المقتضبهَذَا بَاب الْفِعْل الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعول وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِيهِ لشَيْء وَاحِد

هَذَا بَاب الْفِعْل الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعول وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِيهِ لشَيْء وَاحِد

عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن يزيد المبرد
الكتاب
المقتضب
المؤلف
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
المحقق
محمد عبد الخالق عظيمة.
الناشر
عالم الكتب. - بيروت
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَذَلِكَ الْفِعْل كَانَ وَصَارَ وَأصْبح وَأمسى وظل وَبَات وأضحى وَمَا دَامَ وَمَا زَالَ وَلَيْسَ وَمَا كَانَ فِي معناهن وَهَذِه أَفعَال صَحِيحَة كضرب وَلَكنَّا أفردنا لَهَا بَابا إِذْ كَانَ فاعلها ومفعولها يرجعان إِلَى معنى وَاحِد وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت كَانَ عبد الله أَخَاك فالأخ هُوَ عبد الله فِي الْمَعْنى وَإِنَّمَا مجَاز هَذِه الْأَفْعَال ومجاز الْأَفْعَال الَّتِي تقع للْعلم وَالشَّكّ وَبَاب إِن مجَاز الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وَذَلِكَ أَنَّك تَقول ظَنَنْت زيدا أَخَاك فَإِنَّمَا أدخلت ظن على قَوْلك زيد أَخُوك وَكَذَلِكَ علمت وحسبت وَجَمِيع هَذَا الْبَاب وَكَذَلِكَ قَوْلك إِن زيدا منطلق وَلَكِن عبد الله أَخُوك وَكَانَ بِهَذِهِ الْمنزلَة إِنَّمَا دخلت على قَوْلك زيد منطلق لتوجب أَن هَذَا فِيمَا مضى وَالْأَصْل الِابْتِدَاء وَالْخَبَر ثمَّ تلحقها معَان بِهَذِهِ الْحُرُوف

وَكَانَ فعل متصرف يتَقَدَّم مَفْعُوله ويتأخر وَيكون معرفَة ونكرة أَي ذَلِك فعلت صلح وَذَلِكَ قَوْلك كَانَ زيد أَخَاك وَكَانَ أَخَاك زيد وأخاك كَانَ زيد وَكَذَلِكَ جَمِيع بَابهَا فِي الْمعرفَة والنكرة وَتقول كَانَ الْقَائِم فِي الدَّار عبد الله وَكَانَ الَّذِي ضرب أَخَاهُ أَخَاك وَكَذَلِكَ لَيْسَ مُنْطَلقًا زيد فَإِن قَالَ قَائِل أما كَانَ فقد علم أَنَّهَا فعل بِقَوْلِك كَانَ وَيكون وَهُوَ كَائِن وَكَذَلِكَ أصبح وَأمسى وَلَيْسَ لَا يُوجد فِيهَا هَذَا التَّصَرُّف فَمن أَيْن قُلْتُمْ إِنَّهَا فعل قيل لَهُ لَيْسَ كل فعل متصرفا وَإِنَّمَا علينا أَن نوجدك أَنَّهَا فعل بِالدَّلِيلِ الَّذِي لَا يُوجد مثله إِلَّا فِي الْأَفْعَال ثمَّ نوجدك الْعلَّة الَّتِي منعتها من التَّصَرُّف أما الدَّلِيل على أَنَّهَا فعل فوقوع الضَّمِير الَّذِي لَا يكون إِلَّا فِي الْأَفْعَال فِيهَا نَحْو لست مُنْطَلقًا وَلست ولستما ولستم ولستن وَلَيْسَت أمة الله ذَاهِبَة كَقَوْلِك ضربوا وَضَربا وَضربت فَهَذَا وَجه تصرفها وَأما امتناعها من التَّصَرُّف فَإنَّك إِذا قلت ضرب وَكَانَ دللت على مَا مضى فَإِذا قلت يضْرب وَيكون دللت على مَا هُوَ فِيهِ وَمَا لم يَقع وَأَنت إِذا قلت لَيْسَ زيد قَائِما غَدا أَو الْآن أردْت ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي فِي يكون فَلَمَّا كَانَت تدل على مَا يدل عَلَيْهِ الْمُضَارع اسْتغنى عَن الْمُضَارع فِيهَا وَلذَلِك لم يبن بِنَاء الْأَفْعَال من بَنَات الْيَاء مثل بَاعَ وَسَنذكر علتها مَعَ أخواتها فِي الْفِعْل الَّذِي لَا يتَصَرَّف نَحْو نعم ويئس فِي بَاب التصريف

وَإِنَّمَا هَذَا مَوضِع جمل ثمَّ نذْكر بعده الْمسَائِل اعْلَم أَنه إِذا اجْتمع فِي هَذَا الْبَاب معرفَة ونكرة فَالَّذِي يَجْعَل اسْم كَانَ الْمعرفَة لِأَن الْمَعْنى على ذَلِك لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الِابْتِدَاء وَالْخَبَر كَمَا وصفت لَك أَلا ترى أَنَّك لَو قلت كَانَ رجل قَائِما وَكَانَ إِنْسَان ظريفا لم تفد بِهَذَا معنى لِأَن هَذَا مِمَّا يعلم النَّاس أَنه قد كَانَ وَأَنه مِمَّا يكون وَإِنَّمَا وضع الْخَبَر للفائدة فَإِذا قلت كَانَ عبد الله فقد ألقيت إِلَى السَّامع اسْما يعرفهُ فَهُوَ يتَوَقَّع مَا تخبره عَنهُ وَكَذَلِكَ لَو قربت النكرَة من الْمعرفَة بِمَا تحملهَا من الْأَوْصَاف لجَاز أَن تخبر عَنْهَا وَكَانَ فِيهِ حِينَئِذٍ فَائِدَة نَحْو قَوْلك كَانَ رجل من بني فلَان فَارِسًا وَكَانَ رجل من أهل الْبَصْرَة شجاعا وَذَلِكَ لِأَن هَذَا يجوز أَلا يكون أَو يكون فَلَا يعلم فَلذَلِك ذكرنَا أَن الِاسْم الْمَعْرُوف هُوَ الَّذِي لَهُ هَذَا الْموضع تَقول كَانَ مُنْطَلقًا عبد الله وَكَانَ مُنْطَلقًا الْيَوْم عبد الله وَكَانَ أَخَاك صاحبنا وَزيد كَانَ قَائِما غُلَامه وَكَذَلِكَ أَخَوَات كَانَ فَمن ذَلِك قَول الله عز وَجل (وَكَانَ حَقًا علينا نصر

الْمُؤمنِينَ} وَقَالَ ﴿أَكَانَ للنَّاس عجبا أَن أَوْحَينَا﴾ لِأَن قَوْله ﴿أَن أَوْحَينَا﴾ إِنَّمَا هُوَ وحينا فَإِن كَانَ الِاسْم وَالْخَبَر معرفتين فَأَنت فهيا بِالْخِيَارِ تَقول كَانَ أَخُوك المنطلق وَكَانَ أَخُوك المنطلق وَتقول من كَانَ أَخَاك إِذا كَانَت من مَرْفُوعَة وَمن كَانَ أَخُوك إِذا كَانَت من مَنْصُوبَة وَكَذَلِكَ من ضرب أَخَاك وَمن ضرب أَخُوك والآيات كلهَا تقْرَأ على هَذَا ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قومه إِلَّا أَن قَالُوا﴾ و (مَا كَانَ حجتهم

إِلَّا أَن قَالُوا} كَأَنَّهُ قَوْلهم وَإِن شِئْت رفعت الأول وَهَذَا الْبَيْت ينشد على وَجْهَيْن (فقَدْ شَهدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُهَا ... قُتَيْبَةَ إِلاَّ عَضُّها بالأَباهِمِ) فَإِن قلت فقد تَقول فِي النَّفْي مَا كَانَ أحد مثلك وَمَا كَانَ أحد مجترئا عَلَيْك فقد خبرت عَن النكرَة فَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن أحدا فِي مَوضِع النَّاس فَإِنَّمَا أردْت أَن تعلمه أَنه لَيْسَ فِي النَّاس وَاحِد فَمَا فَوْقه يجترئ عَلَيْهِ فقد صَار فِيهِ معنى بِمَا دخله من هَذَا الْعُمُوم وَمن ذَلِك قَول الله عز وَجل ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ فَلم يكن الْخَبَر إِلَّا نكرَة كَمَا وصفت لَك

وَقَالَ الراجز (لَتَقْرُبَنَّ قَرَبًا جُلْذِيًا ... مادامَ فِيهنَّ فَصِيلٌ حَيًا) فقد أفادك معنى بقوله فِيهِنَّ وَلَو حذف فِيهِنَّ لَكَانَ هَاهُنَا معنى آخر وَهُوَ معنى الْأَبَد كَقَوْلِك لَا أُكَلِّمك مَا طَار طَائِر وَاعْلَم أَن الشُّعَرَاء يضطرون فيجعلون الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة وَإِنَّمَا حملهمْ على ذَلِك معرفتهم أَن الِاسْم وَالْخَبَر يرجعان إِلَى شَيْء وَاحِد فَمن ذَلِك قَول حسان بن ثَابت

(كأَنَّ سُلافةَ مِنْ بيْتِ راسٍ ... يَكُونُ مِزَاجها عَسَلٌ وماءُ) وَكَانَ الْمَازِني يروي يكون مزاجها عسلا وَمَاء يُرِيد وَفِيه مَاء

قَالَ الفرزدق (أَسَكْرَانُ كانَ ابْنَ المَراغَةِ إِذْ هَجاَ ... تَمِيمًا بجَوْفِ الشامِ أَمْ مُتساكِرُ)

وَقَالَ الْقطَامِي (قِفي قَبْلَ التَّفَرُقِ يَا ضُباعَا ... وَلَا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكِ الوَداعا) وَقَالَ خِدَاش بن زُهَيْر (فإنَّكَ لَا تُبالي بَعْدَ حَول ... أَظبْيٌ كَانَ أُمَّكَ أَم حِمارُ)

ول (كَانَ) مَوضِع آخر لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْخَبَر وَذَلِكَ قَوْلك أَنا أعرفهُ مذ كَانَ زيد أَي مذ خلق وَتقول قد كَانَ الْأَمر أَي وَقع فَمن ذَلِك قَول الله عز وَجل ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة حَاضِرَة﴾ فِيمَن رفع قَالَ الشَّاعِر

(فَدٌ ي لبني ذُهْلِ بْنِ شَيبانَ نافَتي ... إِذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَوَاكِبَ أَشْهَبَ) وَكَذَلِكَ أصبح وَأمسى تكون مرّة بِمَنْزِلَة (كَانَ) الَّتِي لَهَا خبر وَمرَّة تكون بِمَنْزِلَة اسْتَيْقَظَ ونام فَإِنَّمَا هِيَ أَفعَال وَقد يكون لفظ الْفِعْل وَاحِدًا وَله مَعْنيانِ أَو ثَلَاثَة معَان فَمن ذَلِك وجدت عَلَيْهِ من الموجدة وَوجدت تُرِيدُ وجدت الضَّالة وَيكون من وجدت فِي معنى علمت وَذَلِكَ وقولك وجدت زيدا كَرِيمًا وَكَذَلِكَ رَأَيْت تكون من رُؤْيَة الْعين وَتَكون من الْعلم كَقَوْلِه عز وَجل ﴿ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل﴾

وَقَالَ الشَّاعِر (رَأَيْتُ الله أَكْبَرَ كُلِّ شَيءٍ ... مُحافَظةً وأَكْثَرَهُمْ جُنُوداً) وَهَذَا التَّصَرُّف فِي الْأَفْعَال أَكثر من أَن يُحْصى وَلَكِن يُؤْتى مِنْهُ بِبَعْض مَا يسْتَدلّ بِهِ على سائره إِن شَاءَ الله

جارٍ التحميل