المقتضب(هَذَا بَاب مَا جرى مجْرى المصادر وَلَيْسَ بمتصرف من فعل)

(هَذَا بَاب مَا جرى مجْرى المصادر وَلَيْسَ بمتصرف من فعل)

عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن يزيد المبرد
الكتاب
المقتضب
المؤلف
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
المحقق
محمد عبد الخالق عظيمة.
الناشر
عالم الكتب. - بيروت
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَمن ذَلِك: سُبْحَانَ الله، ومعاذ الله، وَقَوْلهمْ: أفة، وتفة، وويلا لزيد، وويحا لَهُ، وَسَلام على زيد، وويل لزيد، وويح لَهُ، وتربا لَهُ كل هَذَا مَعْنَاهُ فى النصب وَاحِد، وَمَعْنَاهُ فى الرّفْع وَاحِد وَمِنْه مَالا يلْزمه إِلَّا النصب، وَمِنْه مَالا يجوز فِيهِ إِلَّا الرّفْع لعلل نذكرها إِن شَاءَ الله وَمِنْه قَوْلك: مرْحَبًا، وَأهلا وسهلا، وويله، وعولة فَأَما قَوْلهم: سُبْحَانَ الله فتأويله: بَرَاءَة الله من السوء، وَهُوَ فى مَوضِع الْمصدر، وَلَيْسَ مِنْهُ فعل فَإِنَّمَا حَده الْإِضَافَة إِلَى الله - عز وَجل - وَهُوَ معرفَة وَتَقْدِيره - إِذا مثلته فعلا: تسبيحا لله فَإِن حذفت الْمُضَاف إِلَيْهِ من سُبْحَانَ لم ينْصَرف؛ لِأَنَّهُ معرفَة، وَإِنَّمَا نكرته بِالْإِضَافَة؛ ليَكُون معرفَة بالمضاف إِلَيْهِ فَأَما قَول الشَّاعِر: (/ سُبْحَانَهُ ثمَّ سبحانا نَعُوذ بِهِ ... وَقَبلنَا سبح الجودى والجمد)

[فى رِوَايَة: " نَعُوذ بِهِ "] فَإِنَّمَا نون مُضْطَرّا، وَلَو لم يضْطَر لَكَانَ كَقَوْل الآخر: (أَقُول لما جاءنى فخره ... سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر) فَهَذَا فى مَوضِع: بَرَاءَة مِنْهُ و (معَاذ الله) كَذَلِك لَا يكون إِلَّا مُضَافا وَتَقْدِيره تَقْدِير: عياذ الله، أى: عذت بِاللَّه عياذا فَهَذَا مَوضِع هَذَا وَمثل ذَلِك: حجرا، إِنَّمَا مَعْنَاهُ: حَرَامًا فَهُوَ فى مَوْضِعه لَو تَكَلَّمت بِهِ فَمن ذَلِك قَول الله عز وَجل: ﴿حجرا مَحْجُورا﴾ أى: حَرَامًا محرما وَأما قَوْلهم: مرْحَبًا وَأهلا - فَهُوَ فى مَوضِع قَوْلهم: رَحبَتْ بلادك رحبا، وأهلت أَهلا، وَمَعْنَاهُ: الدُّعَاء يَقُول: صادفت هَذَا وَلَو قلت: حجر، ومرحب - لصلح، تُرِيدُ: أَمرك هَذَا

وَأما (سُبْحَانَ) وَمَا كَانَ مثله مِمَّا لَا يكون إِلَّا مُضَافا - فَلَا يصلح فِيهِ إِلَّا النصب وَهَذَا الْبَيْت ينشد على وَجْهَيْن: على الرّفْع وَالنّصب وَهُوَ: (وبالسهب مَيْمُون النقيبة قَوْله ... لملتمس الْمَعْرُوف: أهل ومرحب) وَقَالَ الآخر: (إِذا جِئْت بوابا لَهُ قَالَ: مرْحَبًا ... أَلا مرحب واديك غير مضيق) / فَأَما قَوْلهم: سَلاما، وَسَلام يَا فَتى - فَإِن مَعْنَاهُ: المبارأة والمتاركة فَمن قَالَ: لَا تكن من فلَان إِلَّا سَلام بِسَلام فَمَعْنَاه: لَا تكن إِلَّا وأمرك وَأمره المتاركة والمبارأة، وَإِنَّمَا رفعت، لِأَنَّك جعلته ابْتِدَاء وخبرا فى مَوضِع خبر (كَانَ) وَلَو نصبته كَانَ جيدا بَالغا فَمن ذَلِك قَوْله عز وَجل: ﴿وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾ تأويلُه: المتاركة، أى: لَا خير بَيْننَا وَبَيْنكُم وَلَا شَرّ

وَمن كَلَامهم: سُبْحَانَهُ الله، وريحانه فَتَأْوِيل (ريحَان) فى هَذَا الْموضع: الرزق وَتَقْدِيره فى المصادر: تسبيحا، واسترزاقا وتصديق هَذَا فى قَوْله عز وَجل: ﴿وَالْحب ذُو العصف وَالريحَان﴾ فَأَما قَوْلهم: ويل لزيد، وويح لزيد، وَتب لزيد، وويس لَهُ فَإِن أضفت لم يكن إِلَّا النصب فَقلت: ويحه، وويله فَإِنَّمَا ذَلِك لِأَن هَذِه مصَادر فَإِن أفردت فَلم تضف - فَأَنت مُخَيّر بَين النصب وَالرَّفْع تَقول: ويل لزيد، وويلا لزيد فَأَما النصب فعلى الدُّعَاء، وَأما الرّفْع فعلى قَوْلك: ثَبت ويل لَهُ؛ لِأَنَّهُ شئ مُسْتَقر فويل مُبْتَدأ، و (لَهُ) خَبره وَهَذَا الْبَيْت ينشد على وَجْهَيْن، وَهُوَ: / (كسا اللؤم تيما خضرَة فى جلودها ... فويل لتيم من سرابيلها الْخضر)

فَأَما قَوْله عز وَجل: ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ وَقَوله: ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ فَإِنَّهُ لَا يكون فِيهِ إِلَّا الرّفْع؛ إِذْ كَانَ لَا يُقَال: دُعَاء عَلَيْهِم، وَلكنه إِخْبَار بِأَن هَذَا قد ثَبت لَهُم فَإِن أضفت فَقلت: ويله، وويحه - لم يكن إِلَّا نصبا؛ لِأَن وَجه الرّفْع قد بَطل بِأَنَّهُ لَا خبر لَهُ، فَكَذَا هَذِه الَّتِى فى معنى المصادر فَإِن كَانَ مصدرا صَحِيحا يجرى على فعله فَالْوَجْه النصب وَذَلِكَ قَوْلك: تَبًّا لزيد، وجوعا لزيد؛ لِأَن هَذَا من قَوْلك: جَاع يجوع، وَتب يتب كَذَلِك سقيا، ورعيا وَالرَّفْع يجوز على بعد؛ لِأَنَّك تبتدى بنكرة، وَتجْعَل مَا بعْدهَا خَبَرهَا فَأَما سَلام عَلَيْك فاسم فى معنى الْمصدر، وَلَو كَانَ على سلم لَكَانَ تَسْلِيمًا فَإِن كَانَت هَذِه المصادر معارف فَالْوَجْه الرّفْع، وَمَعْنَاهُ كمعنى الْمَنْصُوب، وَلَكِن يخْتَار الرّفْع؛ لِأَنَّهُ كالمعرفة وَحقّ الْمعرفَة الِابْتِدَاء وَذَلِكَ قَوْلك: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ و ﴿لعنة الله على الظَّالِمين﴾ وَالنّصب / يجوز وَإِنَّمَا تنظر فى هَذِه المصادر إِلَى مَعَانِيهَا؛ فَإِن كَانَ الْموضع بعْدهَا أمرا أَو دُعَاء لم يكن إِلَّا نصبا

وَإِن كَانَ لما قد اسْتَقر لم يكن إِلَّا رفعا وَإِن كَانَ يَقع لَهما جَمِيعًا كَانَ النصب وَالرَّفْع فمما يدعى بِهِ أَسمَاء لَيست من الْفِعْل، وَلكنهَا مفعولات وَذَلِكَ قَوْلك: تربا، وجندلا إِنَّمَا تُرِيدُ: أطْعمهُ الله، ولقاه الله، وَنَحْو ذَلِك فَإِن أخْبرت أَنه مِمَّا قد ثَبت رفعت قَالَ الشَّاعِر: (لقد ألب الواشون ألبا لبينهم ... فترب لأفواه الوشاة وجندل) فَأَما قَوْله: أفة وتفة فَإِنَّمَا تَقْدِيره من المصادر: نَتنًا، ودفرا فَإِن أفردت (أُفٍّ)

بِغَيْر هَاء فَهُوَ مبْنى؛ لِأَنَّهُ فى مَوضِع الْمصدر وَلَيْسَ بمصدر، وَإِنَّمَا قوى حَيْثُ عطفت عَلَيْهِ؛ لِأَنَّك أجريته مجْرى الْأَسْمَاء المتمكنة فى الْعَطف فَإِذا أفردته بنى على الْفَتْح وَالْكَسْر وَالضَّم، وتنونه إِن جعلته نكرَة وفى كتاب الله عز وَجل -: ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما﴾ وَقَالَ: ﴿أُفٍّ لكم وَلما تَعْبدُونَ﴾ كل هَذَا جَائِز جيد وَهَذِه المبنيات إِذا جعلت شَيْئا مِنْهَا نكرَة نونت، نَحْو: إيه يَا فَتى، وَقَالَ الْغُرَاب: غاق غاق يَا فَتى / كَذَا تَأْوِيلهَا وَاعْلَم أَن من المصادر الَّتِى لَا أَفعَال لَهَا تجرى عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يوضع مَوضِع المصادر مَا يكون مثنى لمبالغة وَذَلِكَ قَوْلك: لبيْك وَسَعْديك، وحنانيك - إِنَّمَا أَرَادَ: حنانا بعد حنان، أى: كلما

كنت فى رَحْمَة مِنْك فلتكن مَوْصُولَة بِأُخْرَى وَتَأْويل حنانيك: إِنَّمَا هُوَ رَحْمَة بعد رَحْمَة يُقَال: تحن فلَان على فلَان: إِذا رَحمَه قَالَ الشَّاعِر: (تَحَنن على هداك المليك ... فَإِن لكل مقَام مقَالا) وَقَالَ الآخر: (أَبَا مُنْذر أفنيت فَاسْتَبق بَعْضنَا ... حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض) فَهَذَا مِمَّا يجوز إِفْرَاده، فَإِذا أفردت فَأَنت مُخَيّر: إِن شِئْت نصبت بِالْفِعْلِ، وَإِن شِئْت ابتدأت فَإِذا ثنيت لم يكن إِلَّا مَنْصُوبًا؛ لِأَنَّهُ وضع مَوضِع مَالا يتَمَكَّن؛ نَحْو: لبيْك وَسَعْديك وَقَالَ الشَّاعِر فِيمَا أفرد فِيهِ: (ويمنحها بَنو شمجى بن جرم ... معيزهم حنانك ذَا الحنان)

/ وَقَالَ الآخر، فَرفع: فَقَالَت: حنان مَا أَتَى بك هَهُنَا؟ ... أذو نسب أم أَنْت بالحى عَارِف) والفصل بَين الرّفْع وَالنّصب أَن الناصب دَعَا لَهُ كَأَنَّهُ قَالَ: رحمتك يَا ذَا الرَّحْمَة وَقَوله: (حنان مَا أَتَى بك هَاهُنَا؟ ... ) إِنَّمَا أَرَادَ: أمرنَا حنان؛ كَقَوْلِه عز وَجل: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتى وُعِدَ المتّقُونَ﴾ فالتقدير: فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُم مثل الْجنَّة، ثمَّ قَالَ: فِيهَا، وفيهَا وَمن قَالَ: إِنَّمَا مَعْنَاهُ: صفة الْجنَّة فقد أَخطَأ؛ لِأَن (مثل) لَا يوضع فى مَوضِع صفة إِنَّمَا يُقَال: صفة زيد أَنه ظريف، وَأَنه عَاقل وَيُقَال: مثل زيد مثل فلَان وَإِنَّمَا الْمثل مَأْخُوذ من الْمِثَال والحذو، وَالصّفة تحلية ونعت فَأَما تَأْوِيل قَوْلهم: لبيْك فَإِنَّمَا يُقَال: ألب فلَان على الْأَمر: إِذا لزمَه ودام عَلَيْهِ فَمَعْنَاه: مداومة على إجابتك، ومحافظة على حَقك فَإِذا قَالَ العَبْد لرَبه: لبيْك فَمَعْنَاه: مُلَازمَة لطاعتك، ومحافظة على أَمرك

وقولك: سعديك إِنَّمَا مَعْنَاهُ من قَوْلك: قد أسعد فلَان فلَانا على أمره، وساعده / عَلَيْهِ فَإِذا قَالَ: اللَّهُمَّ لبيْك وَسَعْديك، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ مُلَازمَة لأمرك، ومساعدة لأولياك، ومتابعة على طَاعَتك فَلَو كَانَ الْبَاب وَاسِعًا لَكَانَ متصرفا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الضَّرْب من ضربت، ولكنهما مشتقان للْمُبَالَغَة من الْفِعْل كسبحان الله، ومعاذ الله؛ فَلذَلِك ألزما طَريقَة وَاحِدَة فَأَما (حنان) فمنفرد؛ لِأَنَّهُ من حننت، مثل قَوْلك: ذهبت ذَهَابًا، ويتصرف فى الْكَلَام فى غير الدُّعَاء (وَحَنَانًا من لدنا) وَتقول: تَحَنن على فَهَذَا وَجه مَا جَاءَ على فعله، وَمَا لم يَأْتِ عَلَيْهِ فعل فَأَما قَوْلهم: شكرانك لَا كُفْرَانك - فهما مصدران لحقتهما الزِّيَادَة وَإِنَّمَا التَّقْدِير: شكرا لَا كفرا وَلَكِن وَقعت الزِّيَادَة للْمُبَالَغَة وَاعْلَم أَن الْمصدر كَسَائِر الْأَسْمَاء إِلَّا أَنه اسْم للْفِعْل، فَإِذا نصبت فعلى إِضْمَار الْفِعْل فَمن المصادر مَا يكثر اسْتِعْمَاله، فَيكون بَدَلا من فعله وَمِنْهَا مَالا يكون لَهُ حق الِاسْم فَأَما مَا كثر اسْتِعْمَاله حَتَّى صَار بَدَلا من الْفِعْل فقولك: حمدا وشكرا، لَا كفرا، وعجبا إِنَّمَا أردْت: أَحْمد الله حمدا فلولا / الِاسْتِعْمَال الذى أبان عَن ضميرك لم يجز أَن تضمر؛ لِأَنَّهُ مَوضِع خبر وَإِنَّمَا يحسن الْإِضْمَار ويطرد فى مَوضِع الْأَمر؛ لِأَن الْأَمر لَا يكون إِلَّا بِفعل، نَحْو قَوْلك: ضربا زيدا إِنَّمَا أردْت: اضْرِب ضربا وَكَذَلِكَ ضرب زيد

نصبت الضَّرْب باضرب، ثمَّ أضفته إِلَى زيد لما حذفت التَّنْوِين، كَمَا تَقول: هَذَا ضَارب زيدا غَدا وَالْأَصْل إِثْبَات التَّنْوِين، وحذفه استخفاف لعلم الْمُخَاطب أَلا ترى أَن الِاسْم الْمُضَاف إِلَى معرفَة على نِيَّة التَّنْوِين لَا يكون إِلَّا نكرَة؛ لِأَن التَّنْوِين فى النِّيَّة، نَحْو قَوْله عز وَجل: ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ و ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ هُوَ وصف للنكرة، وَتدْخل عَلَيْهِ (رب) كَمَا تدخل على النكرَة وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فى بَابه قَالَ الشَّاعِر: (يَا رب غابطنا لَو كَانَ يطلبكم ... لَاقَى مباعدة مِنْكُم وحرمانا) يُرِيد: غابط لنا، وَمن ذَلِك قَوْله عز وَجل: ﴿فَإِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا فَضرب الرّقاب﴾ وَإِنَّمَا التَّقْدِير - وَالله أعلم -: فضربا الرّقاب فَهَذَا يدل على مَا بعده، وَمَا يرد من جنسه ونظائره

جارٍ التحميل