المقتضبهَذَا بَاب الأحرف الْخَمْسَة المشبهة بالأفعال

هَذَا بَاب الأحرف الْخَمْسَة المشبهة بالأفعال

عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن يزيد المبرد
الكتاب
المقتضب
المؤلف
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
المحقق
محمد عبد الخالق عظيمة.
الناشر
عالم الكتب. - بيروت
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَهِي إِن وَأَن وَلَكِن وَكَأن وليت وَلَعَلَّ وَإِن وَأَن مجازهما وَاحِد فَلذَلِك عددناهما حرفا وَاحِدًا وَالْفرق بَينهمَا يَقع فِي بَاب مُفْرد لَهما إِن شَاءَ الله ف إِن إِنَّمَا مَعْنَاهَا الِابْتِدَاء لِأَنَّك إِذا قلت إِن زيدا منطلق كَانَ بِمَنْزِلَة قَوْلك زيد منطلق فِي الْمَعْنى وَإِن غيرت اللَّفْظ وَكَذَلِكَ لَكِن ولكنهما دخلتا لما أخْبرك بِهِ أما إِن فَتكون صلَة للقسم لِأَنَّك لَا تَقول وَالله زيد منطلق لانْقِطَاع الْمَحْلُوف عَلَيْهِ من الْقسم فَإِن قلت وَالله إِن زيدا منطلق اتَّصل بالقسم وَصَارَت إِن بِمَنْزِلَة اللَّام الَّتِي تدخل فِي قَوْلك وَالله لزيد خير مِنْك وَلَكِن للاستدراك وَإِن كَانَت ثَقيلَة عاملة بمنزلتها وَهِي مُخَفّفَة كَمَا ذكرت لَك فِي بَاب الْعَطف وَإِنَّمَا يسْتَدرك بهَا بعد النَّفْي نَحْو قَوْلك مَا جَاءَنِي زيد لَكِن عَمْرو وَيَقُول الْقَائِل مَا ذهب زيد فَتَقول لَكِن عمرا قد ذهب

وَيجوز فِي الثَّقِيلَة والخفيفة أَن تستدرك بهما بعد الْإِيجَاب مَا كَانَ مستغنياً نَحْو قَوْلك جَاءَ زيد فَأَقُول لَكِن عمرا لم يَأْتِ وَتكلم عَمْرو لَكِن خَالِد سكت فَأَما الْخَفِيفَة إِذا كَانَت عاطفة اسْما على اسْم لم يجز أَن تستدرك بهَا إِلَّا بعد النَّفْي لَا يجوز أَن تَقول جَاءَنِي عَمْرو لَكِن زيد وَلَكِن مَا جَاءَنِي عَمْرو لَكِن زيد فَإِن عطفت بهَا جملَة وَهِي الْكَلَام المستغنى جَازَ أَن يكون ذَلِك بعد الْإِيجَاب كَمَا ذكرت لَك تَقول قد جَاءَنِي زيد لَكِن عَمْرو لم يأتني وَأما كَأَن فمعناها التَّشْبِيه تَقول كَأَن زيدا عَمْرو وَكَأن أَخَاك الْأسد وَلَعَلَّ مَعْنَاهَا التوقع لمرجو أَو مخوف نَحْو لَعَلَّ زيدا يأتني وَلَعَلَّ الْعَدو يدركنا وليت مَعْنَاهَا التَّمَنِّي نَحْو لَيْت زيدا أَتَانَا فَهَذِهِ الْحُرُوف مشبهة بالأفعال وَإِنَّمَا أشبهتها لِأَنَّهَا لَا تقع إِلَّا على الْأَسْمَاء وفيهَا الْمعَانِي من الترجي وَالتَّمَنِّي والتشبيه الَّتِي عباراتها الْأَفْعَال وَهِي فِي الْقُوَّة دون الْأَفْعَال وَلذَلِك بنيت أواخرها على الْفَتْح كبناء الْوَاجِب الْمَاضِي

وَهِي تنصب الْأَسْمَاء وترفع الْأَخْبَار فتشبه من الْفِعْل مَا قدم مَفْعُوله نَحْو ضرب زيدا عَمْرو وَلَا يجوز فِيهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لِأَنَّهَا لَا تتصرف فَيكون مِنْهَا يفعل وَلَا مَا يكون فِي الْفِعْل من الْأَمْثِلَة والمصادر فَلذَلِك لَزِمت طَريقَة إِذْ لم تبلغ أَن تكون فِي الْقُوَّة كَمَا شبهت بِهِ وَذَلِكَ قَوْلك إِن زيدا منطلق وَإِن أَخَاك قَائِم وَكَأن الْقَائِم أَخُوك وليت عبد الله صَاحبك فَإِن اجْتمعت فِي هَذِه الْحُرُوف معرفَة ونكرة فَالَّذِي يخْتَار أَن يكون مِنْهُمَا اسْمهَا الْمعرفَة لِأَنَّهَا دخلت على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وقصتها قصَّة كَانَ فِي ذَلِك فَأَما التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير نَحْو إِن منطلق زيدا فَلَا يجوز لِأَنَّهَا حرف جامد لَا تَقول فِيهِ فعل وَلَا فَاعل كَمَا كنت تَقول فِي كَانَ يكون وَهُوَ كَائِن وَغير هَذَا من الْأَمْثِلَة وَلَكِن إِن كَانَ الَّذِي يَليهَا ظرفا فَكَانَ خَبرا أَو غير خبر جَازَ وَذَلِكَ إِن فِي الدَّار زيدا وَإِن فِي الدَّار زيدا قَائِم

وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الظروف لَيْسَ مِمَّا تعْمل فِيهِ إِن لوُقُوع غَيرهَا فِيهِ وَإِن قَالَ قَائِل فَقل إِن يقوم زيدا لِأَن يقوم لَيْسَ مِمَّا تعْمل فِيهِ إِن فَإِن هَذَا محَال من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن إِن مشبهة بِالْفِعْلِ فَلَا يجوز أَن تلِي الْفِعْل كَمَا لَا يَلِي فعل فعلا وَلَيْسَ فِيهَا ضمير فَيكون بِمَنْزِلَة كَاد يقوم زيد لِأَن فِي كَاد ضميرا حَائِلا بَينهمَا وَبَين الْفِعْل والجهة الْأُخْرَى أَن يقوم فِي مَوضِع قَائِم فَلَا يجوز أَن يفصل بهَا بَين إِن وَاسْمهَا كَمَا لَا يجوز أَن يفصل بقائم فَإِن قَالَ قَائِل فَقل إِن قَامَ زيدا قيل لَهُ هَذَا أبعد وَذَاكَ أَن مَوضِع الْإِخْبَار إِنَّمَا هُوَ للأسماء لِأَن الْخَبَر إِنَّمَا هُوَ الِابْتِدَاء فِي الْمَعْنى وَإِنَّمَا دخلت قَامَ هَاهُنَا كَمَا دخلت على الصِّفَات فِي مثل قَوْلك مَرَرْت بِرَجُل قَائِم ومررت بِرَجُل صَالح فَتَقول مَرَرْت بِرَجُل قَامَ وبرجل صلح وَتقول إِن زيدا الظريف عَاقل فَإِن حذفت عَاقِلا رفعت الظريف وَذَلِكَ أَن الْخَبَر لَا بُد مِنْهُ وَله وضع الْكَلَام وَالصّفة تبين وَتركهَا جَائِز

وَتقول إِن زيدا منطلق وعمرا وَإِن شِئْت وَعَمْرو فَأَما الرّفْع فَمن وَجْهَيْن وَالنّصب من وَجه وَاحِد وَهُوَ أَن تعطفه على الِاسْم الْمَنْصُوب كَمَا قَالَ (إِنَّ الرَّبِيعَ الجَوْدَ والخَريفَا ... يَدَا أبي العَبَّاسِ والصُّيُوفا) وَهَذَا على وَجه الْكَلَام وَمَجْرَاهُ لِأَنَّك إِذا عطفت شَيْئا على شَيْء كَانَ مثله وَأحد وَجْهي الرّفْع وَهُوَ الأجود مِنْهُمَا أَن تحمله على مَوضِع إِن لِأَن موضعهَا الِابْتِدَاء فَإِذا قلت إِن زيدا منطلق فَمَعْنَاه زيد منطلق وَمثل إِن فِي هَذَا الْبَاب لَكِن الثَّقِيلَة وَنَظِير هَذَا قَوْلك لَيْسَ زيد بقائم وَلَا قَاعِدا على الْموضع وَمثله خشنت بصدره وَصدر زيد وعَلى هَذَا قِرَاءَة من قَرَأَ ﴿فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين﴾ حمله على مَوضِع الْفَاء وَلم يحملهُ على مَا عملت فِيهِ

وقرئت هَذِه الْآيَة على وَجْهَيْن ﴿إِن الله برِئ من الْمُشْركين وَرَسُوله﴾ بِالنّصب وَالرَّفْع فِي الرَّسُول وَمثل مَا يحمل على الْموضع قَوْله (مُعاوِيَ إنَّنا بشرٌ فأَسْجِحْ ... فلَسْنَا بالجبال وَلَا الحديدا) وَقَالَ الآخر (أَلاَ حَيَّ نَدْمَانِى عُمَيْرَ بْنَ عامِرٍ ... إذَا مَا تَلاقَيْنَا مِنَ اليَوْمِ أَوْ غَدا) وَالْوَجْه الآخر فِي الرّفْع إِن زيدا منطلق وَعَمْرو أَن يكون مَحْمُولا على الْمُضمر فِي منطلق وَهَذَا أبعد الْوَجْهَيْنِ إِلَّا أَن تؤكده فَيكون وَجها جيدا مُخْتَارًا نَحْو إِن زيدا منطلق هُوَ وَعَمْرو

وَتقول إِن زيدا منطلق الظريف وَإِن زيدا يقوم الْعَاقِل الرّفْع وَالنّصب فِيمَا بعد الْخَبَر جائزان فالرفع من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن تَجْعَلهُ بَدَلا من الْمُضمر فِي الْخَبَر وَالْوَجْه الآخر أَن تحمله على قطع وَابْتِدَاء وَالنّصب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن تتبعه زيدا

وَالْآخر أَن تنصبه بِفعل مُضْمر على جِهَة الْمَدْح وَهَذَا الْفِعْل يذكر إضماره فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله وَالْآيَة تقْرَأ على وَجْهَيْن ﴿قل إِن رَبِّي يقذف بِالْحَقِّ علام الغيوب﴾ بِالنّصب وَالرَّفْع فَأَما كَأَن وليت وَلَعَلَّ إِذا قلت كَأَن زيدا منطلق وَعَمْرو وليت زيدا يقوم وَعبد الله فَكل مَا كَانَ جَائِزا فِي إِن وَلَكِن من رفع أَو نصب فَهُوَ جَائِز فِي هَذِه الأحرف إِلَّا الْحمل على مَوضِع الِابْتِدَاء فَإِن هَذِه الْحُرُوف خَارِجَة من معنى الِابْتِدَاء لِأَنَّك إِذا قلت لَيْت فَإِنَّمَا تتمنى وَكَأن للتشبيه وَلَعَلَّ للتوقع فقد زَالَ الِابْتِدَاء وَلم يجز الْحمل عَلَيْهِ

جارٍ التحميل