المقتضب(هَذَا بَاب الْأَفْعَال الَّتِى تسمى أَفعَال المقاربة وهى مُخْتَلفَة الْمذَاهب وَالتَّقْدِير، مجتمعة فى المقاربة)

(هَذَا بَاب الْأَفْعَال الَّتِى تسمى أَفعَال المقاربة وهى مُخْتَلفَة الْمذَاهب وَالتَّقْدِير، مجتمعة فى المقاربة)

عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن يزيد المبرد
الكتاب
المقتضب
المؤلف
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
المحقق
محمد عبد الخالق عظيمة.
الناشر
عالم الكتب. - بيروت
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَمن تِلْكَ الْأَفْعَال (عَسى) وهى لمقاربة الْفِعْل، وَقد تكون إِيجَابا، وَنحن نذْكر بعد فراغنا مِنْهَا شَيْئا إِن شَاءَ الله اعْلَم (أَنه) لَا بُد لَهَا من فَاعل؛ لِأَنَّهُ لَا / يكون فعل إِلَّا وَله فَاعل وخبرها مصدر؛ لِأَنَّهَا لمقاربته والمصدر اسْم الْفِعْل وَذَلِكَ قَوْلك: عَسى زيد أَن ينْطَلق، وعسيت أَن أقوم، أى: دَنَوْت من ذَلِك، وقاربته بِالنِّيَّةِ و (أَن أقوم) فى معنى الْقيام

وَلَا تقل: عَسَيْت الْقيام، وَإِنَّمَا ذَلِك لِأَن الْقيام مصدر،، لَا دَلِيل فِيهِ يخص وقتا من وَقت، و (أَن أقوم) مصدر لقِيَام لم يَقع؛ فَمن ثمَّ لم يَقع الْقيام بعْدهَا، وَوَقع الْمُسْتَقْبل قَالَ الله عز وَجل ﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح﴾ وَقَالَ: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين﴾ وَلَو احْتَاجَ شَاعِر إِلَى الْفِعْل فَوَضعه فى مَوضِع الْمصدر جَازَ؛ لِأَنَّهُ دَال عَلَيْهِ فَمن ذَلِك قَوْله: (عَسى الله يغنى عَن بِلَاد ابْن قَادر ... بمنهمر جون الربَاب سكوب)

وَقَالَ الاخر: (عَسى الكرب الذى أمسيت فِيهِ ... يكون وَرَاءه فرج قريب) وَأما قَوْلهم فى الْمثل: (عَسى الغوير أبؤسا) فَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِير: عَسى الغوير أَن يكون أبوسا؛ لِأَن (عَسى) إِنَّمَا خَبَرهَا الْفِعْل مَعَ (أَن) أَو الْفِعْل / مُجَردا، وَلَكِن لما وضع الْقَائِل الِاسْم فى مَوضِع الْفِعْل كَانَ حَقه النصب؛ لِأَن (عَسى) فعل، وَاسْمهَا فاعلها، وخبرها مفعولها؛ أَلا ترى أَنَّك تَقول: كَانَ زيد ينْطَلق فموضعه نصب فَإِن قلت: مُنْطَلقًا لم يكن إِلَّا نصبا فَأَما قَوْلهم: عَسى أَن يقوم زيد، وَعَسَى أَن يقوم أَبوك، وَعَسَى أَن تقوم جواريك فقولك: (أَن يقوم) رفع؛ لِأَنَّهُ فَاعل عَسى فَعَسَى فعل ومجازها مَا ذكرت لَك

فَأَما قَول سِيبَوَيْهٍ: إِنَّهَا تقع فى بعض الْمَوَاضِع بِمَنْزِلَة (لَعَلَّ) مَعَ الْمُضمر فَتَقول: عساك وعسانى - فَهُوَ غلط مِنْهُ؛ لِأَن الْأَفْعَال لَا تعْمل فى الْمُضمر إِلَّا كَمَا تعْمل فى الْمظهر فَأَما قَوْله: (تَقول بنتى: قد أَنى إناكا ... يَا أبتى علك أَو عساكا)

وَقَالَ آخر: (ولى نفس أَقُول لَهَا إِذا مَا ... تخالفنى: لعلى أَو عسانى) فَأَما تَقْدِيره عندنَا: أَن الْمَفْعُول مقدم، وَالْفَاعِل مُضْمر، كَأَنَّهُ قَالَ: عساك الْخَيْر أَو الشَّرّ، وَكَذَلِكَ: عسانى الحَدِيث، وَلكنه حذف؛ لعلم الْمُخَاطب بِهِ، وَجعل الْخَبَر اسْما على قَوْلهم: (عَسى الغوير / أبؤسا)

وَكَذَلِكَ قَول الْأَخْفَش: وَافق ضمير الْخَفْض ضمير الرّفْع فى (لولاى) ، فَلَيْسَ هَذَا القَوْل بشئ، وَلَا قَول: أَنا كَأَنْت، وَلَا أَنْت كأنا - بشئ، وَلَا يجوز هَذَا، إِنَّمَا يتَّفق ضمير النصب، وَضمير الْخَفْض كاستوائهما فى التَّثْنِيَة وَالْجمع، وفى حمل المخفوض الذى لَا يجرى على لفظ النصب؛ مثل قَوْلك: مَرَرْت بعمر اسْتَوَى فِيهِ الْخَفْض، وَالنّصب وأدخلت الْخَفْض على النصب، كَمَا أدخلت النصب على الْخَفْض، فهذان متواخيان وَالرَّفْع بَائِن مِنْهُمَا وَأما (لَوْلَا) فَنَذْكُر أمرهَا فى بَابهَا إِن شَاءَ الله وَمن هَذِه الْحُرُوف (لَعَلَّ) تَقول: لَعَلَّ زيدا يقوم و (لَعَلَّ) حرف جَاءَ لِمَعْنى مشبه بِالْفِعْلِ كَأَن مَعْنَاهُ التوقيع لمحبوب أَو مَكْرُوه وَأَصله (عل) وَاللَّام زَائِدَة فَإِذا قلت: لَعَلَّ زيدا يأتينا بِخَير، وَلَعَلَّ عمرا يزورنا - فَإِنَّمَا مجَاز هَذَا الْكَلَام من الْقَائِل، أَنه لَا يَأْمَن أَن يكون هَذَا كَذَا وَالْخَبَر يكون اسْما؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة (إِن) ، وَيكون فعلا، وظرفا؛ كَمَا يكون فى (إِن) تَقول: لَعَلَّ زيدا صديق لَك، وَلَعَلَّ زيدا فى الدَّار، وَلَعَلَّ زيدا إِن أَتَيْته أَعْطَاك

إِذا ذكرت الْفِعْل فَهُوَ بِغَيْر (أَن) أحسن؛ لِأَنَّهُ خبر ابْتِدَاء، وَقَالَ الله عز وَجل /: (لعَلّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} وَقَالَ: ﴿فَقُوْلاَ لَهُ قَوْلاً لَيَّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخشَى﴾ فَإِن قَالَ الْقَائِل فى الشّعْر: لَعَلَّ زيدا أَن يقوم - جَازَ؛ لِأَن الْمصدر يدل على الْفِعْل، فمجاز الْمصدر هَاهُنَا كمجاز الْفِعْل فى بَاب (عَسى) قَالَ الشَّاعِر: (لَعَلَّك يَوْمًا أَن تلم ملمة ... عَلَيْك من اللائى يدعنك أجدعا) وَمن هَذِه الْحُرُوف (كَاد) ، وهى للمقاربة، وهى فعل تَقول: (كَاد الْعَرُوس يكون أَمِيرا) ، و (كَاد النعام يطير)

فَأَما قَول الله عز وَجل: ﴿إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا﴾ فَمَعْنَاه - وَالله أعلم -: لم يرهَا، وَلم يكد، أى: لم يدن من رؤيتها وَكَذَلِكَ: ﴿من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم﴾ فَلَا تذكر خَبَرهَا إِلَّا فعلا، لِأَنَّهَا لمقاربة الْفِعْل فى ذَاته فهى بِمَنْزِلَة قَوْلك: جعل يَقُول، وَأخذ يَقُول، وكرب يَقُول، إِلَّا أَن يضْطَر شَاعِر، فَإِن اضْطر جَازَ لَهُ فِيهَا مَا جَازَ فى (لَعَلَّ) قَالَ الشَّاعِر: (قد كَاد من طول البلى أَن يمصحا ... )

جارٍ التحميل