المقتضب(هَذَا بَاب تَسْمِيَة الْوَاحِد / مؤنثا كَانَ أَو مذكرا بأسماء الْجمع)

(هَذَا بَاب تَسْمِيَة الْوَاحِد / مؤنثا كَانَ أَو مذكرا بأسماء الْجمع)

عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن يزيد المبرد
الكتاب
المقتضب
المؤلف
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
المحقق
محمد عبد الخالق عظيمة.
الناشر
عالم الكتب. - بيروت
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قد تقدم قَوْلنَا فى جمع التكسير إِنَّه بمنزل الْوَاحِد يمنعهُ من الصّرْف مَا يمْنَع الْوَاحِد، فَإِذا نقلت مِنْهُ شَيْئا، فسميت بِهِ مذكرا فَهُوَ على تِلْكَ الْحَال، وَذَلِكَ أَنَّك إِن سميت مذكرا أنمارا، أَو كلابا انْصَرف؛ كَمَا ذكرت لَك فى (أَفعَال) ؛ لِأَن هَذَا الْمِثَال ينْصَرف فى الْمعرفَة والنكرة فَإِن سميته أكلب، وأكعب - لم ينْصَرف فى الْمعرفَة لزِيَادَة الْهمزَة فى أَوله؛ لِأَنَّهَا على مِثَال أعبد، وأقتل وينصرف هَذَا الْمِثَال فى النكرَة؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بنعت، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنع من الصّرْف من هَذَا الْمِثَال فى النكرَة (أفعل) الذى يكون نعتا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقع شئ مِمَّا على وزن الْأَفْعَال نعتا إِلَّا مَا كَانَ على أفعل فَإِن سميته بغلمان لم ينْصَرف وَكَانَ كسرحان الذى هُوَ وَاحِد فَإِن سميته بقضبان فحاله كَحال عُثْمَان فى الِامْتِنَاع من الصّرْف فى الْمعرفَة، وَأَنه ينْصَرف فى النكرَة لِأَنَّهُ لَيْسَ شئ من هَذَا الْمِثَال يكون لَهُ (فعلى) إِلَّا مَا كَانَ على (فعلان) الذى هُوَ فى / السّكُون وَالْحَرَكَة، والزيادتين على مِثَال حَمْرَاء فَهَذَا يجمع هَذَا الضَّرْب من الْجمع فَأَما مَا كَانَت فِيهِ هَاء التَّأْنِيث، جمعا كَانَ أَو وَاحِدًا، نَحْو: طَلْحَة، ونسابة، وأجربة، وصياقلة - فقد أجملنا القَوْل فِيهِ أَنه لَا ينْصَرف فى الْمعرفَة، وينصرف فى النكرَة، وَاحِدًا كَانَ أَو جمعا، قَلِيل الْعدَد كَانَ أَو كثير، عَرَبيا كَانَ أَو أعجميا

فَإِن سميت رجلا بمساجد، وقناديل فَإِن النَّحْوِيين أَجْمَعِينَ لَا يصرفون ذَلِك فى معرفَة وَلَا نكرَة؛ ويجعلون حَاله وَهُوَ اسْم لوَاحِد كحاله فى الْجمع وعَلى هَذَا لم يصرفوا سَرَاوِيل وَإِن كَانَت قد أعربت؛ لِأَنَّهَا وَقعت فى كَلَام الْعَرَب على مِثَال مَا لَا ينْصَرف فى معرفَة وَلَا نكرَة فَأَما العجمة فقد زَالَت عَنْهَا بِأَنَّهَا قد أعربت، إِلَّا أَبَا الْحسن الْأَخْفَش فَإِنَّهُ كَانَ إِذا سمى بشئ من هَذَا رجلا أَو امْرَأَة صرفه فى النكرَة، فَهَذَا عندى هُوَ الْقيَاس، وَكَانَ يَقُول إِذا مَنعه من الصّرْف أَنه مِثَال لَا يَقع عَلَيْهِ الْوَاحِد، فَلَمَّا نقلته فسميت بِهِ / الْوَاحِد خرج من ذَلِك الْمَانِع وَكَانَ يَقُول: الدَّلِيل على ذَلِك مَا يَقُول النحويون فى مدائنى وبابه أَنه مَصْرُوف فى الْمعرفَة والنكرة وصياقلة أَنه مَصْرُوف فى النكرَة مُمْتَنع بِالْهَاءِ من الصّرْف فى الْمعرفَة؛ لِأَنَّهُمَا قد خرجا إِلَى مِثَال الْوَاحِد قيل لَهُ: فَلم لم تصرف مَسَاجِد إِذا كَانَ اسْم الرجل فى الْمعرفَة؟ فَقَالَ: إِن بناءه قد بلغ بِهِ مِثَال [مَا] لَا ينْصَرف فى معرفَة وَلَا نكرَة، فَهُوَ عِنْده فى هَذَا الْمِثَال بِمَنْزِلَة الملحق بِالْألف مِمَّا فِيهِ ألف التَّأْنِيث، وبمنزلة أفكل وبابه، من أَحْمَر وبابه، وبمنزلة عُثْمَان وسرحان، من بَاب غَضْبَان وسكران فَأَما سَرَاوِيل فَكَانَ يَقُول فِيهَا: الْعَرَب يَجْعَلهَا بَعضهم وَاحِدًا، فهى عِنْده مصروفة فى النكرَة على هَذَا الْمَذْهَب وَمن الْعَرَب من يَرَاهَا جمعا وَاحِدهَا سروالة وينشدون:

(عَلَيْهِ من اللؤم سروالة ... ) / فَمن رَآهَا جمعا يُقَال لَهُ: إِنَّمَا هى اسْم لشئ وَاحِد، فَيَقُول: جَعَلُوهُ أَجزَاء؛ كَمَا تَقول: دخاريص الْقَمِيص وَالْوَاحد دخرصة فعلى هَذَا كَانَ يرى أَنَّهَا بِمَنْزِلَة قناديل؛ لِأَنَّهَا جمع لَا ينْصَرف فِي معرفَة وَلَا نكرَة، وَلَكِن إِن سمى بهَا صرفهَا فى النكرَة كَمَا وصفت لَك فى غَيرهَا وَاعْلَم أَن كل جمع لَيْسَ بَينه وَبَين واحده إِلَّا الْهَاء فَإِنَّهُ جَار على سنة الْوَاحِد وَإِن عنيت بِهِ جمع الشئ؛ لِأَنَّهُ جنس من أنثه فَلَيْسَ إِلَى الِاسْم يقْصد، وَلكنه يؤنثها على مَعْنَاهُ؛ كَمَا قَالَ عز وَجل: ﴿تنْزع النَّاس كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل منقعر﴾ ؛ لِأَن النّخل جنس وَقَالَ ﴿فترى الْقَوْم فِيهَا صرعى كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية﴾ ؛ لِأَنَّهُ جمع نَخْلَة فَهُوَ على الْمَعْنى جمَاعَة

أَلا ترى أَن (الْقَوْم) اسْم مُذَكّر! وَقَالَ عز وَجل: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح﴾ لِأَن التَّقْدِير - وَالله أعلم -: إِنَّمَا هُوَ جمَاعَة قوم نوح وَذَلِكَ الْجمع؛ نَحْو: حَصَاة وحصى، وقناة وقنا، وشعيرة وشعير، وكل مَا / كَانَ مثل هَذَا فَهَذَا مجازه وَمن الْجمع مَا يكون اسْما للْجمع، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، فمجاز ذَلِك أَن يكون مؤنثا كالواحد الذى يعْنى بِهِ الشئ الْمُؤَنَّث، إِلَّا مَا كَانَ لجَماعَة الْآدَمِيّين، وَذَلِكَ نَحْو: غنم، وإبل فَإنَّك تَقول فى تصغيره: غنيمَة، وأبيلة؛ كَمَا تَقول فى تَصْغِير دَار: دويرة، وتصغير هِنْد: هنيدة وَأما مَا كَانَ من الْآدَمِيّين من ذَلِك فنحو: رَهْط وَنَفر وَقوم، لَا تَقول فى تَصْغِير شئ من ذَلِك إِلَّا كَمَا تَقول فى تَصْغِير الْوَاحِد الْمُذكر: قويم، ورهيط، ونفير فَإِن سميت بشئ من جَمِيع هَذَا الْمُؤَنَّث الذى لَيْسَ فِيهِ عَلامَة تَأْنِيث، وَلَا مَانع مِمَّا ذكرت

رجلا - فَهُوَ مَصْرُوف فى الْمعرفَة والنكرة، وَذَلِكَ نَحْو: عنوق: جمع عنَاق / وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ جمعه لمؤنث أَو مُذَكّر، وَلم يمنعهُ من الصّرْف مَا يمْنَع الْوَاحِد فَهُوَ مَصْرُوف إِذا سميت بِهِ مذكرا فَإِن قَالَ قَائِل: فَكيف انْصَرف فى الْمعرفَة وَأَصله التَّأْنِيث؟ فَإِنَّمَا ذَلِك / لِأَن تأنيثه لَيْسَ بحقيقى، إِنَّمَا قلت: هى الْجمال، وهى الرِّجَال على معنى هى جمَاعه الرِّجَال، وَجَمَاعَة الْجمال أَلا ترى أَن الْمُؤَنَّث والمذكر يخرجَانِ إِلَى اسْم وَاحِد، فَتَقول: هى أينق؛ كَمَا تَقول: هى الْجمال؛ فَإِنَّمَا تُرِيدُ بهَا جَمِيعًا: جمَاعَة فَأَما الْوَاحِد فتأنيثه وتذكيره واقعان لَهُ والتأنيث، والتذكير فى الْوَاحِد على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: حَقِيقَة، وَالْآخر: لفظ، فهما فى ترك الصّرْف سَوَاء، لِأَن الصّرْف إِنَّمَا هُوَ للفظ، وليسا فى الْإِخْبَار عَنْهُمَا سَوَاء فَأَما الحقيقى فَمَا كَانَ فى الرجل وَالْمَرْأَة، وَجَمِيع الْحَيَوَان؛ لِأَنَّك لَو سميت رجلا طلحه لخبرت عَنهُ كَمَا يخبر إِذا كَانَ اسْمه مذكرا وَلَو سميت امْرَأَة، أَو غَيرهَا من إناث الْحَيَوَان باسم مُذَكّر لخبرت عَنْهَا كَمَا كنت تخبر عَنْهَا وَاسْمهَا مؤنث وَذَلِكَ نَحْو امْرَأَة سميتها جعفرا فَتَقول: جاءنى جَعْفَر؛ كَمَا تَقول: جاءنى حمدة، وَلَا يجوز أَن تَقول: جاءنى؛ لِأَن التَّأْنِيث حَقِيقَة، / كَمَا لَا يجوز أَن تَقول: جاءنى طَلْحَة وَأَنت تعنى رجلا

والتأنيث الثانى، والتذكير نَحْو قَوْلك: يَوْم، وَلَيْلَة، وبلد، وَدَار ومنزل، فَلَيْسَ فى هَذَا أَكثر من اللَّفْظ فَلَو قلت: قصر ليلتك، وَعمر دَارك لجَاز؛ لِأَن الدَّار والمنزل شئ وَاحِد لَيْسَ فى الدَّار حَقِيقَة تصرفها عَن ذَلِك، وَكَذَلِكَ الْبَلَد والبلدة، قَالَ الله عز وَجل: ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه﴾ وَقَالَ ﴿وَأخذ الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ وَقَالَ فى تَأْنِيث الْجمع: ﴿وَقَالَتْ نِسْوَةٌ فى المدِينَةِ﴾ ؛ لِأَن الْإِخْبَار لَيْسَ عَن وَاحِد فَإِن قَالَ: قَامَ جواريك صلح، وَلَو قَالَ: قَامَ جاريتك لم يجز، وَكَذَلِكَ لَا يجوز: قَامَ مسلماتك، وجاراتك وَلَكِن قَامَت؛ لِأَن هَذَا جمع حقيقى لَا يُغير الْوَاحِد عَن بنائِهِ إِلَّا أَن يضْطَر شَاعِر كَمَا قَالَ: (لقد ولد الأخيطل أم سوءٍ ... ) وَلَو قَالَ فى الشّعْر: قَامَ جاريتك لصلح، وَلَيْسَ بِحسن حَتَّى تذكر بَينهمَا كلَاما، فَتَقول: قَامَ يَوْم كَذَا وَكَذَا جاريتك، وَلَا يجوز / مثل هَذَا عندنَا فى الْكَلَام وَهَذَا الْجمع إِنَّمَا هُوَ على حد التَّثْنِيَة فالألف وَالتَّاء فى الْمُؤَنَّث كالواو وَالنُّون فى الْمُذكر

جارٍ التحميل