معنى التشبيه.
ومن ذلك ما مثل به س من قولهم: «هو رجل صدق معلوماً ذلك», أى: معلوماً صلاحه, ورجل صدق بمعنى صالح, فأجرى مجراه إذا قيل: هو صالح معلوماً صلاحه.
ومن هذا القبيل قول أميه بن أبى الصلت: سلامك - ربنا - في كل وقت... بريئا ما تغنثك الذموم

معنى ما تغنثك: ما تلزق بك, وبريئاً حال مؤكده لسلامك, ومعناه: البراءة مما لا يليق بجلاله, وهو العامل في الحال لأنه من المصادر المجعولة بدلاً من اللفظ بالفعل.
ومثال توافقهما لفظاً} وأرسلناك للناس رسولاً ﴿,﴾ وسخر لكم الليل والنهار والشمس / والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴿, ومنه قول امرأة من العرب: قم قائماً, قم قائماً... صادفت عبداً نائماً وقول الشاعر: أصخ مصيخاً لمن أبدى نصيحته... والزم توقى خلط الجد باللعب انتهى ما ذكره المصنف في الشرح من الحال المؤكدة ما نصبها من فعل أو شبهه.
وذكر غيره أن الحال المؤكدة لا تكون إلا غير منتقلة, نحو قوله تعالى﴾ وهو الحق مصدقاً ﴿, يعنى القران, قال: ألا ترى أن قوله﴾ مصدقاً {حال مؤكده من

جهة أنه قد علم أن الحق إذا توارد مع حق أخر على الأخبار بأمر فلابد أن يكون أحدهما مصدقا للأخر لا محالة, وقوله} وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه {, فتصديق القران واستقامة الصراط حالان مؤكدان, إذ هما معلومان من الكلام الذي قبلهما, وهما وصفان لازمان.
ومثل ذلك قول الشاعر: ولا عيب فيها غير شكله عينها... كذاك عتاق الطير شكلاً عيونا ألا ترى أن شكله العين لازمه لها, وأن قوله «شكلاً عيونها» مؤكد للكلام, لأنه معلوم من قوله «كذاك عتاق الطير» أن عتاق الطير شكل العيون.
وزعم المصنف في الشرح أن من قبيل ما اختلف لفظهما قولك: هو أبوك عطوفاً, وهو الحق بيناً, قال: «لأن الأب والحق صالحان للعمل, فلا حاجه إلي تكلف إضمار عامل بعدهما».
ومثالهما في بيان يقين: هو زيد معلوماً, وقال: أنا ابن داره معروفاً بها نسبى... وهل بداره - يا للناس - من عار كأنه قال: لا شك فيه.
وفى فخر: أنا فلان شجاعاً, أو كريماً.
وفى تعظيم: هو فلان جليلاً مهيباً.
وفى تصاغر: أنا عبدك فقيراً إلى عفوك.
وفى تحقير: هو فلان مأخوذاً مقهوراً.
وفى وعيد: أنا فلان متمكناً منك فاتق غضبى, وقال الراجز:

أنا أبو المرقال عقا فظاً... لمن أعادى مسراً دلظا قال المصنف في الشرح: «ولا تكون هذه الحال لهذه المعاني إلا بلفظ دال على معنى ملازم أو شبيه بالملازم.
وأشرت بقولي (أو شبيه بالملازم في تقدم العلم به) إلي قول س: (وذلك أن رجلاً من إخوانك ومعرفتك (لو) أراد أن يخبرك عن نفسه أو غيره بأمر, فقال: أنا عبد الله منطلقاً, أو: هو زيد منطلقاً - كان محالاً, لأنه إنما أراد أن يخبرك بالانطلاق, فلم يقل هو ولا أنا حتى استغنيت أنت عن التسمية, لأن هو وأنا علامتان للمضمر, وإنما يضمر إذا علم أنك قد عرفت من يعنى).
ثم قال: «إلا إن رجلاً لو كان خلف / حائط أو في موضع تجهله فيه, فقلت: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله منطلقاً في حاجتك, كان حسناً).
قال المصنف في الشرح: «الانطلاق في الأول مجهول, فالإعلام به مقصود غير مستغنى عنه, فحقه أن يرفع بمقتضى الخبرية, والاسم الذي قبله معلوم مستغنى عن ذكره, فحقه ألا يجعل خبراً, وإذا جعل خبراً ما حقه ألا يكون خبراً, وجعل فضله ما حقه أن يكون عمده - لزم كون الناطق بذلك محيلاً, وكون المنطوق به محالاً عما هو به أولى, فهذا معنى قول س (كان محالاً), وإنما استحسن قول من قال أنا عبد الله منطلقاً في حاجتك لأن السائل كان عهده منطلقاً في حاجته من قبل أن يقول له: من أنت؟ فصار ما عهده بمنزله شيء ثبت له في نفسه كشجاع وكريم, فأجراه مجراه» انتهى.

وقوله خبر جمله يعنى أن الخبر إذا اسند إلى المبتدأ كان مشعراً بشيء من هذه الأحوال ودليلاً على معانيها, وأنه إنما قصد بذلك الخبر ونسبته إلي المبتدأ تيقن تلك الصفات في المبتدأ, فجاءت هذه الأحوال بعد الخبر تأكيداً له لما تضمنه من الدلالة على تلك الأوصاف.
وقوله جزاها معرفتان لأن هذه الأحوال إنما تأتى تأكيدات لشيء قد استقر وعرف.
قال في البسيط: «لأن التأكيد يكون للمعارف, وهى تؤكد الخبر, فيلزم كون الخبر معرفه, فيلزم أيضاً كون المبتدأ معرفه, ولأنها حال, والحال لا تكون إلا من معرفه.
وقد يجوز أن يكون الخبر نكره تغليباً لطرف الحال.
والمبتدأ يكون ضميراً, كقولك: هو زيدُ معروفاً, وهو الحق بينا, وأنا الأمير مفتخراً, ويكون ظاهراً, كقولك: زيد أبوك عطوفاً, وأخوك زيد معروفاً, والأول أقوى لشبهه بالمبهمات».
وقوله جامدان جموداً محضاً احتراز من أن يكون شيء منهما ليس بجامد, فانه إذ ذاك تكون الحال غير مؤكده, إذ تكون معمولة لما يكون مشتقاً منهما أو في حكم المشتق.
وقوله وعاملها أحق أو نحوه مضمراً بعدهما فإذا كان المخبر عنه غير «أنا» قدر العامل أحقه أو أعرفه, وان كان «أنا» قدر أحق أو أعرف أو أعرفني, وقد قدر س في قولك هو زيد معروفاً العامل في معروفاً «أثبته أو ألزمه معروفاً», فجعل العامل في الحال غير المبتدأ وغير الخبر.
وإنما كان يقدر بعدهما العامل في الحال لأن الدال عليه هو الجملة السابقة, فصار نظير: زيد قائم غير شك, فكما لا يجوز أن يقدر العامل في «غير شك» إلا بعد تمام الجملة كذلك لا يجوز ذلك هنا.

وقوله لا الخبر مؤولا بمسمى, خلافاً للزجاج وإنما رجح إضمار العامل في هذه الأحوال لأن ما قبلها لا يصلح أن يعمل في الحال, لأن الاسم / العلم لا يصلح أن يعمل في الحال, لأن لها شبهاً بالمفعول به, فهي أقوى من الظرف وان كان لها به شبه, فلم يقو الاسم الجامد الجمود المحض أن يعمل فيها.
وقوله ولا المبتدأ مضمناً تنبيهاً المضمر بما هو مضمر لا يمكن أن يعمل في شيء البتة, حتى منع البصريون من أن يعمل في الجار والمجرور وان كان كنايه عما لو صرح به لجاز له العمل, فلا يمكن أن يضمن معنى التنبيه, وإنما ضمن معنى التنبيه الحروف لا الأسماء.

-[ص: فصل

تقع الحال جمله خبريه غير مفتتحه بدليل استقبال مضمنه ضمير صاحبها.
ويغنى عنه في غير مؤكده ولا مصدره بمضارع مثبت عار من «قد» أو منفى ب «لا» أو «ما» أو بماضي اللفظ تال لـ «إلا» أو متلو بـ «أو» واو تسمى واو الحال وواو الابتداء, وقد تجامع الضمير في العارية من التصدير المذكور.]-

ش: احترز بقوله الخبرية من الجملة الطلبيه, فان وقع ما يوهم ذلك تؤول, نحو قول أبى الدرداء «وجدت الناس اخبر تقله», وتأويله أنه معمول لحال محذوفة, أي: مقولاً فيهم عند رؤيتهم: اخبر تقله, وقول الشماخ بصف حمراً: فظلت بتموز كأن عيونها... إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز ركي: جمع ركية, على حد تمر وتمره, ونواكز: غائض ماؤها, التقدير: ناظره هل تدنو.
وفى البسيط: «جوز الفراء وقوع الأمر ونحوه حالاً, تقول: تركت عبد الله قم إلية, وتركت عبد الله غفر الله له, على تقدير الحال».
ويدخل تحت قوله خبريه جمله الشرط.
وفى البسيط: «تقع جمله الشرط حالاً, نحو: افعل هذا ان جاء زيد, فقيل: تلزم الواو.
وقيل بغير لزومها, وهو قول ابن جني».

جارٍ التحميل