(هَذَا بَاب مجْرى نعت النكرَة عَلَيْهَا)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن يزيد المبرد
- الكتاب
- المقتضب
- المؤلف
- محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
- المحقق
- محمد عبد الخالق عظيمة.
- الناشر
- عالم الكتب. - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَذَلِكَ قَوْلك مَرَرْت بِرَجُل ظريف فَوجه هَذَا الْخَفْض لِأَنَّك جعلته وَصفا لما قبله كَمَا أجريت نعت الْمعرفَة عَلَيْهَا وَإِن نصبت على الْحَال جَازَ وَهَذَا يُفَسر فِي بَاب الْحَال إِن شَاءَ الله وَتقول مَرَرْت بِرَجُل ذِي مَال فقولك ذِي مَال نكرَة لِأَن ذَا مُضَافَة إِلَى مَال وَمَال نكرَة ومررت بِرَجُل مثلك فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ يكون الْمثل نكرَة وَهُوَ مُضَاف إِلَى معرفَة هلا كَانَ كَقَوْلِك مَرَرْت بِعَبْد الله أَخِيك
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن الْأُخوة مخطورة وقولك مثلك مُبْهَم مُطلق يجوز أَن يكون مثلك فِي أنكما رجلَانِ أَو فِي أنكما أسمران وَكَذَلِكَ كل مَا تشابهتما بِهِ فالتقدير فِي ذَلِك التَّنْوِين كَأَنَّهُ يَقُول مَرَرْت بِرَجُل شَبيه بك وبرجل مثل لَك فَإِن أردْت بمثلك الإجراء على أَمر مُتَقَدم حَتَّى يصير مَعْنَاهُ الْمَعْرُوف بشبهك لم يكن إِلَّا معرفَة فَتَقول على هَذَا مَرَرْت بزيد مثلك كَمَا تَقول مَرَرْت بزيد أَخِيك ومررت بزيد الْمَعْرُوف بشبهك
وَمثل ذَلِك فِي الْوَجْهَيْنِ مَرَرْت بِرَجُل شبهك ومررت بِرَجُل نَحْوك فَأَما مَرَرْت بِرَجُل غَيْرك فَلَا يكون إِلَّا نكرَة لِأَنَّهُ مُبْهَم فِي النَّاس أَجْمَعِينَ فَإِنَّمَا يَصح هَذَا وَيفْسد بِمَعْنَاهُ فَأَما شبيهك فَلَا يكون إِلَّا معرفَة لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من شابهك فَمَعْنَاه مَا مضى كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد جليسك فَإِن أردْت النكرَة قلت مَرَرْت بِرَجُل شَبيه بك كَمَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل جليس لَك فَأَما حَسبك وهدك وشرعك وكفيك فَكلهَا نكرات لِأَن مَعْنَاهَا يَكْفِي
وَقد يجوز أَن تَقول مَرَرْت بِرَجُل هدك من رجل تَجْعَلهُ فعلا ومررت بِامْرَأَة هدتك من امْرَأَة وَتقول على هَذَا مَرَرْت بِرَجُل كَفاك من رجل ومررت بِامْرَأَة كفتك من امْرَأَة وَاعْلَم أَن كل مُضَاف تُرِيدُ بِهِ معنى التَّنْوِين وتحذف التَّنْوِين للمعاقبة مِنْهُ فَهُوَ بَاقٍ على نكرته لِأَن الْمَعْنى معنى التَّنْوِين فَلذَلِك تَقول مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه لِأَن مَعْنَاهُ حسن وَجهه وَكَذَلِكَ مَرَرْت بِرَجُل ضَارب زيد إِذا أردْت بِهِ مَا أَنْت فِيهِ أَو مَا لم يَقع لِأَن مَعْنَاهُ ضَارب زيدا وَكَذَلِكَ هَذِه المضافات الَّتِي لَا تخص نَحْو مثلك وشبهك وَغَيْرك لِأَنَّك تُرِيدُ هُوَ مثل لَك وَنَحْو لَك وَنَحْو مِنْك فَأَما غَيْرك إِذا قلت مَرَرْت بِرَجُل غَيْرك فَإِنَّمَا هُوَ مَرَرْت بِرَجُل لَيْسَ بك فَهَذَا شَائِع فِي كل من عدا الْمُخَاطب ف رب تدخل على كل نكرَة لِأَنَّهَا لَا تخص شَيْئا فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن الشَّيْء يَقع وَلكنه قَلِيل فَمن ذَلِك قَوْله (يَا رُبَّ مِثْلِكِ فِي النساءِ غَرِيرةٍ ... بَيْضَاءَ قَدْ مَتَّعْتُهَا بِطلاقِ) وَقَوله (يَا رُبَّ غابِطِنا لَوْ كَانَ يَطْلُبُكُمْ ... لَاقَى مُباعَدةً مِنْكُمْ وحِرْماناً)
يُرِيد غابط لنا لِأَنَّهُ لَو عَنى وَاحِدًا بِعَيْنِه لم يكن للْكَلَام معنى كَمَا لَا تَقول رب عبد الله وَلَا رب غُلَام أَخِيك وَتقول مَرَرْت برجلَيْن صالحين فتجري النَّعْت على المنعوت وَقد بيّنت لَك جَوَاز الْحَال ونستقصيه فِي بَابه إِن شَاءَ الله وَتقول مَرَرْت برجلَيْن مُسلم وَكَافِر وَمُسلم وَكَافِر كِلَاهُمَا جيد بَالغ وَكَذَلِكَ مَرَرْت برجلَيْن رجل مُسلم وَرجل كَافِر وَإِن شِئْت قلت رجل مُسلم وَرجل كَافِر أما الْخَفْض فعلى النَّعْت ورددت الِاسْم توكيدا وَأما الرّفْع فعلى التَّبْعِيض وَتَقْدِيره أَحدهمَا مُسلم وَالْآخر كَافِر وَالْآيَة تقْرَأ على وَجْهَيْن وَهُوَ قَول الله عز وَجل ﴿قد كَانَ لكم آيَة فِي فئتين التقتا فِئَة تقَاتل فِي سَبِيل الله وَأُخْرَى كَافِرَة﴾ بِالرَّفْع والخفض وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر (فكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ ... ورِجْلٌ رَمى فِيهَا الزَّمانُ فَشَلَّتِ)
ينشد رفعا وخفضا وَقَالَ آخر (وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رجْلٌ صَحِيحةٌ ... ورجْلٌ رَمَاهَا صائِبُ الحَدثانِ) وَقَالَ آخر (بكَيْتُ وَمَا بُكا رجل حَزِين ... على رَبْعيْن مِسْلوبٍ وبَالي)
وَتقول مَرَرْت بِثَلَاثَة رجال قيام يَا فَتى لَا يكون إِلَّا الْخَفْض إِلَّا على مَا يجوز من الْحَال فَإِن قلت مَرَرْت بِثَلَاثَة رجال صريع وجريح يَا فَتى لم يجز إِلَّا الرّفْع لِأَنَّك لم تأت على عدتهمْ فَإِنَّمَا التَّقْدِير مِنْهُم كَذَا وَمِنْهُم كَذَا لَا يكون إِلَّا كَذَلِك وَلَو قلت مَرَرْت بِثَلَاثَة قَائِم وقاعد ونائم لَكَانَ جيدا لِأَنَّك أحطت بِعدَّتِهِمْ وَالرَّفْع جيد بَالغ لِأَنَّك إِذا أتيت على الْعدة صلح التَّبْعِيض والنعت وَإِن لم تأت عَلَيْهَا لم يكن إِلَّا التَّبْعِيض وَتقول مَرَرْت بِرَجُل وَامْرَأَة وحمار قيام فرقت الِاسْم وجمعت النَّعْت كَمَا فرقت
هُنَاكَ النَّعْت وَالِاسْم مَجْمُوع وَلَو أردْت هَا هُنَا التَّبْعِيض لم يجز لِأَن قيَاما لَفْظَة وَاحِدَة فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْخَفْض إِلَّا جَوَاز الْحَال وَتقول مَرَرْت بِرَجُل مثلك غَيْرك ف غير هَا هُنَا توكيد لِأَن غيرا يتَكَلَّم بهَا على وَجْهَيْن أَحدهمَا للفائدة وَالْآخر للتوكيد فَإِذا قَالَ مَرَرْت بِرَجُل غير زيد فقد أفادك أَن الرجل الَّذِي مَرَرْت بِهِ سوى زيد وَكَذَلِكَ مَرَرْت بِرَجُل غَيْرك كَأَنَّهُ قَالَ مَرَرْت بِرَجُل آخر لِئَلَّا يتَوَهَّم السَّامع أَنه بِعَيْنِه فَإِذا قَالَ مَرَرْت بِرَجُل مثلك فقد أعلمهُ أَنه غَيره فَإِن أتبعه غيرا فَإِنَّمَا هُوَ توكيد وَتَشْديد للْكَلَام وَهَذِه النكرات كلهَا تقع حالات وتبيينا وتجري فِي جَمِيع مجاري النكرَة تَقول عِنْدِي عشرُون مثلك وَمِائَة مثلك وَعِشْرُونَ غَيْرك فَأَما عشرُون أَيّمَا رجل فَلَا يجوز وَإِنَّمَا امْتنع من أَنَّك لَا تقيم الصّفة مقَام الْمَوْصُوف حَتَّى تتمكن فِي بَابهَا نَحْو مَرَرْت بظريف ومررت بعاقل لِأَنَّهَا أَسمَاء جَارِيَة على الْفِعْل
وَأَيّمَا رجل إِنَّمَا مَعْنَاهُ كَامِل فَلَيْسَ بمأخوذ من فعل وَمَا زَائِدَة فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مرت بِرَجُل أَي رجل فعلى هَذَا تقع الصِّفَات موقع الْمَوْصُوف وتمتنع وَالْمَرْفُوع والمنصوب كالمخفوض والمعرفة يجْرِي نعتها كمجرى نعت النكرَة تَقول مَرَرْت بِعَبْد الله الْعَاقِل وبأخويك الكريمين وبأخويك الْكَرِيم واللئيم على أَنَّك تُرِيدُ أَحدهمَا الْكَرِيم وَأَحَدهمَا اللَّئِيم وَإِن شِئْت خفضت على النَّعْت
وَكَذَلِكَ كَانَ إخْوَتك كريم ولئيم أَي مِنْهُم كَذَا وَمِنْهُم كَذَا إِذا لم ترد الْجِنْس وَكَانَ إخْوَتك قَائِما وَقَاعِدا ونائماً وترفع إِن شِئْت وَكَذَلِكَ بِالْألف وَاللَّام إِلَّا أَن مَا كَانَ من هَذَا بِالْألف وَاللَّام فَهُوَ شَيْء مَعْرُوف تَقول كَانَ زيد الْقَائِم أَي كَانَ زيد ذَلِك الَّذِي رَأَيْته قَائِما وَإِن قلت كَانَ زيد قَائِما لم تقصد إِلَى وَاحِد رَأَيْته قبل قَائِما وَاعْلَم أَن الْبَدَل فِي الْكَلَام يكون على أَرْبَعَة أضْرب فَضرب من ذَلِك أَن تبدل الِاسْم من الِاسْم إِذا كَانَا لشَيْء وَاحِد معرفتين كَانَا أَو معرفَة ونكرة أَو مضمرا ومظهرا أَو مضمرين أَو مظهرين وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك مَرَرْت بأخيك زيد أبدلت زيدا من الْأَخ نحيت الْأَخ وَجَعَلته فِي مَوْضِعه فِي الْعَامِل فَصَارَ مثل قَوْلك مَرَرْت بزيد وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة تَبْيِين وَلَكِن قيل بدل لِأَن الَّذِي عمل فِي الَّذِي قبله قد صَار يعْمل فِيهِ بِأَن فرغ لَهُ وَلم يجز أَن يكون نعتا لِأَن زيدا لَيْسَ مِمَّا ينعَت بِهِ فَإِن قلت مَرَرْت بزيد أَخِيك جَازَ فِي الْأَخ أَن يكون بَدَلا وَأَن يكون نعتا والنعت أحسن لِأَنَّهُ مِمَّا ينعَت بِهِ وَالْبدل جيد بَالغ لِأَنَّهُ هُوَ الأول فَهَذَا شَأْن المعرفتين فَأَما الْمعرفَة والنكرة فَإِن أبدلت معرفَة من نكرَة قلت مَرَرْت بِرَجُل زيد ومررت بِذِي مَال أَخِيك قَالَ الله عز وَجل ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم صِرَاط الله﴾ فَهَذَا بدل الْمعرفَة من النكرَة
وَفِي المعرفتين قَوْله ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾ وَفِي بدل النكرَة من الْمعرفَة قَوْله مَرَرْت بزيد صَاحب مَال ومررت بِالرجلِ رجل صَالح قَالَ الله عز وَجل ﴿كلا لَئِن لم تَنْتَهِ لنسفعا بالناصية نَاصِيَة﴾ فَأَما الْمُضمر والمظهر فكقولك زيد مَرَرْت بِهِ أَخِيك وَتقول رَأَيْت زيدا إِيَّاه وأخوك رَأَيْته زيدا والمضمران رَأَيْتُك إِيَّاه فَهَذَا ضرب من الْبَدَل وَالضَّرْب الآخر أَن تبدل بعض الشَّيْء مِنْهُ لتعلم مَا قصدت لَهُ وتبينه للسامع وَذَلِكَ قَوْلهم ضربت زيدا رَأسه أردْت أَن تبين مَوضِع الضَّرْب مِنْهُ فَصَارَ كَقَوْلِك ضربت رَأس زيد وَمِنْه جَاءَنِي قَوْمك أَكْثَرهم بيّنت من جَاءَك مِنْهُم قَالَ الله عز وَجل ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ من فِي مَوضِع خفض لِأَنَّهُ على من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمن ذَلِك إِلَّا أَنه أُعِيد مَعَه حرف الْخَفْض ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه للَّذين استضعفوا لمن آمن مِنْهُم﴾ كَانَ أَيْضا جيدا كالآية الَّتِي ذكرنَا قبل
فهذان ضَرْبَان وَالضَّرْب الثَّالِث أَن يكون الْمَعْنى محيطا بِغَيْر الأول الَّذِي سبق لَهُ الذّكر لالتباسه بِمَا بعده فتبدل مِنْهُ الثَّانِي الْمَقْصُود فِي الْحَقِيقَة وَذَلِكَ قَوْلك مَالِي بهم علم أَمرهم فَأَمرهمْ غَيرهم وَإِنَّمَا أَرَادَ مَالِي بأمرهم علم فَقَالَ مَالِي بهم علم وَهُوَ يُرِيد أَمرهم وَمثل ذَلِك أَسأَلك عَن عبد الله متصرفه فِي تِجَارَته لِأَن الْمَسْأَلَة عَن ذَلِك قَالَ الله عز وَجل ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ﴾ لِأَن الْمَسْأَلَة عَن الْقِتَال وَلم يسْأَلُوا أَي الشَّهْر الْحَرَام وَقَالَ ﴿قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود النَّار ذَات الْوقُود﴾ لأَنهم أَصْحَاب النَّار الَّتِي أوقدوها فِي الْأُخْدُود وَقَالَ الْأَعْشَى (لقَدْ كانَ فِي حَوْلِ ثواءٍ ثَوَيْتُهُ ... تَقَضِّي لُبانَاتٍ وَيَسْأَمَ سائِمُ) لِأَنَّهُ أَرَادَ ثواءه حولا فَهَذِهِ ثَلَاثَة أوجه تكون فِي الْقُرْآن وَفِي الشّعْر وَفِي كل كَلَام مُسْتَقِيم وَوجه رَابِع لَا يكون مثله فِي قُرْآن وَلَا شعر وَلَا كَلَام مُسْتَقِيم وَإِنَّمَا يَأْتِي فِي لفظ النَّاسِي أَو الغالط وَذَلِكَ قَوْلك رَأَيْت زيدا دَاره وَكلمت زيدا عمرا ومررت بِرَجُل حمَار أَرَادَ أَن يَقُول مَرَرْت بِحِمَار فنسي ثمَّ ذكر فنحي
الرجل وأوصل الْمُرُور إِلَى مَا قصد إِلَيْهِ أَو غلط ثمَّ استدرك فَهَذِهِ أَرْبَعَة أوجه فِي الْبَدَل وَلَو قَالَ فِي هَذَا الْموضع مَرَرْت بِرَجُل بل حمَار وَلَقِيت زيدا بل عمرا كَانَ كَذَلِك إِلَّا أَن بل وَلَا بل من حُرُوف الْإِشْرَاك وَقد ذكرنَا أحوالها فِيمَا تقدم وَاعْلَم أَن المعارف تُوصَف بالمعارف فَإِن وَقع بعْدهَا شَيْء نكرَة وَالْعَامِل فعل أَو شَيْء فِي مَعْنَاهُ انتصبت النكرَة على الْحَال وَنحن واصفو ذَلِك فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله
(هَذَا بَاب الْحَالَات والتبيين وَتَفْسِير مَعْنَاهُمَا)
اعْلَم أَنه لَا ينْتَصب شَيْء إِلَّا على أَنه مفعول أَو مشبه بالمفعول فِي لفظ أَو معنى وَالْمَفْعُول على ضروب فَمن ذَلِك الْمصدر وَهُوَ اسْم الْفِعْل وَهُوَ مفعول صَحِيح لِأَن الْإِنْسَان يفعل وَاسم فعله ذَلِك الْمصدر تَقول ضربت ضربا وَقمت قيَاما فَأَنت فعلت الضَّرْب وَالْقِيَام وَلَو قلت ضربت
وَقمت لدللت على أَنَّك فعلت الضَّرْب وَالْقِيَام وَكَذَلِكَ كل فعل تعدى أَو لم يَتَعَدَّ فَإِذا قلت ضربت زيدا أَو كلمت عمرا فَأَنت لم تفعل زيدا وَلَا عمرا إِنَّمَا فعلت الضَّرْب وَالْكَلَام فأوقعت الضَّرْب بزيد وأوصلت الْكَلَام إِلَى عَمْرو فزيد وَعَمْرو مفعول بهما لِأَنَّك فعلت فعلا أوقعته بهما وأوصلته إِلَيْهِمَا فَإِن قلت سرت يَوْم الْجُمُعَة وَجَلَست مَكَان زيد فَإِنَّمَا فعلت السّير وَالْجُلُوس فِي هَذَا الزَّمَان وَهَذَا الْمَكَان فالزمان وَالْمَكَان مفعول فيهمَا والفصل بَينهمَا وَبَين زيد أَنَّك أوصلت إِلَى زيد شَيْئا وَلم تعْمل فِي الزَّمَان شَيْئا إِنَّمَا عملت عملا احتوى عَلَيْهِ الزَّمَان وَالْمَكَان تَقول ضربت زيدا يَوْم الْجُمُعَة فِي الدَّار فَأَنت لم تصنع بِالدَّار وَالْيَوْم شَيْئا وَلَكِن لَو قلت هدمت الدَّار وبنيت الدَّار لكَانَتْ مفعولة بِمَنْزِلَة زيد لِأَنَّك فعلت فعلا أوصلته إِلَيْهَا وَكَذَلِكَ الْحَال هِيَ مفعول فِيهَا تَقول جَاءَنِي زيد الطَّوِيل فالطويل نعت وَكَذَلِكَ مَرَرْت بأخيك الْكَرِيم إِنَّمَا مَعْنَاهُ بأخيك الْمَوْصُوف بِالْكَرمِ الْمَعْرُوف بِهِ
فَإِذا قلت جَاءَنِي زيد مَاشِيا لم يكن نعتا لِأَنَّك لَو قلت جَاءَنِي زيد الْمَاشِي لَكَانَ مَعْنَاهُ الْمَعْرُوف بِالْمَشْيِ وَكَانَ جَارِيا على زيد لِأَنَّهُ تحلية لَهُ وتبيين أَنه زيد الْمَعْرُوف بِهَذِهِ السمة ليفصل مِمَّن اسْمه مثل اسْمه بِهَذَا الْوَصْف فَإِذا قلت جَاءَنِي زيد مَاشِيا لم ترد أَنه يعرف بِأَنَّهُ ماش وَلَكِن خبرت بِأَن مَجِيئه وَقع فِي هَذِه الْحَال وَلم يدلل كلامك على مَا هُوَ فِيهِ قبل هَذِه الْحَالة أَو بعْدهَا فالحال مفعول فِيهَا إِنَّمَا خبرت أَن مَجِيئه وَقع فِي حَال مَشى وَكَذَلِكَ مَرَرْت بزيد ضَاحِكا وصادفت أَخَاك رَاكِبًا فالحال لَا يعْمل فِيهَا إِلَّا الْفِعْل أَو شَيْء يكون بَدَلا مِنْهُ دَالا عَلَيْهِ وسنبين جَمِيع ذَلِك إِن شَاءَ الله فَإِذا كَانَ الْعَامِل فِي الْحَال فعلا صلح تَقْدِيمهَا وتأخيرها لتصرف الْعَامِل فِيهَا فَقلت جَاءَ زيد رَاكِبًا وراكبا جَاءَ زيد وَجَاء رَاكِبًا زيد قَالَ الله عز وَجل ﴿خشعا أَبْصَارهم يخرجُون من الأجداث﴾ وَكَذَلِكَ قَائِما لقِيت زيدا وَقَائِمًا أَعْطَيْت زيدا درهما وذاهبا إِلَيْك رَأَيْت زيدا وَإِن كَانَ الْعَامِل غير فعل لم تكن الْحَال إِلَّا بعده وَذَلِكَ قَوْلك زيد فِي الدَّار قَائِما وَفِي الدَّار قَائِما زيد وَفِي الدَّار زيد قَائِما إِذا كَانَ قَائِما بعد قَوْلك فِي الدَّار انتصب وَلَا يصلح قَائِما فِي الدَّار زيد وَلَا زيد قَائِما فِي الدَّار وَلَا قَائِما زيد فِي الدَّار لما أخرت الْعَامِل وَلم يكن فعلا لم يتَصَرَّف تصرف الْفِعْل فينصب مَا قبله وَهَذَا إِذا جعلت فِي الدَّار خَبرا فَقلت زيد فِي الدَّار وَفِي الدَّار زيد فاستغنى زيد بِخَبَرِهِ قلت قَائِما وَنَحْوه لتدل على أَيَّة حَال اسْتَقر فَإِن جعلت قَائِما هُوَ الْخَبَر رفعته وَكَانَ قَوْلك فِي الدَّار فضلَة مُسْتَغْنى عَنْهَا لِأَنَّك إِنَّمَا قلت زيد قَائِم فاستغنى زيد بِخَبَرِهِ ثمَّ خبرت أَيْن مَحل قِيَامه فَقلت فِي الدَّار وَنَحْوه
وكل مَا كَانَ فِي الِابْتِدَاء من هَذَا فَكَذَلِك مجْرَاه فِي بَاب إِن وَأَخَوَاتهَا وظننت وَأَخَوَاتهَا وَكَانَ وَأَخَوَاتهَا إِلَّا أَنه مَا كَانَ من ذَلِك فعلا أَو دخله معنى تصلح عَلَيْهِ الْحَال وتنصبه عَلَيْهِ إِذا أردْت ذَلِك نَحْو ظَنَنْت زيدا قَائِما أَخَاك لِأَنَّك إِنَّمَا ظننته فِي حَال قِيَامه وَكَأن زيدا قَائِما أَخُوك لِأَنَّهُ أشبهه فِي حَال قِيَامه وَلَو قلت إِن زيدا قَائِما فِي الدَّار لم يجز لِأَنَّك لَا تنصبه بِقَوْلِك فِي الدَّار وَهُوَ قبله وَلم يحدث معنى مَعَ إِن يجب بِهِ نصب الْحَال لِأَن هَذِه العوامل كلهَا دَاخِلَة على الِابْتِدَاء قَالَ الله عز وَجل ﴿إِن أَصْحَاب الْجنَّة الْيَوْم فِي شغل فاكهون﴾ فَجعل قَوْله ﴿فاكهون﴾ الْخَبَر و ﴿فِي شغل﴾ تَبْيِين كَقَوْلِك
فِي الدَّار وَقَالَ ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات وعيون آخذين﴾ وَقَالَ ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونعيم فاكهين﴾ على مَا وَصفنَا وَتقول زيد بك مَأْخُوذ وَزيد عَلَيْك نَازل وَزيد فِيك رَاغِب وَزيد بك كَفِيل وَزيد إِلَيْك مائل وَزيد عَنْك مُحدث لَا يكون فِي جَمِيع ذَلِك إِلَّا الرّفْع لِأَنَّهُ لَا يكون شَيْء مِمَّا اذكرنا ظرفا لزيد لَو قلت زيد فِيك أَو زيد عَنْك أَو زيد بك لم يصلح لِأَن بك إِنَّمَا هِيَ ظرف لمأخوذ وَعَلَيْك ظرف لنازل فَاعْتبر مَا ورد عَلَيْك من هَذَا وَشبهه بِمَا ذكرت لَك وَتقول زيد علينا أَمِير وأميرا لِأَنَّك لَو قلت زيد علينا وَأَنت تُرِيدُ الْإِمَارَة كَانَ مُسْتَقِيمًا وَتقول زيد فِي الدَّار أَبوهُ قَائِما على أَن تجْعَل قَائِما حَالا لِأَبِيهِ وَإِن شِئْت رفعت فَإِن جعلته حَالا لزيد لم يستقم لِأَن زيدا لَيْسَ لَهُ فِي الظّرْف ضمير وَلَا يَسْتَقِيم زيد قَائِما فِي الدَّار أَبوهُ بِوَجْه من الْوُجُوه لِأَن الْحَال قبل الْعَامِل وَلَيْسَ بِفعل وَتقول مَرَرْت رَاكِبًا بزيد إِذا جعلت الْحَال لَك فَإِن جَعلتهَا لزيد لم يَسْتَقِيم
لِأَن الْعَامِل فِي زيد الْبَاء وَلَكِن لَو قلت ضربت قَائِما زيدا كَانَ جيدا لأيكما جعلت الْحَال وَكَذَلِكَ رَأَيْت راكبة هندا فَإِن قلت هَذَا ابْن عمي دنيا وَهَذِه الدَّرَاهِم وزن سَبْعَة وَهَذَا الثَّوْب نسج الْيمن وَهَذَا الدِّرْهَم ضرب الْأَمِير نصبت ذَلِك كُله وَلَيْسَ نَصبه على الْحَال لَو كَانَ كَذَلِك
لامتنع قَوْلك نسج الْيمن وَضرب الْأَمِير لِأَن الْمعرفَة لَا تكون حَالا وَلكنهَا مصَادر على قَوْلك ضرب ضربا ونسج نسجا وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الَّذِي قبله نكرَة قلت هَذَا دِرْهَم وزن سَبْعَة وَهَذَا ثوب نسج الْيمن وَهَذَا دِرْهَم ضرب الْأَمِير وَإِن شِئْت رفعت فَقلت هَذَا دِرْهَم وزن سَبْعَة وَهَذَا دِرْهَم ضرب الْأَمِير فنعته بِالْمَصْدَرِ لِأَن الْمصدر مفعول فكأنك قلت هَذَا دِرْهَم مَضْرُوب للأمير وَهَذَا ثوب منسوج بِالْيمن فَإِن قلت هَذَا دِرْهَم ضرب الْأَمِير لم يجز أَن يكون نعتا لِأَن النكرَة لَا تنْعَت بالمعرفة وَلَكِن بيّنت كَأَنَّك جعلته جَوَابا لما قلت هَذَا ثوب وَهَذَا دِرْهَم قيل مَا هُوَ فَقلت ضرب الْأَمِير على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وعَلى هَذَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل زيد وَقَالَ ﴿بشر من ذَلِكُم النَّار﴾ وقرئت الْآيَة على وَجْهَيْن ﴿فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء للسائلين﴾ على الْمصدر فَكَأَنَّهُ قَالَ اسْتِوَاء وَقَرَأَ
بَعضهم ﴿أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء﴾ على معنى مستويات وَقَالَ جلّ وَعز ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن أصبح ماؤكم غورا﴾ فَالْمَعْنى وَالله أعلم غائرا فَوضع الْمصدر مَوضِع الِاسْم وَقَالَت الخنساء (تَرْتَعُ مَا عَقَلَتْ حتَّى إِذا ادّكَرَتْ ... فإِنَّما هِيَ إِقْبالٌ وإِدْبارُ) فالمصدر فِي كل هَذَا فِي مَوضِع الِاسْم وَقَالَ لَقِيط بن زُرَارَة (شَتَّانَ هَذَا والعِناقُ والنَّوْمْ ... والمشْرَبُ البارِدُ والظِّلُّ الدَّوْمْ) يُرِيد الدَّائِم فَأَما قَوْلهم هُوَ عَرَبِيّ مَحْضا وَهُوَ صميم قلبا وَهُوَ عَرَبِيّ حسبَة وَهُوَ شرِيف جدا فَإِنَّهَا مصَادر مُؤَكدَة لما قبلهَا
والأجود هُوَ عَرَبِيّ مَحْض وعربي قلب لِأَن هَذِه أَسمَاء وَإِن كَانَت تكون على هَذَا اللَّفْظ مصَادر لِأَن الْمصدر ينعَت بِهِ وَالِاسْم لَا يكون إِلَّا نعتا من هَذَا الضَّرْب إِلَّا أَن تَجْعَلهُ حَالا للنكرة وَأما هُوَ أَعْرَابِي قح فَلَا يكون إِلَّا رفعا لِأَنَّهُ لَيْسَ بمصدر فَإِذا قلت هُوَ عَرَبِيّ حسبَة فَمَعْنَاه اكْتِفَاء يُقَال أَعْطَانِي فأحسبني أَي كفاني قَالَ الله عز وَجل ﴿عَطاء حسابا﴾ أَي كَافِيا