عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا... هل كانت جارتنا أيام ذي سلم
وقال آخر: عمرتك الله الجليل، فإنني... ألوي عليك لو أن لبك يهتدي
وقد يحذف هذا الفعل، نحو قوله: قالت له: بالله يا ذا البردين... لما غنثت نفسا أو اثنين
وإذا كان في الجواب ((إلا)) فالفعل قبلها بصورة الموجب، وهو منفي في المعنى.
وقد تقدم كلامنا على ((نشدتك إلا فعلت)) في باب الاستثناء.
قال المصنف في الشرح: ((ومعنى نشدتك الله: سألتك مذكرا الله، ومعنى عمرتك الله: سألت الله تعميرك، ثم ضمنا معنى القسم الطلبي)) انتهى.
فإن عنى المصنف أنه تفسير معنى لا إعراب فيمكن، وإن عنى تفسير إعراب فليس كذلك، بل نشدتك الله انتصاب الجلالة فيه على إسقاط الخافض، لما سقط وصل إليه الفعل فنصبه، فليس منصوبا بمذكر.
وأما عمرتك الله فلفظ الجلالة منصوب بإسقاط الخافض، ووصل الفعل إليه، /فنصبه، والتقدير: عمرتك بالله، أي: ذكرتك بالله تذكيرا يعنر القلب ولا يخلو منه.
وقوله وأبدل من اللفظ بهذه عمرك الله بفتح الهاء وضمها الإشارة بهذه إلى قولك عمرتك، وعمرك مصدر على حذف الزوائد، والتقدير: تعميرك الله، أي:
تذكيرك بالله، قال الشاعر: أيها المنكح الثريا سهيلا... عمرك الله، كيف يلتقيان
وقال آخر: عمرك الله_ يا سعاد_ عديني... بعض ما أبتغي، ولا تؤيسيني
وقال آخر: يا عمرك الله إلا قلت صادقة... أصادقا وصف المجنون أم كذبا
وقال آخر: عمرك الله ساعة حديثنا... ودعينا من ذكر ما يؤذينا
وقال آخر: عمرك الله، أما تعرفني... أنا حراث المنايا في الفزع
وحكى بعض الثقات عن أعرابي: عمرك الله، برفع الله.
قال أبو علي: ((والمراد عمرك الله تعميرا، فأضيف المصدر إلى المفعول، ورفع به الفاعل)).
وقال الأخفش في ((الأوسط)): ((أصله: [أسألك] بتعميرك الله، وحذف زوائد المصدر والفعل والباء، فانتصب ما كان مجرورا بها)).
ويدل على ما قاله الأخفش إدخال باء الجر عليه، قال عمر بن أبي ربيعة.
بعمرك هل رأيت لها سميا... فشاقك، أم لقيت لها خدينا
وفي (اللباب): إذا قلت عمرك الله بنصب اسم الله ففي إعرابه وجهان: أحدهما: أن التقدير: أسألك تعميرك الله، أي: باعتقادك بقاء الله، فتعميرك مفعول ثان، والله منصوب بالمصدر.
والثاني: أن يكونا مفعولين، أي: أسأل الله تعميرك)) انتهى.
وحكى ابن الأعرابي: عمرك الله، برفع راء عمرك الله، وعلى النصب رواه أهل العربية.
وفي ((البسيط)): ((وأما ما لم يتصرف فنحو: عمرك الله، وقعدك الله وريحانه، وحنانيك، وهو على الدعاء، أي: عمرك الله، فقيل: هو مصدر محذوف الزوائد، كأنه بدل من قولك: تعميرك الله، وفعله عمر، وهو العامل فيه.
ومعنى عمرك الله: سألت الله أن يعمرك تعميرا مثل تعميرك إياه نفسك، أي: مثل سؤالك الله تعمير نفسك، فحذف العامل ومعموله_ وهو التعمير_ وصفته، وأقيم التعمير محذوف الزوائد بمنزلة ذلك، ثم حذفت نفسك، /وأبدلت من إياه الظاهر، وهو اسم الله تعالى، فقلت: عمرك الله، فالكاف للفاعل.
وهو تقدير أبي على.
وربما حذف
المفعول الثاني؛ لأنه بمنزلة أعطيت، وجاز بناء المصدر على حذف الزوائد كما أنشد أبو علي: فإن يبرأ فلم أنفث عليه... وإن يهلك فذلك كان قدري
أي: تقديري.
ومنه على رأي: قيد الأوابد، أي: تقييد الأوابد)) انتهى.
ولا يقال هو قسم بمنزلة قولك: عمر الله لأفعلن، كما ذهب إليه بعضهم؛ لأن هذا مصدر عمر الرجل يعمر: إذا امتد بقاؤه.
ولم يستعملوا في القسم إلا المفتوح، والأول من التعمير، ولا قسم فيه.
ويدل على ذلك أنه لا جواب له لا ظاهرا ولا مقدرا، وإنما أنت داع له، كقولك:
.............................. عمرك الله كيف يلتقيان
و: عمرتك الله الجليل.....................................
ويجوز: لعمر الله، وعمر الله لقد كان كذا، ولا يجوز: لعمرك الله.
وقد أجاز أبو العباس وأبو سعيد أن ينتصب هذا أيضا على تقدير القسم، كأنه قال: أقسم عليك بعمرك الله، أي: بتعميرك الله، أي: بإقرارك له بالدوام والبقاء، ويكون محذوف الجواب، فتكون الكاف في موضع رفع.
قيل: ويحتمل أن يكون نصبا على معنى: أسألك تعمير الله إياك فحذف الفاعل، وأضاف إلى المفعول، وانتصب لفظ الجلالة بإضمار فعل آخر.
والظاهر من كلام س أنه مصدر موضوع موضع الفعل على أنه مفعول به، كما قال المبرد.
وقال بعض أصحابنا: عمرك الله بمعنى تعميرك، وفعل يأتي بمعنى التفعيل، قال: فإن ينجو فلم أنفث عليه... وإن يهلك فذلك كان قدري
أي: تقديري.
ومعناه: سألتك بعمرك كما تسأل الله بعمره، فهو مصدر تشبيهي على حد: ضربتك ضرب زيد، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، والجلالة مفعول، وكأنه قال: سؤالك الله بعمره، أي: ببقائه، فعمرتك متعد إلى واحد، فيكون عمرك الله كذلك.
فإذا قلت عمرتك الله فالكاف مفعولة، والجلالة منصوب بمصدر، كأنه قال:
عمرك الله، ويكون من حذف الموصول وإبقاء الصلة، ولا يجوز إلا في الشعر، هكذا يتنزل إعرابه، وهذا هو المعنى.
وقد يكون ((عمرتك الله)) متعديا إلى اثنين، كأنه قال: سألت الله تعميرك مثل ما تسأل الله تعميرك، فيكون ((عمرك الله)) على هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون الكاف مضافا إليها على أنها فاعلة، وكأنك قلت: سؤالك الله عمرك، ويحذف المفعول الثاني.
والثاني: أن تكون الكاف مفعولة، وكأن المعنى: سؤالك الله نفسك، أي: حفظ نفسك، ثم قدمت نفسك، فاتصل، وكأنك قلت: تعميرك أنت الله.
وأما ((قعدك الله)) فمتعد إلى اثنين، والمعنى: سألت الله تقعيدك، أي حفظك، كما تسأل الله أنت حفظك، وفسر/ القعيد بالحفيظ؛ لأن اللغة نطقت بذلك، قال تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17)
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، القعيد: الحافظ.
وهذا مذهب أبي علي الفارسي.
وقوله وقعدك الله وقعيدك قال المصنف في الشرح: ((قيل: هما مصدران بمعنى المراقبة، كالحس والحسيس.
وانتصابهما بتقدير أقسم أي: أقسم بمراقبتك الله.
وقيل: قعد وقعيد بمعنى الرقيب الحفيظ، من قوله تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ)، أي: رقيب حفيظ.
ونظيرهما خل وخليل، وند ونديد.
وإذا كانا بمعنى الرقيب والحفيظ فالمعنى بهما الله تعالى، ونصبهما بتقدير أقسم معدى بالباء، ثم حذف الفعل والباء، فانتصبا، وأبدل منهما الله)) انتهى.
وقال أبو الحسن بن سيده: ((المعنى: أسألك بقعدك الله، وتقعيدك الله ومعناه: بوصفك الله بالثبات والدوام، وهو مأخوذ من القواعد التي هي الأصول لما يلبث ويبقى، ولم يصرف منه فيقال: قعدتك الله، كما قالوا: عمرتك الله؛ لأن العمر في كلام العرب معروف، وهي كثيرة الاستعمال له في اليمين، فلذلك تصرف، وكثر مواضعه)) انتهى.
وكلام ابم سيده يدل على أنهما مصدران.
وفي ((البسيط)): ويدل على القسم فيها قولهم: قعدك الله لأفعلن.
ويحتمل أن يكون بمعنى عمرك الله في الدعاء، أي: أثبتك الله، وإن لم يتكلم له بفعل من لفظه بمنزلة بهرا المقدر له.
وهو عند س بمنزلة: عمرك الله، وكأنه وضع موضع فعل، كأنه قيل: قعدتك الله، أي: سألتك ببقاء الله وثباته.
وعن الأزهري: قالت قريبة الأعرابية:
قعيدك، عمر الله، يابنت مالك... ألم تعلمينا نعم مأوى المحصب
قال الأزهري: ((ولم أسمع بيتا جمع فيه بين العمر والقعيد إلا هذا)).
وروى أبو عبيد عن الكسائي: يقال: قعدك الله، مثل: نشدتك الله.
وقال أيضا: قعدك الله، أي: الله معك.
ومثله قعيد، وقيل: القعيد: المقاعد، كأنه قال: أنت مقاعد الله، أي: هو معك.
وقال أبو عبيد: يقال: قعيدك لتفعلن كذا.
وقال أبو الهيثم: قعيدك وقعدك بفتح القاف، ولا أعرف كسرها.
وأنشد:
بقعدك ألا تسمعيني ملامة................................
البيت.
وأنشده الأصعمي: قعيدك.
ويقال: قعدت الرجل وأقعدته: خدمته، وقال الفرزدق:
قعيدكما الله الذي أنتما له... ألم تسمعا بالبيضتين المناديا
وقال قيس العامري: قعيدك رب الناس، يا أم مالك... ألم تعلمينا نعم مأوى المحصب
/ وقال آخر: قعدك الله، هل علمت بأني... في هواك استطبت كل معنى
وقال آخر: فقعدك ألا تسمعيني ملامة... ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا
وقوله كما أبدل في الصريحة من فعلها المصدر أو ما ما بمعناه فالمصدر نحو قسم وألية، والذي بمعناه يمين وقضاء ويقين وحق وغير ذلك، قال الشاعر: قسما لأصطبرن على ما سمتني... ما لم تسومي هجرة وصدودا
وقال: ألية ليحيقن بالمسيء إذا... ما حوسب الناس طرا سوء ما عملا
وقال: يمينا لنعم السيدان، وجدتما... على كل حال من سحيل ومبرم
وحكى ثعلب أن العرب تنصب قضاء الله، وتجعله قسما، فتقول على هذا: قضاء الله لأقومن، وقال: ويقينا لأشربن بماء... وردوه فهاجلا وتئيه
وقال تعالى: (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلأَنَّ).
فهذه كلها نابت مناب أقسم وأحلف.
ص: ويضمر الفعل في الطلب كثيرا استغناء بالمقسم به مجرورا بالباء، ويختص الطلب بها، وإن جر في غيره بغيرها حذف الفعل وجوبا، وإن حذفا معا نصب المقسم به، وإن كان ((الله)) جاز جره بتعويض ((آ)) ثابت الألف، أو ((ها)) محذوف الألف أو ثابتها، مع وصل ألف ((الله)) وقطعها، وقد تستغنى في التعويض
بقطعها، ويجوز جر ((الله)) دون عوض، ولا يشارك في ذلك، خلافا للكوفيين، وليس الجر في التعويض بالعوض، خلافا للأخفش ومن وافقه.
ش: مثال إضمار الفعل: بالله لا تخالف، بالله وافق، التقدير: نشدتك بالله.
وقوله ويختص الطلب بها يعني بالباء، فلا يستعمل فيه الواو والتاء واللام من حروف القسم.
وقوله وإن جر في غيره بغيرها أي: في غير الطلب بغير الباء من الحروف_ وهي الواو والتاء واللام_ حذف الفعل وجوبا قال تعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا)، من ربي إنك لأشر، لله لا يؤخز الأجل، وأنشد س لعبده مناة الهذلي:
لله يبقي على الأيام ذو حيد... بمشمخر، به الظيان والآس
وهذا الذي ذكره المصنف من أنه يضمر الفعل وجوبا إذا جر المقسم به بغير الباء في بعضه خلاف: ذهب ابن كيسان إلى أنه يجوز إظهار الفعل مع الواو، فأجاز: حلفت/ والله لأقومن، وأقسمت والله لأخرجن.
وهذا لا يحفظه البصريون، فإن جاء تؤول على أن [يكون] ((حلفت)) كلاما تاما، ثم أتى بعد ذلك بالقسم، ولا يجعل ((والله متعلقا ب ((حلفت)).
وقوله وإن حذفا معا نصب المقسم به أي: وإن حذف فعل القسم وحرف الجر نصب المقسم به، وهو أعلم من أن يكون المقسم به لفظ الجلالة أو غيره.
وظاهر كلام المصنف نصب المقسم به فقط.
وذكر بعض أصحابنا أنه يجوز فيه وجهان: الرفع على الابتداء، والخبر محذوف.
والنصب بإضمار فعل القسم، لما حذف حرف الجر وصل إليه الفعل، فتقول: يمين الله لأفعلن، وعهد الله لأقومن، بالرفع، ومن الرفع قوله:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم... فذاك، أمانة الله، الثريد
وقيل: هذا البيت مصنوع، صنعه النحويون.
وتقول: يمين الله لأقومن، وقال:
فقلت: يمين الله أبرح قاعدا... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
روي برفع يمين ونصبه.
وقدر بعضهم الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: قسمي يمين الله.
وزعم ابن عصفور في ((شرح الجمل)) تابعا لابن خروف أنه يجوز فيه إذا نصب أن ينتصب بفعل القسم كما ذكرناه، وأن ينتصب بفعل مضمر يصل بنفسه، تقديره: ألزم نفسي يمين الله.
وإذا نصبت لفظ ((الله))، فقلت: الله لأفعلن_ فيجوز عند ابن خروف أن يكون الأصل: ألزم نفسي يمين الله لأفعلن، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
ورد هذا المذهب بأن ((ألزم)) ليس بفعل قسم، وتضمين الفعل معنى القسم ليس بقياس، وساغ حذف الحروف ووصول فعل القسم بنفسه لكثرة الاستعمال وطول الكلام بالجواب؛ كما ساغ حذف الفعل نفسه لذلك، ولأنه لما قال في كلامهم إضمار الفعل المتعدي بحرف الجر وإبقاء الحرف في غير هذا الباب حذفوا الحرف؛ وأوصلوا الفعل المضمر بنفسه، ولذلك إذا أظهروا لم يحذفوا الحرف.
وشبه س ذلك بحذف الحرف في قولهم: إنك ذاهب حقا، والأصل بحق، فحذف الحرف، ونصب الاسم ب (ذاهب).
ووجه الشبه أن المحلوف به يؤكد به الحديث كما يؤكد ب (حق) في: إنك ذاهب حقا
وقال الأستاذ أبو علي: ينبغي أن ينصب بفعل من المعنى، كما قال الزجاجي: ألزم نفسي يمين الله.
ويضعف أن يقال: ما كان يتعدى إليه بالحرف أوصل بنفسه كما قال الفارسي؛ لأنه لا يعمل ظاهرا إلا بحرف، فكي يكون مضمرا أقوى منه مظهرا وحجة الفارسي في ذلك أن يقول: قد أتسع في هذا الباب كثيرا، ولكن الاولى ما قلنا.
وذكر ابن عصفور في بعض تصانيفه أنه إذا حذف الحرف /ولم يقدر لزم نصب المقسم به بفعل القسم المضمر بعد إسقاط الحرف كما ذكره أبو علي؛ فإذا قلت: الله لأقومن، أو يمين الله لأخرجن، فالتقدير: أحلف الله، وأحلف يمين.
وفي قول المصنف ((وإن حذفا معا)) دلالة على جواز حذف الفعل والحرف.
وليس كذلك، بل إنما يجوز حذف الحرف بشرط ألا يدخل الكلام معنى التعجب، فإذا قلت متعحبا: تالله لا يبقى على الأيام أحد، أو لله_ لم يجز حذف التاء ولا حذف اللام.
وقوله وإن كان ((الله)) _ أي: وإن كان المقسم به لفظ ((الله)) _ جاز جره بتعويض ((آ)) ثابت الألف قال في الشرح: ((جاز جره مع تعويض همزة مفتوحة تليها ألف، نحو: الله لأفعلن)).
وأصحابنا يعبرون عن هذه الهمزة بهمزة الاستفهام، وليس استفهاما حقيقة.
وقوله أو ((ها)) محذوف الألف أو ثابتها مع وصل الألف وقطعها فتجيء صور أربع: هالله، ها الله، هألله، ها ألله: وأصحابنا يعبرون عن هذا ب ((ها)) للتنبيه.
وقوله وقد يستعنى في التعويض بقطعها يقول القائل: والله لأخرجن، فتقول: أفألله لتخرجن؟ وإن شئت: فألله، بغير همزة استفهام، فهمزة القطع عوض من الحرف 0
ولا تستعمل هذه الأعواض إلا في اسم الله تعالى، ولا يجوز معها إلا الجر، فلو جئت بشيء من هذه الأعواض الثلاثة فيما يقسم به من غير لفظ ((الله))، وحذفت حرف الجر الموضوع للقسم_ لم يكن إلا النصب، تقول: آلعزيز لأفعلن، ومن كلامهم: لا ها الله، وإي ها الله، يريدون، وإي والله.
ومن مد، فقال: ها الله، فجمع بين الساكنين لأن الثاني مشدد أجراه مجرى دابة.
ومن حذف
الألف فهو القياس؛ لأن العرب لا تجمع بين ساكنين في الوصل والأول حرف مد ولين والثاني مشدد إلا إذا كانا في كلمة واحدة.
ومن قال ها ألله فإنه لما قطع همزة الوصل فليس بقياس، وقد حكاه الجرمي، لكنه توهم أن همزة الوصل قد ذهبت ولم تقطع، فحذف.
وقوله ويجوز جر ((الله)) دون عوض حكى س: الله لأفعلن، يريد: والله وحكى الأخفش في معانيه أن من العرب من يجر اسم الله مقسما به دون جار موجود ولا عوض.
وذكر غيره من الثقات أنه سمع بعض العرب يقول: كلا الله لأخرجن، يريد: كلا والله.
وأنشدوا على جره دون حرف ولا عوض قول الشاعر:
ألا رب من تغتشه_ الله_ ناصح... ومؤتمن بالغيب غير أمين
وأما رفعه فأجازه بعضهم، تقول: الله لأقومن.
ومنعه بعضهم.
قيل: لأنه لا خبر له.
/ وليس بشيء؛ لأنه يصح تقدير خبر له، كأنه قال: الله قسمي به.
قال صاحب ((البسيط)): وإنما امتنع لأن هذا الموضع للفعل، فلا يكون فيه من الاسم إلا مافيه معنى الفعل، كباب سقيا ورعيا، ولا تقع فيه الجملة التي مرفوعها ليس بمعنى الفعل ولا صرح فيه بالفعل إلا سماعا، نحو إيمن الله.
وقد أجازه الكوفيون في غيره.
وقد لحق هذا اللفظ أنواع من التغيير في القسم، قالوا: وله لا أفعل، ووله لا أفعل، كما غيروا في: لله أبوك، قالوا: لاه أبوك، ووله أبوك، ولهي أبوك، كما قالوا: له ربي، أي: الله ربي.
وقوله ولا يشارك في ذلك، خلافا للكوفيين قال المصنف في الشرح: ((زعم بعض أئمة الكوفة أن الأسماء كلها إذا أقسم بها محذوفا منها الواو تخفض وترفع، ولا يجوز النصب إلا في حرفين، يعني: كعبة الله، وقضاء الله، وأنشد:
لا، كعبة الله، ما هجرتكم...... إلا وفي النفس منكم أرب
ومذهب البصريين أن المقسم به إذا حذف جاره بلا عوض، ولم ينو المحذوف_ جاز نصبه كائنا ما كان)).
وقال بعض شيوخنا: ولا يجوز إذا أسقطت الفعل إلا النصب في جميع الأسماء.
يعني إذا حذف حرف الجر.
قال: إلا في اسم الله، فيجوز أن يحذف حرف الجر ويبقي مجرورا، ولا ينبغي أن يقاس عليه جميع الأسماء التي يقسم بها؛ لأن لهذا الاسم اختصاصا في هذا الباب بأشياء لا تكون لغيره لكثرة ما استعملته العرب، فمنها ما ذكرته من حذف حرف الجر وإبقاء عمله.
وجاء الزمخشري، وقاس عليه غيره، وأجاز في جميع ما أقسم به من الأسماء أن يحذف حرف الجر ويبقي مخفوضا.
وليس هذا بصحيح، إنما يوقف عند ما سمع، ولا يتعدى؛ إذ لم يجئ على القياس.
وفي ((البسيط)) ما معناه: يجوز الجر في اسم الله من غير عوض، وأما في غيره فلا يجوز على رأي البصريين، ويجوز على رأي الكوفيين وبعض البصريين.
وفي ((الإفصاح)): حكى أبو عمر أن من العرب من يضمر حرف الجر مع كل قسم، كما أضروا رب مع الواو وغيرها.
وقوله وليس الجر إلى آخره: ذكر الأخفش في ((الأوسط)) أن الجر بالعوض، وهو اختيار جماعة، منهم من المتأخريم ابن عصفور وابن أبي الربيع.
وانتصر لهذا القول بأنه شبيه بتعويض الواو من الباء، والتاء من الواو، ولا خلاف في أن الجر بالواو والتاء، فكذلك ينبغي أن يكون الجر بهذه الأعواض.
قال المصنف في الشرح: ((والأصح كون الجر بالحرف المحذوف وإن كان لا يلفظ به، كما كان النصب بعد الفاء والواو وأو وكي الجارة ولام الجحود ب ((أن)) المحذوفة وإن كانت لازمة الحذف)).
وفي البسيط: ((وقد يستغنون عن البدل_ يعني بالبدل ما هو بدل من باء القسم_ بقطع همزة الوصل.
وهو عند/ الكوفيين مخفوض بتقدير الباء، والهمزة للاستفهام، يخفضون بالباء بعدها، فإذا قلت (ألله) فكأنك قلت: أبالله، وعليه ينشد قول أبي بكر (رضي الله عنه):
أجدك، ما لعينك لا تنام... كأن جفونها فيها كلام))
ص: فإن ابتدئ في الجملة الاسمية بمتعين للقسم حذف الخبر وجوبا، وإلا
فجوازا.
والمحذوف الخبر إن عري من لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدر، وإن كان ((عمرا)) جاز أيضا ضم عينه ودخول الباء عليه، ويلزم الإضافة مطلقا.
ش: المتعين للقسم في الجملة الاسمية هو لعمرك ولايمن؛ لأنهما لا يستعملان مقرونين باللام إلا مقسما بهما مرفوعين بالابتداء، فالتزم حذف الخبر لفهم المعنى مع سد الجواب مسده، وكذا غيرهما مما تقترن به قرينة تعينه أن يكون مقسما به يكون مبتدأ محذوف الخبر وجوبا؛ كقول من استحلف: لعهد الله لقد كان كذا.
وإنما أعرب لعمر ولايمن مبتدأ، خبره مضمر، تقديره: لعمرك ما أقسم به، ولم يعرب خبر مبتدأ محذوف_ لدخول لام الابتداء عليه، ولا تدخل على الخبر إلا ضرورة، وليست هذه اللام جوابا لقسم محذوف؛ لأن الجملة التي هي عمرك وخبره المحذوف قسم، والقسم لا يدخل على القسم، كذا قال بعضهم.
ورد بقوله: (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى)، فهذا قسم قد دخل على قسم.
وقوله وإلا فجوازا أي: وإلا يكن المبتدأ به في الجملة الاسمية متعينا للقسم فإنه يحذف الخبر جوازا؛ كقول من لم يتعين عليه يمين: على عهد الله، ويمين الله تلزمني، فيجوز في هذا حذف ((علي)) وحذف ((تلزمني))؛ لأن ذكر الجواب دليل على أنك مقسم، وقد حكى س: ((علي عهد الله))، فأظهر الخبر، وهذا نص، فلا يلتفت إلى كلام من أنكر من المتأخرين: علي عهد الله، فيظهر الخبر 0
وقوله والمحذوف الخبر يعني: إذا حذفت اللام من لعمر ولعهد الله وشبههما جاز نصبه بفعل مقدر؛ وهو فعل القسم.
وإنما قال ((جاز)) لأنه قد يقر مبتدأ، ويكون خبره محذوفا، قال أبو شهاب الهذلي:
فإنك_ عمر الله_ إن تسأليهم... بأحسابنا إذ ما تجل الكبائر ينبوك أنا نفرج الهم كله... بحق، وأنا في الحروب مساعر
وقال آخر: فلا عمر الذي أثني عليه... وما رفع الحجيج إلى إلال لما أغلفت شكرك، فانتصحني... وكيف، ومن عطائك جل مالي
يروى بنصب عمر ورفعه، فالرفع على الابتداء، والنصب بإضمار أحلف بعد / إسقاط الباء، الأصل: فلا بعمر الذي.
وقال أبو جعفر النحاس: إذا قلت: عمر الله، وعمرك_ جاز الرفع والنصب، وقد يجوز الخفض، تجعل الواو للقسم، وتقول: وعمرك.
واستعمال عمر دون لام قليل.
فأما قول الطائي:
عمري لقد نصح الزمان، وإنه... لمن العجائب ناصح، لا يشفق
فيحتمل أن يكون مرفوعا على الابتداء، وخبره محذوف.
ويحتمل أن يكون منصوبا بفعل محذوف.
وقوله وإن كان عمرا أي: وإن كان الذي كان متعينا للقسم عمرا، وحذفت لامه_ جاز ضم عينه، فتقول: عمرك لقد كان كذا، وكذا كان القياس مع اللام، لكن العرب التزمت الفتح لأنه أخف من الضم.
وقوله ودخول الباء عليه قال:
رقي! بعمركم، لا تهجرينا... ومنينا المنى، ثم امطلينا
وقال آخر: أأقام أمس خليطنا أم سارا... سائل بعمرك أي ذاك اختارا
وهكذا أنشدهما المصنف شاهدا على أنه تدخل الباء على عمر في القسم.
وهذا كما بيناه أول الباب ليس بقسم، بل هو من باب السؤال والطلب؛ ألا تراه كيف جاء بعد ((بعمركم)) جملة النهي، وهي قوله ((لا تهجرينا))، وكيف قال ((سائل بعمرك))، فعلقه ب ((سائل))، وليس من أفعال القسم.
وقوله ويلزم الإضافة مطلقا يعني إلى الظاهر والمضمر مع اللام ودونها.
وإنما حذفوا خبر ((لعمرك)) لزوما لأنه ليس بخبر حقيقة، إنما يراد به القسم، وهذا من التركيب الذي لفظه لا يكون طبق معناه، بل لوحظ فيه المعنى، وهو أنه مقسم به، فلم يكن له خبر موجود، كما قالوا حسبك، فاستعملوه مبتدأ بلا خبر ملفوظ به لأنه في معنى الأمر.
وفي معنى عمر هنا قولان:
أحدهما: ما ذهب إليه البصريون من أنه بمعنى البقاء، تقول: طال عمرك وعمرك، وألزموه الفتح مع اللام في القسم، فعلى هذا يكون المجرور بعده فاعلا، ويكون المصدر مضافا إليه.
والثاني: ما ذهب إليه بعض الكوفيين والهروي في ((الغريبين)) من أنه مصدر ضد الخلو، من عمر الرجل منزله، والمقسم يريد تعمير القلب بذكر الله تأكيدا للصدق وتحذيرا من الغفلة والوقوع في المأثم والحنث.
قال أبو زيد السهيلي:
ولذلك قالوا: عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا..............................
أي: ذكرتك تذكيرا يعمر القلب، ولا يخلو منه؛ لأن الذكر قد يكون باللسان دون القلب، فعلى هذا لعمر الله ي معنى التذكير به، فهو مفعول في المعنى، أي: ذاكر أو مذكر.
ونحو منه: ((قعدك الله))، و:
قعيدكما الله الذي أنتما له........................
أي: إنه /ثابت معك، يطلع على عيبك، فاذكره، ولا تحنث.
وهذا القول إذا تدبرته هو لا شك مقصود العرب بهذه الكلمة؛ لأنهم فتحوا أولها كالمصادر الثلاثية، واشتقوا منها الفعل، فقالوا: عمرتك الله، كما يشتق من المصادر.
وقوى هذا المعنى قولهم: قعدك الله.
ولو كان العمر هنا محلوفا به لقالوا: وعمر الله، كما قالو: وعهد الله، ولو كان صفة الله يحلف بها لوجدت في الكلام في غير القسم، ولو كان بمعنى البقاء لقالوا: وبقاء الله، وهم لا يحلفون ببقائه ولا قدمه، لكن بعزته وعظمته؛ لما في ذلك من التعظيم.
وأشنع ما حكى أصحاب هذا القول أن العمر إنما هو للإنسان يعمره الله ما يشاء، ولا يضاف العمر إلى الله، إنما يوصف بالبقاء.
ص: وإن كان ((ايمن)) الموصول الهمزة لزم الإضافة إلى ((الله)) غالبا، وقد يضاف إلى الكعبة والكاف والذي، وقد يقال فيه مضافا إلى ((الله)): ايمن وايمن وايمن وايم وايم وام، و ((من)) مثلث الحرفين، و ((م)) مثلثا، وليست الميم بدلا من واو، ولا أصلها ((من))، خلافا لمن زعم ذلك، ولا ((ايمن)) المذكور جمع يمين،
خلافا للكوفيين.
وقد يخبر عن اسم الله مقسما به ب ((لك)) و ((علي)).
وقد يبتدأ بالنذر قسما.
ش: يريد: وإن كان المبتدأ في الجملة الاسمية المتعين للقسم ايمن الموصول.
ويعني بالموصول الذي همزته همزة وصل، واحترز من أيمن الذي همزته همزة قطع جماع يمين.
وحكمه حكم واحده إذا أقسم به من جواز جره بالحرف، ونصبه إذا حذف الحرف.
ويدل على أن همزته همزة وصل سقوطها إذا كان قبلها متحرك، قال الشاعر:
فقال فريق القوم لما نشدتهم:... نعم، وفريق: ليمن الله ما ندري
ولا خلاف نعلمه أن ايمن اسم إلا ما حكى عن الرماني أنه حرف جر، وهذا خلاف شاذ.
وجمهور النحويين على أن ((ايمن الله)) في القسم التزمت العرب فيه الرفع على الابتداء، ولا يستعمل إلا كما استعملته العرب.
وذهب ابن درستويه إلى أنه يجوز أن يجر بواو القسم، قال في كتابه المسمى ب ((الهداية)): ((واعلم أن ما عدا الباء والواو والتاء أسماء يقسم بها كما يقسم ب (الله)، وتدخل عليها الواو، إلا من ربي، ومن ربي، فتقول: وأيمن الله، ويمين الله، وعهد الله)).
قال: ((ومن ربي ومن ربي إنما هما ايمن، حذفت منه الهمزة والياء.
وكذلك: ام الله، إنما هي يمين أو ايمن)).
قال: ((ولا يدخل على هذه الثلاثة حرف جر؛ لأنها أشبهت حروف المعاني لما حذفت)).
وقال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه لم يرد به سماع من كلام العرب، فاجازته لذلك إنما هي بالقياس على الأسماء التي استعملتها العرب في هذا الباب مبتدأة وغير مبتدأة.
والذي عليه جمهور النحويين أنه لا يستعمل في هذا الباب إلا مبتدأ كما استعملته العرب؛ لأنه اسم غير متصرف، ولعدم تصرفه شبه بالحرف، / ففتحت همزة الوصل الداخلة عليه كما تفتح إذا دخلت على الحرف في مثل الرجل والغلام، ووجه الشبه بينهما أن العرب لم تستعمله في موضع من المواضع التي تستعمل فيها الأسماء، فإذا تصرف فيه كما يتصرف في الأسماء، فاستعمل مبتدأ وغير مبتدأ_ لم يكن وجه لفتح همزة الوصل الداخلة عليه
وقوله وقد يضاف إلى الكعبة والكاف والذي تقول: ايمن الكعبة لأقومن، ومن كلام عرورة بن الزبير حين قطعت رجله لداء كان اقتضى قطعها: ((ليمنك لئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت))، وفي الحديث من قول رسول الله (صل الله عليه وسلم): (وايمن الذي نفسي بيده).
وقد أضيفت لغير ما ذكره المصنف.
وزعم الفارسي في غير ((الإيضاح)) أنها لا تضاف إلا إلى ((الله)) وإلى ((الكعبة)).
وهذا الذي ذكره هو الأكثر، وقد تضاف إلى غيرهما، أنشد الكسائي:
......................... ليمن أبيهم لبئس العذرة اعتذروا
وهي عند البصريين معربة ملتزم فيها الرفع على الابتداء.
وقد تقدم مذهب ابن دستورية في جواز جرها بواو القسم 0
وحكى المفضل عن العرب: ليمن الله، بكسر النون إذا لقيها ساكن، فإن لم يلقها ساكن سكنت النون كما في قوله ((ليمن أبيهم))، فعلى هذه الحكاية تكون مبنية.
وسبب بنائها هو السبب في فتح همزتها، وهو شبهها بالحرف.
وقد تصرف العرب في لفظ ايمن تصرفا كثيرا، وذلك لكثرة استعمالهم؛ لأن كثرة الاستعمال مدعاة إلى الحذف.
فتلخص من كلام المصنف فيه ثلاث عشرة لغة، هي مستخرجة من كلامه.
فأما ايم_ بفتح الهمزة وضم الميم وحذف النون_ فمنقولة عن تميم.
وأما ايم_ بكسرها_ فمنقولة عن سليم.
وضمة الميم في هاتين اللغتين علامة رفع.
وروي: ايم الله، بكسر الهمزة والميم، وكسرة الميم جر عند الأخفش بحرف قسم مقدر، وهو نحو: الله لأقومن.
ورد بأنه محذوف من ايمن، والعرب لم تستعمل ايمن في القسم إلا مرفوعا على الابتداء.
قال هذا الراد: والوجه عندي أن يكون مبنيا على السكون في لغة من بناها على السكون، وكسرت لالتقاء الساكنين.
وأما ام_ بكسر الهمزة وميم مضمومة_ فمنقولة عن أهل اليمامة.
وعن بعض العرب ام، بكسر الهمزة والميم.
وعن بعضهم: أم الله، بفتح الهمزة وضم الميم.
وعن بعضهم: أم الله بفتح الهمزة وكسر الميم، وفتح الميم وكسرها لالتقاء الساكنين، كما قيل في ايم.
ونقل الفارسي: ام الله، وام الله، وام الله، بكسر الهمزة وفتح الميم وضمها وكسرها.
وأغربها: هم الله، بإبدال الهمزة هاء، كما أبدلوا في إياك، قالوا: هياك.
/وأما من الله_ بضمهما وفتحهما وكسرهما_ فحكاها الجوهري عن العرب.
وقال بعض أصحابنا: ينبغي أن يعتقد في فتح النون وكسرها أن من الله ومن الله مبنيان على السكون كايمن في لغة من بناها على السكون، والفتحة والكسرة حر كتا التقاء الساكنين لا علامتا إعرب؛ لأنهما محذوفان من ايمن.
وأما م الله وم الله فحكاها الكسائي والأخفش، وسئل رجل من بني العنبر: ما الدهدران؟ فقال: م ربي الباطل.
وحكى الهروي: م الله، بالفتح.
وهو عند الأخفش مبني لأن الميم حرف واحد، قال: وإذا كان الاسم على حرف واحد لم يعرب.
فهذه تماني عشرة لغة.
وزعم بعض النحويين أن ((من)) و ((م)) بلغاتها حرفان، وليسا بقية ايمن.
واستدب من ذهب إلى أن من حرف جر لا بقية ايمن بأنها لو كانت بقية ايمن لم تستعمل مضافة إلا إلى ((الله)) كما أن ايمن كذلك، وهم يدخلونها على ((الرب))، فيقولون: من ربي لأفعلن.
قال المبرد في ((المدخل)): وتقول: الله لأفعلن، ومن الله لأفعلن، ومن ربي لأفعلن.
وأيضا لو كانت بقية ايمن لكانت معربة؛ لأن الاسم المعرب إذا حذف منه شيء بقي معربا، ومن مبنية على السكون، ولذلك كسرت حين دخلت على ((الله))، فقالوا: من الله؛ لالتقاء الساكنين.
وقال المبرد: إنما دخلت اللام ومن_ يعني في القسم_ لأن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض، نحو: فلان بمكة، وفي مكة.
ومن ذهب إلى أنها بقية ايمن قال: قد تصرف في ايمن تصرفا كثيرا، فيكون هذا منه، وهو أولى من إثبات حرف خفض لم يستقر فيها في موضع من المواضع.
واستدل من ذهب إلى أن ((م)) حرف جر بأن الاسم المعرب لا يجوز حذفه حتى لا يبقى منه إلا حرف واحد؛ بل لا يحفظ من ذلك إلا ما حكاه ابن مقسم من قولهم: شربت ما، يريدون: ماء، فبطل أن يكون ((م)) اسما بقية ايمن.
وأيضا فالاسم المقسم به إذا حذف منه حرف الجر نصب باتفاق، أو رفع على خلاف سبق ذكره، ولا يجوز جره؛ لأن إ 1 مار الخافض وإبقاء عمله لا يجوز إلا في ضرورة أو نادر كلام، فلو كان ((م)) اسما لكان منصوبا أو مرفوعا، لا يقال بني على الكسر وهو في موضع نصب أو رفع؛ لما تقدم من أن الاسم المعرب إذا حذف منه شيء بقي معربا.
وإذا ثبت أن الميم المكسورة حرف خفض فكذلك المضمومة والمفتوحة.
وقوله وليست الميم بدلا من واو يعني من واو القسم.
قال المصنف في الشرح: ((وزعم بعضهم أن الميم المفردة بدل من واو (والله)، كالتاء.
وليس بصحيح؛ لأنها لو كانت بدلا منها لفتحت كما فتحت التاء، ولأن التاء إذا أبدلت من الواو في القسم فلها نظائر في غير القسم مطردة، كاتصف واتصل، وغير مطردة، كتراث وتجاه، وليس لإبدال الميم من الواو إلا موضع شاذ، وهو فم، وفيه مع شذوذه /خلاف)) انتهى.
أما قوله ((لو كانت بدلا منها لفتحت كما فتحت التاء)) فهو وغيره قد ذكروا الفتح فيها؛ ألا تراه قد قال: ((وم مثلثا))، فهي قد فتحت، ثم تلاعبت العرب بها، فضموها وكسروها.
وأما قوله ((ولأن التاء....)) إلى آخره فهو مرتب على أن التاء بدل من الواو، وهذا قول غيره من النحويين.
وقال السهيلي: ((يحتمل أن تكون حرفا موضوعا للقسم، خص باسم الله_ تعالى_ كما خص بأشياء لا تكون لغيره)).
ثم ذكر أشياء كثيرة مما اختص به هذا الاسم الشريف.
ثم قال: ((ويضعف عندي أن تكون بدلا من الواو لما فيها من معنى العطف، وليس ذلك في التاء، ولسر آخر، وهو أن التاء إنما أبدلت من الواو حيث كثرت زيادتها في تصاريف الكلمة؛ كتراث وتخمة وتترى وتولج؛ لأنهم قالوا: توارث توارثا، وتواتر، واتلج يتلج اتلاجا، فكثر في التصاريف حتى قالوا: أتلج أي: أدخل.
ونحو منه ريحان، قلبوا الواو ياء لكثرة انقلابها في مادة الكلمة، نحو الريح والرياح ويريح ويستريح، حتى صار كأنه من ذوات الياء، فجعلوا الواو ياء وإن لم يكن قبلها كسرو لما ذكرناه، وواو القسم لا تقلب تاء لعدم هذا الأصل)) انتهى.
وزعم جمهور النحويين أن الواو بدل من الباء، وأن الباء هي الأصل في حروف القسم، قالوا: ((وإنما أبدلت منها لأمرين:
أحدهما: أن معنى الباء قريب من معنى الواو؛ لأن الواو للجمع، والباء للإلصاق، والإلصاق جمع في المعنى.
والثاني: أنها من حروف مقدم الفم.
ولما كانت بدلا منها لم تتصرف تصرف الباء؛ لأن الفرع لا يتصرف تصرف الأصل فجرت الظاهر خاصة، ولم تجر المضمر)).
وقال بعض أصحابنا: ليست الواو بدلا من الباء؛ إذ لو كانت بدلا ما اختلفنا في الحركة، كما لم تختلف حركة الهمزة المبدلة من الواو في وشاح حين قالوا إشاح.
وأيضا لم توجد قط الواو بدلا من الباء؛ لأنها ليست من مخرجها، ولما بينهما من المضادة؛ إذ في الواو لين، وفي الباء شدة.
وزعم السهيلي ان واو القسم هي في الأصل واو العطف كواو رب، تعطف على منوي إيجازا، إذ كانوا يحلفون بأسماء كثيرة كما جاء في القرآن 0 قال: ((ويقوى ذلك أن واو العطف لا تدخل على مضمر مخفوض البتة، وكذا واو القسم.
فإن قلت: فكيف تقول: ووالله لأفعلن؟ فالجواب أن الواو إنما دخلت على الفعل المضمر، فكأنك قلت: وأحلف بالله، ثم عطفت)) انتهى.
وهو قول متكلف جدا؛ إذ يحتاج في كل مكان يبدأ فيه بالقسم بالواو أن يتكلف قبل ذلك مقسم به محذوف وهو والفعل الذي يتعلق به حرف الجر؛ وهذا بعيد جدا.
وقوله ولا أصلها من، خلافا لمن زعم ذلك قال المصنف في الشرح: ((وزعم الزمخشري أنها (من) المستعملة مع (ربي)، فحذفت نونها.
وليس بصحيح؛ لأنها لو كانت إياها لاستعملت في النقص مع استعملت في التمام على الأشهر، كما لم / تستعمل ايمن في النقص إلا مع ما استعملت في التمام على الأشهر.
واحترزت ب (الأشهر) من رواية الأخفش عن بعض العرب: من الله، ومن: ايمن الكعبة، وايمنك، وايمن الذي بيده.
وقال الزمخشري في م الله: (ومن الناس من زعم أنها من ايمن).
قلت: لم يعرف من الذي زعم ذلك، وهو س، فإنه قال في (باب عدة ما يكون عليه الكلم): (واعلم أن بعض العرب يقول: م الله لأفعلن، يريد: ايم الله).
وفي عدم معرفة الزمخشري بأن صاحب هذا القول هو س دليل على أنه لم يعرف من كتابه
إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء لا بتدبر واستقصاء؛ فما أوفر تبجحه وأيسر ترجحه! عفا الله عنا وعنه)) انتهى كلام المصنف في الشرح.
وما رد به على الزمخشري غير صحيح، وعنى أنه لو كانت محذوفة من ((من)) الداخلة على الرب لدخلت على الرب، ولم يقولوا: م ربي، وقد تقدم لنا أن بعض العرب قال ((م ربي الباطل)) حين سئل: ما الدهدران؟ فقد دخلت ((م)) على ما دخلت عليه ((من)) من لفظ ((الله)) ولفظ ((الرب)).
وأما قوله ((إن الزمخشري لم يعرف من الذي زعم ذلك، وهو س))؛ لقوله: ((ومن الناس من زعم أنها من ايمن)) - فليس كما ذكر المصنف، بل لا يدل ذلك على الجهل بقائله، بل الظاهر أنه لما كان عنده هذا القول ضعيفاً تأدب مع س، فقال: ((ومن الناس))، ولم يصرح باسمه إعظاماً له لما خالفه.
وأما قول المصنف عن الزمخشري: ((إنه لم يعرف من كتابه- يعني س- إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء لا بتدبر واستقصاء)) فهو كما قال، ولذلك وقع في ((مفصله)) أغلاط ومخالفة لـ ((س))، وقد رد الناس عليه ذلك.
لكن ما ذكره المصنف عن الزمخشري هو مشارك له فيه، فكم مكان خالف فيه نصوص س عن العرب، وكم نقل جهله عنه، وكم مفهوم فهمه خلاف ما فهمه المعتنون بكتاب س والتفقه فيه، على أنه -رحمه الله- لم يقرأ كتاب س على أحد، إنما كان يتصفح منه مواضع، وقد رحل الزمخشري من خوارزم إلى مكة قبل العشرين وخمس المئة لقراءة كتاب س على رجل من أصحابنا من أهل الأندلس، يعرف بأبي بكر بن طلحة
اليابري، كان مجاوراً بها، عالماً بكتاب سيبويه، وله تصانيف، فقرأ عليه الزمخشري جميع الكتاب.
وأما قوله ((فما أوفر تبجحه وأيسر ترجحه))! فهو كما قال وافر التبجح، يسير الترجع، معظم نفسه على طريقة أمثاله من أهل بلاده.
وقوله ولا ايمن المذكور جمع يمين، خلافاً للكوفيين قال المصنف في الشرح: ((رأيهم في هذا ضعيف؛ لأن همزة الجمع مقطوعة، وهذه همزة وصل لسقوطها مع اللام في: ليمنك، وليمن الله، وليس هذا بضرورة لتمكن/ الشاعر من إقامة الوزن بتحريك التنوين والاستغناء عن اللام، ولأن من العرب من يكسر الهمزة في الابتداء، وهمزة الجمع لا تكسر، ولأن منهم من يفتح الميم، فوزته افعل، ولا يوجد ذلك في الجوع)) انتهى.
وما نسبه المصنف للكوفيين من أن ايمن جمع يمين صحيح، لا خلاف عنهم في ذلك، وإن كان أبو القاسم الزجاجي نسب ذلك إلى الفراء، فما ذلك- والله أعلم- إلا لأنه هو الذي أثاره، وشهر به.
وقال بعض شيوخنا: ((لو كان ايمن جمع يمين لجاز فيه من الإعراب ما جاز في يمين، وهم قد رفعوا ونصبوا في يمين، والتزموا الرفع في ايمن)) انتهى.
ولا حجة في ذلك؛ لأنهم قد يختصون بعض الألفاظ بأحكام، كما اختصوا غدوة بأن نصبوها بعد لدن، وكما اختصوا بكرة وغدوة بمنع الصرف دون ضحوة، وكما اختصوا لعمرك بفتح العين.
واحتج للكوفيين بأن همزتها مفتوحة، وهمزة الوصل في الأسماء لا تكون مفتوحة، وبأنها على وزن أفعل، وأفعل بناء جمع، لا يزجد في أبنية الأسماء أفعل
مفرداً، وقال س: لا يكون أفعل مفرداً.
وأما وصل همزتها في نحو لا يمن فإنما وصلت لكثرة الاستعمال، على أن وصلها ليس حتماً، حكى أبو الحسن في ألفه القطع، وزعم أنه جمع يمين وإن كان س قد حكى الوصل، فتحصل بحكايتهما أن للعرب فيها الوصل والقطع.
ويدل على أن أصلها القطع كونهم أبدلوا منها الهاء، فقالوا: هيم الله، لو كانت في الأصل همزة وصل لم تبدل منها الهاء.
وأما كسرها في قولهم ايمن فهذا لا يدل على أنها ليست في الأصل أفعل الجمع؛ لأن العرب تلاعبت بهذه الكلمة حتى غيرتها نحواً من ثمانية عشر تغييراً على ما حكيناه، فهذا من بعض تلك التغييرات.
وزعم أبو الحسن فيما حكاه عنه بعضهم أن همزة ايم الله همزة وصل، وهمزة إيم الله همزة قطع، قال: ولا أحملها على ايم الله؛ لأن تلك قد علمت أنها وصل بقولهم: ليم الله، وليست همزة الوصل مطردة في الاسماء.
قال بعض أصحابنا: ((والصواب أن يعتقد فيها أن ألفها موصولة؛ لأنه لا يحفظ من كلامهم لإيم الله بإثبات الهمزة)).
قال: ((وكذلك ينبغي أن يعتقد في ايمن الله؛ لأنه لا يحفظ من كلامهم لإيمن الله)).
وقال بعض شيوخنا: وأما ايمن الله -بكسر الهمزة- فلا أعلم خلااً أن الألف فيها ألف وصل؛ لأنها لو كانت جمعاً لما أمكن كسر الهمزة، ولأن إفعلاً ليس في الكلام، لا مفرداً ولا جمعاً، ولا صفة ولا مصدراً، ولا اسماً ولا فعلاً، وأما
ما حكوه من إصبع فلم يثبت عند النظار في الأبنية.
وقال بعض أصحابنا: ((فإن قال قائل: لا حجة في حذف همزتها في الدرج على أنها همزة وصل لاحتمال أن تكون حذفت/ تخفيفاً لكثرة الاستعمال.
فالجواب أن تقول: التزام حذفها في الدرج يدل على أنها همزة وصل؛ إذ لو كانت همزة قطع إلا أنها حذفت تخفيفاً لجاءت مثبتة في الوصل في بعض الأحوال؛ ألا ترى أنالعرب لما حذفت همزة ((شيء)) مع ((أي)) في قولهم: أيش لك؟ تخفيفاً، وويلمه- لم تلتزم ذلك فيه؛ بل يجوز أن تقول: أي شيء لك؟ وويل أمه، وكذلك جميع ما حذف تخفيفاً يسوغ إثباته)) انتهى.
وما ذكره من أنه لم تقطع همزته ليس بصحيح؛ إذ قد حكى الأخفش فيها القطع، وقد تقدم لنا ذكر ذلك.
وأما دعواه أن جميع ما حذف تخفيفاً يسوغ إثباته فليس بصحيح؛ ألا ترى أن قيودة ونظائرها هي في الأصل فيعلولة على مذهب البصريين، فالأصل قيودودة، اجتمعت وارو وياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فأدغمت، فصارت قيدودة، ثم خففت بحذف عين الكلمة، فصار قيدودة، ومع هذا فلا يجوز فيه ولا في نظائره أن يرد إلى أصله فيقال قيدودة بالإدغام.
وقال الأستاذ أبو علي: ايمن مغير كامرئ وابن، فلا يطالب بوزنه وأنه ليس في الكلام مثله، كما لا يطالب بذلك في ابن وامرئ إلا أنه لم ينطق بالأأصل.
فقال أبو بكر بن طاهر: هو عنده- أي عند س -مغير من يمين.
وقال غيره: بل هو مغير من فعل، اسم مشتق من اليمن، كامرئ المغير عن مرء، وهو أظهر.
وقال ابن خروف: قال الأخفش: إن سميت بايمن ثم صغرته قلت يمين.
وهو قول صحيح.
وقوله وقد يخبر عن اسم الله مقسماً به بـ ((لك)) و ((علي)) مثال ذلك قول الشاعر: لك الله لا ألفى لعهدك ناسياً... فلا تك إلا مثل ما أنا كائن
وقول الآخر: لقد حليتك العين أول نظرة... فأعطيت مني- يا بن عم- قبولاً أميراً على ما شئت مني مسلطاً... فسل- فلك الرحمن- تمنع سولا
أي: لا تمنع سولا.
وقول الآخر:
نهى الشيب قلبي عن صباً وصباية... ألا- فعلي الله - أوجد صابيا
أي: لا أوجد صابيا.
وقوله وقد يبتدأ قسماً مثاله قول الشاعر:
علي إلى البيت المحرك حجة... أوافي بها نذراً، ولم أنتعل نعلا
لقد منحت ليلى المودة غيرنا... وإن لها منا المود ة والبذلا
وقال آخر: على أخد من كل نذر هدية... تحلله ما قلتها يا مهاجر
/ص: المقسم عليه جملة مؤكدة بالقسم، تصدر في الإثبات بلام مفتوحة، أو ((إن)) مثقلة أو مخففة، ولا يستغن ى عنهما غالباً دون استطالة، وتصدر في
الشرط الامتناعي ب ((لو)) أو ((لولا))، وفي النفي ب ((ما)) أو ((لا)) أو ((إن))، وقد تصدر ب ((لن)) اة ((لم))، وتصدر في الطلب بفعله أو بأداته أو ب ((إلا)) أو ((لما)) بمعناها.
وقد تدخل اللام على ((ما)) النافية اضطرارا.
ش: الذي يتلفى به القسم في الإثبات هو اللام المفتوحة وإن، وفي النفي ((ما)) و ((لا)) و ((إن))، وذكر المصنف أنها قد تصدر بلن ولم.
وفي الشرط الامتناعي بلو أو لولا، ويأتي الكلام على ذلك مفصلا، إن شاء الله.
وزعم الأخفش أن القسم يجوز أن يتلقى بلام كي، وجعل من ذلك قوله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ)، وقوله تعالى: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ)، والمعنى عنده: ليرضنكم ولتصغين، وقال ابن عناب الطائي:
إذا قال: قدني قلت: بالله حلفة... لتغني عني ذا إنائك أجمعا
واختلف قول أبي علي: فأجاز ذلك في ((العسكريات))، ورجع عن ذلك في ((البصريات)) و ((التذكرة))، قال في ((العسكريات)): قول ابن عناب: ((بالله خلفة لتغني)) بالله: قسم، وهو مبتدأ به فلا بد له من جواب، وليس متوسطا
فيحذف جوابه، نحو: زيد_ والله_ منطلق، ولا جواب له في هذا البيت ولا فيما بعده، فتعين أن يكون الجواب ((لتغني))، ولا يمنع من ذلك كونه في تقدير مفرد؛ لأن الفعل والفاعل اللذين جريا في صلة ان سدا مسد الجملة، كما سد في قوله: (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)، وعلمت أن زيدا منطلق، ولو أنك جئتني لأكرمتك، وأقائم زيد)).
وقال في ((البصريات)): لا يجوز تلقي القسم كي، ولا ورد منه شيء في كلام العرب، ف ((ليرضوكم)) متعلق ب ((يحلفون))، ولم يرد القسم، إنما أراد أن يخبر أن الذين يؤذون النبي يحلفون بالله للمسلمين ما عابوا النبي ليرضوهم بذلك.
وأما (ولتصغي) فمحمول على ما قبله من المصدر، وهو (غرور)، والتقدير: للغرور ولتصغي.
وأما (لتغني عني) فيحتمل أن يكون ((بالله)) متعلقا بفعل مضمر لا يكون قسما، أي: حلفت بالله لتغني عني.
ويحتمل أن يكون قسما، وجوابه محذوف، أي: لتشربن لتغني عني، وحذف الجواب لدلالة الحال عليه، فيكون إذ ذاك نحو ما حكى أبو الحسن من قولهم: أما والله، ويحذفون ما يقسم عليه.
ورواه أبو علي في ((البصريات)):
إذا قال قدني قلت آليت حلفة.....................................
فيحتمل أن يكون ((لتغني)) متعلقا بآليت، ولا يراد بها القسم بل الإخبار.
ورواه ثعلب ((لتغنن عني))، وهي لام الأمر، وجاء على لغة طيئ، ولغة غيرهم: لتغنين عني، والمعنى: أغنين عني، فآليت لا يراد بها القسم.
وزعم بعض القدماء من النحويين أن القسم قد يتلقى ب ((بل))، واستدل بقوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ).
وهذا /باطل؛ لأنه بنى جواز ذلك على الآية، ولا حجة فيها؛ إذ يحتمل أن يكون الجواب قوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ)، وحذف اللام_ أي: لكم_ لطول الفصل، كما حذفها من قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ)، وهو جواب: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ).
وقال الفراء: ((ص معناها: وجب والله، ونزل والله، وحق والله، فهي جواب لقوله (وَالْقُرْآنِ)، كما تقول: نزل والله)).
يريد أنها جواب للقسم من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، بل الجواب محذوف لدلالة (ص) عليه، كما أن الجواب في قولك نزل والله محذوف لدلالة نزل عليه.
وزعم ابن عصفور أن من الحروف التي تربط القسم بالمقسم عليه ((أن))، قال في ((المقرب)): ((وأما الحروف التي تربط المقسم به بالمقسم عليه ف (أن) إن كانت
الجملة الواقعة جوابا للو وما دخلت عليه؛ نحو قوله: أما والله أن لو كنت حرا... وما بالحر أنت ولا القمين))
ورد عليه شيخنا أبو الحسن بن الضائع، فقال: ((نص س على أن أن في جواب القسم كاللام الأولى في: والله لئن فعلت لأفعلن، فليست الرابطة للجواب بالقسم، وإنما جواب القسم على هذا ما زعم ابن عصفور أنه جواب لو، ولذلك لم تدخل اللام عليه في قوله تعالى: (أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)؛ لأنه جواب القسم.
ويدل على صحة ذلك أن لو كـ (إن)، فكما لا يجوز أن تكون (إ،) وجوابها جواباً للقسم فكذلك لو، بل يكون جوابهما هو جواب القسم.
وأما امتناع: والله لقام زيد لو قام عمرو، وجواز: والله ليقومن زيد إن قام عمرو- فالمضي والاستقبال فعلا ذلك؛ لأنه يجوز: يقوم زيد إن قام عمرو، ولا يجوز: قام زيد لو قام عمرو.
وأظن هذا هو الذي غلطه، على أن في لفظ السيرافي ما يقتضي أن أن مع لو جواب كما زعم ابن عصفور، فلينظر)) انتهى.
وقوله ((بل يكون جوابهما هو جواب القسم)) يريد به: بل ما كان يكون جوابهما لولا القسم هو جواب القسم، ولا يريد أن نفس جواب إن ولو هو بعينه جواب القسم.
وقد رجع ابن عصفور عما في ((المقرب)) إلي ما قاله س، فقال: ((وقد يدخلون أن على لو توطئه يجعل الفعل الواقع بعدها جوابا للقسم، كما يدخلون اللام على إن الشرطية؛ أقسم أن لو قام زيد لقام عمرو، ومن ذلك قوله: فأقسم أن لو التقينا وأنتم لكان لنا يوم من الشر مظلم)) انتهى.
والذي يظهر من نص س أن أن ليست رابطة كما ذهب إليه ابن عصفور في ((المقرب))، ولا توطئة كما ذكره شيخنا ابن الضائع وابن عصفور في ثاني قوليه، بل زائدة، دخولها كخروجها.
قال في ((هذا باب أن وإن)) بعد كلام ذكر فيه بعض أقسام أن، فقال: ((ووجه آخر تكون فيه لغوا)).
ثم قال: ((فأما الوجه الذي تكون فيه لغوا فنحو قولك: لما أن جاء [ذهبت]، وأما والله أن لو فعلت لأكرمتك)) انتهى.
وقوله/ وتصدر في الإثبات بلام مفتوحة ظاهر هذا الكلام إطلاق الإثبات في الجملة الاسمية والفعلية، وكلامه في الشرح، وفي قوله بعد: ((وإن كان أول الجملة مضارعا))، وقوله بعد: ((ولا يخلو دون استطالة الماضي المثبت)) _ يدل على أنه هنا عنى الجملة الاسمية، قال في الشرح: ((كقوله تعالى: (ثُمَّ لَنَحْنُ
أَعْلَمُ)، وكقول حسان: فلئن فخرت بهم لمثل قديمهم... فخر اللبيب به على الأقوام
(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)، (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ).
ويستغنى عنهما قليلا دون استطالة في المقسم به، كقول أبي بكر: (والله أنا كنت أظلم منه))).
وذهب بعض النحويين إلى أنه لا يتلقى القسم ب ((إن)) إلا إذا كان في خبرها اللام، فإن لم تكن اللام فتحت أن، وتقدم لنا نقل المذاهب في ذلك في الفصل الأول من ((باب إن وأخواتها)).
وقوله دون استطالة إن كان طال ما بين القسم وجوابه فظاهر كلام المصنف انه يستغنى عن إن وعن اللام.
وليس كذلك، بل الأكثر الفصيح أنه لا بد من أحدهما، وقد توسغ الاستطالة الحذف.
وقال في الشرح: ((فلو كان فيه استطالة لحسن الحذف، وكان جديرا بكثرة النظائر، كقول بعض العرب: (أقسم بمن بعث النبيين مبشرين ومنذرين، وختمهم بالمرسل رحمة للعالمين، هو سيدهم أجمعين)، وقول ابن مسعود (رضي الله عنه): (والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة)، والأصل: لهذا،
فحذف اللام لاستطالة القسم والخبر بالصلتين، ومن قول الشاعر: ورب السموات العلا وبروجها... والأرض وما فيها المقدر كائن
أي: للمدر كائن)).
ولم يذكر أحد من أصحابنا الاستغناء عن اللام أو عن إن في الجملة الاسمية، فينبغي أن يحمل ذلك على الندور بحيث لا يقاس عليه.
وقوله وتصدر في الشرط الامتناعي بلو أو لولا تقدم لنا أن اصحابنا لا يجعلون لو شرطا إلا إذا كانت بمعنى إن، وأما إن كانت تعليقا في الماضي فليست شرطا.
ومن التصدير ب ((لو)) قول سويد بن كراع:
فتالله لو كنا الشهود وغبتم... إذا لملأنا جوف خبرائهم دما
ومن التصدير ب ((لولا)) قول عبد الله بن الزبير: فوالله لولا خشية النار بغتة... علي لقد أقبلت نحري مغولا
وقالت امرأة: فوالله لولا الله تخشى عواقبه... لزعزع من هذا السرير جوانبه
/وقال راجز: والله لولا الله ما اهتدينا وكلام المصنف يقتضي أن جواب القسم لو ولولا وما دخلتا عليه،
وكلامه في الفصل الأول من ((باب عوامل الجزم)) يقتضي أن جواب القسم محذوف يغني عنه جواب لو، وأن الجواب ل ((لو)) في نحو: والله لو قام زيد لقام عمرو، ول ((لولا)) في: والله لولا زيد لأكرمتك، فاضطرب كلام المصنف في هذه المسألة، وقد تكلمنا عليها هناك حيث تعرض المصنف لها.
ونقول: إن كلام أصحابنا نص في أن القسم ولو أو لولا إذا اجتمعا وتقدم القسم كان الجواب له؛ كتقدمه على أداة الشرط، فليست الجملة المتصدرة لو أو لولا جوابا له، ولا الجواب للو ولا للولا، ولكنه للقسم، ويلزم أن يكون ماضيا، فوجب أن يكون الدال عليهما ماضيا، فتقول: والله لو قام زيد لقام عمرو، ووالله لو قام بكر ما قام خالد، وكذلك لولا.
قال بعض أصحابنا: وقد يحذفون القسم قبل لو ولولا، ويكون مرادا، وذلك إذا كان الجواب موجبا، ودخلت عليه اللام، فتكون اللام والفعل جواب القسم المحذوف، ولا يجوز موجبا، ودخلت عليه اللام، فتكون اللام والفعل جواب القسم المحذوف، ولا يجوز حذفها، ويدل على حذف القسم قبل لولا إدخالهم لام التوطئة الدالة على القسم المحذوف عليها كما تدخل على إن الشرطية، قال:
للولا حصين عينه أن أسوءه... وأن بني سعد صديق ووالد
وقال آخر: للولا قاسم ويدا بسيل... لقد جرت عليك يد غشوم
إلا أن ذلك لم يجئ إلا في الشعر كراهيو اجتماع لامين.
وإن لم تقدر قبلهما قسما محذوفا كانت اللام جوابا لهما، ويجوز حذفها إذ ذاك.
فلو كان الجواب منفيا ب ((ما)) لم يجز حذف القسم؛ لأنه لا يحذف إذا كان جوابه منفيا، فقولك: لو قام زيد ما قام عمرو، هو جواب للولا لقسم محذوف، ولو قلت: لو قام زيد لما قام عمرو كان جواب لو؛ لأنه إذا كان جواب قسم لم تدخل اللام على ((ما)) إلا في ضرورة، وهم يقولون لو قام زيد لما قام عمرو في فصيح الكلام وفي الشعر، ومنه قول الشاعر: ولو نعطى الخيار لما افترقنا... ولكن لا خيار مع الليالي
ولو قلت: لو قام زيد لم يقم عمرو، كان جواب لو؛ لأن القسم لا يجاب بلم.
انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وقوله وفي النفي ب ((ما)) أو ((لا)) أو ((إن)) أما الجملة الاسمية فتنفي ب ((ما)) ولا ننفي ب ((لا))، والنظر يقتضي أن تنفى ب ((إن))، فتقول: والله إن زيد قائم، أي: ما زيد /قائم.
وذكر المصنف في ((شرح الشافية الكافية)) له أن الجملة الاسمية تنفي بما وإن ولا، قال: ((لا فرق في ذلك بين الجملة الفعلية والاسمية، إلا أن الاسمية إذا نفيت ب (لا)، وقدم الخبر، أو كان المخبر عنه معرفة_ لزم تكرارها في غير الضرورة، نحو: والله لا زيد في الدار ولا عمرو، ولعمري لا أنا هاجرك ولا مهيينك)) انتهى.
وكون الجمله الاسمية تنفى ب ((لا)) غلط ووهم.
والثلاثة تنفة بها الجملة الفعلية، إلا أن ((لا)) لا تدخل على الماضي، فلا تقول: والله لا قام زيد.
وزعم المصنف في الشرح أنه ينفى ب ((لا))، قال: ((ومن وروده في المنفى ب ((لا)) قول الشاعر:
ردوا، فوالله لا ذدناكم أبدا... ما دام في مائنا ورد لنزال))