وقد بحتنا معه في تأويل هذا البيت في آخر الباب الأول من هذا الكتاب بما يوقف عليه هناك.
وإذا تقدم الماضي المنفي بما أو بإن قسم يليه شرط صار ذلك الماضي مستقبل المعنى، كقوله: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)، وقوله (وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ).
وقوله وقد تصدر بلن أو لم قال المصنف في الشرح: ((وندر نفي الجواب بلن في قوله أبي طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم... حتى أوارى في التراب دفينا
وب ((لم)) فيما حكى الأمعي أنه قال لأعرابي: ألك بنون؟ قال: نعم، وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة)) انتهى.
لا يقاس على شيء من ذلك البتة.
وليس للمتصف سلف فيمن أجاز ذلك إلا ما حكى عن ابن جني أنه زعم أنه قد يتلقى القسم بلم وبلن في الضرورة.
واستدل على ذلك بقول زياد بن منفذ.
رويق! إني وما حج الحجيج له... وما أهل بجنبي نخلة الحرم لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم... عهد، سلوت به عنكم، ولا قدم
وبقول الأعشي: أجدك لم تغتمض ساعة... فترقدها مع رقادها
أجدك عنده من قبيل الأقسام.
وقال آخر:
أجدك لن ترى بثعيلبات... ولا بيدان ناجية ذمولا
وهذا غلط من ابن جني؛ لأن القسم بعد إن يجوز فيما بعده أن يكون خبرا لأن، ويحذف جواب القسم، ويجوز أن يكون جوابا للقسم، فيكون القسم وجوابه في موضع خبر إن.
وقوله ((لم ينسني)) ليس جوابا للقسم، بل هو خبر إن، وجواب القسم محذوف، فهو نظير قولك: إن /زيدا_ والله_ لقائم، فقوله ((لم ينسني)) لا يصلح أن يكون جوابا للقسم كما لا يصلح ((لقائم))، وفي قولك: إن زيدا والله ليقومن، فيتعين أن يكون ليقومن جواب القسم.
ومنه ما يحتمل الوجهين، نحو قول طرفة:
إني وجدك ما هجوتك والـ... ـأنصاب يسفح بينهن دم
يجوز أن يكون ((ما هجوتك)) خبرا لإن، ويحتمل أن يكون جوابا للقسم.
وقال الكميت:
إني لعمر أبي سوا... ك من الصنائع والذخائر
وقال الآخر: إنك والله لذو ملة... يطرفك الأدنى عن الأبعد
فهذا يتعين أن يكون خبرا لإن.
وأما قول العرب: أجدك لم تفعل كذا، ولن تفعل كذا، فلا يراد به القسم، وهو عند س من باب ما ينتصب من المصادر توكيدا لما قبله، نحو قولك: هذا عبد الله حقا، قال س في هذا البا: ((ومثل ذلك في الاستفهام: أجدك لا تفعل كذا؟ كأنه قال: أحقا لا تفعل كذا))؟ قال: ((وأصله من الجد، كأنه قال: أجدا؟ ولكنه لا يتصرف، ولا يفارق الإضافة، كما كان ذلك في لبيك ومعاذ الله)).
قال بعض أصحابنا: ((وإنما جعله_ يعني س _ من هذا الباب وإن كان أجدك ليس قبله كلام يؤكد؛ لأن الكلام الذي بعده النية به أن يكون مقدما عليه من جهة أن المصدر في هذا الباب منصوب بفعل مضمر تدل عليه الجملة التي المصدر توكيد لها؛ وذلك الفعل احق أو ما جرى مجراه، وذلك أنك إذا قلت (هذا عبد الله) فالظاهر أن يكون هذا الكلام قد جرى على يقين منك وتحقيق، فدل الكلام بظاهره على أحق أو ما في معناه، فلما كانت الجملة دالة على الفعل المضمر الناصب للمصدر كان الوجه فيها ان تكون متقدمة على المصدر؛ لأن الدليل بابه
أن يكون متقدما على المدلول، وإنما التزم في أجدك لا تفعل كذا تقديم المصدر لأنه خالف المصادر المؤكدة لما قبلها في التزامهم فيه الإضافة؛ والتغيير كثيرا ما يأنس بالتغيير، فلم يتصرفوا فيه لذلك، بل ألزموه طريقة واحدة، فجعلوه مجاورا لهمزة الاستفهام مقدما على ما يؤكده، وصار التقديم الذي كان في غيره ضعيفا لا يجوز غيره فيه)) انتهى.
والمحفوظ أن الفعل المنفي بعد أجدك يكون نفيه ب ((لم)) وب ((لن)) كما أنشدنا قبل، وب ((لما))، قال زهير:
أفي كل أخدان وإلف ولذة... سلوت، وما تسلو عن ابنة مدلج
وليدين، حتى قال من يزغ الصبا:... أجدك لما تستحي أو تحرج
وب ((لا)) كما قال س: أجدك لا تفعل كذا؟.
/ وأما ما استدل به المصنف من قول العربي ((نعم، وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة)) فليس ((لم تقم)) جوابا للقسم، بل جواب القسم محذوف، يدل عليه سؤال السائل: ألك بنون؟ فقال: نعم، وخالقهم لبنون لي، ثم أستأنف مدحهم، وأخبر أنه لم تقم عن مثلهم منجبة.
فهذا الذي ذهب إليه المصنف من أنه قد تصدر في النفي بلم ولن لا سلف له فيه إلا ابن جني، فإنه أجاز ذلك في الضرورة، واستدل بما ذكرناه، وتقدم الرد عليه.
وكان أبو عبد الله محمد بن خلصة الكفيف يجيز أيضا أن يتلقي القسم بلم.
وقد رد عليه ذلك أبو محمد بن السيد 0
واعتلوا لكون ((لن)) لم يتلق بها القسم_ وإن كانت ك ((لا)) في نفي المستقبل_ بأن قولك ((لن يفعل)) نفي ل ((سيفعل))، فلما كانت في مقابلة السين لم يتلقوا بها القسم كما لا يتلقى بالسين.
وقوله وتصدر في الطلب بفعله أو بأداته أو بإلا أو لما بمعناها تقدم لنا الكلام على ما يكون جوابا لفعل الطلب وأنه ستة أشياء في أوائل هذا الباب؛ ومثال فعل الطلب قول الشاعر:
بعيشك_ يا سلمى_ ارحمي ذا صبابة... أبي غير ما يرضيك في السر والجهر
ومثال الاداة قوله: بربك، هل للصب عندك رأفة... فيرجو بعد اليأس عيشا مجددا
ومثاله بإلا قوله: بالله ربك إلا قلت صادقة... هل في لقائك للمشغوف من طمع
ومثال لما: قالت له: بالله_ ياذا البردين_... لما غنثت نفسا او اثنين
وقوله وتدخل اللام على ((ما)) النافية اضطرارا مثاله قول الشاعر:
لعمرك_ يا سلمى_ لما كنت راجيا... حياة، ولكن العوائد تخرق
وقال النابغة: فلا عمر الذي أثني عليه..............................
البيتان، وتقدم إنشادهما 0
-[ص: وغن كان أو الجملة مضارعا مثبتا مستقبلا غير مقارن حرف تنفيس ولا مقدم معمولة لم تغنه اللام غالبا عن نون توكيد؛ وقد يستغني بها عن اللام، وقد يؤكد المنفي ب ((لا)).
ويكثر حذف نافي المضارع المجرد مع ثبوت القسم، ويقل مع حذفه.
وقد يحذف نافي الماضي إن امن اللبس، ويكثر ذلك لتقدم نفي على القسم، وقد يكون الجواب مع ذلك مثبتا.
وقد يحذف لأمن اللبس نافي الجملة الاسمية، /وقد يكون الجواب قسما.]-
ش: قال المصنف في باب نوني التوكيد ما نصه: ((وهما خفيفة وثقيلة، تلحقان وجوبا المضارع الخالي من حرف تنفيس المقسم عليه مستقبلا مثبتا غير متعلق به جار)) فكرر معظم أحكام المضارع، وخالفه بأنه قال هناك ((تلحقه وجوبا))، وقال هنا ((لم تغنه اللام غالبا)).
وقال هناك ((غير متعلق به حار)) وقال هنا ((ولا مقدم معموله)).
وقد شرحنا ما في باب نوني التوكيد، ونتكلم على هذا هنا، فنقول:
اخترز بقوله ((مثبتا)) من أن يكون منفيا، وذكر بعد أنه قد يؤكد المنفي ب ((لا)).
واحترز بقوله ((مستقبلا)) من أن يكون حالا.
قال المصنف في الشرخ.
((فإن أريد به الحال قرن باللام، ولم يؤكد بالنون؛ لأنها مخصوصة بالمستقبل، فمن
شواهد إفراد اللام لكون الحال مقصودا قول الشاعر: لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم... ليعلم ربي أن بيتي واسع
ومثله: لعمري لأدري ما قضى الله كونه... يكون، وما لم يقض ليس بكائن
ومثله: وعيشتك_ يا سلمى_ لأوقن أنني... لما شئت مستحيل ولو أنه القتل
ومثله: يمينا لأبغض كل امرئ... يزخرف قولا، ولا يفعل))
انتهى.
واورد المصنف هذه المسألة كأنها مجمع عليها، وهي مسألة خلاف:
فمنهم من قال: إن الحال لا يجوز أن يقسم عليه؛ لأن مشاهدته أغنت عن أن يقسم عليه 0 وحكاه الزجاج عن المبرد، قال: ولذلك لم تدخل عليه إحدى النونين.
ورد ذلك عليه بأن قال: لو كان امتناع دخول النون على الحال لأنها لا يحلف عليها لكان كل من يحلف عند القاضي لا يجب أن تقبل يمينه؛ لأنه يحلف أنه في حال ليس عليه شيء، ولامتنع قولك: والله لأنت أفضل الناس؛ إذ هو في حال فضل، وقولك: والله لزيد يصلي بحذائي ولامتنع (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ).
وقال ابن عصفور وقد ذكر مذهب من منع ان يقسم علي الحال، قال: "وهذا باطل؛ لأنه قد يعوق عن المشاهدة عائق، فيحتاج إذ ذاك إلي القسم، نحو قولك: والله إن زيداً في حال قيام، لمن لا يدرك قيام زيد.
والصحيح انه يجوز أن يقسم عليه، إلا أنه إن كان موجباً فإنك تنشئ من الفعل اسم الفاعل، وتصيره خبر المبتدأ، ثم تقسم علي الجملة الاسمية، فتقول: والله غن زيداً لقائم، والله إن زيداً قائم، والله لزيد قائم.
وإنما لم يجز ان تبقي الفعل علي لفظه وتدخل اللام لأنك لو قلت والله ليقوم زيد لأدى ذلك إلي الإلباس/ في لعض المواضع؛ وذلك أنك إذا قلت والله ليقوم زيد لأدى ذلك إلي الإلباس/ في بعض المواضع؛ وذلك أنك إذا قلت إن زيداً والله ليقوم لم يدر هل يقوم خبر إن أو جواب القسم.
ولا يجوز إدخال النون فارقة فتقول: إن زيداً والله ليقومن؛ لأن النون تخلص للاستقبال.
وقد تدخل عليه اللام وحدها، ولا يلتفت إلي اللبس، إلا أن ذلك قليل جداً، بابه الشعر، قال الشاعر:
تألى ابن أوسٍ حلفةً ليردني... إلي نسوةٍ، كأنهن مفائد"
وقال ابن عصفور أيضاً: "وإن كان المقسم عليه حالاً موجباً دخلت عليه اللام، ومن ذلك قراءة قنبل ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، والأكثر فيه إذ ذاك أن يجعل خيراً لمبتدأ، فتصير الجملة اسمية".
وقال في "المقرب": "وإن كان موجباً فلابد من وقوعه خبراً لمبتدأ، فتكون الجملة إذ ذاك اسمية، نحو: والله إن زيداً ليقوم الآن".
وقال ابن أبي الربيع: "وأما في الإيجاب فترد الفعلية اسمية بتقديم الفاعل،
فتقول: والله لزيد يقوم".
وقال أيضاً: "وقد ياتي قليلاً: والله ليقوم زيد، كما قال:
كذبت، لقد أصبي علي المرء عرسه... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي"
وقوله غير مقارن حرف تنفيس احتراز من أن يقترن به حرف تنفيس، فإنه إن اقتران به دخلته اللام فقط، قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، وقال الشاعر:
فوربي لسوف يجزى الذي أسلفه المرء سيئاً أو جميلاً
وحكم السين في ذلك حكم سوف، فتقول: والله لسيقوم زيد.
هذا مذهب البصريين، قالوا ذلك بالقياس علي سوف، ولم يسمع.
ولا يجيز ذلك الفراء، قال: لأن اللام كالجزء مما تدخل عليه، ولذلك جاز في فصيح الكلام: لهو قائم، بتسكين الهاء تخفيفاً إجراء لها مجرى عضد، فلو قلت والله لسنقوم لأدى ذلك إلي توالي أربعة أحرف بالتحريك فيما هو كالكلمة الواحدة، وذلك مرفوض في كلامهم، ولذلك سكنوا آخر الفعل في ضربت.
قال بعض أصحابنا: "والصحيح جوازه بدليل قول العرب: (والله لكذب زيد كذباً ما أحسب أن الله يغفره له)، فكما احتملوا ذلك في هذا وامثاله، ولم يجعلوا اللام كالجزء من الكلمة- فكذلك يجوز: والله لسيقوم زيد" انتهى.
وينبغي أن يزيد: "ولا قد"، فإنه تدخله اللام فقط، نحو: والله لقد يقوم زيد، حكم قد حكم سوف.
وقوله ولا مقدم معموله احتراز من أن يتقدم المعمول، فإنه إن تقدم دخلته اللام فقط، ومنه قوله تعالى: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾، وقال الشاعر:/
يميناً ليوم يجتني المرء ما جنت... يداه، فمسرور ولهفان نادم
وقال الآخر:
جواباً به تنجو اعتمد، فوربنا... لعن عملٍ أسلفت لا غير تسأل
وقال آخر:
قسما لحين تشب نيران الوغي... يلفي لدي شفاء كل غليل
ولو قال المصنف "غير مفصول بينه وبين اللام لم تغنه غالباً" كان أخصر واحصر؛ إذ نقصه أن يقترن ب "قد".
وقوله لم تغنه اللام غالباً عن نون توكيد هذا الذي اختاره هو مذهب الكوفيين، وأما البصريون فلابد عندهم من اللام والنون إلا في الضرورة، فقد يستغنى بإحداهما عن الأخرى.
وتبع أبو علي الكوفيين، فأجاز أن تذكرهما معاً أو أحدهما معاً أو احدهما، أي شيء أردت منهما.
وادعى ابن هشام الإجماع على انه لابد منهما، وأن أبا علي لم يسبقه أحد إلي ما ذهب إليه.
وليس كما ذكر؛ إذ مذهب الكوفيين جواز تعاقبهما كما ذكرنا، ونصوص س علي لزومهما معاً.
فمثال ما النفي فيه باللم وحدها قول الشاعر:
تألى ابن أوسٍ حلفة ليردني............................
وقد تقدم إنشاد ابن عصفور هذا على أن "ليردني" فعل حالٍ دخلت عليه اللام، وذلك قليل جداً، وأنشده علي أنه فعل مستقبل، فاضطرب في فهمه فيه.
قال المصنف في الشرح: "وقلت (في الغالب) احترازا من قول النبي- صلي الله عليه وسلم- (ليرد علي أقوام أعرفهم ويعرفوني)، ومن قول الشاعر:
تألى ابن أوس حلفة ليردني..................................
ومن قول ابن رواحة رضي الله عنه:
فلا وأبي لنأتيها جمعياً... ولو كانت بها عرب وروم"
وقوله وقد يستغنى بها عن اللام مثاله قوله:
وقتيل مرة أثأرن، فإنه... فرغ، وإن اخاكم لم يثأر
وأنشده الأستاذ أبو علي "وإن أخاكم لم يضهد"، وأنشده غيره "لم يقصد"، وأنشد قبله: ولأثأرن بمالكٍ وبمالكٍ... وأخي المروراة الذي لم يسند وقال آخر: وهم الرجال، وكل ملك منهم... تجدن في رحبٍ وفي متضيق وقال آخر:/ ليت شعري! وأشعرن، إذا ما قربوها منشورة، ودعيت وقال آخر: فليأزلن، وتبكأن لقاحه... ويعللن وليده بسمار وقد اعتل الفارسي في "تذكرته" لعدم دخول إحدى النونين مع السين
وسوف حين يتقدم المعمول، نحو ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾، ومع "قد" علي المنفي ب "لا"- بما ملخصه: "أن كلا من السين وسوف ولا تخلص الآتي من فعل الحال، فاستغنى عن النون إذ هي مخلصة أيضاً، وبأن قد حرف غير عامل كالسين وإن كانت قد خالفتها في أنها لا تدل علي الاستقبال" انتهى.
ويعني أن "قد" حرف مختص بالفعل، جعل كالجزء منه كالسين.
وقوله وقد تؤكد المنفي ب "لا" قال المصنف في الشرح: "إن كان المضارع المجاب به القسم منفياً لم يؤكد بالنون إلا إن كان نفيه ب "لا"، فحينئذ قد يؤكد بها، كقول الشاعر:
تالله لا يحمدن المرء محتنبا... فعل الكرام وإن فاق الورى حسبا
والأكثر الا يؤكد، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ " انتهى.
ولو حذفت "لا" كان كإثبات في تأكيد الفعل بنون، كما قال الشاعر:
بإصر يتركني................................................
وقوله ويكثر إلي قوله مع حذفه مثاله قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، وقال حسان:
أقسمت أنساها، وأترك ذكرها... حتى تغيب في الضريح عظامي
ولو كان الفعل المنفي ب "لا" مركداً بالنون لم يجز حذف "لا" لإلباسه بالمثبت؛ بل الذي يتبادر إلي الذهن هو الإثبات.
وقد أطلق المصنف في نافي المضارع المجرد مع ثبوت القسم، ولا يخلو من ان يكون النافي "لا" أو "ما"، فإن كان "لا" فالحكم كما ذكر، وإن كان "ما" فمن النحويين من أجاز حذفهما حملاً علي "لا"، ومن النحويين من منع ذلك لعدم ورود السماع به، ولما فيه من اللبس؛ لأنه لا يعلم إذا حذفت هل القسم علي النفي في الحال أو في المستقبل.
ومثال حذف "لا" والقسم محذوف قول الشاعر:
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم... تلاقونه حتى يؤوب المنخل
أراد: والله لا تلاقونه.
إلا أنه لا يجوز حذفها والقسم محذوف غلا إذا كان المعنى لا يصح إلا بتقدير النفي، كالبيت الذي أنشدناه، هكذا قال المصنف، وفهم ان قبل "تلاقونه" قسماً محذوفاً.
وقال بعض اصحابنا: "ولا يجوز حذفها منه- أي حذف/ لا من المضارع- في غير القسم إلا في ضرورة؛ لأنه لا يوجد فيه من كثرة الاستعمال والتفرقة اللازمة بين الإيجاب والنفي ما يوجد في القسم.
ومما جاء من ذلك قول النمر بن تولب:
وقولي إذا ما أطلقوا...................................................
البيت.
يريد: لا تلاقونه.
وقول الآخر:
تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه
يريد: لا تنفك" انتهى.
فلم يجعل تلاقونه ولا تنفك جواب قسم محذوف.
وقوله وقد يحذف نافي الماضي إن أمن اللبس مثاله قول أمية بن أبي عائذ الهذلي:
فإن شئت آليت بين المقا... م والركن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي... أمد به أمد السرمد
قال المصنف في الشرح: "أراد: لا نسيتك، فحذف النافي لأن المعنى لا يصح إلا بتقديره، وأنه لو أراد الإثبات لقال: لقد نسيتك، أو لنسيتك.
وهذا النوع مع ظهور المعنى دون تقدم نفيٍ آخر علي القسم قليل" انتهى.
وقال بعض أصحابنا: إن دخلت علي لفظ الماضي، نحو قولك: والله لا فعلت هذا أبداً- لم يجز حذفها إلا في ضرورة، لا يجوز ان يقال في الكلام: والله فعلت هذا أبداً.
ومما جاء في الضرورة قوله:
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة... علي قومها ما فتل الزند قادح
يريد: فلا وأبي دهماء لا زالت عزيزة.
وزعم الكوفيون أن "لا" غير محذوفه في البيت، وإنما هى مقدمة من تأخير، والتقدير: فوأبي دهماء لا زالت عزيزة.
وما ذهبوا إليه باطل؛ لأن الحروف التي يتلقى بها القسم لا يجوز تقديمها علي القسم.
ومما يدلك علي أن "لا" محذوفة في البيت رواية من روى:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة......................................................
وقوله ويكثر ذلك لتقدم نفي علي القسم أي: ويكثر حذف نافي الماضي، قال:
فلا والإله نادى الحي ضيفي... هدوا بالمساءة والعلاط
أي: فلا والإله لا نادى، فحذف الثاني استغناء عنه بالأول.
وقد يجتمعان، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وكقول أبي ذر: (فلا والله لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين).
وقوله وقد يحذف لأمن اللبس نافي الجملة الاسمية مثاله قول الشاعر:
فوالله ما نلتم، وما نيل منكم... بمعتدل وفق ولا متقارب
أراد: ما ما نلتم، فحذف "ما" النافية، وأبقى "ما" الموصولة، وجاز ذلك لدخول الباء الزائدة/ في الخبر ولدلالة العطف.
ويجوز علي مذهب الكوفيين أن تكون "ما" الباقية النافية والمحذوفة الموصولة، ولا يجوز هذا علي مذهب البصريين؛ لأنهم لا يجيزون بقاء الصلة بلا موصول في اللفظ وغن دل عليه دليل، قاله المصنف في الشرح.
ونصوص أصحابنا علي أن "ما" و"إن" النافية إذا دخلتا علي الجملة الاسمية لا يجوز حذف واحدة منهما؛ فلا يجوز في: والله ما زيد قائم، ولا: والله إن زيد قائم، أن تقول: والله زيد قائم.
وقوله وقد يكون الجواب قسماً مثاله قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾، التقدير: والله ليحلفن.
منع بعض أصحابنا أن يكون القسم جواباً للقسم، قال: لأن القسم لا يدخل علي القسم، قال ذلك في لعمرك، وقد تقدم.
-[ص: ولا يخلو دون استطالة الماضي المثبت المجاب به من اللام مقرونة ب "قد" أو "ربما" أو "بما" مرادفتها إن كان متصرفاً، وإلا فغير مقرونة، وقد يلي "لقد" و "لبما" المضارع الماضي معني، ويجب الاستغناء باللام الداخلة علي ما تقدم من معمول الماضي كما استغني بالداخلة علي ما تقدم من معمول المضارع.]-
ش: قال "دون استطالة" لأنه إذا كان ثم استطالة جاز حذف اللام، كقوله تعالي: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾، وهو جواب لقوله ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، وقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ جواب ﴿وَالشَّمْسَ﴾.
ولا يحتاج إلي هذا القيد، فقد جاء في كلام الفصحاء حذف هذه اللام وإبقاء "قد"، قال الشاعر، وهو زهير:
تالله قد علمت قيس إذا قذفت... ريح الشتاء بيوت الحي بالعنن
أن نعم معترك الحي الجياع إذا... خب السفير ومأوى البائس البطن
وقال أيضاً:
تالله قد علمت سراة بني... ذبيان عام الحبس والأصر
أن نعم معترك الجياع إذا... خب السفير وسابئ الخمر
واحتراز بقوله "المثبت" من المنفي، فإنه لا تدخله اللام إلا اضطراراً، وتقدم ذكره، ولا ينفى إلا ب "ما" و "إن"، ولا يجوز نفيه ب "لا"؛ لأن "لا" لا ينفى بها الماضي في غير القسم إلا في قليل من الكلام أو في ضرورة شعر، فلم يسمع لذلك نفي الماضي بها في القسم إلا أن يكون الماضي واقعاً موقع المستقبل، فيجوز أن ينفى ب "لا" رعيا لمعناه، فتقول: والله لا فعلت كذا أبداً، أي: لا أفعل.
وقوله مقرونة بقد مثاله ﴿تالله لقد ءاثرك الله﴾.
وظاهره أنك مخير أن تأتي ب "قد" وحدها أو اللام.
وغيره يقول: ويجوز أن تصل اللام بقد إذا كنت مخاطباً لمن يتوقع خبرك، فتقول: والله لقد قام زيد.
ومثال اقتران اللام بربما قول الشاعر:/
لئن نزحت دار لليلى لربما... غنينا بخير، والديار جميع
وقوله أو ب "ما" مرادفتها انشد شاهداً علي ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
فلئن بان أهله... لبما كان يؤهل
وتقدم لنا الكلام في نظائر هذا البيت في حروف الجر عند قوله "وكذا بعد رب والباء، وتحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل".
وملخص ما ذكرناه أن ثم بعد اللام فعلاً محذوفاً لدلالة ما قبله عليه، وتقديره في هذا البيت: لبان بما كان يؤهل، فاللام دخلت علي ذلك الفعل المحذوف، والباء سببية، و "ما" مصدرية، فعلى هذا لا تكون "لبما" بمعنى ربما.
وقوله إن كان متصرفاً احتراز من ان يكون جامداً، فإنه لا يقرن ب "قد" ولا ب"ربما" ولا ب "ما"، ولا كان غبر متصرف، فتقول: والله لقام زيد، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾، وفي الحديث من كلام امرأة من غفار (والله لنزل رسول الله- صلي الله عليه وسلم- إلي الصبح فأناخ)، وفي حديث سعيد بن زيد: "أشهد لسمعت رسول الله- صلي الله عليه وسلم- يقول: (من اخذ شبرا من الأرض ظلماً) " الحديث، وقال الشاعر:
لكلفتني ذنب امرئ، وتركته... كذي العر، يكوى غيره، وهو راتع
وحكى س، "والله لكذب".
ولا يجوز حذف اللام و "قد"، فتقول: والله كذب.
وفصل ابن عصفور، فقال: "إن كان قريباً من زمان الحال أدخلت عليه
اللام وقد، فقلت: والله لقد قام زيد؛ لأن قد تقربه من زمان الحال.
وإن كان بعيداً أتيت باللام وحدها، فقلت: والله لقام زيد، قال:
حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ... لناموا، فما إن من حديث ولا صال
ومن النحويين من ذهب إلي أنها لابد أن تصحبها "قد" ظاهرة أو مقدرة، وقاسها علي اللام الداخلة علي خبر إن، فكما لا تدخل تلك علي الماضي كذلك لا تدخل هذه".
ورد ذلك بأن لام إن قياسها ألا تدخل علي الخبر إلا إذا كان هو المبتدأ في المعنى، نحو: إن زيداً لقائم، أو مشبهاً بما هو المبتدأ في المعنى، نحو: إن زيداً ليقوم؛ وذلك أنه لما تعذر دخولها علي المبتدأ دخلت علي ما هو المبتدأ في المعنى أو ما هو مشبه به، وليست كذلك اللام التي في جواب القسم.
قال ابن عصفور: "وأيضاً فغن قد تقرب من زمان الحال، فإذا /أردنا القسم علي الماضي البعيد من زمن الحال لم يجز الإتيان بها".
وقوله وقد يلي لقد ولبما المضارع الماضي معنى مثال "لقد" قوله:
لئن أمست ربوعهم يبابا... لقد بدعو الوفود لها وفودا
ومثال "لبما" قوله:
فلئن تغير ما عهدت....................................
البيتان.
وتقدم لنا تأويل لبما.
وقوله ويجب الاستغناء باللام الداخلة علي ما تقدم من معمول الماضي مثاله قول أم حاتم:
لعمري لقدما عضني الجوع عضة... فآليت ألا أمنع الدهر جائعا
وقوله في مثل هذا "إنه استغناء باللام" ليس استغناء، بل هذه اللام هي الداخلة علي الماضي، فصل بينهما بمعموله.
وقوله كما استغني بالداخلة علي ما تقدم من معمول المضارع قال المصنف في الشرح: "وقد اجتمع في قول عامر بن قدامة:
فلبعده لا اخلدن، وما له بدل إذا انقطع الإخاء، فودعا شذوذان: أحدهما عدم الاستغناء بتقدم اللام عن النون، والثاني دخولها علي جواب منفي، فلو كان مثبتاً لكان دخولها عليه مع تقدم اللام اسهل" انتهى.
يعني لو قيل: زيد والله لبعده أقوم- كان أسهل.
ص: وإذا توالى قسم وأداة شرط غير امتناعي استغني بجواب الأداة مطلقاً إن سبق ذو خبر؛ وإلا فبجواب ما سبق منهما، وقد يغني حينئذ جواب الأداة مسبوقة بالقسم.
وقد يقرن القسم المؤخر بفاء، فيغني جوابه.
وتقرن أداة الشرط المسبوقة بلام مفتوحة تسمى الموطئة، ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلاً.
وقد يجاء ب "لئن" بعد ما يغني عن الجواب، فيحكم بزيادة اللام.
ش: كرر المصنف مسألة توالي القسم وأداة الشرط في الفصل الأول من "باب عوامل الجزم" فقال: "وإن توالى شرطان أو قسم وشرط استغني بجواب سابقهما، وربما استغني بجواب الشرط عن جواب قسم سابق، ويتعين ذلك إن تقدمهما ذو خبر أو كان حرف الشرط لو أو لولا" انتهى ما ذكر في هذه المسالة في ذلك الفصل، وكنا شرحناه في "كتاب التكميل لشرح كتاب التسهيل"، ونحن نتكلم علي ما ذكر هنا، وغن كان قد تكلمنا عليه هناك، فلعلنا نأتي بمزيد في الشرح، فنقول:
قوله غير امتناعي هو قوله هناك "أو كان حرف الشرط لو أو لولا"، ومذهبه في ذلك انه يستغنى بجواب لو ولولا فالجواب للقسم، وجواب لو ولولا محذوف /لدلالة جواب القسم عليه.
وقوله مطلقاً إن سبق ذو خبر يعني أن الجواب لأداة الشرط سواء أتقدم القسم علي الشرط عليه إذا تقدمهما ذو خبر؛ وهو قوله هناك: "ويتعين ذلك- أي الاستغناء بجواب الشرط- إن تقدمهما ذو خبر".
وتمثيل ذلك: زيد والله إن يقم أقم معه، وزيد إن يقم والله أقم معه.
وذكر غيره ان ذلك ليس علي سبيل التعيين بل علي سبيل الجواز، فيحوز أن تقول: زيد والله إن قام يقم عمرو، وزيد والله إن قام ليقومن عمرو.
وقال المصنف في الشرح: "فإن تقد عليهما ذو خبر استغني بجواب الشرط، تقدم علي القسم أو تقدم القسم عليه.
وكان الشرط حقيقاً بأن يغني
جوابه مطلقاً لأن تقدير سقوطه مخل بالجملة التي هو منها، وتقدير سقوط القسم غير مخل لأنه مسوق لمجرد التوكيد، والاستغناء عن التوكيد سائغ، ففضل الشرط بلزوم الاستغناء بجوابه مطلقاً إذا تقدم عليه وعلي القسم ذو خبر".
وقوله وإلا فبجواب ما سبق منهما وهذا هو قوله هناك
"استغني بجواب سابقهما".
ومعنى قوله "وإلا" أي: وإلا يسبق ذو خبر.
مثاله: والله إن قام زيد لأقومن، وإن قام زيد والله أقم.
وإذا أغنى جواب القسم عن جواب الشرط لزم أن يكون جواب القسم مستقبلاً؛ لأنه مغن عن مستقبل ودال عليه، ولزم أن يكون فعل الشرط بصيغة الماضي او منفياً بلم؛ لما تقرر من ان جواب الشرط لا يحذف إلا إذا كان فعل الشرط علي ما ذكر، فلا يجوز أن تقول: والله إن يقم زيد لأقومن، ولا: والله إلا يقم زيد لأقومن، ولا: والله إن قام زيد لقمت، إلا أن يكون الماضي وقع موقع المستقبل، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾، أي: ليظلن.
وإذا تقدم علي القسم وحده ما يطلب خبراً أو ما يطلب صلة جاز أن يبنى ما بعده علي طالب الخبر وطالب الصلة؛ وجاز أن يبنى علي القسم، ففي الأول يكون جواب القسم محذوفاً لدلالة الخبر والصلة عليه، وفي الثاني يكون الخبر والصلة القسم وجوابه.
مثال ذلك: زيد والله يقوم، وجاءني الذي والله يقوم، وزيد والله ليقومن، وجاءني الذي والله ليقومن.
وقوله وقد يغني حينئذ جواب الأداة مسبوقة بالقسم هذا هو قوله هناك: "وربنا استغني بجواب الشرط عن جواب قسم".
قال المصنف في الشرح: "ولا يمتنع الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره، ومن شواهد ذلك قول الفرزدق:
لئن بل لي أرضي بلال بدفعة... من الغيث في يمنى يديه انسكابها
أكن كالذي صاب الحيا أرضه التي... سقاها، وقد كانت جديبا جنابها
ومنها قول ذي الرمة:/
لئن كانت الدنيا علي كما أرى... تبارح من مي فللموت أروح
ومنها قول الأعشى:
لئن منيت بنا عن غب معركةٍ... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل"
انتهى.
وهذا الذي اجازه المصنف هو مذهب الفراء، وقد منعه اصحابنا والجمهور، وقالوا: لا يجوز جعل الفعل جواباً للشرط المتوسط بينه وبين القسم.
قالوا: فأما قول الأعشى: لئن منيت بنا.
البيت، وقول امرأة فصيحة من بني عقيل:
لئن كان ما حدثته اليوم صادقاً... أصمم في نهار القيظ للشمس باديا
وأركب حماراً بين سرج فروةٍ... وأعر من الخيتام صغرى شماليا
فاللام في "لئن" ينبغي أن تكون زائدة كالتي في قوله:
........................................................ أمسى لمجهودا
وكالتي في قراءة سعيد بن جبير: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، وكالتي في قوله:
طعامهم لئن أكلوا معن... وما إن تحاك لهم ثياب
وعلي ذلك حملها الفارسي.
وأما قول الآخر:
حلفت لها إن تدلجي الليل لا يزل... أمامك بيت من بيوتي سائر
فليس "حلفت" فيه قسماً كما ذهب إليه الفراء، بل هو خبر محض غير مراد به معنى القسم إذا تقدم علي الشرط بني الجواب عليه، ولم بين علي الشرط.
وإنما لم يبن الجواب علي المتأخر منهما لأنك لو فعلت ذلك لكنت قد حذفت جواب الأول لدلالة الثاني علي؛ والباب في المحذوفات التي يفسرها اللفظ ألا يحذف منها شيء إلا لتقدم الدليل عليه.
وقوله وقد يقرن القسم المؤخر بفاء، فيغني جوابه قال المصنف في الشرح: "فيجب الاستغناء بجوابه؛ لأن الفاء تقتضي الاستئناف وعدم تأثر ما بعدها بما قبلها، ومنه قول قيس بن العيزارة:
فإما أعش حتى أدب علي العصا... فوالله أنسى ليلتي بالمسالم
وأجاز ابن السراج أن تنوى هذه الفاء، فيعطى القسم المؤخر بنيتها ما أعطي بلفظها، فأجاز أن يقال: إن تقم يعلم الله لأزورنك، علي تقدير: فيعلم الله لأزورنك، ولم يذكر عليه شاهداً، فلو لم تنو الفاء لألغي القسم، فقيل: إن تقم يعلم الله أزرك" انتهى.
وقول المصنف "فيغني جوابه" وقوله في الشرح "فيجب الاستغناء بجوابه" يدل علي أن للشرط جواباً محذوفاً؛ أغنى عنه جواب القسم.
وليس كذلك، بل الجملة القسمية هي نفس جواب الشرط، ولذلك دخلت الفاء، ولم يغني عنه جواب الشرط لأنه مصرح به، فكيف يقال إنه يغني عنه جواب الشرط، وذلك أن جواب الشرط قد يكون بالقسم، /نحو: إن تجئني فو الله لأكرمنك، فلذلك لزمت الفاء؛ لأنها تلزم كل جواب لا يمكن أن تباشره أداة الشرط.
وأما تجويز ابن السراج حذفها فينبغي ألا يجوز؛ لأن حذف فاء جواب الشرط لا يجوز غلا في الضرورة، نحو قوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها............................................
وقوله وتقرن أداة الشرط إلي قوله إلا قليلاً أداة الشرط أعم من أن تكون إن أو غيرها، إلا أن قرنها بإن كثير، قال تعالى: ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾، ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾.
ومثال رزقت ليأتينك سيبه... جلبا، وليس إليك ما لم ترزق
وقول الآخر:
لمتى صلحت ليقضين لك صالح... ولتجزين إذا جزيت جميلا
وعلي ذلك حمل المصنف وغيرها تعالى ﴿النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.
وقوله المسبوقة أي: بقسم ملفوظ به أو مقدر، فالملفوظ به ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾، والمقدر ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية.
وقوله تسمى الموطئة أي: وطأت الجواب للقسم المذكور قبلها أو المنوي، وتسمى أيضاً المؤذنة، أي: آذنت بالقسم.
وقوله ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلاً وقال س: "فلابد من هذه اللام مظهرة او مضرة".
وقال أصحابنا: أنت بالخيار في إدخال هذه اللام علي الأداة.
ومن حذفها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾، ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنّ﴾، وقال الشاعر: فإن لم تغير بعض ما قد صنعتم... لانتحين العظم ذو أنا عارقه
لم يقل: فلئن.
وقد شبه بعضهم إذ يإن، فأدخل عليها هذه اللام، قال:
غضبت علي وقد شربت بجزةٍ فلإذ غضبت لأشربن بخروف وهذه اللام زائدة للتأكيد، وموطئة لدخول اللام علي الجواب، ودالة على القسم إذا حذف، وليست التي يتلقى بها القسم، هذا مذهب البصريين.
وزعم الفراء أن هذه اللام لما دخلت علي الشرط أجيبت بجواب القسم.
واستدل لمذهب البصريين بجواز إسقاطها، وبرفع الفعل بعدها في نحو قول كثير:
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها إذا لا أقيلها
فرفع أقيلها يدل علي اعتماد القسم عليه، ولو كانت لام لئن هي جواب القسم لانجزم: لا أقيلها، كما تقول: إن تقم إذا لا أقم.
وقال بعض أصحابنا: "ومما يدل للبصريين أن الفعل الواقع جواباً للقسم المحذوف إذا كان منفياً لم يجز حذفها إذ ذاك؛ لأنها لو حذفت /لم يكن في اللفظ ما يدل علي القسم المحذوف، فإذا وجد من كلام العرب (إن قام زيد لا يقوم عمرو) لم يحمل علي القسم، بل لابد من إدخال اللام علي أداة الشرط إذا أريد به معنى القسم، كما جاء في بيت كثير، وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ " انتهى.
وينبغي أن يقيد قول المصنف "ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلاً" بهذه المسألة السابقة؛ إذ يجب إثباتها، وذلك إذا كان الفعل الواقع جواباً منفياً بـ"لا".
وقوله وقد يجاء بلئن إلي أخره: مثال ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: ألمم بزينب، إن البين قد أفدا... قل الثواء لئن كان الرحيل غذا وقول الآخر: فلا يدعني قومي صريحاً لحرة... لئن كنت مقتولاً ويسلم عامر اللام في لئن زائدة، وما قبل لئن دليل علي جواب الشرط المحذوف.
-[ص: لا يتقدم علي جواب قسم معموله إلا إن كان ظرفا أو جاراً ومجروراً.
ويستغنى للدليل كثيراً بالجواب عن القسم، وعن الجواب بمعموله أو بقسم مسبوق ببعض حروف الإجابة، والأصح كون "جير" منها، لا اسماً بمعنى حقاً، وقد تفتح راؤها، وربما أغنت هي و "لا جرم" عن لفظ القسم مراداً، وقد يجاب ب"جير" دون إرادة قسم.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "إن تعلق بجواب القسم جار ومجرور أو ظرف جاز تقديمه عليه، كقوله ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾، وكقول الشاعر: رضيعي لبنا ثدي ام، تحالفا بأسحم داجٍ عوض لا نتفرق فغن تعلق به مفعول لم يجز تقديمه، فلا يجوز في والله لأضربن زيداً: والله زيداً لأضربن" انتهى.
وقد أطلق المصنف في جواب القسم، وجواب القسم إن كان ب "ما" أو ب "إن" فلا يجوز أن يتقدم المعمول عليهما، فإذا قلت: والله ما يقوم زيد الآن، أو في
البيت أو: والله إن زيداً قائم الآن، او في البيت- لم يجز تقدم "الآن" ولا "في البيت" علي "ما يقوم"، ولا علي "إن زيداً قائم".
وإن كان ب "لا" داخلة علي الموضوع ففي المسألة خلاف: منهم من أجاز تقديم المعمول مطلقاً من ظرف ومجرور ومفعول عليه.
ومنهم من منع ذلك مطلقاً، وهو الصحيح.
و'ن كان باللام داخلة علي جملة اسمية فلا يجوز التقديم أيضاً مطلقاً.
هذا نص أصحابنا.
وإن كان ما دخلت عليه اللام مضارعاً فالنص من أصحابنا انه لا يجوز مطلقاً.
وأجاز هذا المصنف ذلك، ومثل به في قوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.
وفي "البسيط": "وهذه اللام لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، /وقد أجازه الفراء وابو عبيدة، ومنه قوله تعالى ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ ﴿لَأَمْلأَنّ﴾، جوزوا في الاول أن يكون منصوباً ب ﴿لَأَمْلأَنّ﴾، كأنه قال: لأملأن حقاً.
والصواب انه منصوب بفعل القسم، أما اللام فهي لام الجواب، وليست لام الابتداء" انتهى.
وقوله ويستغنى للدليل كثيراً بالجواب عن القسم قال المصنف في الشرح: "كوقوعه بعد (لقج)، أو بعد (لئن)، أو مصاحباً بلام مفتوحة نون توكيد" انتهى.
ووجدت بخطي أن ذلك لا يجوز إلا بشرط أن يكون الجواب باللام أو بإن،
فليس يحذف القسم إذا كان متلقى بحرف غيرهما، ك "ما" و "لا" و "إن".
وقد اختلف في نحو قولك "لزيد منطلق" من غير قسم في اللفظ: فالمنقول عن البصريين أنها ليست لام قسم بل لام ابتداء.
وقال الكوفيون: هي لام قسم.
قالوا: والدليل عليه أنها تدخل علي الفضلات، كقولك: لطعامك زيد آكل، وليس الطعام بمبتدأ.
وحجة البصريين أن اللام إذا دخلت علي مفعول ظننت ارتفع بالابتداء، ولا يمكن تقدير القسم فيه لأن ظننت لا يلغى بالقسم، فعلم ان تعليق ظننت لتحقق الابتداء كما تعلق بالاستفهام، كقولك: علمت أيهم قائم، وأما قولهم لطعامك زيد آكل فإنما جاز لأنها في حيز الخبر؛ إذ كان معموله متقدماً عليه، فكأنها داخلة علي المبتدأ.
وقوله وعن الجواب بمعموله قال المصنف في الشرح: "ويستغنى عن الجواب بمعموله، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾، أي: لتبعثن يوم ترجف الراجفة" انتهى.
ولا يتعين ما قاله في الآية، ولا يثبت هذا الحكم بمحتمل؛ إذ يجوز أن يكون جواب ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾، قوله: لتبعثن، حذف لدلالة ما بعده عليه، ولا يكون ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ معمولاً لقوله لتبعثن، حذف لدلالة ما بعده عليه، ولا يكون ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ معمولاً لقوله لتبعثن، بل منصوباً بقوله ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾.
ويجوز أن يكون منصوباً بقوله ﴿وَاجِفَةٌ﴾ من قوله ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾، وكرر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ علي سبيل التوكيد.
ويحتمل أن يكون جواب القسم قوله ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾، وحذف اللام لطول الكلام، أي: والنازعات لقلوب يومئذ واجفة، ويكون ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ ﴿6﴾ ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ اعتراضاً بين القسم وجوابه.
ويجوز أن يكون معمولاً ل ﴿وَاجِفَةٌ﴾، وسهل تقديمه كونه ظريفاً، وكون اللام التي هي في الجواب محذوفة.
وقوله أو بقسم مسبوق ببعض حروف الإجابة قال المصنف في الشرح: "وهي: بلى، ولا، ونعم، ومرادفاتها: إي وإن واجل وجير، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾، وكقولك لمن قال: أتفعل كذا؟ لا والله، ونعم والله، وإي والله، وإن والله، وأجل والله، وجير والله" انتهى.
وتقدم لنا ذكر الخلاف في "إن"، هل تكون من حروف الإجابة، في شرح أول الفصل الثالث من "باب الأحرف الناصية الاسم الرافعة الخبر".
/وظاهر كلام المصنف أنه يستغنى عن الجواب بأحد هذين، إما بالمعمول أو بقسم مسبوق ببعض حروف الإجابة.
والضابط انه لا يستغنى عنه إلا إذا وقع القسم بين متلازمين، كالشرط وجزائه، والمبتدأ وخبره، والموصول وصلته، وما أشبه ذلك، أو عقب كلام يدل عليه.
وقوله والأصح كون جير منها لا اسماً بمعنى حقاً، وقد تفتح راؤها قال المصنف في الشرح: "زعم قوم أن جير اسم بمعنى حقاً.
والصحيح أنها حرف بمعنى نعم؛ لأن كل موضع وقعت فيه جير يصلح أن توقع فيه نعم، وليس كل موضع وقعت فيه يصلح أن توقع فيه حقاً، فإلحاقها بنعم أولى.
وأيضاً فإنها أشبه بنعم الاستعمال، ولذلك بنيت، ولو وافقت حقاً في الاسمية لأعربت، ولجاز أن تصحبها الألف واللام، كما أن حقاً كذلك، ولو لم تكن بمعنى نعم لم يعطف عليها في قول بعض الطائيين:
أبي كرماً، لا آلفا جير أو نعم... بأحسن إيفاء، وأنجز موعد
ولا أكدت "نعم" بها في قول طفيل الغنوي:
وقلن علي البردي أول مشرب... نعم، جير، إن كانت رواء أسافله
ولا قوبل بها (لا) في قول الراجز:
إذا يقول (لا) أبو العجير... يصدق، لا إذا يقول (جير)
فهذا تقابل ظاهر، ومثله في التقدير قول الكميت:
يرجون عفوي، ولا يخشون بادرتي... لا جير لا جير، والغربان لم تشب
أراد: لا يثبت مرجوهم، نعم تلحقهم بادرتي.
وقريب منه اجتماع (أجل) و (لا) في قول ذي الرمة:
تري سيفه لا ينصف الساق نعله... (أجل) (لا)، ولو كانت طوالا محامله"
انتهى.
وكان قد شنع علي الزمخشري في قوله "ومن الناس" بأنه جهل من هو قائل ذلك، وهوس، فيقال له: وأنت أيضاً جهلت من قال فيها "إنها اسم"- وهو س- بقولك: "وزعم قوم".
وقد استدل علي أنها اسم بتنوينها.
قال الأستاذ أبو علي: "ويمكن أن يكون التنوين في جير في البيت جاء شاذاً كمجيء التنوين في اسم الفعل في الخبر في قولهم: فداء لك، بكسر الهمزة.
وأيضاً فيمكن أن يكون من تنوين الترنم الذي يلحق القوافي عوضاً من ياء، ولابد منها في الوزن".
وقال بعض أصحابنا: "وأما عوض وجير فمبنيان، حذف منهما حرف القسم، فيجوز أن يحكم علي مواضعهما بالنصب بإضمار فعلٍ، أو بالرفع علي الابتداء أو علي خبر ابتداء مضمر، قياساً علي نظائرهما من الأسماء المحذوف منها حرف القسم.
/وما ذكره الزجاجي من أن عوض تستعمل في القسم مذهب كوفي، والبصريون لا يعرفون القسم به" انتهى.
ومما لخصته من كتاب "الملخص": "يعوض من القسم (عوض) اسم دهر مبنياً علي الضم لقطعه عن الإضافة، أو علي الفتح لأنه اخف، كحيث، ولا يقال: عوض والله لأفعلن، وإن جاء فقليل إذ هو الأصل، وفيه الجمع بين العوض والمعوض منه.
و (جير)، وليست حرفاً بمعنى نعم لتنوينها، خلافاً لزاعمه.
وقيل: مصدر، والمعنى: حقاً لأفعلن.
وبنيت لقلة تمكنها؛ لأنها لآ تستعمل إلا في القسم، بخلاف سبحان؛ لأنها لا تخص باب التعظيم، قد توجد تعجباً وإنكاراً.
وقيل: اسم فعل، وبنيت لأنه الأصل علي الكسر، علي أصل التقاء الساكنين.
وقيل: ظرف، وبني لقلة تمكنه، وكأنه قال: لا أفعل هذا أبداً، وتكون بمنزلة عوض.
وهذه الأقوال [الثلاثة] تتقارب، والأول يبعد لأن تنوينها للتنكير، وهو لا يوجد إلا في الصوت واسم الفعل، فيغلب علي الظن أنها اسم فعل" انتهى.
والذي يظهر أنها من حروف الإجابة للدلائل التي استدل بها المصنف.
وقوله وربما أغنت هي و "لا جرم" عن لفظ القسم مراداً مثال الاستغناء ب "جير" قول الشاعر:
قالوا: قهرت، فقلت: جير ليعلمن... عما قليل أينا المقهور
وحكي الفراء أن العرب تقول: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت.
يريد أنهم يستغنون بها عن القسم قاصدين بها معنى حقاً، وقد صرح بعض الأعراب
بالقسم مع: لا جرم، قال لمرداس: لا جرم والله لا فارقتك.
فاما قوله تعالى ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾، ف (لا) عند الخليل وسرد، و (جرم) فعل، فاعله أن وما بعدها.
وقال الكوفيون: لا: نافية، وجرم: اسم لا، وأن علي تقدير من.
وقوله وقد يجاب ب"جير" دون إرادة قسم قال الشاعر:
وقائلة: أسيت، فقلت: جير... أسي، إنني من ذاك إنه
يجاب بها كما يجاب بأخواتها إلا "إي"، فلا يعلم استعمالها إلا مع قسم.
مسألة: قالت العرب: لا ها الله ذا، فالخليل يجعل ذا من جملة ما أقسم عليه، والتقدير: للأمر ذا.
والاخفش يجعله توكيداً للقسم، كانه قال: ذا قسمي.
ويدل علي صحة هذا القول ذكر المقسم عليه بعد "ذا"، فيقولون: لا ها الله ذا ما كان كذا، وإتيانهم بعده بالمقسم عليه نفياً، ولو كان هو المقسم عليه لم يكن مطابقاً، وأنشد س:
تعلمن ها- لعمر الله- ذا قسماً... فاقدر بذرعك، وانظر أين تنسلك
أي: لعمر الله للأمر ذا أقسم قسماً، فتأكيد القسم بعده يدل علي انه المحلوف عليه.
/وقال الأستاذ أبو علي: "وأما قولهم (ذا) فزعم غير الخليل أنها من جملة ما أكد المقسم به، أي: هذا ما أقسم به، فإن جاء بعده جواب صح هذا القول، وإن لم يجيء عنهم أصلاً صح قول الخليل.
وتلخيصه ان أصل الكلام: إي والله للأمر هذا، ثم حذف حرف القسم،
وقدمت "ها" من "هذا" كما قدمت في: ها أنا ذا، وحذفت لام القسم مع المبتدأ وإن كانت لا تحذف وحدها، وهذا له نظائر لحذف الشيء الذي لا يجوز حذفه مفرداً إذا حذف معه ما يسوغ حذفه، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾، هذا مذهب الخليل".
انتهى.
وقال أبو عمرو بن تقي: جعلها الخليل إشارة إلي المحلوف عليه، وهو الجواب، أشار إليه قبل ذكره لأنه أمر وشأن.
وجعلها الأخفش إشارة إلي المقسم به؛ لأن موضع الإشارة إنما هو الأسماء لا الجمل.
وقال أبو عمرو بن تقي: جعلها الخليل إشارة إلي المحلوف عليه، وهو الجواب، أشار إليه قبل ذكره لأنه امر وشأن.
وجعلها الأخفش إشارة إلي المقسم به؛ لأن موضع الإشارة إنما هو الأسماء لا الجمل.
وقال السيرافي: " وأبو الحسن يجعل ذا هو المحلوف به، وهو من جملة القسم، والتقدير عنده:
ها الله ذا قسمي.
قال: والدليل علي ذلك أنهم يقولون: ها الله ذا لقد كان كذا، وها الله ذا لتفعلن".
وقال الفارسي في "التذكرة": "الذي يعضد مذهب الخليل انه قد ورد: لا ها الله ذا، فهذا إن كانت فيه ذا كما قال أبو الحسن فسيكون كمن يقول (والله)، ولا يأتي بالمقسم عليه، وهذا لا يجوز، فتعين انه مقسم عليه، فأما (لا ها الله ذا لأفعلن) فعلى قسم آخر، كما يجوز أن تقول مبتذئاً: لأفعلن".
انتهى.
والذي أختاره مذهب الأخفش، ويدل عليه مجيء المقسم عليه بعده، وحمله علي إضمار قسم آخر خلاف الظاهر، وقال زهير:
تعلمن ها لعمر الله ذا قسما....................................................
وجوابه قوله بعد ذلك:
ليأتينك منى منطق قذع........................................................
ووجه الدلالة أنه أكد مضمون الجملة القسمية- وهي: لعمر الله ذا- بقوله "قسما"، كما تقول: له علي دينار اعترافاً.
وجاز ذلك بعد قوله "ذا"، فلو كان "ذا" من الجملة المقسم عليها لم يفصل بين جملة القسم ومصدره المؤكد به بالجملة المقسم عليها، فدل علي أن "ذا" إشارة إلي القسم وتوكيد له كما أكد بقوله قسماً.
ويحققه الإتيان بجواب القسم بعده.
وأما إن سمع "لا ها الله ذا" مقتصراً عليه فإنما ذلك من حذف الجملة المقسم عليها لدلالة معنى الكلام عليه؛ وعليه (لا ها الله ذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل في سبيل الله، فيعطي غيره سلبه)، وهو من كلام أبي بكر الصديق، فالظاهر أن "لا يعمد" هو الجواب.
وقال الأعلم: "تقديره: لعمر الله هذا ما أقسم به".
فاختار مذهب الأخفش.
مسألة: إذا أخبرت عن قسم غيرك فلك أن تقول: أقسم زيد ليضربن عمراً، ولك أن تحكى فتقول: لأضربن.
مسألة: ﴿{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، الواو في ﴿وَالنَّهَارِ﴾، وفي ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ - للعطف لا للقسم؛ إذ لو كانت للقسم لاحتاج كل قسم إلي جواب علي حدة، وكان كل قسم مستأنفاً منفصلاً مما قبله، ولما كان المقسم عليه واحداً لم يقو أن تقدر منه جواباً لكل قسم؛ لأن في ذلك من التكرار لغير فائدة ما لا خفاء به، وإنما أراد: وهذه الأشياء
جملة إن سعيكم لشتى.
ولو نويت بها القسم مستأنفاً لكنت تأتي بواو العطف؛ ألا ترى أنك تقول: والله لأفعلن، ووالله لأفعلن، فإذا كانت واو قسم مستأنف لم تجيء بواو العطف قبل ذكر جواب الأول، وكما لا يجوز مررت بزيد بعمرو إلا بالتشريك فكذلك هذا؛ لأن المقسم عليه واحد، وغنما يجوز ترك التشريك في الجمل، نحو: زيد قام عمرو ذاهب، وإنما أقسم علي شيء واحد، فالكلام جملة واحدة.
ودليل ما قال الخليل أن العرب لا تقول: تالله بالنبي لأفعلن كذا، فلا تأتي بقسم حتى توفي الأول جوابه، فتقول: تالله لأفعلن، بالكعبة لأفعلن.
وقال الفارسي: "ليس هذا خلافاً ل"س"؛ لأنه قد أجازه في آخر الباب علي التأكيد، إلا أنه ضعيف" انتهى.
وليس كما قال، إنما أجاز ذلك مع اتحاد حرف القسم والمقسم به، قال: التأكيد، إلا أنه ضعيف" انتهى.
وليس كما قال، إنما أجاز ذلك مع اتحاد حرف القسم والمقسم به، قال:
"ولو قال وحقك وحقك علي التوكيد جاز، وكانت الواو واو جر".
وقال الأستاذ أبو علي: تلخيص كلام الخليل أنه لا يجتمع مقسم بهما إلا أن يكون الثاني هو الأول علي التوكيد؛ ودليله أنا إذا قلنا: وحقك وحق زيد لأفعلن كذا، إذا لم تجعل الواو عاطفة فهو يحتمل وجوهاً أربعة:
الأول: أن تجعل "وحق زيد" توكيداً لجملة المقسم به.
وهو فاسد؛ لأنه ليس /توكيداً لفظياً ولا معنوياً؛ إذ ليس لفظ الأول ولا معناه.
والثاني: أن تجعله متعلقاً بمحذوف، والجملة توكيد لجملة المقسم به.
وفيه
تأكيد الشيء قبل أن ييتم، ولا يؤكد الشيء، ولا يحمل عليه شيء من الأشياء إلا بعد استقلاله، والمؤكد هنا هو جملة القسم والجواب، فهما في هذا القصد كالمفرد بالتوكيد، وذلك لا يجوز.
والثالث: أن تجعلهما جملتين منقطعتين، لكن جوابهما واحد.
وهو واضح الفساد؛ إذ كل قسم لابد من جواب لأنهما منقطعان، إذ ليس الثاني تأكيداً للأول.
والرابع: أن تقدرهما جملتين، ولكل واحد جواب، إلا أنه حذف جواب أحدهما، وأكدت بإحداهما الأخرى بعد أخذ الجواب.
ولا يخلو في هذا الوجه أن تجعل جواب الأول هو المحذوف، والذي في اللفظ جواب الثاني، أو تعكس.
فإن قدرت الأول ففيه مضعفان: حذف الأول لدلالة الثاني، وليس مطرداً، فإنه كالإضمار، فليس إلا في نحو أبواب الاشتغال، وبالجملة فهو لا ينبغي؛ إذ لا يحذف الشيء حتى يكون قد علم.
والمضعف الثاني التأكيد مع الحذف، وهما متناقضان.
فقد امتنع أن تكون الواو هنا واو قسم علي الوجوه الثلاثة من كل وجه، وعلي الرابع يضعف، ويكون شاذاً، فلم يبق إلا العطف.
ولهذا الرابع تعرض الخليل أن يتكلم عليه، وضعفه، فتدبره؛ لأن الآخر بين الفساد.
انتهى، وفيه بعض تلخيص.
مسالة: الاستحلاف يجري مجرى اليمين إلا فيما يذكر، ففاعل الفعل في الجواب علي حسب الفاعل في غيبة وخطاب وتكلم، نحو: والله ليقومن زيد، والله لتقومن، والله لأقومن.
وفي الاستحلاف يجوز: أستحلفه ليفعلن، ولأفعلن، هذا في الغائب، واستحلفتك لتفعلن، ولأفعلن، في المخاطب