(هَذَا بَاب أم، وأو)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن يزيد المبرد
- الكتاب
- المقتضب
- المؤلف
- محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
- المحقق
- محمد عبد الخالق عظيمة.
- الناشر
- عالم الكتب. - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَأَما (أم) فَلَا تكون إِلَّا استفهاما، وَتَقَع من الِاسْتِفْهَام فى موضِعين: أَحدهمَا: أَن تقع عديلة للألف على معنى (أى) ، وَذَلِكَ قَوْلك: أَزِيد فى الدَّار أم عَمْرو؟ وَكَذَلِكَ: أأعطيت زيدا أم حرمته؟ فَلَيْسَ جَوَاب هَذَا (لَا) ، وَلَا (نعم) ؛ كَمَا أَنه إِذا قَالَ: أَيهمَا لقِيت؟ أَو: أى الْأَمريْنِ فعلت؟ لم يكن جَوَاب هَذَا (لَا) وَلَا (نعم) ؛ لِأَن الْمُتَكَلّم مُدع أَن أحد الْأَمريْنِ قد وَقع، لَا يدرى أَيهمَا هُوَ فَالْجَوَاب أَن تَقول: زيد أَو عَمْرو فَإِن كَانَ الْأَمر على غير دَعْوَاهُ [فَالْجَوَاب] أَن تَقول: لم ألق وَاحِدًا، أَو كليهمَا فَمن ذَلِك قَول الله / عز وَجل: ﴿أتخذناهم سخريا أم زاغت عَنْهُم الْأَبْصَار﴾ وَقَوله:
﴿أأنتم أَشد خلقا أم السَّمَاء بناها﴾ وَمثله: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ ، فَخرج هَذَا مخرج التَّوْقِيف والتوبيخ، ومخرجه من النَّاس يكون استفهاما، وَيكون توبيخا فَهَذَا أحد وجهيها وَيدخل فى بَاب التَّسْوِيَة مثل قَوْلك: سَوَاء على أذهبت أَو جِئْت، وَمَا أبالى أَقبلت أم أَدْبَرت، وليت شعرى أَزِيد فى الدَّار أم عَمْرو؟ فقولك: (سَوَاء على) تخبر أَن الْأَمريْنِ عنْدك وَاحِد، فأدخلت حُرُوف الِاسْتِفْهَام هَاهُنَا لإيجابها التَّسْوِيَة
أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: أَزِيد فى الدَّار أم عَمْرو، أَنَّهُمَا فى علمك مستويان، فَهَذِهِ مضارعة، وَلِهَذَا تَقول: قد علمت أَزِيد فى الدَّار أم عَمْرو؛ لأنمها قد اسْتَويَا عِنْد السَّامع؛ كَمَا اسْتَوَى الْأَوَّلَانِ فى علمك و (أى) دَاخله فى كل مَوضِع تدخل فِيهِ (أم) مَعَ الْألف تَقول: قد علمت أَيهمَا فى الدَّار؟ تُرِيدُ: أذا أم ذَا قَالَ الله عز وَجل: ﴿فَلْينْظر أَيهَا أزكى طَعَاما﴾ وَقَالَ: ﴿لنعلم أَي الحزبين أحصى﴾ ؛ لِأَن الْمَعْنى: أذا أم ذَا؟ وعَلى ذَلِك / قَول الشَّاعِر: (سَوَاء عَلَيْهِ أى حِين أَتَيْته ... أساعة نحس جِئْته أم بِأَسْعَد) فقس (أيا) بِالْألف وَأم؛ كَمَا تَقول: أى الرجلَيْن أفضل أَزِيد أم عَمْرو؟ وسنفرد بَابا للمسائل بعد فراغنا من الْأُصُول، فَهَذَا أحد موضعيها والموضع الثانى: أَن تكون مُنْقَطِعَة مِمَّا قبلهَا خَبرا كَانَ أَو استفهاما، وَذَلِكَ قَوْلك فِيمَا كَانَ خَبرا: إِن هَذَا لزيد أم عَمْرو يَا فَتى
وَذَلِكَ أَنَّك نظرت إِلَى شخص، فتوهمته زيدا، فَقلت على مَا سبق إِلَيْك، ثمَّ أدركك الظَّن أَنه عَمْرو، فَانْصَرَفت عَن الأول، فَقلت: أم عَمْرو مستفهما فَإِنَّمَا هُوَ إضراب عَن الأول على معنى (بل) ، إِلَّا أَن مَا يَقع بعد (بل) يَقِين، وَمَا يَقع بعد (أم) مظنون مَشْكُوك فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّك تَقول: ضربت زيدا نَاسِيا أَو غالطا، ثمَّ تذكر أَو تنبه، فَتَقول: بل عمرا مستدركا مثبتا للثانى، تَارِكًا للْأولِ ف (بل) تخرج من غلط إِلَى استثبات، وَمن نِسْيَان إِلَى ذكر و (أم) مَعهَا ظن أَو اسْتِفْهَام، وإضرب / عَمَّا كَانَ قبله وَمن ذَلِك: هَل زيد منطلق أم عَمْرو يَا فَتى قَائِما أضْرب عَن سُؤَاله عَن انطلاق زيد، وَجعل السُّؤَال عَن عَمْرو فَهَذَا مجْرى هَذَا، وَلَيْسَ على منهاج قَوْلك: أَزِيد فى الدَّار أم عَمْرو وَأَنت تُرِيدُ: أَيهمَا فى الدَّار؟ لِأَن (أم) عديله الْألف، و (هَل) إِنَّمَا تقع مستأنفة أَلا ترى أَنَّك تَقول: أما زيد فى الدَّار على التَّقْرِير، وَتقول: يَا زيد، أسكوتا وَالنَّاس يَتَكَلَّمُونَ توبخه بذلك وَقد وَقع مِنْهُ السُّكُوت، وَلَا تقع (هَل) فى هَذَا الْموضع أَلا ترى إِلَى قَوْله: (أطربا وَأَنت قنسرى ... ) وَإِنَّمَا هُوَ: أتطرب وَهُوَ حَال طرب؟ وَذَلِكَ لِأَن الْألف و (أم) حرفا الِاسْتِفْهَام اللَّذَان يستفهم بهما عَن جَمِيعه، وَلَا يخرجَانِ مِنْهُ، وَلَيْسَ كَذَا سَار حُرُوف الِاسْتِفْهَام؛ لِأَن كل حرف مِنْهَا لضرب لَا يتَعَدَّى ذَلِك إِلَى غَيره، أَلا ترى أَن (أَيْن) إِنَّمَا هى سُؤال عَن الْمَكَان لَا يَقع إِلَّا عَلَيْهِ و (مَتى) سُؤال عَن زمَان، و (كَيفَ) سُؤال عَن حَال، و (كم) / سُؤال عَن عدد و (هَل) تخرج من حد الْمَسْأَلَة فَتَصِير بِمَنْزِلَة (قد) نجو: قَوْله عز وَجل -: ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر لم يكن شَيْئا مَذْكُورا﴾ فالألف (وَأم) لَا ينقلان عَن الِاسْتِفْهَام؛ كَمَا تنقل هَذِه الْحُرُوف، فَتكون جَزَاء، وَيكون
مَا كَانَ مِنْهَا يَقع للنَّاس وَغَيرهم، نَحْو: (من) ، و (مَا) ، و (أى) كَذَلِك، يكون فى معنى الذى وحرفا الِاسْتِفْهَام اللَّذَان لَا يفارقانه: الْألف و (أم) ، وهما يدخلَانِ على هَذِه الْحُرُوف كلهَا أَلا ترى أَن الْقَائِل يَقُول: هَل زيد فى الدَّار أم هَل عَمْرو هُنَاكَ؟ وَتقول: كَيفَ صنعت أم كَيفَ صنع أَخُوك؟ فَدخل هَذَانِ الحرفان على حُرُوف الِاسْتِفْهَام لتمكنهما وانتقالهما فَمن ذَلِك قَوْله: (هَل مَا علمت وَمَا اسْتوْدعت مَكْتُوم ... أم حبلها إِذْ نأتك الْيَوْم مصروم)
(أم هَل كَبِير بَكَى لم يقْض عبرته ... إِثْر الْأَحِبَّة يَوْم الْبَين مشكوم)
فَأدْخل (أم) على (هَل) ، وَقَالَ: (سَائل فوارس بربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القف ذى الأكم) / وَقَالَ: (كَيفَ الْقَرار بِبَطن مَكَّة بَعْدَمَا ... هم الَّذين تحب بالإنجاد)
(أم كَيفَ صبرك إِذْ ثويت معالجا ... سقما خلافهم وسقمك بادى) وَتدْخل حُرُوف الِاسْتِفْهَام على (من) ، و (مَا) ، و (أى) إِذا صرن فى معنى الذى بصلاتهن، وَكَذَلِكَ (أم) ، كَقَوْل الله عز وَجل: ﴿أم من يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ﴾ ، وَكَقَوْلِه: ﴿أَفَمَن يلقى فِي النَّار خير أم من يَأْتِي آمنا يَوْم الْقِيَامَة﴾ ، فقد أوضحت لَك حَالهمَا
فَأَما قَول الله عز وَجل: ﴿اآم تَنْزِيلُ الكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبَّ العَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ وَقَوله: ﴿أَم تَسْأَلُهُمْ أَجْراً﴾ ، وَمَا كَانَ مثله؛ نَحْو قَوْله عز وَجل: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخلُقُ بَنَاتٍ﴾ فَإِن ذَلِك لَيْسَ على جِهَة الِاسْتِفْهَام؛ لِأَن المستخبر غير عَالم، إِنَّمَا يتَوَقَّع الْجَواب فَيعلم بِهِ وَالله - عز وَجل - منفى عَنهُ ذَلِك وَإِنَّمَا تخرج هَذِه الْحُرُوف فى الْقُرْآن مخرج التوبيخ والتقرير، وَلكنهَا لتكرير توبيخ بعد توبيخ عَلَيْهِم أَلا ترَاهُ يَقُول عز وَجل: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فى النَّارِ خَيْرٌ أَم مَن يَأْتى آمِنًا يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ / - وَقد علم المستمعون كَيفَ ذَلِك - ليزجرهم عَن ركُوب مَا يُؤدى إِلَى النَّار، كَقَوْلِك للرجل: السَّعَادَة أحب إِلَيْك أم الشَّقَاء؛ لتوقفه أَنه على خطأ وعَلى مَا يصيره إِلَى الشَّقَاء، وَمن ذَلِك قَوْله: ﴿أَلَيْسَ فى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتكَبَّرِينَ﴾ كَمَا قَالَ: (ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى الْعَالمين بطُون رَاح) وَأَنت تعلم أَنه لم يستفهم، وَلَكِن قررهم بِأَنَّهُم كَذَلِك وَأَنه قد ثَبت لَهُم، فمجاز هَذِه الْآيَات - وَالله أعلم -: أيقولون افتراه؟ على التوبيخ لَهُم، وَأَنَّهُمْ قَالُوا، فنبه الرَّسُول وَالْمُسْلِمين على إفكهم، وَترك خَبرا إِلَى خبر لَا على جِهَة الإضراب، وَلَكِن جِهَة تَكْرِير خبر بعد خبر: كَمَا يَقع أَمر بعد زجر، وَأمر بعد أَمر للترغيب، والترهيب وَالله أعلم