المقتضب(هَذَا بَاب مَا يصغر من الْأَمَاكِن وَمَا يمْتَنع من التصغير مِنْهَا)

(هَذَا بَاب مَا يصغر من الْأَمَاكِن وَمَا يمْتَنع من التصغير مِنْهَا)

عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن يزيد المبرد
الكتاب
المقتضب
المؤلف
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
المحقق
محمد عبد الخالق عظيمة.
الناشر
عالم الكتب. - بيروت
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

اعْلَم أَن أَسمَاء الْأَمَاكِن كَسَائِر الْأَسْمَاء خاصها وعامها تَقول فِي دَار دويرة كَمَا تَقول فِي هِنْد هنيدة وَكَذَلِكَ مَكَان تَقول فِيهِ مكين وَفِي بَيت بييت وبييت فَأَما الْأَسْمَاء المبهمة فنحو خلف وَدون وَفَوق تَقول خليف ذَاك ودوين ذَاك وفويق ذَاك لِأَنَّك أردْت أَن تقرب مَا بَينهمَا وتقلله فَإِن قلت هُوَ عِنْد زيد لم يجز أَن تصغر عِنْد وَذَلِكَ أَنه قد يكون خلفة بِكَثِير وبقليل وَكَذَلِكَ دونه وفوقه فَإِذا صغرتهما قللت الْمسَافَة بَينهمَا وَإِذا قلت عِنْدِي فقد بلغت إِلَى غَايَة التَّقْرِيب فَلَا معنى للتصغير وَجُمْلَة بَاب الْأَمَاكِن التَّذْكِير إِلَّا مَا خصّه التَّأْنِيث مِنْهَا نَحْو قَوْلك غرفَة وَعليَّة ومشرقة ومشربة

وَكَذَلِكَ تَأْنِيث الْبناء نَحْو دَار إِنَّمَا هِيَ فِي بَابهَا بِمَنْزِلَة نَار وَقدر وشمس وَكَذَلِكَ تَقول فِي تصغيرها دويرة وَقد بيّنت لَك فِي بَاب الظروف أَن هَذِه الْمَخْصُوصَة لَا يتَعَدَّى الْفِعْل إِلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا دَلِيل فِيهِ عَلَيْهَا فَإِنَّمَا يتَّصل بهَا كَمَا تتصل بِسَائِر الْأَسْمَاء وَذَلِكَ قَوْلك وَلَا يصلح أَن تَقول قُمْت دَار زيد وَلَا قُمْت الْمَسْجِد الْجَامِع يَا فَتى لِأَن قُمْت لَا يدل على مَكَان مَخْصُوص وَإِنَّمَا يتَعَدَّى إِلَى مَا يعتور الْأَسْمَاء فَلَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْء أَو من بعضه نَحْو قُمْت خلف زيد وسرت أَمَام عبد الله وَقمت مَكَانا وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فِي بَابه فالظروف إِنَّمَا هِيَ هَذِه على الْحَقِيقَة فَمَا جَاءَ مِنْهَا مؤنثا بِغَيْر عَلامَة قُدَّام ووراء وتصغيرهما قديديمة وورئية فَإِن قلت فَمَا لهاتين لحقت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا الْهَاء وليستا من الثَّلَاثَة قيل لِأَن الْبَاب على التَّذْكِير فَلَو لم يلحقوهما الْهَاء لم يكن على تَأْنِيث وَاحِد مِنْهُمَا دَلِيل قَالَ الْقطَامِي

(قُديديمةُ التَّجْرِيبِ والحٍ لمْ إنّني ... أرى غَفَلاتِ العَيشِ قَبْلَ التَجارِبِ) وَقَالَ آخر (يومٌ قُديديمةُ الجَوزاءِ مَسْمُومُ ... ) فَكل مَا ورد عَلَيْك من هَذِه الظروف لَيست فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث فَهُوَ على التَّذْكِير تَقول فِي تَصْغِير خلف خليف وأمام أميم كَمَا تَقول فِي قذال قذيل وكل شَيْء يجْرِي مجْرى عِنْد فَغير مصغر لما ذكرت لَك من امْتِنَاعه فِي الْمَعْنى فَكَذَلِك سوى وَسَوَاء يَا فَتى إِذا أردْت بهما معنى الْمَكَان لِأَن قَوْلك عِنْدِي رجل سواك إِنَّمَا هُوَ عِنْدِي رجل مَكَانك يحل محلك ويغني غناءك لَا يصغران لقلَّة تمكنهما فَإِن أردْت بِقَوْلِك سَوَاء الْوسط من قَوْله عز وَجل ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم﴾ وكما قَالَ الشَّاعِر

(يَا وَيْحَ انْصارِ النبيّ وَرَهْطهِ ... بَعْدَ المُغَيبِ فِي سَواءِ المُلْحَدِ) صغرته فَقلت سوى فَاعْلَم تحذف الْيَاء لِاجْتِمَاع الياءات وَكَذَلِكَ إِن أردْت بِسَوَاء معنى الستواء كَقَوْلِك هَذَا دِرْهَم سَوَاء أَي تَمام صغرته كَمَا يلزمك فِي كل مُتَمَكن فَإِن قَالَ قَائِل مَا معنى قَوْلك لقلَّة تمكنها فَإِنَّمَا قلَّة تمكنها أَنَّهُمَا داخلتان فِي معنى غير تَقول عِنْدِي رجل سوى زيد أَي غير زيد وَغير لَيْسَ مِمَّا يصغر لِأَنَّك إِذا قلت جَاءَنِي غَيْرك لم تخصص وَاحِدًا من النَّاس إِنَّمَا زعمت أَنه لَيْسَ بِهِ وَلَيْسَ يجب فِيمَن كَانَ غير الْمَذْكُور أَن يكون حَقِيرًا وَلَو قلت عِنْدِي مثلك فحقرت الْمثل كَانَ جيدا لِأَنَّك إِذا حقرت الَّذِي هُوَ مثله زعمت أَنه هُوَ حقير لِأَنَّك حقرت الآخر من حَيْثُ زعمت أَنه مثله وَكَذَلِكَ تحقير شبه وَنَحْو وشبيه لِأَن الشَّيْء لَا يشيه الشَّيْء فِي جَمِيع حالاته وَإِنَّمَا يُشبههُ من حَيْثُ تشبهه بِهِ وَلَا يكون إِلَّا على مُقَدّمَة تَقول كَانَ خَالِد الْقَسرِي مثل حَاتِم الطَّائِي لم ترد الزَّمَان والقدم وَلم ترد الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَلم ترد أَن الْقَبِيلَة تَجْتَمِع عَلَيْهِمَا وَلَكِنَّك ذكرت جود خَالِد فقرنته بحاتم لما سبق لَهُ وَكَذَلِكَ لَو قلت كَانَ جرير كامرئ الْقَيْس بعد أَن تذكر الشّعْر والمرئية فِيهِ فَهَذَا دَلِيل التَّشْبِيه فَإِن قلت هَذَا مثيل هَذَا وَقد قدمت نَحوا مِمَّا ذكرنَا علم أَنَّك حقرته من حَيْثُ حقرت الْمُشبه بِهِ فبالمعنى يصلح اللَّفْظ وَيفْسد

جارٍ التحميل