التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 215-254

وأما قوله "نلوذ في أم" فخرج على أنه ضمن ما يتعدى ب"في" وكأنه قال: نسمك أو نتوقل في أم لنا ما تغتضب؛ لأنه عنى بالأم سلمى أحد جبلي طيئ، وإذا لاذ بها فقد سمك وتوقل فيها.
وأما "وإذا تنوشد في المهارق" فخرج على أن "في المهارق" في موضع الحال، والمجرور الذي يطلبه تنوشد محذوف، والتقدير: وإذا تنوشد بكلام الله- تعالى- في المهارق، اي: مكتوبا في المهارق، وأنشد أي: أجاب، فيكون مثل قول الآخر: يعثرن في حد الظبات، كأنما... كسيت برود بني تزيد الأذرع أي: يعثرن بالأرض في حد الظبات، اي: وهن في حد الظبات، ف "في" للوعاء.
قال بعض شيوخنا: "وإذا حلفوا في المهارق- وهي الصحائف المكتوبة- فقد جعلوا أيمانهم، إلا أن ل "في" معنى لا تقتضيه الباء، وذلك أنه لو قال حلف بالمصحف فيقتضي أنه/ أحضر له المصحف عند اليمين" انتهى وأما "فكلهم في حبال الغي منقاد" فمضمن معنى موثق، وموثق يتعدى بـ"في" قال:

...................... وموثق في حبال القد مسلوب وأما "وأرغب فيها عن لقيط" فهو على حذف مضاف، أي: وأرغب في إمساكها عن لقيط.
وزعم الكوفيون والقتبي أن "في" تكون بمعنى إلى.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، أي: إلى أفواههم.
وخرج على وجهين، كلاهما فيه "في" باقية على بابها: أحدهما: أن يرد بالأيدي الجوارح، ويكون معنى الآية: إذ ردوا أيديهم في أفواههم، وعضوا أناملهم لما نالهم من الغيظ، كما تعالى ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾، ومحال أن يعضوا أناملهم بأفواههم إلا بعد إدخالها في الأفواه والآخر: أن يراد بالأيدي النعم، ويعني ب هنا بلغتهم الرسول عن الله- تعالى- من الأمر بما فيه خير لهم، والنهي عما فيه شر لهم؛ لأن ذلك نعمة، فلما لم يقبلوا الكلام من الرسل صاروا كأنهم ردوا كلامهم في أفواههم، والعرب تقول: رد كلام فلان، إذا لم يقبل منه.
وقال بعض شيوخنا: " المعنى: أدخلوا أيديهم في أفواههم؛ لأن رد اليد إلى الفم يكون على وجهين: أحداهما بالإدخال، والثاني بغير ذلك، ولو قال: فردوا أيديهم إلى أفواههم- لم يكن فيه ما يدل على أنهم أدخلوا أيديهم في أفواههم، وإدخال اليد في الفم أدخل في الرد" انتهى والذي أقوله: إن هذه كناية عن عدم قبولها ما جاءت به الرسل، أي: صيروا أيديهم في أفواه الرسل، بمعنى: أسكتوهم، وسدوا أفواه الرسل بأيديهم

وأبطلوا ما تكملوا به، فكأنهم لم يسمعوا منهم كلاما؛ لأن أفواههم مسدودة بأيديهم.
وزعك الكوفيون أيضا والقتبي والأصمعي أنها تأتي بمعنى "من" واستدلوا على ذلك بقول امرئ القيس: وهل يعمن من كان أحدث عصره... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال أي: من ثلاثة أحوال وخرجه ابن جنى على حذف مضاف، والتقدير عنده: في عقب ثلاثة أحوال.
قال بعض أصحابنا: "والصحيح عندي أن تكون الأحوال جمع حال لا جمع حول، وكأنه قال: في ثلاثة حالات، ويكون المراد بالأحوال الثلاثة: نزول الأمطار بها، وتعاقب الرياح فيها، ومرور الدهور عليها".
قال: "وإنما لم يسغ عندي ما ذهب إليه أبو الفتح لأن المضاف لا يحذف إلا كان عليه دليل، ولا دليل في البيت على ذلك المضاف الذي ادعى حذفه؛ لاحتمال أن يكون كراده ما ذكرناه فلا يحتاج إذ ذاك إلى حذف" وقال بعض شيوخنا: "إنما يريد أن أحدث عهده خمس/ سنين ونصف، فلذلك قال: في ثلاثة أحوال، أي: مداخلة فيها، انتهى وزعم بعض أصحابنا- وتبع أبا علي- أن "في" تأتي زائدة في ضرورة الشعر، قال: "ومن ذلم قول سويد بن أبي كاهل:

أنا أبو سعد إذا الليل دجا... تخال في سواده يرندجا قال: "ألا ترى أن المعنى: تخال سواده يرندجا، إلا أن ذلك من القلة بحيث لا يقاس عليه"

-[ص: ومنها "عن" للمجاوزة، وللبدل، وللاستعلاء، وللاستعانة، وللتعليل، ولموافقة "بعد" و "في". وتزداد هي و "علي" و "الباء" عوضا.]-

ش: قال المصنف رحمه الله- في الشرح: "استعمال عن للمجاوزة أكثر من استعمالها في غيرها، ولاقتضاها المجاوزة عدي بها صد وأعرض وأضرب وانحرف وعدل ونهى ونأى ورحل واستغنى وغفل وسها وسلا؛ ولذلك عدى بها رعب ومال ونحوهما إذا قصد ترك المتعلق به، نحو: رغبت عن الأمر، وملت عن التواني.
وقالوا: رويت عن فلان، وأنباتك عنه، لأن المروى والمنبأ بهم جاوز لمن أخذ عنه.
ولاشتراك عن ومن في معنى المجاوزة تعاقبا في تعدية بعض الأفعال، نحو: كسوته عن عري، ومن عري، وأطعمته عن جوع، ومن جوع، ونزعت الشيء عنه ومنه، وتقبل عنه ومنه، ومنع عنه ومنه، ومن هذا قراءة بعض القراء: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فأوقع عن موقع من، والمعنى الواحد، والله أعلم" انتهى

ونقول: عن جرف جر بدليل حذفها مع الضمير في نحو: رضيت عمن رضيت، تريد: عنه، فلو كانت اسما لم يجز حذفها مع الضمير ولا حذف الضمير وحده، لو قلت صعدت فوق الذي صعدت فوقه لم يجز حذفه "فوقه" ولا حذف

الضمير وحده، وبدليل جواز حذفها ووصول الفعل إلى ما دخلت عليه كما يحذف غيرها من الحروف، وذلك في ضرورة الشعر، قال: تمرون الديار، ولم تعوجوا... كلامكم على إذا حرام أي: عن الديار، وليس المعنى: بالديار؛ لقوله: ولم تعوجوا.
وقال الآخر: كأن عيني وقد بانوني... غربان في جدول منجون أي: بانوا عني ولا تخرج عن الحرفية إلا بدليل، وذلك إذا دخل عليها "من" أو "على" ويدل على أنها الغالب عليها الحرفية أنهم إذا جعلوها اسما لم يعربوها، بل يقرونها على ما كانت عليه من البناء.
ومعناها اسما كانت أو حرفا المجاوزة، فإذا قلت: أطعمته عن جوع - فقد جعلت الجوع مجاوزا له ومنصرفا عنه.
وكذلك: سقيته عن العمية، / وكسوته عن العري، ورميت عن القوس، فالعمية والعري قد تراخيا عنه، وقذفت سهمك عن القوس فجاوزها، وجلست عن يمينه أو من عن يمينه: تراخيت عن يمينه وجاوزتها.
وقد تقدم ذكر الخلاف فيها إذا دخل عليها حرف الجر.
وقوله وللبدل استدل المصنف في الشرح على كونها للبدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، وبقولهم: حج فلان عن أبيه، وقضى عنه دينا، وقول الشاعر:

كيف تراني قالبا مجني... قد قتل الله زيادا عني أي: كان قتل الله زيادا بدل قتلي إياه.
ومثله قول الآخر: حاربت عنك عدا قد كنت تحذرهم... فنلت بي منهم أمنا بلا حذر وما استدل به المصنف يحتمل التأويل؛ ألا ترى أنه يقال: ضمن قتل الله معنى صرف، أي: صرف الله بقتله زيادا عني.
وكذلك: حاربت عنك: صرفت بالمحاربة عنك.
وقوله وللاستعلاء هذا مذهب كوفي، وقال القتبي وهذا المصنف، واستدلوا بقول الشاعر: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب... عني، ولا أنت دياني، فتخزوني أي: على.
وقال آخر: لو أنك تلقي حنظلا فوق بيضهم... تدحرج عن ذي سامه المتقارب أي: على سامه.
واستدل المصنف بقولهم: بخل عنه، أي: عليه.
وخرج ذلك على التضمين، فقال بعض أصحابنا: ضمنه معنى: ما انفردت بحسب عني؛ إذا أفضل عليه في الحسب- أي: زاد- فقد انفرد عنه بتلك الزيادة

وأما "عن سامه" فباقية على موضعها؛ لأن تدحرجه؛ لأن تدحرجه عن ذي سامه المتقارب انتقال عن بعضه إلى بعض.
وقال بعض شيوخنا: "إذا كان أفضل، وكان فوقه في الحسب، فقد زال عنه وصار في حيز، فكأنه قال: لاه ابن عمك ما زال قدرك عن قدري، ولا ارتفع شأنك عن شأني" انتهى.
وأما "بخل عنه" فالتقدير: بخل بماله عنه، فضمن بخل معنى: رغب بماله عنه، أو كف ماله عنه، وكل منهما يتعدي ب"عن".
وقوله وللاستعانة هذا مذهب كوفي أيضا، وقال القتبي وهذا المصنف، زعموا أنها تكون بمعنى الباء.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾، أي: بالهوى، وبقول امرئ القيس: تصد وتبدي عن أسيل، وتتقي... بناظرة من وحش وجرة مطفل أي: بأسيل.
وقال المصنف في الشرح: "واستعمال عن للاستعانة كقول العرب:/ رميت عن القوس، كما يقولون: رميت بالقوس، حكى ذلك الفراء/ وحكى أيضا: رميت على القوس، وأنشد:

أرمي عليها، وهي فرع أجمع... وهي ثلاثة أذرع وإصبع ونازعهم البصريون فيما استدلوا به، فقال بعض أصحابنا في قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ "عن فيه باقية على معناها؛ لأن المعنى: ما صرف نطقه عن الهوى".
وقال بعض شيوخنا: "هو بمنزلة: أطعمتك عن جوع؛ لأنه نفى- تعالى- عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون نطقه كنطق غيره الذين ينطقون عن الهوى، فهو كما تقول: ما تكلم عن حرج".
وأما "عن أسيل" فليست عن فيه متعلقة ب"تصد" كما توهموا، بل ب" تبدي"، وكأنه قال: وتبدي عن أسيل، كما قال الآخر: يهيل، ويبدي عن عروق، كأنها... أعنة خزار جديدا وباليا وإنما عدى تبدي ب"عن" لأنه إذا أبدى عن الشيء فقد صرف عنه ما يستره.
ويرجح كون "عن أسيل" متعلقا ب"تبدي" لا ب"تصد" أنه يؤدي إعمال تصد فيه أن يحذف معمول تبدي، وذلك لا يجوز إلا في ضرورة، ولا حاجة تدعو إلى ارتكابها.
وقال بعض شيوخنا: "وأما البصيرون فيذهبون إلى التضمين؛ لأنه إذا أبدت فقد أزالت الستر، فكأنه قال: تصد وتزيل الستر عن أسيل" وأما ما استدل به المصنف من قول العرب: رميت عن القوس، ورميت بالقوس، بمعنى واحد، وأن عن للاستعانة- فغير مسلم، وقد بينا كون عن في رميت

عن القوس للمجاوزة.
وأما رميت بالقوس فالباء فيه للاستعانة، فكل واحد منها موضوع في مكانه.
وقوله وللتعليل قال المصنف في الشرح: " واستعمال عن للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾،ومنه قوله ضابئ البرجمي: وما عاجلات الطير تدني من الفتى... نجاحا، ولا عن ريثهن يخيب"انتهى وهذا الذي ذكره المصنف هو مذهب للكوفيين، زعموا أن "عن" تكون بمعنى: من أحل، قالوا: ومن ذلك: أطعمه عن جوع، أي: من أجل جوع، وقول الشاعر: بسير، تقلص الغيطان عنه... يبذ مفازة الخمس الكمال يريد: من أجله، وقول الآخر

ولقد شهدت إذا القداح توحدت... وشهدت عند الليل موقد نارها عن ذات أولية أساود ربها... وكان لون الملح فوق شفارها يريد: من أجل ذات أولية، والأولية: جمع ولي، وهو الثاني من الوسمي، ويريد به الربيع الذي يكون عنه.
وتابع أبو بكر بن السراج على كون "عن" بمعنى "من أجل" في قولهم: أطعمنهم عن جوع.
وليس على ما ذهبوا إليه، بل كل واحدة من "عن" و "من" باقية على معناها، فإذا/ قالوا: أطعمته من جوع- فإنما يريدون: من أجل الجوع، وإذا قالوا: أطعمه عن جوع- فإنما أتوا ب "عن" لأن الإطعام بعد الجوع، وإذا كان بعد الجوع فقد تجاوز وقته وقت الجوع.
وكذلك "بسير تقلص الغيظان" لأنها إنما تقلص بعد وقوع السير، فقد تجاوز وقت القلوص وقت السير.
وأما "عن ذات أولية" ف"عن" فيه متعلقة بأساود، وأساود مضمن معنى أسائل؛ ومساودته له في حقها سؤال عنها.
ويمكن أيضا أن يضمن أساود معنى أخادع؛ لأنه إنما ساود ربها ليخدعه عنها، قاله بعض أصحابنا.
وأما ما استدل به المصنف من قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾، و ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾، وقول ضابئ "ولا عن ريثهن يخيب"- فمتأول على أن المعنى: إلا بعد موعده، وبعد قولك، وبعد ريثهن، وإذا كان ذلك بعد فقد تجاوز الوقت الوقت.

وقوله ولموافقة بعد هذا أيضا مذهب كوفي، وتبعهم القتبي وهذا المصنف.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، أيه: بعد طبق، وقول امرئ القيس: وتضحى فتيت المسك فوق فراشها... تؤرم الضحى، لم تنطق عن تفضل يريد: بعد تفضل، وقول الآخر: ومنهل وردته عن منهل يريد: بعد منهل.
قال المصنف: ومنه قول الشاعر: قربا مربط النعامة مني... لقحت حرب وائل عن حيال ومثله: لئن منيت بنا عن غب معركة... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل أي: ننثني قال بعض شيوخنا: "والذي يظهر أن الانتطاق لما كان بعد التفضل صار شبيها بما يكون مسببا عنه، فصار يقرب من قولك: كلمته عن حرج، وأكلت عن جوع، وشربت عن عطش.
وكذا الكلام في قوله:

ومنهل وردته عن منهل وينبغي على قول الكوفيين ومن تبعهم أن تكون عن ظرفا؛ لأنها بمعنى بعد، ولا أعلم أحدا قال فيها إنها اسم إلا إذا دخل عليها حرف الجر" انتهى وقال بعض أصحابنا: "وقعت في هذه المواضع (عن) موقع (بعد) لتقارب معنييهما؛ لأن (عن) تكون لكل عدا الشيء وتجاوزه، و (بعد) لما تبعه وعاقبه، فإذا جاء الشيء بعد الشيء فقد عدا وقته وقته وتجاوزه" انتهى.
وهذا التأويل سائغ في: "عن حيال"، و"عن غب معركة".
وقوله وفي قال المصنف في الشرح: "واستعمال عن موافقة ل (في) كقول الشاعر: وآس سراة الحي حيث لقيتهم... فلا تك عن حمل الراعة واني أي: في حمل الرباعية وانيا.
وجعلت هنا الأصل (في) كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ " انتهى.
وتعدية وني ب (عن) مستعمل في لسان العرب، وفرق بين: ونى عن كذا، وونى في كذا، فإذا قلت ونى عن ذكر الله فالمعنى المجاوزة وأنه لم يذكره، وإذا قلت ونى في ذكر الله فقد التبس بالذكر، ولحقه فيه فتور وأناة.
قال بعض أصحابنا: "وهذا الذي ذهب إليه الكوفيون باطل؛ غذ لو كانت لها معاني هذه الحروف لجاز أن تقع حيث تقع هذه الحروف، فكنت تقول: زيد

عن الفرس، تريد: على الفرس، وجئت عن العصر، تريد: بعد العصر، وأتيك عن زيد، تريد من أجل زيد، وتكلم عن خير، تريد: بخير.
فلما لم تفعل العرب ذلك دل على أنها ليست لها معاني هذه الحروف، وإذا لم تكن لها معاني هذه الحروف وجب أن يتأول جميع ما استدل به الكوفيون.
وقوله وتزداد هي وعلى الباء عوضا أنشد المصنف على زيادة عن عوضا قول الشاعر: أتجزع إن نفس أتاها حمامها... فهلا التي عن بين جنبيك تدفع وقال: "قال ابن جنى: (أراد: فهلا عن التي بين جنبيك تدفع، فحذف عن، وزادها التي عوضا) ". وأنشد على زيادة "على" عوضا قول الراجز: إن الكريم- وأبيك- يعتمل... إن لم يجد بوما على من يتكل وقال: "قال ابن جنى: (أراد: إن لم يجد يوما من يتكل عليه، فحذف عليه، وزاد على قبل من عوضا) " انتهى ولا يتعين هذا التأويل؛ لاحتمال أن يكون الكلام تم عند قوله: إن لم يجد يوما، أي: إذا لم يجد ما يستعين به اعتمل بنفسه، ثم قال: على من يتكل؟ و"من" استفهامية، كأنه قال: على أي شخص يتكل؟ أي: لا أحد يتكل عليه،

فيحتاج أن يعتمل بنفسه لإصلاح حاله، ف "على" من قوله "على من" ب"يتكل وأنشد المصنف على زيادة الباء عوضا قول الشاعر: ولا يواتيك فيما ناب من حدث... إلا أخو ثقة، فأنظر بمن تثق وقال:"أراد: من تثق به، فحذف (به) وزاد الباء قبل من عوضا" انتهى.
ولا يتعين هذا التأويل الذي ذكره لاحتمال أن يكون الكلام تم عند قوله "فانظر"أي: فانظر لنفسك، ولما تقدم أنه لا يواتيه إلا أخو ثقة استدرك على نفسه، فاستفهم على سبيل الإنكار على نفسه حيث قرر وجود أخي ثقة، فقال: بمن تثق، أي: لا أحد يوثق به، فالباء في بمن متعلقة ب"تثق".
قال المصنف في الشرح: "ويجوز عندي أن تعامل بهذه المعاملة: من واللام وإلى وفي، قياسا على عن وعلى الباء، فيقال: عرفت ممن عجبت، ولمن قلت، وإلى من أويت، وفيمن رغبت، والأصل: عرفت من عجبت منه، ومن قلت له، ومن أويت إليه، ومن رغبت فيهن فحذف ما بعد من، وزيد ما قبلها عوضا".
انتهى وهذا الذي أجازه المصنف قياسا لم يثبت الأصل الذي يقاس عليه؛ ألا ترى إلى ما ذكرناه من التأويل فيما استدل به، ولو كانت لا تحتمل التأويل لكانت من الشذوذ والندور والبعد من الأصول بحيث لا يقاس عليها ولا يلتفت إليها.

وما ذهب إليه المصنف من أن "عن" و"على" تكونان زائدتين ليس بصحيح، وقد نص س على أن "عن" و"على" لا يزادان لا عوضا ولا غير عوض.
فأما قول الشاعر: فأصبحن لا يسألنه عن ما به... أصعد في غاوي الهوى أم تصوبا فالذي ينبغي أن يحمل عليه البيت أن الباء زائدة التوكيد؛ لأن الباء معهود زيادتها، ولم يعهد زيادة عن، وإنما زيدت للتأكيد لأنك تقول: سألت عنه، وسألت به"، فمعناها قريب من معنى.
وقد نص ابن جنى على زيادة الباء في "عن بما في" كما زادوا اللام للتأكيد في قول الشاعر: فلا والله لا يلفى لما بي... ولا للما بهم أبدا دواء

-[ص: ومنها للاستعلاء حسا أو معنى، وللمصاحبة، وللمجاوزة، وللتعليل، وللظرفية، ولموافقة "من" و "الباء" وقد تزاد تعويض.]-

ش: أي: ومن الحروف الجر "على".
وهذا الذي ذكره من أن "على" حرف جر هو لمشهور عند النحاة، وقد مر ذكر الخلاف فيها ومذهب من زعم أنها لا تكون أبدا إلا اسما.
وقال في "الإفصاح" وقد اختلف أشياخنا إذا كانت اسما أمعربة هي أم مبنية؛ فقال أبو لقاسم بن القاسم: هي مبينية، والألف فيها كالألف في هذا وما؛ بدليل عن إذا كانت اسما وكاف التشبيه ومنذ ومذ، يبنى كل واحد منهما لتضمنه معنى الحرف الذي يكونه؛ لأنهما بمعنى واحد.

وكذا كان يقول أبو الحسن بن خروف، كان يقول: لا تكون إلا اسما، وكل من أدركنا ممن يقول لا تكون إلا اسما يجعلها معربة، وهو القياس؛ لأنها تخرج عن شبه الحرف؛ إذا لا حرف في معناها، وقلة تصرفها لا توجب لها البناء، كعند وذات مرة وبعيدات بين.
وقد قال بعض أشياخنا: "هي معربة وإن كانت تكون حرفا؛ لأنه لم تظهر فيها علامة البناء، فينبغي أن تحمل على أصل الأسماء من الإعراب، وما ذكره أبو القاسم هو الوجه والقياس" انتهى ومثال الاستعلاء حسا قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.
ومثاله معنى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ / ﴿بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
قال المصنف في الشرح: "ومن هذا النوع المقابلة اللم المفهمة ما يحب، كقول الشاعر: فيوم علينا، ويوم لنا... ويم تساء، ويوم نسر ومثله قول الآخر: عليك لا لك من يلحاك في كرم... مخوفا ضرر الإملاق والعدم ومثله: لك لا عليك من استغنت، فلم يعن... إلا على ما ليس فيه ملام

ومن هذا النوع وقوع (على) بعد وجب وشبهه؛ لأن وجب عليك مقابلة لوجب لك.
وكذا وقوعها بعد كذب وشبهه.
ومن الاستعلاء المعنوي وقوعها بعد كبر وصعب وعسر وعظم مما فيه ثقل.
وكذلك ما دل على تمكن، نحو ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾، (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) " انتهى قال بعض أصحابنا: وقد يعرض فيها إشكال في بعض المواضع، فيظن أنها فارقت معنى الاستعلاء وليس كذلك، فمن تلك المواضع: زوت زيدا على مرضي، وأعطيته على أنه شتمني، ومنه قول فيس الرقيات: ألا طرقت من آل بثنة طارقة... على أنها معشوقة الدل عاشقة وخفي على كذا، وأشكل على كذا، وتقول عليه، وحمل عليه كذا، قال: وما زالت محمولا على ضغينة... ومضطلع الأضغان مذ أنا يافع واتصل بي هذا على لسان فلان، وجازاه على كذا، وعاقبه على كذا، وكر عليه، وعطف عليه، ورجع عليه، وحنى عليه.
وهذا كله من المجاز وتشبيه المعقول بالمحسوس.
وقوله وللمصاحبة هذا مذهب كوفي، وقال به الفتبي وهذا المصنف، واستدل في شرحه بقوله تعالى: (وءاتى المال على حبه ذوي القربى)

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾،.ومنه (وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)، أي: مع بلوى تصيبه.
انتهى ما استدل به.
واستدل الكوفيون والقتبي بقول لبيد: كأن مصفحات في ذاره... وأنواحا عليهن المآلي أي: معهن المآلي، وقول الآخر: وبردان من خال وسبعون درهما... على ذاك مقروظ من القد ماعز أي: مع ذلك.
وتأول أصحابنا ما استدلوا به، فقال بعضهم: "عليهن المآلي"، "على" فيه/ على معناها؛ لأن العرب تجعل ما أشرف على جزء من الجسم مشرفا على الجسم

كله، فتقول: جاء زيد وعليه خف.
ويمكن أن يكون على حذف مضاف، أي على أيديهن المآلي، وعلى رجليه خف.
وأما "على ذاك" فهو خبر لمقروظ، فيتعلق بمحذوف، والتقدير: زائد على ذلك مقروظ، هذا إذا كان مراده أن يعطي مع الأشياء التي ذكرها قبل جلدا مقروظا، أي: مدبوغا بالقرظ.
وإن كان مراده عيبة من جلد مدبوغ بالقرظ فيه البردان والسبعون درهما كانت (على) في موضعها؛ أنها إذا كانت في المقروظ فالمقروظ عليها.
وقال بعض شيوخنا في قول لبيد: كأن مصفحات في ذراه... وأنواحا عليهن المآلي هذا عند البصريين على التضمين؛ لأنه يصف سحابا، والذرا: أعالي السحاب، والأنواح: جمع نوح، وهي النائحات، والمآلي: الخرق التي تجفف بها الخرق، وهي عليها، لأنهن إذا بكين وجففن عيونهن بالمآلي وضعنها على أكتافهن وعلى وجوههن ف"على" في موضعها، وهذا من عكس التشبيه؛ لأن الدموع هي التي تشبه بالأمطار، كما قال امرؤ القيس: فدمعها سكب، وسح، وديمة... ورش، وتوكاف، وتنهلان وأما ما استدل به المصنف فلا دليل فيه، ويمكن حمل "على" في ذلك على موضعها مجازا.

وقوله وللمجاوزة هذا أيضا مذهب كوفي، وتبعهم القتبي وهذا المصنف، قال في الشرح: "واستعمالها للمجاوزة موقوعها بعد بعد وخفى وتعذر واستحال وحرم وغضب وأشباهها، ولمشاركتها عن في المجاوزة تعاقبتا في بعض المواضع، نحو: رضي عنه وعليه، وأبطأ عنه وعليه، وأحال بوجهه عنه وعليه: إذا عدل عنه، وولى بوده عنه وعليه، قال الشاعر: وإن بشر يوما أحال بوجهه... عليك فحل عنه وإن كان دانيا وقال آخر: إذا ما أمرؤ ولى على بوده... وأدبر لم يصدر بإدباره ودى ويروى: لم يدبر.
إذا رضيت على بنو قشير... لعمر الله أعجبني رضاها وقوله: أرمي عليها وعي فرع أجمع وقوله:

لم تعقلا جعفرة على، ولم... أوذ صديقا، ولم أكن طبعا وقوله: إذا ما أمرؤ ولى على بوده......... وتأول البصريون ذلك: فأما "إذا رضيت علي" فمضمن معنى العطف، لأنه إذا رضي عنه فقد عطف عليه.
أو أجرى رضي مجرى ضده، وهو سخط، فعداه تعديته، فكما يقال سخط عليه قيل رضي عليه.
وأما "أرمى عليها" فيه على بابها؛ لأنه إذا رمى بالقوس جعل سهمه عليها، فكأنه قال: أرمى السهم بالرمي عنها.
ومن قال رميت بالقوس، فأدخل الباء على القوس لأنها آلة للرمي.
وأما "لم تعقلا جفرة علي" ف"على" متعلقة بفعل محذوف، كأنه قال: لم تعقلا جعفرة تعتدان بها علي، ف"على" باقية فيه على بابها.
وأما "ولى على بوده" فمضمن معنى ما يتعدى بعلى- وهو بخل- لأنه إذا ولى بوده عنه فقد بخل به عليه.
وقوله وللتعليل قال المصنف في الشرح: "كقوله تعالى ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، ومنه قول الشاعر:

على مورثات المجد تحمد، فاقنها... ودع ما عليه ذم من كان قد ذما وعليه قول الآخر: على م تقول الرمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت أي: لأي سبب؟ ومنه قول ضريب بن أسد القيسي: على م قلت نعم حتى إذا وجبت... ألحقت (لا) بـ (نعم)، ما هكذا الجود" انتهى.
وزعم الكوفيون والقتبي أن "على" تكون بمعنى اللام، واستدلوا بقول الراعي: رعته أشهرًا، وخلا عليها... فطار الني فيها، واستعارا أي: خلا لها.
وتأوله البصريون على تضمين "خلا" معنى وقف؛ لأنه إذا خلا لها فقد وقف عليها.
يصف إبلًا سمنت بسرعة، والني: الشحم، واستعار: يريد استعر من السعير، وهو افتعل، أشبع الفتحة، فتولد منها ألف.
وقوله وللظرفية هذا مذهب كوفي، وتبعهم القتبي وهذا المصنف.
واستدلوا بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، أي: في ملك سليمان، وبقوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾، وقال الشاعر:

يمرون بالدهنا خفافًا عيابهم... ويخرجن من دارين بجر الحقائب على حين ألهى الناس جل أمورهم... فندلًا-زريق-المال ندل الثعالب وتأول البصريون (تتلو) على تضمينها معنى تتقول وتكذب، وتقول: قال عليه ما لم يقل، أي: كذب عليه؛ لأنها إذا تلت فيه ما ليس بصحيح فقد تقوله، وقالت/عليه ما ليس بصحيح.
وأما ((على حين)) فللاستعلاء المجازي، لما تمكن من الدخول أو الخروج في ذلك الوقت صار مستعليًا عليه على سبيل المجاز.
وقوله ولموافقة من هذا مذهب كوفي أيضًا، وتبعهم القتبي وهذا المصنف.
واستدلوا بقوله: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾، أي: من الناس، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾، المعنى: من أزواجهم.
فأما ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ فعلى ما ذكره الفراء، وهو أن من وعلى اعتقبا مع اكتال؛ لأنه حق [عليه]، فإذا قال اكتلت عليك فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال اكتلت منك فكأنه قال: استوفيت منك.
وقال بعض شيوخنا: "والبصريون يذهبون إلى التضمين، وكأن المعنى-والله أعلم-: إذا حكموا على الناس في الكيل استوفوا؛ لأن ذلك لا يكون حتى يلوا الكيل بأنفسهم" انتهى.

وأما ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ فضمن ﴿حَافِظُونَ﴾ معنى: قاصرون-والله أعلم- أي: والذين هم قاصرون فروجهم إلا على أزواجهم، تقول: قصرت أمري على فلان.
وقوله والباء هذا أيضًا مذهب كوفي، وتبعهم القتبي وهذا المصنف.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، أي: بألا أقول.
وقرأ أبي بن كعب: ﴿أَنْ لا أَقُولَ﴾، فكانت قراءته مفسرة لقراءة الجماعة، وبقول أبي ذؤيب: وكأنهن ربابة، وكأنه... يسر يفيض على القداح ويصدع وبقول الآخر: شدوا المطي على دليل دائب... من أهل كاظمة بسيف الأبحر أي: يفيض بالقداح، وبدليل دائب.
وقالت العرب: اركب على اسم الله، أي: باسم الله.
فأما ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ﴾ فخرج على تضمين (حقيق) معنى حريص، أي: حريص على ألا أقول على الله إلا الحق.

وأما "يفيض على القداح"، و"على دليل"، و"على اسم الله"-فخرج على تعليق ((على)) بمحذوف، أي: يفيض صائحًا على القداح، واركب معتمدًا على اسم الله، وشدوا المطي معتمدين على دليل.
وقوله وقد تزاد دون تعويض إنما قال "دون تعويض" لأنه كان قد قدم أن عن وعلى والباء تزاد عوضًا، وتقدم لنا تأويل ما استدل به، ودعواه زيادة "عن"و"على" مخالف لنص س، قال س: عن وعلى لا يزادان.
واستدل المصنف بقول حميد بن ثور: أبى الله إلا أن سرحة مالك... على كل أفنان العضاه تروق قال: ((وزاد على لأن راق متعدية مثل أعجب، تقول: راقني حسن الجارية، وأعجبني عقلها، وفي الحديث (من حلف على يمين)، والأصل: حلف يمينًا، قال/النابغة: حلفت يمينًا غير ذي مثنوية..................................)) انتهى.

ولا دليل فيما استدل به؛ لأنه يحتمل التضمين، فضمن تروق معنى تفضل وتشرف، أي: تشرف على كل أفنان العضاه.
وأيضًا فنسبة إعجابها كل أفنان العضاه لا تصح إلا بمجاز بعيد؛ لأن الأفنان لا تعجب، لو قلت: أعجبت شجرتك هذا الشجر-لم يصح إلا بتكلف جعل الشجر نزل منزلة العاقل حتى يصير يعجب.
وأما (من حلف على يمين) فإن صح أنه من لفظ الرسول فهو مضمن معنى جسر، أي: من جسر بالحلف على يمين.
قال بعض أصحابنا فيما ذهب إليه الكوفيون ومن تبعهم من أن (على) تأتي بمعنى عن، ومعنى اللام، ومعنى الباء، ومعنى مع، ومعنى في، ومعنى من: لو كان لها هذه المعاني لوقعت موقع هذه الحروف، فكنت تقول: زلت عليه، أي: عنه، وعلى زيد مال، أي: لزيد مال، وكتبت على القلم، أي: بالقلم، وجاء زيد على عمرو، أي: مع عمرو، والدرهم على الصندوق، أي: في الصندوق، وأخذت الدرهم على الكيس، أي: من الكيس، فلما لم تقل العرب ذلك دل على أنها ليست لها معاني هذه الحروف، فوجب أن يتأول جميع ما استدلوا به.

-[ص: ومنها "حتى" لانتهاء العمل بمجرورها أو عنده، ومجرورها إما بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهامًا صريحًا أو غير صريح، وإما كبعض.
ولا يكون ضميرًا، ولا يلزم كونه آخر جزء أو ملاقي آخر جزء، خلافًا لزاعم ذلك.
ويختص تالي الصريح المنتهي به بقصد زيادة ما، وبجواز عطفه، واستئنافه.
وإبدال حائها عينًا لغة هذيلية.]-

ش: "حتى" عاطفة، ويأتي حكمها في حروف العطف.
وحرف ابتداء، يجيء بعدها المبتدأ والخبر، وهل ذلك المبتدأ والخبر في موضع جر أو لا موضع له من الإعراب؟ الأول مذهب الزجاج وابن درستويه،

والثاني مذهب الجمهور، وسنتكلم على ذلك إن شاء الله تعالى آخر كلام ((حتى)) الابتدائية.
وجارة، وهي على قسمين: تارة تدخل على الفعل المضارع المنصوب، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾، فيكون المجرور مصدرًا مقدرًا، وحكمها مذكور في الحروف التي ينتصب الفعل بإضمار أن بعدها، وقد أمعنا الكلام فيها هناك.
وتارة تدخل على الاسم الصريح، فتجره، وهي التي نتكلم فيها هنا، نحو قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، و ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾.
وكونها جارة بنفسها هو مذهب البصريين.
وقال الفراء في "كتاب الحدود": "حتى خافضة لنيابتها عن (إلى)، كما في واو القسم لنيابتها عن الباء، وواو رب، وربما أظهروا (إلى) في بعض المواضع، قالوا: جاء الخير حتى إلينا، وجمعوا بينهما بتقدير إلغاء أحدهما، وقد يجمعون بين الحرفين إذا اختلف اللفظان، فيقولون: رأيتك/من غير لا فحش ولا ريبة، وقالوا: جئت لكي تقوم، فجمعوا بين اللام وكي، وأنشدني أبو ثروان: أرادت لكيما لا ترى لي غفلًة... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل وقد جمعوا بين ثلاثة أحرف لمعنى، أنشدني الكسائي: أردت لكيما أن تطير بقربتي... فتتركها شنا ببيداء بلقع

وأنشدني بيتًا فيه: لا إن ما رأيت............................................................ جمع بين ثلاثة أحرف للجحد".
وقوله لانتهاء العمل بمجرورها أو عنده قال في الشرح: "نحو: ضربت القوم حتى زيد، فزيد مضروب، انتهى الضرب به، ويجوز أن يكون غير مضروب، لكن انتهى الضرب عنده، وإذا كان انتهاء الضرب به ففي ذكر القوم غنًي عن ذكره، لكن قصد التنبيه على أن فيه زيادة ضعف أو قوة أو تعظيم أو تحقير"انتهى.
وقال صاحب "الذخائر": "إذا جرى على الغاية فيحتمل أن يكون ما بعدها داخلًا فيما قبلها أو غير داخل؛ لأن المعنى الانتهاء، فإذا قلت: ضربت القوم حتى زيد-فمعناه: حتى انتهى إلى زيد، فيجوز أن يكون معهم وألا يكون، إلا أن يدل دليل عليه" انتهى.
يعني أنه على حسب الدليل من دخول أو خروج.
وجماع القول في حتى هذه بالنسبة إلى ما يجوز في الاسم بعدها من الإعراب أن الاسم الواقع بعدها إما أن يقع بعده ما يصلح أن يكون خبرًا أو لا؛ إن لم يقع فإما أن يتقدم ما يصلح أن يكون ما بعد حتى غاية له أو لا يتقدم، إن لم يتقدم نحو: العجب حتى الخز يلبس زيد-فأجاز الجر فيه الكسائي والفراء، ومنعه البصريون.
وإن تقدم ما يصلح أن يكون ما بعد حتى غاية فإما أن يكون جزءًا لما قبلها أو لا، إن لم يتقدم ما يصلح أن يكون جزءًا له فالجر، نحو: نمت حتى الصباح.
أو تقدم واحتفت به قرينة تدل على أنه غير داخل في حكم ما قبله فالجر، نحو: صمت

الأيام حتى يوم الفطر، أو لم تحتف به قرينة فالجر، وحمل على تشريكه لما قبله في الحكم، ويجوز العطف، وهو لغة ضعيفة، فيتبع، إلا إن اقترنت به قرينة تدل على أن المراد العطف، فلا يجوز الخفض إذ ذاك، نحو: ضربت القوم حتى زيدًا أيضًا؛ لأن "أيضًا" تدل على إرادة تكرار الفعل، وهذا المعنى لا يعطيه إلا العطف، كأنك قلت: ضربت القوم حتى ضربت زيدًا أيضًا.
ولا يجيز البصريون رفعه على الابتداء والخبر محذوف، وأجازه بعض الكوفيين.
ورد بأنه لم يسمع، والقياس يأباه.
قال الأستاذ أبو علي: لأن حتى مهيأة للعمل في الاسم من حيث هو مفرد، ثم قطعتها عنه، ولأنه يلزم من ذلك إعمال العامل المعنوي وترك العامل اللفظي مهيأ للعمل فيه؛ واللفظي أقوى من المعنوي.
أو وقع اسمًا مفردًا فلا يجوز إلا أن تكون حرف ابتداء، نحو: ضربت القوم حتى زيد مضروب.
أو ظرفًا أو مجرورًا فالابتداء والجر والعطف، /نحو: القوم عندك حتى زيد عندك، والقوم في الدار حتى زيد فيها.
أو جملًة اسمية وما بعدها شريك لما قبلها في المعنى فتلك، نحو: ضربت القوم حتى زيد هو مضروب، أو غير شريك فالرفع بالابتداء لا غير، نحو: ضربت القوم حتى زيد أبوه مضروب.
وأجاز الكوفيون الجر في نحو: ضربت القوم حتى زيد فتركت.
ومنعه البصريون.
أو فعليًة وهو غير شريك فالابتداء والحمل على إضمار فعل يفسره ما بعد حتى؛ نحو: ضربت القوم حتى زيد ضربت أخاه.
أو شريك والفعل عامل في ضمير الاسم الذي قبل حتى فالجر والعطف، نحو: ضربت القوم حتى زيد ضربتهم، أو في

ضمير ما بعد حتى فالابتداء، والجملة خبره، وحمله على إضمار فعل يفسره الفعل بعده، فالجر والعطف، نحو: ضربت القوم حتى زيد ضربته، ومن ذلك: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله... والزاد حتى نعله ألقاها وزعم بعض شيوخ الأندلس أن الخفض والعطف في هذه المسألة لا يجوزان، وزعم أن الضمير في "ألقاها" عائد على الصحيفة، ولا يجوزان إلا إذا كان الضمير عائدًا على ما قبل حتى.
والصحيح جواز ذلك، وتكون تأكيدًا معنويا من حيث كان زيد شريكًا لهم في الضرب، فضربته توكيد لما اقتضاه معنى الكلام من أنك ضربت زيدًا.
وزعم الكوفيون أنه لا يجوز الجر في نحو: ضربت القوم حتى زيد ضربته، إلا أن تقول: فضربته.
وأجاز الجر فيهما البصريون.
قال المصنف في الشرح: "ويجوز كون تالي الصريح منتهًى عنده لا به كما يجوز مع إلى، فإنهما سواء في صلاحية الاسم المجرور بهما للانتهاء به والانتهاء عنده؛ أشار إلى ذلك س والفراء وأبو العباس أحمد بن يحيي، وقال أحمد بن يحيي: (قوله ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) مثل حتى للغاية، والغاية تدخل وتخرج، يقال: ضربت القوم حتى زيد، فيكون مرة مضروبًا وغير مضروب، فيؤخذ هنا بالأوثق).
يريد أن

كون المرافق مدخلة في الغسل هو المعمول به؛ لأنه أحوط الحكمين.
ومن شواهد استواء حتى وإلى أن قوله تعالى: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، قرأه عبد الله ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ومن شواهد خروج ما بعد حتى مع صلاحيته للدخول قول الشاعر: سقى الحيا الأرض حتى أمكن عزيت... لهم، فلا زال عنها الخير محدودا" انتهى.
وقد تقدم من قولنا أنه إذا لم تحتف قرينة تدل على أن ما بعد حتى إذا كان مجرورًا غير داخل في حكم ما قبلها فإنه يكون داخلًا في حكم ما قبلها، نحو: ضربت القوم حتى زيد، ولا حجة له في قراءة عبد الله ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾؛ لأنه لم يذكر قبل حتى ما يصلح أن يكون ما بعدها جزءًا له، فهو من التالي غير الصريح، كقولك: نمت حتى الصباح، /فالصباح لم يقع فيه نوم.
وكذلك لا حجة في البيت وإن كان قد تقدم ما يصلح أن يكون ما بعد حتى جزءًا؛ لكن احتفت به قرينة تدل على عدم دخوله في حكم ما قبل حتى، وهي قوله: "فلا زال عنها الخير محدودا".
قال أصحابنا: وما بعد (حتى) لا يكون إلا داخلًا في معنى ما قبلها، إلا أن تقترن بالكلام قرينة تدل على خلاف ذلك.
وفي "الإفصاح": اختلف الناس فيما بعد حتى إذا كانت جارة هل يدخل فيما قبلها أم لا: فمذهب أبي العباس وأبي بكر وأبي علي أنه داخل على

كل وجه.
وقال الفراء والرماني وجماعة: يدخل ما لم يكن غير جزء منه، نحو قولهم: إنه لينام الليل حتى الصباح.
واتفقوا على أنها إذا عطفت دخل ما بعدها فيما قبلها.
واتفقوا على أنها لا تعطف إلا حيث تجر، ولا يلزم العكس.
واتفقوا على أنه إذا لم يكن قبلها ما يعطف عليه لم يجز إلا الخفض، نحو ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، و ﴿حَتَّى حِينٍ﴾.
وصرح س أن ما بعدها داخل فيما قبلها ولابد، لكنه مثل بما هو بعض مما قبله.
وقال أبو العباس: "أكلت السمكة حتى رأسها، فالرأس قد دخل في الأكل؛ لأن معناها عاملًة وعاطفًة واحد".
وقوله ومجرورها إلى قوله أو غير صريح قال المصنف في الشرح: "وعنيت بالصريح كونه بلفظ موضوع للجمعية، فيدخل في ذلك الجمع الاصطلاحي واللغوي كرجال وقوم.
وعنيت بغير الصريح ما دل على الجمعية بغير لفظ موضوع لها، كقوله تعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، فإن مجرور حتى فيه منتهًى لأحيان مفهومة غير مصرح بذكرها".
وقوله وإما كبعض مثاله: ألقى الصحيفة................................................................

البيت؛ لأن النعل ليست بعضًا من الصحيفة والزاد، لكنها كبعض باعتبار أن إلقاء الصحيفة والزاد إنما كان ليخلو من ثقل وشاغل، والنعل مما يثقل ويشغل، فجاز عطفها لذلك؛ لأنه بمنزلة أن تقول: ألقى ما يثقله حتى نعله.
ويروي "نعله" بالأوجه الثلاثة.
وقوله ولا يكون ضميرًا أي: ولا يكون المجرور بحتى ضميرًا.
هذا مذهب س. وأجاز الكوفيون والمبرد جرها للمضمر، واستدلوا بقول الشاعر: فلا والله لا يلقى أناس... فتى حتاك، يا بن أبي يزيد وهذا البيت عند البصريين ضرورة.
ومن أجاز أن تجر المضمر أدخلها على المضمرات المجرورات كلها، نحو: حتاي وحتاه وحتاهما وحتاكما وحتاكم وحتاهم وحتانا وحتاكن.
ولا ينبغي القياس على حتاك من هذا البيت، فيقال ذلك في سائر الضمائر.
وانتهاء الغاية في حتاك هنا لا أفهمه، ولا أدري ما غيي هنا بحتاك، فلعل هذا البيت مصنوع.
وقوله ولا يلزم إلى قوله خلافًا لزاعم ذلك قال المصنف في الشرح: "والتزم الزمخشري كون/مجرورها آخر جزء أو ملاقي آخر جزء، وهو غير لازم، ومن دلائل ذلك قول الشاعر: إن سلمى من بعد يأسي همت... بوصال، لو صح لم يبق بوسا

عينت ليلًة، فما زلت حتى... نصفها راجيًا، فعدت يؤوسا" انتهى.
وما نقله عن الزمخشري هو قول أصحابنا، قال بعضهم: "ولا يكون الاسم الذي انجر بها إلا آ×ر جزء من الشيء، نحو قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، أو ملاقيًا لآخر جزء منه، نحو قولك: سرت النهار حتى الليل، ولو قلت: أكلت السمكة حتى وسطها، وسرت النهار حتى نصفه- لم يجز ذلك، بل إذا أردت ذلك المعنى أتيت بإلى، فقلت: أكلت السمكة إلى وسطها، وسرت النهار إلى نصفه، فـ (إلى) في استعمالها لانتهاء الغاية أقعد من (حتى)؛ لأنها تدخل على كل ما جعلته انتهاء غاية، وسواء في ذلك أن يكون آخر جزء من الشيء أو ملاقيًا لآخر جزء، أو لا يكون، ولما كانت أقعد منها في ذلك جروا بها الظاهر والمضمر، ولم يجروا بحتى إلا الظاهر" انتهى.
وما استدل به المصنف من قوله "عنيت ليلةً" البيت، لا حجة فيه؛ لأنه لم يتقدم حتى ما يكون ما بعدها جزءًا له، ولا ما يكون ما بعدها ملاقيًا لآخر جزء منه في الجملة المغيا العامل فيها بحتى، فليس البيت نظير ما مثل به أصحابنا من قولهم: أكلت السمكة حتى وسطها؛ لأنه تقدم السمكة في الجملة المغيا العامل فيها بحتى، وليس الوسط آخر جزء في السمكة ولا ملاقيًا لآخر جزء منها، فلو صرح في الجملة بذكر الليلة فقال: فما زلت راجيًا وصلها تلك الليلة حتى وسطها-كان ذلك حجة على الزمخشري.
ونحن نقول: إذا لم يتقدم في الجملة المغياة بحتى ما يصح أن يكون ما بعد حتى آخر جزء منه، أو ملاقيًا آخر جزء منه-جاز أن تدخل على ما ليس بآخر جزء ولا ملاق آخر جزء إذا تقدم على الجملة مالغياة ما يصلح أن يكون ما بعد حتى جزءًا من ذلك السابق على الجملة، ولا يعتبر فيه كونه آخر جزء منه ولا ملاقيًا لآخر جزء منه، كذلك البيت الذي أنشده المصنف.

وقوله ويختص إلى بزيادة ما قد تقدم شرح المصنف لهذه الزيادة بأنها ضعف أو قوة أو تعظيم أو تحقير.
وقوله وبجواز عطفه العطف لغة ضعيفة، وستأتي أحكامها في العطف إن شاء الله تعالى.
وقوله واستئنافه قال المصنف في الشرح: "نحو: ضربتهم حتى زيد، فزيد مبتدأ محذوف الخبر، ويروي بالأوجه الثلاثة قول الشاعر: عممتهم بالندى حتى غواتهم... فكنت مالك ذي غي وذي رشد ويروى بالأوجه الثلاثة أيضًا قوله: ...................................... حتى نعله ألقاها" انتهى.
وقد تقدم لنا أن البصريين لا يجيزون فيه أن يكون مبتدأ إلا إذا كان ما بعده يصلح أن يكون خبرًا، وأن مجيز ذلك بعض/الكوفيين، وذكرنا علة امتناع ذلك.
وإن صح في ((غواتهم)) الرفع عن العرب كان حجة لهذا المذهب.
وأما "حتى نعله ألقاها" فلا حجة فيه؛ لأنه صرح بما يصلح أن يكون خبرًا للنعل، وهو قوله: ألقاها.
وقوله وإبدال حائها عينًا لغة هذيلية كرر المصنف إبدال حائها عينًا في الفصل الرابع من "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك"، فقال حين تكلم على نعم: "وكسر عينها لغة كنانية، وقد تبدل حاء، وحاء حتى عينًا"، لكنه هنا نسب الإبدال إلى لغة هذيل.

وقال المصنف في الشرح: ((وفي قراءة ابن مسعود: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، وسمع عمر-رضي الله عنه-رجلًا يقرأ: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾، فقال: من أقرأك؟ قال: ابن مسعود.
فكتب إليه: إن الله أنزل هذا القرآن، فجعله عربيًا، وأنزله بلغة قريش، فلا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام" انتهى.
وأما "حتى" الابتدائية فهي التي تجيء بعدها الجملة من المبتدأ والخبر، أو الشرط والجزاء، أو الفعل ومرفوعه، فمن مجيء المبتدأ والخبر قول الشاعر: فيا عجبا، حتى كليب تسبني... كأن أباها نهشل أو مجاشع وقول الآخر: فما زالت القتلى تمج دماءها... بدجلة، حتى ماء دجلة أشكل وقول الآخر: سريت بهم حتى تكل مطيهم... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان وقال ابن طاهر: إنها في "حتى كليب" عاطفة، والمعنى: يسبني الناس حتى كليب.
وقال في "وحتى الجياد": إن العطف للواو، وجردت حتى للغاية كما تجرد لا للنفي في: ما قام زيد ولا عمرو، ولكن للاستدراك في: ما قام زيد ولكن عمرو.
ومن مجئ الشرط قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾.
وهذا أول موضع وقع في القرآن من دخول حتى على إذا، وهو كثير

في القرآن، وتقدم لنا الرد على المصنف في زعمه أن إذا مجرورة بحتى، وذلك في الفصل الأول من باب المفعول المسمى ظرفًا.
ومن مجئ الفعل ومرفوعه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا﴾.
وكذلك إذا جاء المضارع بعدها مرفوعًا، نحو قوله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾، وقولهم: سرت حتى تطلع الشمس، بالرفع.
وليس معنى قولهم "حرف ابتداء" أنه يصحبها المبتدأ دائمًا، إنما معناه أنها بصدد أن يأتي بعدها المبتدأ، كما قال: هي ولكن وبل من حروف الابتداء، وإن كان يقع بعدها غير المبتدأ، وإنما المعنى أنها يصلح أن يقع بعدها المبتدأ.
وقد وقع للمصنف وهم في أول شرحه في حتى، فقال: "والجارة مجرورها إما اسم صريح، نحو ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين﴾، و ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، أو مضارع، نحو: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ ". فزعم أن مضمرة بعد حتى في قوله (حتى عفوا).

ونحن نقول: إنها حرف ابتداء، والذي نقول: إنها في مثل هذا حرف ابتداء، ولولا ظهور النصب في المضارع بعد حتى لم ندع أن مضمرة بعدها، ولهذا قال بعض شيوخنا: "ضابط حتى أن تقول: إذا كان بعدها مفرد مخفوض أو فعل مضارع منصوب فهي حرف جر، وإذا وقع بعدها اسم مفرد مرفوع أو منصوب فهي حرف عطف، فإن وقع بعدها جملة فهي حرف ابتداء".
وقال أيضًا: "اعلم أنها إذا كانت حرفًا من حروف الابتداء فإنها تقع بعدها جملة من فعل وفاعل، وجملة من مبتدأ وخبر.
وإذا وقع بعدها إن كانت مكسورة، بخلاف الجارة والعاطفة، فإنها تكون مفتوحة.
وإذا قلت: سرت حتى أدخل المدينة، ورفعت أدخل-كانت حتى حرف ابتداء، وكان معناها معنى الفاء، كأنك قلت: سرت فأنا الآن أدخلها لا أمنع من ذلك، وسرت فدخلتها، ثم وضع المضارع موضوع الماضي، كما جاء: لعمري لقوم قد ترى أمس فيهم................................... " انتهى.
وقد تقدم لنا ذكر الخلاف في الجملة الابتدائية أهي في موضع جر أم لا موضع لها من الإعراب، ومذهب الجمهور أنها لا موضع لها من الإعراب.
وإنما لم يجز أن تكون الجملة في موضع جر لأن الجمل لا تدخل عليها حروف الجر في فصيح الكلام، لا يقولون: عجبت من يقوم زيد، ولا: عجبت من زيد قائم؛ لأن ذلك ضرب من تعليق حروف الجر، وحروف الجر لا تعلق؛ ألا ترى كيف فحش س: أشهد بلذاك.

-[ص: ومنها الكاف للتشبيه، ودخولها على ضمير الغائب المجرور قليل، وعلى أنت وإياك وأخواتهما أقل.
وقد توافق "على".
وقد تزاد إن أمن اللبس.
وتكون اسمًا، فتجر، ويسند إليها.
وإن وقعت صلًة فالحرفية راجحة.
وتزاد بعدها "ما" كافًة وغير كافة، وكذا بعد "رب"و"الباء"، وتحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل، وقد تحدث في الكاف معنى التعليل، وربما نصبت حينئذ مضارعًا، لا لأن الأصل "كيما".
وإن ولي ربما اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبره، لا خبر مبتدأ محذوف و ((ما)) نكرة موصوفة بهما، خلافًا لأبي علي في المسألتين.
وتزاد "ما" غير كافة بعد "من" و"عن".]-

ش: أي: ومن حروف الجر الكاف.
والدليل على حرفيتها وصلهم الموصول بها في حال السعة، تقول: جاءني الذي كزيد، كما تقول: جاءني الذي في الدار.
وليست الكاف كعلي وعن وفي ونحوها من الحروف التي تجر المضمر، فيجوز حذفها وحذفه في الصلة، نحو: غضبت علي الذي غضبت، تريد: عليه؛ لأن جرها المضمر لا يكون إلا ضرورة.
ولا هي/مما إذا جرت الظاهر يجوز حذفها، فيصل الفعل إلى مجرورها، فينصبه نصب المفعول، كما قال: ............................................ لقضاني يريد: لقضى علي، فيستدل على حرفيتها بأحد هذين، فلذلك عدل النحويون إلى الاستدلال على حرفيتها بكونها يوصل بها في فصيح الكلام.
وقد استدل أيضًا على حرفيتها وانتفاء كونها اسمًا بمجيئها على حرف واحد؛ ولا تجيء على حرف واحد الأسماء الظاهرة إلا محذوفًا منها وعلى سبيل الشذوذ؛ وسيأتي خلاف الأخفش فيها إن شاء الله تعالى.
والدليل القاطع على حرفيتها زيادتها، ولا يزاد إلا الحروف.

ومن حيث هي حرف جر لابد لها مما تتعلق به.
وذهب الأخفش-وتبعه ابن عصفور في بعض تصانيفه-إلى أن الكاف لا تتعلق بشيء، قال ابن عصفور: "جاءني الذي كزيد، ليس للكاف ما تتعلق به ظاهرًا؛ إذ ليس في اللفظ ما يمكن أن يعمل فيه، ولا مضمرًا؛ إذ لا يحذف ما يعمل في المجرور إذا وقع صلة إلا ما يناسب الحرف، نحو: جاءني الذي في الدار، تريد: الذي استقر في الدار؛ لأن (في) للوعاء، والاستقرار مناسب للوعاء، ولو قلت: جاءني الذي في الدار، تريد: الذي ضحك في الدار، أو أكل في الدار- لم يجز؛ لأنه ليس في الكلام ما يدل على ذلك، فلا يمكن أن يكون المحذوف مع الكاف إلا الذي يناسبها، وهو التشبيه.
ولو قلت: جاءني الذي أشبه كزيد-لم يجز؛ لأن أشبه لا تتعدى بالكاف بل بنفسها، وأيضًا فإن العرب لم تلفظ بالشبه ولا بما تصرف منه مع الكاف في موضع أصلًا، فدل ذلك على أن الكاف لا تتعلق بشيء" انتهى.
وما ذهب إليه ليس بصحيح، بل العامل في الكاف مضمر في المثال الذي ذكره، فإذا قلت جاءني الذي كزيد فالعامل فيه مضمر، وهو الكون المطلق، وهو الذي يقدر مع سائر الحروف إذا وقعت أخبارًا وكانت تامة، نحو: زيد كعمرو، وزيد من بني تميم، وزيد على الفرس، والأمر إليك، والمال لزيد، فجميع هذا وأمثاله العامل فيه مضمر، وهو الكون المحذوف المطلق، فإذا قلت زيد كعمرو فتقديره: زيد كائن كعمرو، وكذلك جاءني الذي كزيد، تقديره: جاءني الذي كان كزيد، فإن كان حرف الجر ناقصًا لم يعمل فيه إلا الكون المقيد، ولا يجوز حذفه إلا إن أتى ضرورة، كما أنه لا يثبت الكون المطلق إلا في قليل من الكلام، لو قلت: زيد عنك، تريد: راض عنك، وزيد فيك، تريد: محب فيك-لم يجز.
وقوله ودخولها على ضمير الغائب المجرور قليل قال المصنف في الشرح: "الكاف من الحروف التي تجر الظاهر وحده كـ (حتى)، واستغنى في الغاية مع المضمر

جارٍ التحميل