المقتضب(هَذَا بَاب مذ، ومنذ)

(هَذَا بَاب مذ، ومنذ)

عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن يزيد المبرد
الكتاب
المقتضب
المؤلف
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
المحقق
محمد عبد الخالق عظيمة.
الناشر
عالم الكتب. - بيروت
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أما (مذ) فَيَقَع الِاسْم بعْدهَا مَرْفُوعا على معنى، ومخفوضا على معنى فَإِذا رفعت فهى اسْم مُبْتَدأ وَمَا بعْدهَا خَبره، غير أَنَّهَا لَا تقع إِلَّا فى الِابْتِدَاء لقلَّة تمكنها وَأَنَّهَا لَا معنى لَهَا فى غَيره، وَذَلِكَ قَوْلك: لم آته مذ يَوْمَانِ، وَأَنا أعرفهُ ثَلَاثُونَ سنة، وكلمتك مذ خَمْسَة أَيَّام وَالْمعْنَى - إِذا قلت: لم آته مذ يَوْمَانِ -: أَنَّك قلت: لم أره؟ ثمَّ خبرت بالمقدار والحقيقة والغاية فكأنك قلت: مُدَّة ذَلِك يَوْمَانِ وَالتَّفْسِير: بينى وَبَين رُؤْيَته هَذَا الْمِقْدَار، فَكل مَوضِع يرفع فِيهِ مَا بعْدهَا فَهَذَا مَعْنَاهُ وَأما الْموضع الذى ينخفض مَا بعْدهَا فَأن تقع فى معنى (فى) وَنَحْوهَا؛ فَيكون حرف خفض وَذَلِكَ قَوْلك: أَنْت عندى مذ الْيَوْم، ومذ اللَّيْلَة، وَأَنا أَرَاك مذ الْيَوْم يَا فَتى، لِأَن الْمَعْنى فى الْيَوْم وفى اللَّيْلَة وَلَيْسَ الْمَعْنى أَن بينى وَبَين رؤيتك مَسَافَة، وَكَذَلِكَ: رَأَيْت زيدا مذ يَوْم الْجُمُعَة يمدحك، وَأَنا / أَرَاك مذ سنة تَتَكَلَّم فى حَاجَة زيد؛ لِأَنَّك تُرِيدُ أَنا فى حَال رؤيتك مذ سنة فَإِن أردْت: رَأَيْتُك مذ سنة، أى: غَايَة الْمسَافَة إِلَى هَذِه الرُّؤْيَة سنة - رفعت؛ لِأَنَّك قلت: رَأَيْتُك، ثمَّ قلت: بينى وَبَين ذَاك سنة، فَالْمَعْنى: أَنَّك رَأَيْته، ثمَّ غبرت سنة لَا ترَاهُ وَإِذا قَالَ: أَنا أَرَاك مذ سنة، فَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنَّك فى حَال رُؤْيَة لم تنقض وَأَن أَولهَا مذ سنة؛ فَلذَلِك قلت: أَرَاك؛ لِأَنَّك تخبر عَن حَال لم تَنْقَطِع فَهَذَا شَرط (مذ) وتفسيرها

فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا بالى أَقُول: لم أرك مذ يَوْم الْجُمُعَة، وَقد رَآهُ يَوْم الْجُمُعَة؟ قيل: إِن النفى إِنَّمَا وَقع على مَا بعد الْجُمُعَة، وَالتَّقْدِير: لم أرك مذ وَقت رؤيتى لَك يَوْم الْجُمُعَة، فقد أثبت الرُّؤْيَة، وجعلتها الْحَد الذى مِنْهُ لم أره فَهَذَا تَفْسِيرهَا ومجرى مَا كَانَ هَذَا لَفظه، واتصل بِهِ مَعْنَاهُ فَأَما (مُنْذُ) فمعناها - جررت بهَا أَو رفعت - وَاحِد وبابها الْجَرّ؛ لِأَنَّهَا فى الْأَزْمِنَة لابتداء الْغَايَة بِمَنْزِلَة (من) فى سَائِر الْأَسْمَاء تَقول: لم أرك مُنْذُ يَوْم الْجُمُعَة، أى: هَذَا ابْتِدَاء الْغَايَة؛ كَمَا تَقول: من عبد الله إِلَى زيد، وَمن الْكُوفَة سرت فَإِن رفعت فعلى أَنَّك جعلت (مُنْذُ) اسْما، وَذَهَبت إِلَى أَنَّهَا (مذ) فى الْحَقِيقَة وَذَلِكَ قَلِيل؛ لِأَنَّهَا فى الْأَزْمِنَة بِمَنْزِلَة (من) فى الْأَيَّام فَأَما (مذ) فَدلَّ على أَنَّهَا اسْم: أَنَّهَا محذوفة من (مُنْذُ) الَّتِى هى اسْم؛ لِأَن الْحَذف لَا يكون فى الْحُرُوف؛ إِنَّمَا يكون فى الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال، نَحْو: يَد، وَدم، وَمَا أشبهه

جارٍ التحميل