(وَإِنَّمَا تعْمل فِيمَا كَانَ من سَببهَا وَذَلِكَ كَقَوْلِك هَذَا حسن الْوَجْه وَكثير المَال)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن يزيد المبرد
- الكتاب
- المقتضب
- المؤلف
- محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
- المحقق
- محمد عبد الخالق عظيمة.
- الناشر
- عالم الكتب. - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
اعْلَم أَن هَذِه الصّفة إِنَّمَا حَدهَا أَن تَقول هَذَا رجل حسن وَجهه وَكثير مَاله فَترفع مَا بعد حسن وَكثير بفعلهما لِأَن الْحسن إِنَّمَا هُوَ للْوَجْه وَالْكَثْرَة إِنَّمَا هِيَ لِلْمَالِ فَهَذَا بِمَنْزِلَة قَوْلك هَذَا رجل قَائِم أَبوهُ وقاعد أَخُوهُ وَيجوز أَن تَقول هَذَا رجل حسن الْوَجْه فَالْوَجْه لم يَجْعَل حسنا معرفَة وَإِن كَانَ مُضَافا إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَن التَّنْوِين هُوَ الأَصْل وَمعنى هَذِه الْإِضَافَة الِانْفِصَال كَمَا كَانَ ذَلِك فِي قَوْله ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ و ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ لما كَانَ التَّقْدِير إِنَّمَا هُوَ التَّنْوِين ثَبت الِاسْم نكرَة وَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا لَفَظُوا بتنوين فَيجوز فِي هَذَا أوجه
مِنْهَا الأَصْل نَحْو حسن وَجهه وَحسن الْوَجْه وَحسن وَجه وَحسن وَجها وَحسن الْوَجْه كل ذَلِك جَائِز وَمَعْنَاهُ وَاحِد فِي نكرته وأجود ذَلِك إِذا لم تقل حسن وَجهه حسن الْوَجْه وَذَلِكَ لِأَن وَجهه كَانَ معرفَة وَهُوَ الأَصْل فَكَانَ الْأَحْسَن أَن يوضع فِي مَوْضِعه معرفَة مثله لَا تعرف الأول كَمَا كَانَ ذَلِك فِي وَجهه وَأَنه لَو عرفه لم يكن الأول معرفَة وَإِنَّمَا صَار وَجهه معرفَة لِأَنَّهُ علم وَأَنه لَا يَعْنِي من الْوُجُوه إِلَّا وَجهه وَأما حسن الْوَجْه فَإِنَّهُ أخف فِي اللَّفْظ فحذفوا الْألف وَاللَّام تَخْفِيفًا فَمن ذَلِك قَوْلهم هُوَ حَدِيث عهد بالوجع وَأنْشد (لاَحِقِ بَطْنٍ بِقَراً سَمِيْنِ)
الأَصْل لَا حق بَطْنه وَقَالَ الآخر (وَلَا سَيِّئ زِيٍّ إِذا مَا تَلَبَّسُوا ... إِلَى حاجةِ يَوْماً مُخَيَّسَةً بُزْلاً) وَإِنَّمَا جَازَ حذف الْألف وَاللَّام لعلم السَّامع أَنَّك لَا تَعْنِي إِلَّا وَجهه وَأَن الأول لَا يكون بِهِ معرفَة أبدا
وَمن قَالَ هُوَ حسن وَجها قَالَ هُوَ الْحسن الْوَجْه يَا فَتى وهما الحسنان الْوُجُوه فنصب لِأَنَّهُ أضمر الْفَاعِل فِي الأول فَجعل الثَّانِي بِمَنْزِلَة الْمَفْعُول بِهِ فَصَارَ كَقَوْلِك الضَّارِب الرجل وَالْقَائِل الْحق وَقَالَ الْحَارِث بن ظَالِم (فَمَا قَوْمِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ ... وَلَا بِفَزَارَةَ الشُّعْرَى رِقَاباً) ويروى الشّعْر الرقابا فَمن قَالَ ذَا يُشبههُ بالضارب الرجل وَمن قَالَ الضَّارِب الرجل يَقُول تَشْبِيها بالْحسنِ الْوَجْه وَلَا يجوز الضَّارِب زيد كَمَا لَا تَقول الْحسن وَجه وَإِنَّمَا يجوز إِذا كَانَ فِي الثَّانِي ألف وَلَام وَذَلِكَ لِأَنَّك تَقول هَذَا حسن الْوَجْه فَيكون نكرَة فَإِذا أردْت تعرفه أدخلت فِي الْحسن الْألف وَاللَّام وَلم تعاقبا الْإِضَافَة إِذْ كَانَت الْإِضَافَة هَا هُنَا على خلاف الْمُضَاف لِأَن هَا هُنَا نِيَّة التَّنْوِين فَلذَلِك لم تعرف الأول وَكَانَ كَقَوْلِك الْحسن وَجهه فَإِذا قلت هُوَ الْحسن وَجها وَالطّيب خَبرا والحسان وُجُوهًا لم يكن إِلَّا النصب لِأَنَّك أبهمت الْحسن وأضمرت فِي الْحسن الْفَاعِل فانتصب مَا بعده لِأَنَّهُ تَمْيِيز إِذا كَانَ نكرَة
ويستقيم أَن يكون انتصابه وَهُوَ نكرَة كانتصابه إِذا كَانَت الْألف وَاللَّام على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ وَذَلِكَ قَوْلك هُوَ الْحسن الْوَجْه كَمَا تَقول هُوَ الضَّارِب الرجل أَلا ترى أَن الْحسن يجْرِي على مَا قبله مؤنثا كَانَ أَو مذكرا كَمَا يجْرِي الْفَاعِل فَتَقول مَرَرْت بِامْرَأَة حَسَنَة الْوَجْه ومررت بأخويك الحسنين الْوُجُوه فعلى هَذَا تميز إِذا حذفت الْألف وَاللَّام فَقلت مَرَرْت بأخويك الحسنين وُجُوهًا كَمَا قَالَ الله عز وَجل ﴿هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ وَقَالَ رؤبة (الحَزْنُ بَابا والعقُورُ كَلْباً) فَهَذِهِ الْأَوْجه عَرَبِيَّة جَيِّدَة وَبَيت الْأَعْشَى ينشد جرا
(الواهِبُ المائِةِ الهِجانِ وعبْدِها ... عُوذًا تَزَجِّى خَلْفَها أَطْفَالَها)
فَإِن قَالَ قَائِل مَا بالك جررت عَبدهَا وَإِنَّمَا يُضَاف فِي هَذَا الْبَاب إِلَى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام تَشْبِيها بالْحسنِ الْوَجْه وَأَنت لَا يجوز لَك أَن تَقول الْوَاهِب الْمِائَة والواهب عَبدهَا فَإِنَّمَا جَازَ هَذَا فِي الْمَعْطُوف على تَقْدِير واهب عَبدهَا كَمَا جَازَ رب رجل وأخيه وَأَنت لَا تَقول رب أَخِيه وَلكنه على تَقْدِير وَأَخ لَهُ وَمثل ذَلِك كل شَاة وسخلتها بدرهم وَأَنت لَا تَقول كل سخلتها وَلكنه على التَّقْدِير الَّذِي خبرتك بِهِ وأخرت الِاحْتِجَاج عَنهُ لنذكره فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله وَاعْلَم أَن هَذِه الصّفة لَا يجوز أَن يتقدمها مفعولها وَذَلِكَ أَنَّهَا لَيست كالفاعل فِي الْحَقِيقَة أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت زيد ضَارب عمرا وزيدا ضَارب عَمْرو وزيدا عَمْرو ضَارب أَن الثَّانِي عمل فِي الأول وَأَن ضَارِبًا صَار بِمَنْزِلَة يضْرب فِي الْمَعْنى وَلَو قلت زيد الْحسن وَجها أَو الْحسن الْوَجْه لم يكن الْحسن عمل فِي الْوَجْه شَيْئا وَإِنَّمَا الْحسن فِي الْمَعْنى للْوَجْه فَمن ثمَّ لم يجز أَن تَقول وَجها زيد حسن وَلَا زيد وَجها حسن وَلذَلِك لم يجز لهَذِهِ الصّفة أَن تعْمل إِلَّا فِيمَا كَانَ من سَببهَا أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت زيد حسن وَجه أَو حسن الْوَجْه أَو الْحسن وَجها أَنَّك لَا تَعْنِي من الْوُجُوه إِلَّا وَجهه لِأَنَّهُ فِي الأَصْل زيد حسن وَجهه وَكَذَلِكَ كثير المَال وفاره العَبْد وجيد الدَّار يجرين مجْرى وَاحِدًا
لَو قلت عمرا زيد الضَّارِب لم يجز وَلَيْسَ امْتِنَاعه من حَيْثُ امْتنعت الصّفة المشبهة وَلَكِن مَعْنَاهُ زيد الضَّارِب عمرا أَي الَّذِي ضرب عمرا فَلَمَّا قدمت عمرا على هَذِه الصّفة لم يجز لِأَنَّهُ بعض الِاسْم إِذْ كَانَ من صلته فَإِنَّمَا امْتنع من هَذَا الْوَجْه فَإِن جعلت ضَارِبًا وقائلا وَمَا أشبه ذَلِك بغر ألف وَلَام جَازَ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير والإظهار والإضمار وَجرى مجْرى يضْرب لما ذكرت لَك من المضارعة