التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 335-14

والله لا يَذهَبُ شَيخي باطِلا... حتى أُبِيرَ مالِكًا وكاهِلا القاتلِينَ الَملِكَ الُحلاحِلا... خَيَر مَعَدِّ حَسَبًا ونائلا وزعم قوم منهم الروماني أنه إذا دخلتْه «أل» لا يعمل إلا ماضيًا، ولا يعمل حالاً ولا مستقبلاً.
وحملهم على ذلك أنَّ س حين ذكر اسم الفاعل بـ «أل» لم يُقَدِّره إلا بـ «الذي فعل».
وس إنما أراد أن يبين أنه إذا دخل عليه «أل» عمل بمعنى الماضي؛ لأنه كان قبل دخولها لا يعمل وهو ماضٍ، وأمَّا إذا كان بمعنى المضارع فإنه لا يحتاج إلى ذكره؛ لأنه كان قد صحَّ له العمل قبل أل، فإذا اقترنت به أل كان أحقَّ بالعمل وأَولَى؛ لأنها إذا كانت مصحِّحة لعملِ ما كان لا يعمل فأَحْرَى أن يكون أَولَى بالعمل ما دخلت عليه مما كان عاملاً دونها، وقد وردَ السماع بذلك، قال الشاعر: إذا... كُنتَ مَعْنِيَّا بِجُودٍ... وسُؤْدَدٍ... فلا تَكُ إلا الْمُجْمِلَ القَولَ والفِعْلا وقال عمرو بن كلثوم: وأنّا الُمنْعِمُونَ إذا قدَرْنا... وأنّا الُمهْلكونَ إذا أُتِينا وأنَّا الشَّارِبُونَ الماءَ صَفْوًا... ويَشْرَبُ غيرُنا كَدَرَّا وطِينا وقال تعالى ﴿والحفظين فروجهم والحفظت والذكرين الله كثيرا والذكرات﴾.
ولقائل أن يقول: عمل في الظرف، ورائحة الفعل تعمل في الظرف، وما عمل في المفعول احتمل أن يكون بعضه ماضيًا.

ومما يدلُّ على عمله غيرَ ماض قوله: الشاتِمَيْ عِرْضي، ولَمْ أَشْتُمْهُما... والناذِرَينِ إذا لَمَ الْقَهُما دَمِي وقوله ولا على التشبيه بالمفعول به، خلافًا للأخفش أل عند الجمهور إذا دخلت على اسم الفاعل كانت موصولة.
وذهب الأخفش إلى أنها ليست موصولة، بل هي حرف تعريف كهي في الرجل، ودخولُها على اسم الفاعل يُبطل عمله كما يُبطله التصغير والوصف؛ لأنه يَبعُد عن الفعل بدخول ما هو من خواصَّ الاسم عليه، والمنتصف بعده إنما هو على التشبيه بالمفعول به، ومثل الوجه في قولك: الحسنُ الوجهَ، فلذلك لا يتقدم /عليه، كما لا يتقدم الوجه على الحسن.
ورُدَّ هذا المذهب بأنَّ المنصوب بالصفة المشبهة لا يكون إلا سببيَّا مشروطًا فيه شروط تُذكر في باب الصفة المشبَّهة؛ وهذا ينصب السَّبَبِيَّ والأجنبِيَّ، نحو: مررتُ بالضاربِ غلامَه، وبالضاربِ زيدًا.
ورُدَّ أيضًا بأنَّ اسم الفاعل بمعنى المضيَّ لو كان المنتصب بعده على طريق التشبيه لجاز أن ينتصب الاسم بعده وإن لم تدخل عليه أل؛ فلمَّا لم ينتصب بعده دلَّ على بطلان مذهبه.
ويبين أنه مفعول باسم الفاعل ـــــ وعمل اسم الفاعل كما قلنا إذا لحقته أل في الأحوال الثلاثة ــــ أنَّ عمله إذ ذاك من جهة أنه ناب مناب الفعل لا للشَّبه، فإذا قلت الضارب فهو في معنى: الذي ضرب، أو: الذي يضرب.
ويدلُّ على ذلك عطف الفعل عليه في نحو ﴿إن المصدقين والمصدقت وأقرضوا﴾، والرجوع إلى الفعل في الضرورة، قال:

ما أنت بالَحكَمِ التُّرْضَى حُكُومتُهُ....................................... وأصحاب الأخفش يقولون: إن قُصد بأل العهد فالنصب على التشبيه، وإن قُصد معنى الذي فالنصب باسم الفاعل.
وقوله ولا بفعلٍ مضمرٍ، خِلافا لقوم فإذا قلت: جاءني الضاربُ زيدًا، فيقدرونه: ضربَ، أو: يضربُ زيدًا.
وهذا إضمار غير محتاج إليه، فلا يُتَكَلَّف.
وتبيَّنَ بذكر هذا الخلاف في إعمال اسم الفاعل وفيه «أل» عدمُ اطَّلاع بدر الدين محمد ابن المصنف، فإنه ذكر في شرحه أرجوزة أبيه ما نصه: «وإعمال اسم الفاعل مع الألف واللام ماضيًا كان أو حاضرًا أو مستقبلاً جائز، مرضيُّ عند جميع النحويين».

-[ص: يُضافُ اسمُ الفاعلِ المجردُ الصالُح للعمل إلى المفعول به جوازًا إن كان ظاهرًا متصلاً، ووجوبًا إن كان ضميرًا متصلاً، خلافًا للأخفش وهشام في كونه منصوبَ المحلّ.
وشذَّ فصلُ المضافِ إلى الظاهرِ بمفعولٍ أو ظرفٍ.]-

ش: يعني بـ «المجرد» العاريَ من «أل»، وستأتي إضافة المقرون بـ «أل».
والصالحُ للعمل احتراز من الذي يُراد به المضيّ، فإنه يضاف إلى متعلقه وجوبًا كإضافة الأسماء الجوامد، ويسقط منه التنوين والنون للإضافة كما تسقط من نحو غلام وغلامين، وتبين، فتقول: هذا ضاربُ زيدٍ أمسِ، وهذان ضاربا زيدٍ أمسِ.
وقال بعض المتأخرين في هذا قاتلُ عمرٍو أمسِ: «هي محال».
ولا أدري ما الذي جعله به محالاً.
وقوله إلى المفعول يعني أو ما يشبه المفعول، نحو ما قال الخليل: هو كائنُ أخيك، وكان ينبغي ألا يضاف؛ لأنَّ الشيء لا يضاف إلى نفسه، والخبر هو

الاسم في باب كان، وكونهم قد أضافوه دليل على أنَّ الإضافة على نية التنوين، ولولا ذلك ما ساغت الإضافة.
وقوله جوازًا يعني أنه تجوز الإضافة، / ويجوز النصب، فيثبت التنوين والنون، قال تعالى ﴿هديا بلغ الطكعبة﴾، وقال ﴿غير محلى الصيد﴾، وقال ﴿إنك جامع الناس﴾، وقال تعالى ﴿ولا ءامين البيت الحرام﴾، وقال ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾.
ولا يجوز حذف النون من المثَّنى والمجموع إلا شاذَّا، كقراءة أبي السَّمَّال العَدَوِيّ ﴿إنكم لذآيقوا العذاب الأليمـ﴾ بالنصب، وقال أبو زيد: لَحَنَ أبو السَّمَّال في هذا الحرف بعد أن كان فصيحًا.
ولا ينبغي أن يُلَحَّن؛ لأنَّ غيره قد قرأ ﴿غير معجزي الله﴾ بالنصب، و ﴿إنا مرسلو الناقة﴾، وقال سُوَيْد (10): ومَساميحُ بِما ضُنَّ بِهِ... حابِسُو الأَنْفُسَ عن سُوءِ الطَّمَعْ وقال آخر (11):

يقولون: ارْتَحِلْ قَتِّلْ قُرَيشًا... وهُمْ مُتَكَنَّفُو البيتَ الَحراما بنصب الأنفس والبيت، والأمثلةُ الخمسة حكمُها في ذلك كاسم الفاعل.
وظاهر كلام س يدلُّ على أنَّ النصب أَولى من الجرّ، وقال الكسائي: «هما سواء».
والذي يظهر لي أنَّ الجر بالإضافة أَولى؛ لأنَّ الأصل في الأسماء إذا تعلق أحدهما بالآخر الإضافة، والعمل إنما كان بجهة الشَّبَه للمضارع، فالحملُ على الأصل أَولى، وهو الإضافة.
واحتراز بقوله متصلاً من ألاَّ يتصل المفعول باسم الفاعل، فانه إذ ذاك ينتصب لا غير، كقوله ﴿إنى جاعل في الأرض خليفة﴾.
ومثالُ ما كان ضميرًا متصلاً قولك: زيدٌ مُكرمُك، وهذان مُكرماك، وهؤلاء مُكرِمُوك.
ويعني باتصاله أن يتصل باسم الفاعل، فإن لم يتصل فالنصب، نحو قوله: لا تَرْجُ أو تَخْشَ غيرَ اللهِ، إنَّ أَذًى... واقِيكَهُ... الله... لا يَنْفَكُّ... مَأمُونا فالهاء في «واقيكَهُ» ضمير لم يتصل باسم الفاعل، فهي في موضع نصب لا غير.
وما ذكرناه من أنه تجب الإضافة إذا كان ضميرًا متصلاً باسم الفاعل هو مذهب س والمحققين.
وذهب الأخفش وهشام إلى أنَّ الضمير في موضع نصب، وأنَّ التنوين والنون حُذفا لِلَطافة الضمير.
قالا: وموجب النصب المفعوليَّة، وهي محقَّقة، وموجب الجر الإضافة، وهي غير محقَّقة؛ إذ لا دليل عليها إلا حذف التنوين

والنون، ولحذفها سبب غير الإضافة، وهو صون الضمير المتصل من وقوعه منفصلاً.
وما ذكراه ضعيف؛ لأنَّ النصب الذي تقتضيه المفعوليَّة لا يلزم كونه لفظيَّا، بل يُكتفى فيه بالتقدير، ولذلك جاز أن يزاد بعض حروف الجر مع بعض المفعولات، نحو ﴿رَدِفَ لَكُم﴾، وخَشَّنتُ بصدره، ولو كان كما ذكراه لا متنعت إضافة اسم الفاعل إلى المفعول في نحو: هذا ضاربُ زيد، ولو جب النصب؛ لأنَّ مقتضي النصب موجود، وهو المفعوليَّة، وذلك لم يمتنع، فدلَّ على أنه ليس النصب لازمًا عن المفعوليَّة.
وأمَّا جعل سبب حذف التنوين والنون صون الضمير /المتصل من وقوعه منفصلاً فمستغنًى عنه؛ لأنَّ غلإضافة تحصّل ذلك، ولأنَّ مقتضى الدليل بقاء الاتصال بعد التنوين والنون؛ لأنَّ نسبتهما من الاسم نسبة نون التوكيد من الفعل، فاتصال الضمير لا يزول بنون التوكيد، فكذلك لا يزول بالتنوين والنون.
والصحيح ما ذهب إليه س؛ لأنَّ الظاهر هو الأصل، والمضمر نائب عنه والظاهر إذا حذف التنوين والنون من اسم الفاعل كان مجرورًا، فكذلك المضمر الذي ناب عنه، وإذا كانوا قد نسبوا الجر للمضمر حيث لا يصلح للظاهر في نحو لولاك وعساك فأَحرى أن يَنسبوا لما يظهر الجر في ظاهره.
وفي «البسيط»: وإنما يظهر الفرق بين المذهبين بالسماع، ولم أقف عليه، وذلك في العطف، فلو سمعناه معطوفًا عليه لظهر إمَّا الخفض وإمَّا النصب، وقال تعالى ﴿إنا منجوك وأهلك﴾ نصبًا، لكن لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ﴿وَأَهّلَكَ﴾ منصوبًا بفعل مضمر، أو على الموضع.

ومما استُدلَّ به لـ «س» من جهة السماع أنَّ النون قد تثبت قليلاً مع المضمر، فدلَّ على أنه محذوف لا للمعاقبة، وجاء على الأصل مَنبَهة.
وذُكر أنَّ الأخفش استدلَّ على ذلك بأنَّ هذه الضمائر يلزم حذف التنوين لها لكونها لا تستقلُّ، فصارت بمنْزلة الألف واللام، والإضافة في المعاقبة هنا إنما هي تخفيف، وقد انحذف، فلزم النصب.
وأجاز هشام إثبات النون والتنوين وإن كان الضمير متصلاً، فأجاز: هذا ضاربُنك وضاربُني وضارِبانِي وضارِبونِي، وأنشد: وما أَدري ــــ وظَنِّي كُلَّ ظَنِّ ــــ... أَمُسْلِمُنِي إلَى قَومِي شَراحِ وقال آخر: وليسَ بِمُعْيينِي، وفي الناسِ مُمْتَعٌ،... رَفيقٌ، إذا أَعيا رَفيقٌ ومُمْتَعُ وقال آخر: أَمُسْلِمُنِي لِلمَوتِ أنتِ فَمَيِّتٌ.......................................... وقال الآخر: .................................... وليسَ حامِلُنِي إلا ابْنُ حَمَّالِ وقال آخر: ولم يَرْتَفِقْ، والناسُ مُحْتَضِرُونَهُ... جَميعًا، وأَيدِي الُمعْتَفِينَ رَواهِقُهْ

وقرأ بعضهم ﴿هل أنتم مُطْلِعُونِ﴾، حذف نون الجميع، وأثبت نون الوقاية على سبيل الشذوذ، والوجه: هل أنتم مُطْلِعِيَّ، كقوله: (أَوَمُخْرِجِيَّ هُم).
وحمل غيره من النحويين هذا على أنه إنما جاء في الشعر، ولا يجوز في الكلام، وإثبات التنوين أو إدخال نون الوقاية تشبيهًا لاسم الفاعل بالفعل ضرورة.
ويَرد على قول المصنف ووجوبًا إن كان ضميرًا متصلاً وقد فسَّر هو الاتصال بأن يكون الضمير يتصل باسم الفاعل مسألة يكون فيها الضمير متصلاً باسم الفاعل، ويجوز فيه الجر بالإضافة، والنصب، تقول: زيدٌ كائنٌ أخاك، وزيدٌ كائن أخيك، أَجرَوا اسم الفاعل مِن كان الناقصة وخبره مُجرى اسم الفاعل /من غيرها والمفعول، فإذا أتيتَ بالضمير بعد اسم الفاعل من كان الناقصة جاز فيه وجهان: أحدهما الجرّ بالإضافة، فتقول: المحسنُ زيدٌ كائنه.
والثاني نصبه، فينفصل، فتقول: المحسنُ زيدٌ كائنٌ إياه، فهذا ضمير قد اتصل باسم الفاعل، ولم يجب فيه الإضافة.
وله أن يقول: كلامنا إنما هو في اسم الطالب مفعولاً به، وهذا ليس بمفعول به حقيقة، وإنما هو مشبَّه بالمفعول.
وقوله وشَذَّ فصلُ المضافِ إلى ظاهرٍ بمفعولٍ أو ظرف مثالُ الفصل بالمفعول قراءةُ من قرأ ﴿مخلف وعده رسله﴾ بنصب (وعده) وجر (رسله).
ومثالُ الفصل بظرف قولُ الشاعر:

وكَرَّارُ خَلفَ الْمُجْحَرِينَ جَوادِهِ... إذا لَمْ يُحامِ دونَ أُنْثَى حَليلُها وقول الآخر: رُبَّ ابْنِ عَمِّ لِسُلَيْمَى مُشْمَعِلْ... طَبَّاخِ ــــ ساعاتِ الكَرَى ـــــ زادِ الكَسِلْ فصل بالظرف بين المثال والمجرور المضاف إليه، وحكمه حكم اسم الفاعل.

-[ص: ولا يُضافُ المقرونُ بالألف واللام إلا إذا كان مثنَّى، أو مجموعًا على حدِّه، أو كان المفعولُ به معرَّفًا بهما، أو مضافًا إلى معرَّفٍ بهما، أو إلى ضميره ولا يُغني كونُ المفعول به معرَّفًا بغير ذلك، خلافًا للفراء، ولا كوُنه ضميرًا، خلافًا للرمانِيِّ والمبرِّد في أحد قوليه.]-

ش: اسم الفاعل ذو «أل» مثنَّنى أو مجموعًا جمع سلامة لمذكر يجوز أن يضاف إلى المفعول مطلقًا، سواء أكان نكرة أم معرفة، بأيِّ جهة تعرَّف، وذلك إذا كان يليه، وإن لم يله فالنصب، وإذا وليَ فإن أثبتَّ النون فالنصب، وإن حذفتَها وقدَّرتَ حذفها للإضافة فالجرّ، وهو الأكثر، ولذلك أكثر القراء على الحرّ في قوله تعالى ﴿والمقيمى الصلوة﴾، وقال الشاعر في المجموع: ليسَ الأَخِلاَّءُ بِالْمُصْغِي مَسامِعِهِمْ... إلى... الوُشاةِ... ولو كانُوا ذَوِي رَحِمِ وقال آخر في المثنَّى: إنْ يَغْنَيا عَنِّيَ... الُمسْتَوطِنَا عَدَنٍ... فإنَّنِي لَستُ... يومًا... عنهما... بِغَنِي وإن حذفتَها وقَدَّرتَ حذفها للطول تخفيفًا نصبتَ وإن كان لم يجز ذلك قبل دخول أل؛ لأنَّ اسم الفاعل بأل من قبيل الموصولات، فكما أنَّ حذف النون يجوز من الموصول في الذين واللذين لطوله بالصلة فكذلك يجوز في هذا، وقال:

الحافِظُو عَورةَ العَشيرةِ لا... يَأتِيهمُ مِن وَرائنا وَكَفُ وقال آخر: / قَتَلْنا ناجِيًا بِقَتيل عَمرٍو... وخيرُ الطالِبِي التِّرةَ الغَشُومُ هكذا رواه ابن جني بنصب التَّرة، وقرأ الحسن وبعض رواة أبي عمرو ﴿وَاَلَمُقِيمِى الصلاةَ﴾، بنصب التاء، وأنشد المصنف دليلاً على النصب في المثنَّى قولَ الشاعر: خَلِيلَيَّ، ما إنْ أنتما الصَّادِقا هَوًى... إذا خِفْتُما فيه عَذُولاً... وواشِي ولا دليل فيه لاحتمال أن يكون هوًى مجرورًا؛ لأنه مقصور، لا يظهر فيه نصب ولا جرّ وقوله أو كان المفعولُ به معرَّفًا بهما يعني أنَّ اسم الفاعل إذا كان بأل وليس مثنَّى ولا مجموعًا فإنه تجوز إضافته إلى ما يليه مما ذكر؛ فمثالُ إضافته إلى ما فيه أل قول الشاعر: أَبَانا بِها قَتْلَى، وما في دِمائها... شِفاءٌ، وهُنَّ الشافِياتُ الَحوائمِ ومثالُ إضافته إلى مضافٍ إلى عُرِّفَ بهما قولُه:

لقد ظَفِرَ الزُّوَّارُ أَقْفِيةِ العِدَا... بما جاوَزَ الآمالَ مِ القَتلِ والأَسْرِ وقوله أو إلى ضميره أي: يضاف اسم الفاعل إلى مضاف لضمير ما فيه أل.
وهذه مسألة خلاف: ذهب المبرد إلى أنه لا يجوز في هذا إلا النصب، ومنع الجرّ.
والصحيح الجواز بدليل قوله 2: الوُدُّ أنتِ الْمُسْتَحِقَّةُ صَفْوِهِ... مِنِّي وإنْ لَمْ أَرْجُ مِنكِ نَوالا هكذا رُوي بإضافة «المستَحِقَّة» إلى «صَفوِه»، و «صَفوه» مضاف لضمير مقرونٍ بأل، وهو الوُدّ.
والأفصح في هذه المسائل الثلاث ترك الإضافة والنصب.
وقوله ولا يُغني كونُ المفعول به معرَّفًا بغير ذلك، خلافًا للفراء يعني بغير ذلك من أل؛ إذ الإضافة إلى معرَّف بهما أو إلى مضاف إلى ضمير ما عُرِّفَ بهما، فتعريف الإضمار والعلمية والإشارة والمضاف لضمير اسم الفاعل يجري عنده مجرى المضاف لواحد من تلك الثلاثة، نحو: هذا الضارِبُك، والضاربُ زيدٍ، والضاربُ ذَينك، والضاربُ عبده، فيجيز في هذه كلها الجرّ.
ومثَّل المصنف في الشرح بقوله: «المعينُ اللذين نصراك»؛ لأنَّ أل فيه عنده زائدة.
ومَن ذهب إلى أنه تعرَّف بأل كان ذلك عنده من قبيل «هذا الضاربُ الغلامِ» في الجواز.
وقال المصنف في الشرح 2: «ولا مستند له ـــــ يعني للفراء ــــ في هذا نثر ولا نظم، وله من النظر حظُّ، وذلك بأن تقدر الإضافة قبل الألف واللام عند قصد التعريف، فإنَّ مانع اجتماعهما مع الإضافة إنما هو توفِّي اجتماع معرِّفين، /وهو مأمون فيهما نحن بصدده، فلم يضر جوازه، ولا يلزم من ذلك جواز: الحسنُ وجهِه؛

لأنَّ المضاف والمضاف إليه فيه وفيما أشبهه شيء واحد في المعنى، فحقه أن يمنع هو وغيره مما إضافته كإضافته، إلا أنَّ المستعمل مقبول وإن خالف القياس، وما خالفَ القياس ولم يُستعمل تعيَّن اجتنابه، كالحسن وجهِه».
وقوله ولا كونُه ضميرًا إلى آخره مثال ذلك، جاء الضاربُك والضارباك والضاربوك والضُّرَّابُك والضارباتُك والضَّواربُك.
فإذا كان اسم الفاعل غير مثنَّى ولا مجموع جمع سلامة في المذكر ففي الضمير خلاف: ذهب س والأخفش إلى أنه في موضع نصب؛ لأنَّ الظاهر أصل، والمضمر نائب عنه، فلو جعلت مكانه اسمًا ظاهرًا لم يكن إلا منصوبًا، فكذلك الضمير هو موضع نصب.
وذهب أبو العباس في أحد قوليه والرمانيُّ والفراءُ إلى أنه في موضع جرّ.
أمَّا الفراء فإنه يُجيز فيه الجرَّ والنصب على أصله في إجراء المعارف كلها مُجرى ما فيه أل، أو ما أضيف إلى ما هما فيه، أو إلى مضاف إلى ضمير ما عُرِّف بهما كما تقدَّم.
وأمَّا الرمانيُّ وأبو العباس في أحد قوليه فإنهما يلزمان الحكم بالجرّ.
وتبعهما في ذلك الزمخشريُّ مع منعه جرَّ الظاهر الواقع موقعه.

والذي يقتضيه النظر أنه لا ينبغي أن ينجرّ بعد اسم الفاعل بالإضافة إلا ما كان يسقط من اسم الفاعل لأجلها ما يسقط للإضافة من غيره؛ وهو التنوين أو نون التثنية والجمع، لكنه وجدت الإضافة إذا كانت فيه أل، وكان بعده معرَّف بها، أو مضاف إلى معرف بها، أو إلى ضمير ما عُرِّفَ بها وإن لم يسقط من اسم الفاعل شيء، حملاً على: الحسن الوجِه، والحسن وجهِ الأخِ، كما حُمل: الحسن الوجهَ، والحسن وجهَ الأخِ، في النصب، على اسم الفاعل، فينبغي فيما ورد من ذلك الاقتصار عليه دون التعدي إلى سائر المعارف.
فإن كان اسم الفاعل مثَّنى أو مجموعًا جمع سلامة في المذكر فقال المصنف في الشرح: «وأمَّا الضمير في نحو جاء الزائراك والمكرموك فجائز فيه الوجهان بإجماع؛ لأنهما جائزان في الظاهر الواقع موقعه» انتهى.
وإنما جاز لأنه يمكن حذف النون منهما للإضافة، فيكون في موضع جرّ، ويمكن حذفها منهما للطول، فيكون في موضع نصب، وقد تقدَّم أنَّ الجرَّ في الظاهر هو الأكثر، فالمضمر كالظاهر في ذلك لأنه نائب عنه.
ودعوى المصنف الإجماع على جواز الوجهين باطلة، بل في المسألة الخلاف: مذهب س ما ذكر من جواز الوجهين.
وخالفه الجرمي والمازني والمبرد وجماعة، فجعلوا الضمير في موضع جرّ فقط، وكان سقوط النون أصلها أن يكون

للإضافة، واحتمل هنا أن تسقط للإضافة، واحتمل أن تسقط للطول، فحملناه على الأصل إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك، بخلاف الظاهر، فإنَّ ما ظهر فيه من النصب أحوج، واضطرنا إلى تقدير سقوطها /لغير الإضافة، ولا ضرورة تدعو هنا إلى ذلك، فالوقوف مع الأصل هو الواجب.
وفي «الإفصاح» تعليل منع تقدير النصب ما نصه: «لأنَّ النصب لا يكون إلا بالنون أو تقديرها، وإذا لم يصحّ هنا اللفظ بالنون فكذلك لا يصحّ تقديرها؛ لأنَّ ذلك يفصل، وإذا لم تكن نون ولا تقديرها وجب الاتصال، وهي الإضافة.
وإنما تعاقبت الضمائر المتصلة مع التنوين لأنها متصلة لا تنفرد، فضارعت التنوين، ولأنَّ التنوين يفصل، وهي متصلة، فلم يجمعوا بين اتصال وانفصال» انتهى.
وفي «البسيط»: «وحاصل المذاهب في المتصل أربعة: فقيل: في موضع نصب مطلقًا، وهو ظاهر قول المبرد.
وقيل: في موضع جرّ مطلقًا، إلا ما فيه تنوين إذا دخلت عليه الألف واللام، فإنه في موضع نصب.
وقيل: ما فيه نون وألف ولام فيه الوجهان: النصب على تقدير حذف النون للتخفيف، والجرّ على تقدير الحذف للإضافة، وما عدا ذلك إن كان بغير لام التعريف فهو جرّ، وإن كان بها فهو نصب، وربما عُزي إلى س. والرابع: أن يكون في موضع جرّ مطلقًا، وهو قول الزمخشري» ولا يجوز إثبات النون مع الضمير إلا في ضرورة، نحو قوله: هُمُ القائلونَ الخيرَ والآمِرُونَهُ... إذا ما خَشُوا مِنْ مُحْدَثِ الأمرِ مُعْظَما

وقد تأوَّل هذا البيتَ أبو العباس، وزعم أنَّ الهاء في «الآمِرونَهُ» هاء السكت، لحقت نون الجمع، فأصله: وألآمِرُونَهْ، ثم حرُكَّتَ بالضم على سبيل الضمير كما حركوها في قوله: يا مَرْحَباهُ بِحِمارِ ناجِيَهْ... إذا دَنا قَرَّبْتُهُ لِلسَّانِيَهْ وقيل: هو مصنوع، فلا حجة فيه.
وقياس مذهب هشام في جواز ضاربانِك أن يجيز ذلك في اسم الفاعل إذا كان مقرونًا بأل.

-[ص: ويُجَرُّ المعطوفُ على مجرورِ ذي الألف واللام إن كان مثله، أو مضافًا إلى مثله، أو إلى ضميره، لا إن كان غير ذلك، وِفاقًا لأبي العباس.]-

ش: مثال المسألة الأولى: جاء الضاربُ الغلامِ والجارية، ومثال الثانية: جاء الضاربُ الغلامِ وجاريِة المرأةِ، ومثال الثالثة: جاء الضاربُ المرأةِ وأخيها؛ لأنه بمنْزلة: جاء الضاربُ المرأةِ وجارية المرأة، فالضمير عائد على المرأة، وقال: الواهِبُ المِئةِ الهِجانِ وعَبدِها... عُوذًا، تُزَجِّي خَلْفَها أَطفالَها

قال المصنف في الشرح: «فالمسائل الثلاث جائزة بلا خلاف» انتهى.
وفي المسألة الثانية والثالثة خلاف، وهي أن يكون المعطوف مضافًا إلى ما فيه أل، أو إلى ضمير ما فيه أل، نحو: هذا الضاربُ المرأةِ وغلامِ الرجلِ، وهذا الضاربُ المرأةِ وغلامِها.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: «وخالف المبرد في المضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام، فلم يُجز إلا النصب على الموضع، ومنعَ الجر، كما خالفَ في مفعول اسم الفاعل إذا كان مضافًا إلى ما فيه الألف /واللام.
والسماع يردُّ عليه، قال: الواهبُ المِئةِ الهجانِ وعَبدِها....................................... روي بنصب (وعبدها) وخفضه».
وحكى الأستاذ أبو علي عن المبرد جواز: هو الضاربُ الرجلِ وغلامِه، وكأنَّ حكمه حكم ما فيه أل، وأنه بذلك المعنى جاز عنده، وعليه البيت، وأنَّ جوازه عند س لكونه تابعًا، والتابع يجوز فيه ما يجوز في المتبرع.
فبين حكاية ابن عصفور والأستاذ أبي علي عن المبرد اختلاف، ويمكن أن يكون القولان له، واطلَّع كل واحد منهم على ما حكى عنه.
وقوله لا إن كان غير ذلك وِفاقًا لأبي العباس أي: لا إن كان غيرَ واحد من المسائل الثلاث، كأنه يكون المعطوف علمًا، أو اسمَ إشارة، أو مضافًا إلى معرفة غير مصحلابة بأل، أو إلى ضمير ما يعود على أل، نحو هذا الضاربُ الرجلِ وزيدٍ.

قال المصنف في الشرح «فإنَّ س يجيز جرَّه، ومنعَ من ذلك أبو العباس ، وهو المختار عند أبي بكر بن السراج 3، وهو عندي أصحُّ القولين؛ لأنَّ العاطف كالقائم مقام العامل في المعطوف عليه.
واسم الفاعل المقرون بالألف اللام على مذهب س وغيره من البصريين لا يَجُرُّ زيدًا ونحوه، فلا يصح أن يُعطف على المجرور به، ولا حُجَّة في نحو: رُبَّ رجلٍ وأخيه، ولا: أيُّ فَتَى هَيجاءَ أنتَ وجارِها.................................. لأنهما في تقدير: رُبَّ رجلٍ وأخٍ له، وأَيُّ فَتَى هيجاءَ أنتَ وجارٍ لها، ومثلُ هذا التقدير لا يتأتى فيما نحن بسبيله، فلا يصحُّ جوازه» انتهى.
ومثل ما حَكى المصنف عن س حَكى الأستاذ أبو على، قال: «مذهب س جواز: هذا الضارب الرجل وزيدٍ، وهو الذي منع المبرد».
وكذا قال صاحب «رؤوس المسائل» في مسائل الخلاف من تأليفه: «أجاز س: هذا الضاربُ الرجلِ وزيدٍ، وهذا الضاربُ الرجلِ وعبدِ الله، ومَنع ذلك المبرد» انتهى.
والذي يدل عليه ظاهر كلام س أنَّ مثل «هذا الضاربُ الرجلِ وزيدٍ» سماع من العرب، قال س: «والذي قال: هو الضاربُ الرجلِ ـــــ قال: هو الضاربُ الرجلِ وعبدِ الله» وكان قد قدَّم قبل هذا: «ولا يكون: هو الضاربُ عمرٍو كما لا يكون: هو الحسنُ وجهٍ 8، ثم ساق مسألة العطف.
فظاهر قوله: «والذي قال

كذا إلى آخره» هو سماع من العرب.
وأَرى س أنَّ حكم التابع بخلاف حكم المتبوع، وأنَّ الاسم بعينه يجوز فيه تابعًا ما لا يجوز فيه لو لم يكن تابعًا، وعلى هذا أَنشد: أنا ابنُ... التارِكِ... الَبكرِيِّ بِشْرٍ...................................... وفَرَّ مما يلزم فيه على أن يكون بدلاً إلى أنه عطف بيان.
وقد أَجحَفَ المصنفُ في حكم تابع معمول اسم الفاعل، فلم يَذكر من التوابع إلا العطف، ولم يَذكر إلا حكمه مع اسم الفاعل الذي فيه الألف واللام، ونحن نبسط الكلام في ذلك، ونستوفيه بالنسبة لاسم الفاعل وبالنسبة للتابع لمعموله، فنقول: إذا أَتبعتَ معمولَ اسم الفاعل الصالح للعمل فإمَّا أن يكون منصوبًا أو مخفوضًا، /إن كان منصوبًا كان التابع منصوبًا، فتقول: هذا ضاربٌ زيدًا وعمرًا، لا يجوز في التابع إلا النصب.
وأجاز الكوفيون والبغداديون الخفض، نحو: هذا ضاربٌ زيدًا وعمرٍو، حملاً على موضع زيد؛ لأنه يكون مخفوضًا، وحملوا على ذلك قول امرئ القيس مستدلِّين به، وهو: وَظَلَّ طُهَارةُ اللَّحمِ مِنْ بَينِ مُنْضِجٍ... صَفِيفَ شِواءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ عطفوا «أو قديرٍ» على موضع «صفيفَ»؛ لأنه يجوز خفضه بإضافة «مُنضِجٍ» إليه.

ولا حجة في ذلك ولا في كونه معطوفًا على الجواز، خلافًا لمن خرَّجه على ذلك؛ لأنه يمكن حمله على مُنْضِجٍ على تقدير محذوف، أي: ومُنْضِجِ قدير، فحُذف، وجُعل كالثابت لتقدُّم ذكره، وأو بمعنى الواو؛ لأنَّ «بينَ» تقتضي ذلك.
وخرَّجه بعض أصحابنا أيضًا أن يكون معطوفًا على «شِواءٍ»، وتكون أو بمعنى الواو.
وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الَينيَّة إنما هي في الطهارة لا في معمول اسم الفاعل، فصار نظير: الناسُ بين قارئٍ كتابَ أصولٍ ونحو.
وإن كان المعمول مخفوضًا فإمَّا أن يكون التابع نعتًا أو تأكيدًا أو بدلاً أو عطفًا: إن كان نعتًا أو تأكيدًا فمن النحويين مَن قال: يتبع على اللفظ فقط، نحو: هذا ضاربُ زيدٍ الفاضلِ نفسِه.
ومنهم من قال: يتبعه على اللفظ والموضع، فتجرّ أو تنصب.
وإن كان بدلاً أو عطفًا فإمَّا أن يكون اسم الفاعل عاريًا من أل أو مقرونًا بها: إن كان عاريًا من أل فالجرُّ والنصب، نحو: هذا ضاربُ زيدٍ أخيك وعمرٍو، وهذا ضاربُ زيد أخاك وعمرًا.
وهذا عند مَن لم يشترط الُمحْرز للموضع كالأعلم، وأمَّا من شَرَطَه فلا يجيز النصب، بل إن نَصب في العطف أَضمر له ناصبًا، وهو ظاهر قول س، قال س: «وإن شئتَ نصبتَ على المعنى، تُضمر له ناصبًا».
وإن كان مقرونًا بأل فإمَّا أن يكون مثنَّى أو مجموعًا جمع سلامة في المذكر أو غيرها، إن كان مثَّنى أو جمع سلامة في المذكر فقال ابن عصفور: «جاز الخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، نحو: هذان الضاربا زيدٍ أخيك وعمرٍو،

وهؤلاء الضاربو زيدٍ أخيك وعمرٍو، ويجوز النصب في البدل والمعطوف، فتقول: أخاك وعمرًا».
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأُبَّذِيّ ذلك في مسألة العطف، قال: «والخفض والنصب».
قال: «إذ يُتَصَوَّرُ أن يكون مُحْرِزًا على أن يكون حذف النون للطول، نحو: هذان الضاربا زيدٍ وعمرًا وعمرٍو، وهؤلاء الضاربو زيدٍ وعمرًا وعمرٍو».
وقال أيضًا في البدل: «على اللفظ وعلى الموضع، نحو: هذان الضاربا زيدٍ أخيك وأخاك، وهؤلاء الضاربو زيدٍ أخيك وأخاك» انتهى.
وما أجازاه لا يجوز لفقد الُمحْرِز، وما ظنَّه شيخنا أبو الحسن مُحْرزًا ليس بمُحْرز، وقد وهم في ذلك لأنَّ النون تتنَزل منْزلة التنوين، فحذفها للإضافة كحذفه، فإذا حُذفت للإضافة لم يبق مُحْرِز للنصب؛ لأنَّ النصب لا يجوز مع تقدير حذفها للإضافة، كما أنه لا يجوز النصب مع حذف /التنوين.
وغرّهما أنه يجوز النصب مع حذف النون للطول.
وفرق بينهما؛ لأنَّ حذف النون للطول يجوز معه النصب كإثباتها، فتقديرها كالملفوظ بها، بخلاف حذفها للإضافة، فإنه لا يجوز فيه إلا الخفض، وهذا فرق فيه دِقَّة.
وإن كان غيرها ــــــ وهو أن يكون مفردًا أو مكسرًا أو مجموعًا جمع سلامة في المؤنث ــــ فإمَّا أن يكون التابع عاريًا من أل، أو من إلإضافة إلى ما هي فيه، أو إلى ضمير يعود على ذي أل، أو شيئًا من ذلك: إن كان عاريًا فالنصب، نحو: هذا الضاربُ الرجلِ أخاك وزيدًا، والضُّرَّاب الرجلِ أخاك وبشرًا، والضاربات الرجلِ أخاك وبكرًا، ولذلك أعربوا: أنا... ابنُ التارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ.......

عطف بيان، ولم يعربوه بدلاً؛ لأن عطف البيان يجري مجرى النعت، والبدل على نيَّة تكرار العامل.
ولا يجوز إضافة شيء من ذلك إلى أخيك.
وأجاز س العطف على اللفظ في ذلك، ومعه أبو العباس.
وإن لم يكن عاريًا من شيء من ذلك فتقدَّم اختلاف النقل عن المبرِّد في مسألة عطف المضاف إلى ما فيه أل، وعطف المضاف إلى ضمير ما فيه أل.
مسائل تتعلق باسم الفاعل: الأولى: يجوز تقديم معمول اسم الفاعل عليه، فتقول: هذا زيدًا ضاربٌ تريد: ضاربٌ زيدًا، إلا إن كان موصولاً بـ «أل» فلا يجوز تقديم معموله عليه، وقد سُمع التقديم للظرف والمجرور عليه.
وفي إجازة ذلك وتأوُّله خلاف.
أو مجرورًا بإضافٍة أو بحرفِ جرِّ غير زائد فكذلك، لا يجوز في: جاءني غلامُ ملازمٍ بابَك، ومررتُ بضاربً زيدًا ــــ إلا تأخيرُ المفعول.
وأجاز بعض النحويين التقديم إذا كان مضافًا إليه: غير، أو جدّ، أو حَقّ، أو أَوَّل، فأجاز: هذا زيدًا غيرُ ضاربٍ، وهذا زيدًا جدُّ ضاربٍ، وهذا زيدًا حَقُّ ضاربٍ، وهذا زيدًا أَوَّلُ ضاربٍ.
والصحيح أنَّ ذلك لا يجوز.
وإن كان مجرورًا بحرف جر زائد، نحو: ليس زيدٌ بضاربٍ عمرًا ــــ فالمشهور والصحيح جواز التقديم، فتقول: ليس زيدٌ عمرًا بضاربٍ.
وحُكي عن أبي العباس منعه.

الثانية: يجوز تقديم المفعول على المبتدأ إذا عَرِيَ المبتدأ من مانعِ تقديم، مثاله: زيدًا عمروٌ ضاربٌ، في: عمرُو ضاربٌ زيدًا.
فإن كان المعمول لشيء من سبب المبتدأ، نحو: زيدٌ ضاربٌ أبوه عمرًا ـــــ ففي تقديمه على المبتدأ خلاف: أجاز ذلك البصريون والكسائيّ، فتقول: عمرًا زيدٌ ضاربٌ أبوه، كما جاز ذلك حين رفع الضمير ولم يرفع السببِيّ.
ومنع ذلك الفراء.
فإن كان اسم الفاعل خبرَ مبتدأ هو من سبب المبتدأ الأول، نحو: زيدٌ أبوه ضاربٌ عمرًا ــــــ فمنعَ تقديَمه على المبتدأ الأوَّل الكسائيُّ والفراء، وأجاز ذلك البصريون.
الثالثة: إذا كان اسم الفاعل وما عُطف عليه من اسمِ فاعلٍ خبرًا عن مثنَّى أو جمع، نحو: هذان ضاربٌ زيدًا وتاركُه ـــــ فالمنصوص /أنه لا يجوز تقديم المفعول على اسم الفاعل، فلا تقول: هذان زيدًا ضاربٌ وتاركُه.
قالوا: لأنَّ الفعل لا يصلح هنا، لو قلت: هذان يضربُ زيدًا ويتركُه ـــ لم يَجُز.
وعلى هذا الذي نَصُّوا يجري المنع في: مررتُ برجلينِ ضاربٍ عمرًا وتاركِه، وجاءني رجلانِ ضاربٌ عمرًا وتاركُه.
الرابعة: يجوز فصيحًا في معمول اسم الفاعل المتأخَّر أن يُجَرَّ باللام، ولا يجوز ذلك في الفعل إلا مع التقديم، وأمَّا مع التأخير فبابُه الشعر، قال: ومُشَقِّقاتٍ لِلْجُيُو... بِ، عليَّ كالبَقَرِ الَحوائمْ

وكذلك في أبنية المبالغة، قال تعالى ﴿فعال لما يريد﴾ ﴿وما ربك بظلم للعبيد﴾ وقال الشاعر: ........................... قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ

-[ص: فصل يَعمل اسمُ المفعول عملَ فعلِه مشروطًا فيه ما شُرِطَ في اسم الفاعل.
وبناؤه من الثلاثيِّ على زِنةِ مَفْعُول، ومِن غيره على زِنةِ اسمِ فاعلِه مفتوحًا ما قبلَ آخره، ما لم يُسْتَغْنَ فيه بمَفْعُولٍ عن مُفْعَلٍ.]-

ش: الضمير في قوله عَمَلَ فِعلِه عائد على المفعول، أي: عَمَلَ الفعلِ الذي لم يُسَمَّ فاعلُه، فيرفع المفعول به لفظًا أو محلاَّ، وما جاز أن يُقام مُقام الفاعل في الفعل جاز هنا.
وقوله مشروطًا فيه ــــ أي: في عمله ـــ ما شرطَ في اسم الفاعل يعني من كونه لا يعمل إلا معتمدًا، ولا يكون مصغَّرًا ولا موصوفًا قبل العمل.
وحُكمُه في ذلك وفي اعتبارِ الزمان والحملِ على الموضع واتِّصالِ الضمائر به حُكمُ اسم الفاعل اتِّفاقًا واختلافًا، تقول: هذا مشروبٌ ماؤه، وممرورٌ به، ومَكْسُوٌّ ابنُه جُبَّةً، ومَظنونٌ أبوه قائمًا، ومُسَمَّى ابنُه زيدًا، ومُعْلَمٌ أخوه عمرًا ذاهبًا.
ومما جاء منه معتمدًا على موصوف منويِّ قولُ الشاعر: ونحن تَرَكْنا تَغْلبَ بْنةَ وائلٍ... كَمَضْرُوبةٍ رِجْلاهُ مُنْقَطِعِ الظَّهْرِ وقول الآخر: فَهُنَّ مِن بَينِ مَتروكٍ، بهِ رَمَقٌ... صَرْعَى، وآخَرَ، لم يُتْرَكْ بهِ رَمَقُ

أي: كرَجُلٍ مضروبةٍ رِجلاه، ومِن بينِ رَجُلٍ مَتروكٍ به رَمَقٌ.
وذكر المصنف في أرجوزته أنه قد يضاف هذا ـــ[أي] اسم المفعول ـــ إلى الاسم المرتفع به معنًى، فقال: وقد يُضافُ ذا إلى اسمٍ مُرتَفِعْ... مَعنًى، كـ «مَحمُودُ الَمقاصِدِ الوَرِعْ» وهذا بخلاف اسم الفاعل، فإنه لا يجوز إضافة اسم الفاعل إلى فاعله، لا تقول في مررتُ برجلٍ ضاربٍ أبوه زيدًا: برجلٍ ضاربِ أبيه زيدًا، ويجوز ذلك في اسم المفعول، فيجوز في مررتُ برجلٍ مضروبٍ غلامٌ شتمَه أن تقول: مررتُ برجلٍ مضروبِ /غلامٍ شتمَه، لكن الصحيح أنَّ هذه الإضافة إنما هي من منصوب لا من مرفوع، وتبيين ذلك في باب الصفة المشبهة إن شاء الله.
وإذا تقرَّر هذا فإذا أضيف اسم المفعول إلى ما كان في الأصل مرفوعًا به فإن كان مما يتعدَّى لواحد فلا إشكال، نحو: مررتُ برجلٍ مضروبِ الظهرِ، أصله على الصحيح: مضروبٍ الظهرَ، فالإضافة من نصب.
أو مما يتعدَّى إلى اثنين فأكثر فقياس هذا أن تقول: مررتُ برجلٍ مكسوِّ الأبِ جبَّةً، ومَظنونِ الأخِ قائمًا، ومُعْلَمِ الغلامِ عمرًا ضاحكًا، وقد منعوه.
والسبب في منع ذلك أنَّ الإضافة هي من نصب على الصحيح، ورفضوا ذلك لأنه من حيث انتصابُ الثاني والثالث يكون حكمُه حكمَ اسم المفعول الذي يتعدَّى إلى المفعول به، ومن حيث انجرارُ ما يليه يكون حكمُه حكمَ الصفة المشبهة، ويختلف إذ ذاك حكمه بالنظر إلى المنصوبات؛ ألا ترى أنه يجوز في ذلك تقديم المنصوب لأنه مفعول به، ويلزم ألاَّ يجوز تقديم ما يلي اسم المفعول لو نُصب لأنه معمول الصفة المشبهة، وكل ما يُجرّ في باب الصفة

يجوز أن يُنصَب؛ لأنَّ الجر هو من النصب، ولا يوجد في كلامهم عامل يَنصب اسمين أحدهما مفعول به والآخر مشبَّه بالمفعول به فيتقدم المفعول به عليه؛ ولا يتقدم المشبَّه به، بل ما وُجد من ذلك يجوز تقديمه على العامل، فإذا قلت: هذا ضاربٌ اليومَ زيدًا، واتَّسعتَ في اليوم، فنصبتَه على التشبيه بالمفعول به ـــ فإنه يجوز تقديمه على ضارِب كما تُقدم زيدًا عليه، فلمَّا كان ذلك مؤديًا إلى المنع في باب اسم المفعول المضاف إلى ما بعده وما بعده منصوب رُفض جواز ذلك.
وقوله وبناءه من الثلاثي على زنة مَفْعُول تقول: زيدٌ مَضروبٌ، وعمرٌو مَمْرُورٌ به، وبَكرٌ مَغضُوبٌ عليه، وهذا مُطَّرِد لا ينكسر.
ويعني المصنف بقوله من الثلاثي أي: المتصرِّف، فإن كان لا يتصرف لم يُبْنَ منه اسم مفعول، نحو يَدَعُ.
وذكر بعض أصحابنا أنه قد بُني مَفعُول من غير فِعل، قالوا: رجلٌ مَفْؤُودٌ، ولم يُصَرَّف منه فِعل.
وذكر الأهوازي النحوي، وليس بأبي علي الأهوازي المقرئ، في «شرح الموجز» للرماني أنَّ نفعَ من الثلاثي المتعدي لا تقول في المفعول منه زيدٌ مَنفُوع.
فإن كان ذلك نقلا عن العرب وقفنا عنده، وإلا فالقياس لا يمنع منه.
وفي «البسيط» اسم المفعول جارٍ على فعله ــــ يعني المضارع ـــ في الحركات والسكنات، وهو فيما كان زائدًا على الثلاثة والشبه فيه حاصل وغير جارٍ فيعمل

لأنه في معنى الجاري.
وأصله أن يكون من الثلاثي على وزن مُفْعَل، ثم عُدل عنه إلى مَفعول.
قيل.
لأنه يلبس بما هو من أَفْعَلَ، فأصل مَفعُول مُفْعَل بالزيادة، وكان الثلاثيُّ أَولى بالزيادة لِخِفَّتِه.
وهو على قسمين: منه ما هو مبنيّ للمفعول.
ومنه ما /اشتُقَّ له اسم من الفعل على رأي ليس بجارٍ، وذلك نحو الحَلَب: اسم المحلوب، والطَّرَد: اسم للمطرود، وليس ذلك بقياس فتفعله في مَضروب من ضرب، والظاهر أنه يجري مجرى مَفعول في أنه لا يُراعى عدم جريانه، ولا يُذكَر مثله في الفاعل، أعني أن يشتقَّ له ما ليس جاريًا.
وقوله ومِن غيره ــــ أي: من غير الثلاثي ــــــ على زِنةِ اسمِ فاعِله فتقول مُكْرَم ومُسْتَخْرَج ونحوهما.
وقوله ما لم يُسْتَغْنَ فيه بمَفْعُولٍ عن مُفْعَلٍ مَثَّله المصنف بِمَزْكُوم ومَحمُوم ومَحْزُون، قال: «ومنه مَحْبُوب في الأكثر».
وقد تقدَّم له ذكرُ هذا الاستغناء في أوائل باب اسم الفاعل.

-[ص: ويَنوبُ في الدّلالة لا العملِ عن مَفعُولٍ بقلَّةٍ فِعْلٌ وفَعَلٌ وفُعْلَةٌ، وبكثرة فَعيلٌ، وليس مَقيسًا، خلافًا لبعضهم، وقد يَنوبُ عن مُفْعَل.]-

ش: مثالُ فِعْلٍ ذبْحٌ وطِحْنٌ ورِعْيٌ وطِرْحٌ.
ومثالُ فَعَلٍ قَبَضٌ ونَقَضٌ ولَقَطٌ ولَفَظٌ.
ومثالُ فُعْلةٍ أُكْلةٌ وغُرْفةٌ ولُقْمةٌ ومُضْغةٌ.
هذا كله بمعنَى: مَذبُوح ومَطحُون ومَرعِيّ ومَطرُوح ومَقُبوض ومَنقُوض ومَلقُوط ومَلفُوظ ومأكُول ومَغرُوف ومَلقُوم ومَمضُوغ.

ولا يجوز لشيء منها أن يَرفع الفاعل، فلا يقال: مررتُ برجلٍ ذِبْحٍ كَبشُه، ولا: طِحْنٍ بُرُّه.
وفي كلام ابن عصفور ما يدلُّ على الجواز، قال في «شرح المقرب» في آخر باب ما لم يُسَمَّ فاعله: «واسم المفعول وما كان من الصفات بمعناه حُكمُه بالنظر إلى ما يطلبه من المعمولات حُكمُ الفعل المبنيِّ للمفعول» انتهى.
ويحتاج ذلك إلى سماع.
ومثالُ نيابة فَعِيلٍ جَريحٌ وقَتِيلٌ وصَرِيعٌ ودَهِينٌ ورَمِيُّ وأَخِيذٌ ولَدِيغٌ وغَسِيل، وهو كثير في لسان العرب، ومع كثرته لا ينقاس، لا يقال ضَرِيب في مَضرُوب، ولا عَليِم في مَعلُوم، ولا قَوِيل في مَقُول، ولا بَيِيع في مَبِيع.
فعلى ما ذكره المصنف لا يجوز أن تقول: مررتُ برجلٍ أبوه؛ لأنه جرى مجرى مَفعول في المعنى لا في العمل، وقد أجازه ابن عصفور، ويحتاج في ذلك إلى سماع.
وقوله وليس مقيسًا، خلافًا لبعضهم ظاهره أنه أجاز بعضهم القياس على ما سُمع من ذلك، وكان ينبغى أن يقيّد ذلك، فإن الذي أجاز القياس على ما سُمع من ذلك شَرطَ فيه ألاَّ يكون له فَعِيل بمعنى فاعِل، فإن كان له ذلك لم يُجِزْه، نحو عَليِم بمعنَى عالِم، وقَدير بمعنى قادِر، وحَفيظ بمعنى حافِظ، فلا يُجيز أن يقال عَليم بمعنى مَعلوم، ولا قَدير بمعنى مَقدور، ولا حَفيظ بمعنى مَحفوظ؛ لئلا يُلبس، ويُجيز ذلك في نحو قَتيل، فإنه لا يُلبس.
وقد غاب عن ابن المصنف الخلافُ في هذه المسألة، فقال في شرحه أرجوزة أبيه: «فَعيل بمعنى مَفعول كثير في كلام العرب، وعلى كثرته لم يُقَس عليه

بإجماع».
وقد ذكر أبوه الخلاف فيه، وقد تكرر لأبيه ذكر هذه المسألة في «باب التذكير والتأنيث».
ودلَّ قولُ المصنف إنه يَنوب في الدّلالة لا العمل أنه لا يجوز أن يَعمل فتقول: مررتُ برجلٍ كَحيلٍ عينُه، ولا: مررتُ برجلٍ قَتيلٍ أبوه، فترفع /العين والأبَ كما يجوز ذلك إذا قلت: مررتُ برجلٍ مَكحولةٍ عينُه ومقتولٍ أبوه، ويحتاج في منع ذلك أو إجازته إلى نقل صحيح عن العرب.
وقوله وقد يَنوبُ عن مُفْعَلٍ مثالُه قولهم: أَعْقَدتُ العَسَلَ فهو عَقِيدٌ، بمعنَى مُعْقَد، وأَعَلَّه الَمرَضُ فهو عَليِلٌ، بمعنَى مُعَلّ.

تم بحمد الله ــــ تعالى ـــــ وتوفيقه الجزء العاشر من كتاب «التذييل والتكميل» بتقسيم محققه، ويليه ـــ إن شاء الله تعالى ــ الجزء الحادي عشر، وأوله: «باب الصفة المشبهة باسم الفاعل»

التذييل ولتكميل في شرح كتاب التسهيل ألفه أبو حيان الأندلسي (654 - 745 هـ) حققه الأستاذ الدكتور حسن هنداوي كلية التربية الأساسية - الكويت الجزء الحادي عشر دار كنوز اشبيليا للنشر والتوزيع

-[ص:

باب الصفة المشبهة باسم الفاعل

وهي الملاقية فعلاً لازماً ثابتاً معناها تحقيقاً أو تقديراً، قابلة للملابسة والتجرد والتعريف والتنكير بلا شرط، وموازنتها للمضارع قليلة إن كانت من ثلاثي، ولازمة إن كانت من غيره، ويميزها من اسم فاعل الفعل اللازم اطراد إضافتها إلى الفاعل معنى.]- ش: الملاقية فعلاً جنس يشمل الصفة وغيرها من اسم الفاعل اللازم وغير اللازم.
وقال المصنف في الشرح: "احترز به من نحو قرشي وبتات".
يعني: فإنهما لا يلاقيان فعلاً، فلا يكون من باب الصفة المشبهة، وسيذكر هو في آخر الباب أنه قد يكون المنسوب من باب الصفة المشبهة.
واحترز بقوله لازماً من الصفة المتعدية الملاقية فعلاً متعدياً، وسيذكر هو في آخر الباب صوغ هذه الصفة من فعل متعد، ونستوفي الكلام فيه.
واحترز بقوله ثابتاً معناها تحقيقاً من نحو قائم وقاعد.
وقال أصحابنا: اسم الفاعل الذي لا يتعدى كقائم وجالس ونائم يدخل في هذا الباب.
وكذلك اسم المفعول كمضروب.
وكذلك ما زاد على الثلاثة، نحو: منطلق الأب، ومنقطع القرابة، ومتكسر الثنايا.
وفي "البسيط": "معنى الثبوت أنه خلاف الحدوث".

وعنى بقوله أو تقديراً مقدر الثبوت وإن لم يكن ثابتاً، نحو متقلب، فإنه يكون صفة مشبهة.
قال المصنف في الشرح: "واحترز بقبول الملابسة والتجرد من أب وأخ".
يعني أنهما وصفان لا يقبلان الملابسة والتجرد لمن جريا عليه.
ولا ينبغي أن يحترز منهما لأنهما لم يدخلا في قوله "الملاقية فعلاً"؛ ألا ترى أنهما لم يلاقيا فعلاً بمعناهما، فلم يدخلا فيما قبل ذلك فيحترز منهما.
وأيضاً فقد أخذ في الحد "ثابتاً معناها"، وما كان ثابتاً معناه لا يكون قابلاً للملابسة والتجرد، لو قلت مررت بزيد الطويل الأنف لم يقبل هذا الوصف الملابسة والتجرد بالنسبة إلى زيد؛ لأنه وصف ثابت المعنى له.
قال المصنف في الشرح: "واحترز بقبول التعريف والتنكير بلا شرط من أفعل التفضيل".
ولا ينبغي أن يحترز منه؛ لأنه لم يدخل فيما قبله؛ ألا ترى أنه قد قال "هي الملاقية فعلاً لازماً" وهي لا تلاقي فعلاً لا لازماً ولا متعدياً؛ لأنه لم يوجد فعل يدل على معنى التفضيل حتى تكون أفعل تلاقيه، ولا مصدراً بمعناه، وإنما هو مشتق من مصدر ليس بمعناه كما اشتق اسم الفاعل واسم المفعول ونحوهما.
ومعنى قوله بلا شرط أن أفعل التفضيل/ يقبل التعريف والتنكير بشرط، وهو إذا كان بـ"من" منكر، وإذا كان بأل معرف، وإذا كان مضافاً فإما إلى نكرة فنكرة، أو إلى معرفة فمعرفة، وذلك على ما أحكم في بابه.
وقوله وموازنتها للمضارع قليلة إن كانت من ثلاثي مثاله: ضامر الكشح، وساهم الوجه، وخامل الذكر، وحائل اللون، وظاهر الفاقة، وطاهر العرض.

وزعم الزمخشري أن الصفة المشبهة هي التي لا تجري على فعلها، نحو حسن وشديد، وهو ظاهر كلام أبي علي في "الإيضاح".
وهذا خلف؛ ألا تراهم متفقين على أن قوله: من صديق أو أخي ثقة... أو عدو شاحط دارا

على أن شاحط صفة مشبهة، وقال الشاعر: .......................................... وإني إليك تائب النفس باخع

وفي قول المصنف قليلة دليل على أن الكثير ألا تكون جارية على المضارع، نحو ضخم ولين وجميل وخشن وحسن ويقظان.
وقوله ولازمة إن كانت من غيره نحو: منطلق اللسان، ومطمئن القلب، ومغدودن الشعر، ومستسلم النفس، وقال الشاعر: أهوى لها أسفع الخدين مطرق... ريش القوادم، لم تنصب له الشرك

وقال رجل من طيئ: ومن يك منحل العزائم تابعاً... هواه فإن الرشد منه بعيد

وقوله ويميزها من اسم فاعل إلى آخره قال في الشرح: "يخرج بهذا اسم الفاعل الذي لا يتعدى، ولا يصلح أن يضاف إلى ما هو فاعل في المعنى، كماش وجالس ومنطلق إلى كذا ومستكين ومبسمل ومتجاهل" انتهى.
وقد تقدم لنا أن أصحابنا يجعلون اسم الفاعل اللازم من باب الصفة المشبهة، نحو: قائم وجالس ونائم.
وقوله اطراد إضافتها إلى الفاعل معنى ظاهر كلامه يدل على أن الإضافة من رفع، وكذا ذكر في أرجوزته، قال: صفة استحسن جر فاعل... معنى بها المشبهة اسم الفاعل

وهذه مسألة خلاف: فمن النحاة من زعم أن الإضافة من نصب لا من رفع، فإذا قلت مررت برجل حسن الوجه فأصله: حسن الوجه، بالنصب؛ لشبه الوصف اللازم بالوصف المتعدي، فنصب، ثم جر المنصوب كما جر منصوب اسم الفاعل المتعدي إذ كان قد استكن في الصفة المشبهة ضمير، وبقي الوجه فضلة، فانتصب، فجاز جره.
وإلى هذا ذهب أبو محمد بن السيد والأستاذ أبو علي وأكثر أصحابه، فالخفض عندهم ناشئ عن النصب، والنصب ناشئ عن الرفع.
/وذهب أبو زيد السهيلي إلى أن الإضافة من رفع، والنصب من خفض، فالخفض ناشئ عن الرفع، والنصب ناشئ عن الخفض.

وذهب الأستاذ أبو الحسن علي بن جابر الأنصاري - شهر بالدباج - وأبو عبد الله بن هشام الخضراوي إلى أنه يمكن أن تكون الإضافة من رفع؛ ويمكن أن تكون من نصب.
قال الدباج: لما قلت: مررت برجل حسن وجهه، بالرفع - وهو الأصل - أردت أن تنقل الضمير إلى حسن مبالغة في الوصف، فبقي الوجه دون إعراب؛ إذ إعرابه قد انتقل إلى الضمير في حسن، فإما أن تنصبه على التشبيه ثم تخفضه بعد ذلك، وإما أن تخفضه من أول وهلة.
وقد رد كونه يكون الخفض من رفع بأنه يلزم في ذلك إضافة الشيء إلى نفسه.
وأجاب الدباج عن هذا بأنه إنما يلزم ذلك لو قلت: حسن وجهه، من غير نقل للضمير، أما بعد النقل فقد صار الحسن هو الضمير لا الوجه، فخفض الوجه بالإضافة على ما يجب في الأسماء من إضافة بعضها إلى بعض.
ورد أيضاً هذا المذهب ابن عصفور، واستدل على أن الخفض من نصب بأن الجر إنما جاء على كونه من نصب لا من رفع بقولهم: مررت بامرأة حسنة وجهها، كما تقول: مررت بامرأة حسنة وجهها، فإلحاق التاء في حسنة مع الخفض دليل على أن الخفض من النصب، ولو كان من الرفع لكان بغير تاء.
وقال بعض أصحابنا المتأخرين: ليس دخول التاء مع النصب بأولى من دخولها مع الخفض، وليس استحقاق دخولها مع الخفض لأجل ما كان الخفض منه، بل مقتضى دخولها حالة النصب والخفض هو كون الصفة مفرغة للأول مستكناً فيها ضميره؛ وفي حالة الرفع الوصف مفرغ للمرفوع، فيجري على حكمه من التذكير أو التأنيث، فإذا كان دخول التاء إنما كان مع الوصف غير المفرغ لما بعده

لم يكن في ذلك دليل على أن الخفض من نصب ولا رفع، وإنما كان يظهر الفرق بين الحالتين لو كان الخفض من الرفع والخفض من النصب متباينين، فكان يؤدي أحد الخفضين إلى معنى يلحظ فيه معنى المفعولية، كهو في اسم الفاعل، وكان الخفض الآخر يؤدي إلى معنى كما يؤدي الرفع، ولكن العربي إنما يتكلم بالخفض، ولا يتضح من كلامه فرق بين أن يكون الخفض من رفع أو نصب.
وقد اختلف الناس في قول س: "وقد يجوز أن تقول في هذا: هو الحسن الوجه، على: هو الضارب الرجل، فالجر في هذا الباب على وجهين": فخرجه الدباج على أنه جر من رفع، وجر من نصب.
وخرجه الأستاذ أبو علي على أن خفض الصفة للوجه قد يكون بإضافة أولية بحكم الأصل، كقولك: نزلت بنفس الجبل، وقبضت كل الدراهم، لأن إضافة حسن من جهة المعنى لما ثبت واستقر، فهي صحيحة من هذه الجهة، وإضافة ضارب بمعنى الحال والاستقبال غير صحيحة لأنها غير ثابتة، ولما لم يتصور ذلك في الضارب الرجل جعل مشبهاً، وعلى هذا قد يضاف الحسن الوجه المشبه بالضارب الرجل كإضافة الضارب الرجل، /فيكون محمولاً على الحسن الوجه الذي الألف واللام فيه داخلة بعد الإضافة.
قال: وهذا معنى قول س. فقول س "على هو الضارب الرجل" أي: على حكمه، على أن تجعل الحسن الوجه الذي الألف واللام فيه داخلة قبل الإضافة مشبهاً بالحسن الوجه الذي الألف واللام فيه داخلة بعد الإضافة عوضاً من التعريف الذي منع.
وقد أجاز المازني أن يكون النصب في الضارب الرجل بوجهين: حكم الأصل الداخل عليه الخفض، وبالتشبيه بالحسن الوجه، ينصبونه نصبه كما خفضوه خفضه.

-[ص: وهي إما صالحة للمذكر والمؤنث معنى ولفظاً، أو معنى لا لفظاً، أو لفظاً لا معنى، أو خاصة بأحدهما معنى ولفظاً، فالأولى تجري على مثلها وضدها، والبواقي تجري على مثلها لا ضدها، خلافاً للكسائي والأخفش.]-

ش: الأولى كل صفة يصلح معناها للمذكر والمؤنث، وقد بنت العرب من اسمها لفظاً للمذكر والمؤنث، وذلك نحو الحسن والقبح والكرم والبخل.
والثانية كل صفة يصلح معناها للمذكر والمؤنث، واختص كل واحد منهما بلفظ، وذلك نحو كبر الألية، فهذا معنى مشترك فيه، لكن خص المذكر بلفظ آلي، والمؤنث بلفظ عجزاء.
والثالثة كل صفة معناها خاص بالمذكر أو المؤنث، واللفظ من حيث الوزن صالح للمذكر والمؤنث، وذلك نحو الحيض والخصاء، فمعنى الحيض مختص بالمؤنث، والصفة منه حائض على وزن فاعل، والخصاء معنى مختص بالمذكر، والصفة منه خصي على وزن فعيل، وهذان الوزنان صالحان للمذكر والمؤنث.
والرابعة كل صفة معناها ولفظها خاص بالمذكر أو المؤنث، وذلك نحو الأدرة والكمرة، معناها خاص بالمذكر، واللفظ خاص به، تقول منهما في الوصف: آدر وأكمر.
ونحو الرتق والعفل، معناها خاص بالمؤنث، واللفظ خاص به، تقول في الوصف: رتقاء وعفلاء.
وقوله فالأولى تجري على مثلها وضدها يعني أنها يجري مذكرها على المذكر وعلى المؤنث، ومؤنثها على المؤنث والمذكر، وهو الذي يعبر عنه النحويون بأنه

يشبه عموماً، تقول: مررت برجل حسن الأب، وبرجل حسن الأم، وبامرأة حسنة الأم، وبامرأة حسنة الأب.
وقوله والبواقي تجري على مثلها تقول: مررت برجل آلي الابن، وبامرأة عجزاء البنت، وبرجل خصي الابن، وبامرأة حائض البنت، ومررت برجل آدر الابن، وبامرأة رتقاء البنت، وهذا يعبر عنه النحويون أنه يشبه خصوصاً.
وقوله لا ضدها، خلافاً للكسائي والأخفش يعني: فإنهما يجيزان جريان هذه الصفة على ضدها في الأقسام الثلاثة، فتقول: مررت برجل عجزاء بنته، وبامرأة آلي ابنها، وبرجل حائض بنته، وبامرأة خصي ابنها، وبرجل رتقاء بنته، وبامرأة آدر ابنها.
وما ذكره المصنف من أن الخلاف في ثلاثة الأقسام/ غير موافق عليه، أما ما لفظه ومعناه خاص بالمذكر أو بالمؤنث نحو آدر وعذراء، أو ما معناه خاص بالمذكر أو المؤنث واللفظ من حيث الوزن صالح لهما - فنقل بعض أصحابنا اتفاق النحويين على أنه لا يشبه إلا خصوصاً، فيجري المذكر على المذكر والمؤنث على المؤنث، وأن الخلاف إنما هو عن الأخفش في الصفة التي هي مشتركة من جهة المعنى واللفظ مختص بالمذكر أو المؤنث نحو آلي وعجزاء.
وأما ما ذكره من أن الكسائي أجاز ما ذكر فقد خالفه أبو جعفر النحاس في بعض الصور، قال أبو جعفر: "أجاز الأخفش: مررت برجل حائض المرأة، ومجصص الدار، وبامرأة خصي الزوج، ولا يجيز ذلك الكسائي ولا الفراء ولا أحد من البصريين غيره" انتهى.
وهذا موافق لنقل أصحابنا عن الأخفش ونص عن الكسائي أنه لا يجيز ذلك، وهو خلاف لما نقل المصنف.
وقال الجرمي في "الفرخ": "واعلم أنه محال أن تقول: مررت بامرأة خصية البعل، ومررت برجل حائض المرأة، لا يكون من الخصاء تأنيث، ولا من الحيض تذكير.
وكذلك إذا كان الوصف مجموعاً والموصوف مفرد، وبالعكس، نحو:

مررت برجل كرام آباؤه، لا تقول: مررت برجل كرام الآباء، وكذلك برجال كريم أعمامهم، لا تقول: برجال كريم الأعمام" انتهى.
ومن الناس من أجاز هذا كله اعتماداً على أن المعنى للسيي، وحملوا عليه قول الشاعر: فهل تسلين لهم عنك شملة... مداخلة، صم العظام، أصوص

جعلوا "صم العظام" نعتاً لـ"شملة"، وهي مفردة، وثم جمع أصم.
وقد نوزع في هذا التخريج، فقيل: صم بدل من الضمير في مداخلة.
وقيل: مرفوع بمداخلة على حذف العائد.
ويقوي هذا رواية النصب في صم على التشبيه.
قيل: وأما الرفع على النعت فبعيداً جداً.
انتهى.
ومثل المصنف هذا الفصل كله في الشرح برفع ما بعد الصفة، فقال: مررت برجل حسن بشره، وبامرأة حسن بشرها، وبامرأة حسنة صورتها، وبرجل حسنة صورته، ومررت بامرأة عجزاء أمتها، أتوم جارتها، عفلاء كنتها، فدل ذلك كله على أنه أدرج في الصفة المشبهة صورة رفع ما بعدها.
وهذه مسألة خلاف: من النحويين من ذهب إلى أن الصفة إذا رفعت هي صفة مشبهة كحالها إذا نصبت أو خفضت؛ وهو اختيار الأستاذ أبي علي، ويظهر من كلام ابن جني.
فعملها الرفع إنما هو بالحمل على اسم الفاعل لا على الفعل؛ لأنها ليست بجارية على الفعل، ولا يعمل عندهم الاسم رفعاً ولا نصباً ولا خفضاً

بالحمل على الفعل حتى يكون جارياً عليه، ولهذا لم يجز من ذهب إلى هذا إعمال اسم الفاعل بمعنى المضي لا في مرفوع ولا منصوب ولا مخفوض؛ فلم يجيزوا: مررت برجل ضارب زيداً أمس، ولا: قائم أبوه أمس.
وإذا كانت كذلك تبين أن هذه الصفات/ إنما رفعت بالحمل على اسم الفاعل؛ لأنها غير جارية على الفعل.
ومن النحويين من ذهب إلى أنها لا تكون صفة مشبهة إلا حالة النصب والجر، وهو اختيار ابن عصفور.
فإذا رفعت هذه الصفة فبالحمل على الفعل، ولا يشترطون في الصفة إذا رفعت الجريان على الفعل في الحركات والسكنات وعدد الحروف؛ وإنما يشترطون ذلك فيها إذا عملت نصباً أو خفضاً، ويجيزون أن يقال: مررت برجل قاعد أبوه أمس.
وقد تقدم لنا ذكر الخلاف في إعمال اسم الفاعل الماضي في المرفوع في "باب اسم الفاعل".
ولم يتعرض المصنف لزمان هذه الصفة، وذكر ذكر في أرجوزته، فقال: وصوغها من لازم لحاضر... كطاهر القلب جميل الظاهر

وهي مسألة خلاف: ذهب أكثر النحويين إلى أنه لا يشترط أن تكون بمعنى الحال.
وذهب أبو بكر بن طاهر إلى أنها تكون للأزمنة الثلاثة، وأجاز أن تقول: مررت برجل حاضر الابن غداً، فتكون بمعنى المستقبل.
وذهب السيرافي إلى أنها أبداً بمعنى الماضي.
وهو ظاهر كلام الأخفش، قال: الصفة لا يجوز تشبيهها إلا إذا ساغ أن يبنى منها قد فعل.

جارٍ التحميل