(هَذَا بَاب الْعدَد وَتَفْسِيره وجوهه وَالْعلَّة فِيمَا وَقع مِنْهُ مُخْتَلفا)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن يزيد المبرد
- الكتاب
- المقتضب
- المؤلف
- محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
- المحقق
- محمد عبد الخالق عظيمة.
- الناشر
- عالم الكتب. - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
اعْلَم أَنَّك إِذا ثنيت الْوَاحِد لحقته زائدتان الأولى مِنْهُمَا حرف اللين وَالْمدّ وَهِي الْألف فِي الرّفْع وَالْيَاء فِي الْجَرّ وَالنّصب والزائدة الثَّانِيَة النُّون وحركتها الْكسر وَكَانَ حَقّهَا أَن تكون سَاكِنة وَلكنهَا حركت لالتقاء الساكنين وَكسرت على حَقِيقَة مَا يَقع فِي الساكنين إِذا التقيا وَذَلِكَ قَوْلك هما المسلمان وَرَأَيْت الْمُسلمين فَأَما سِيبَوَيْهٍ فيزعم أَن الْألف حرف الْإِعْرَاب وَكَذَلِكَ الْيَاء فِي الْخَفْض وَالنّصب وَكَانَ الْجرْمِي يزْعم أَن الْألف حرف الْإِعْرَاب كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَكَانَ يزْعم أَن انقلابها هُوَ الْإِعْرَاب
وَكَانَ غَيرهمَا يزْعم أَن الْألف وَالْيَاء هما الْإِعْرَاب فَإِذا قيل لَهُ فَأَيْنَ حرف الْإِعْرَاب قَالَ إِنَّمَا يكون الْإِعْرَاب فِي الْحَرْف إِذا كَانَ حَرَكَة فَأَما إِذا كَانَ حرفا قَامَ بِنَفسِهِ وَالْقَوْل الَّذِي نختاره ونزعم أَنه لَا يجوز غَيره قَول أبي الْحسن الْأَخْفَش وَذَلِكَ أَنه يزْعم أَن الْألف إِن كَانَت حرف إِعْرَاب فَيَنْبَغِي أَن يكون فِيهَا إِعْرَاب هُوَ غَيرهَا كَمَا كَانَ فِي الدَّال من زيد وَنَحْوهَا وَلكنهَا دَلِيل على الْإِعْرَاب لِأَنَّهُ لَا يكون حرف إِعْرَاب وَلَا إِعْرَاب فِيهِ وَلَا يكون إِعْرَاب إِلَّا فِي حرف وَيُقَال لأبي عمر إِذا زعمت أَن الْألف حرف إِعْرَاب وَأَن انقلابها هُوَ الْإِعْرَاب فقد لزمك فِي ذَلِك شَيْئَانِ أَحدهمَا أَنَّك تزْعم أَن الْإِعْرَاب معنى وَلَيْسَ بِلَفْظ فَهَذَا خلاف مَا أَعْطيته فِي الْوَاحِد
وَالشَّيْء الآخر أَنَّك تعلم أَن أول أَحْوَال الِاسْم الرّفْع فَأول مَا وَقعت التَّثْنِيَة وَقعت وَالْألف فِيهَا فقد وَجب أَلا يكون فِيهَا فِي مَوضِع الرّفْع إِعْرَاب لِأَنَّهُ لَا انقلاب مَعهَا وَقَوْلنَا دَلِيل على الْإِعْرَاب إِنَّمَا هُوَ أَنَّك تعلم أَن الْموضع مَوضِع رفع إِذا رَأَيْت الْألف وَمَوْضِع خفض وَنصب إِذا رَأَيْت الْيَاء وَكَذَلِكَ الْجمع بِالْوَاو وَالنُّون إِذا قلت مُسلمُونَ ومسلمين وَكَذَلِكَ مَا كَانَ الْفَهم لموضعه حرفا نَحْو قَوْلك أَخُوك وأخال وأخيك وَأَبُوك وأباك وَأَبِيك وَذُو مَال وَذَا مَال وَذي مَال وَجَمِيع هَذِه الَّتِي يسميها الْكُوفِيُّونَ معربة من مكانين لَا يصلح فِي الْقيَاس إِلَّا مَا ذكرنَا والزائدة الثَّانِيَة النُّون إِنَّمَا هِيَ بدل مِمَّا كَانَ فِي الْوَاحِد من الْحَرَكَة والتنوين وَقد مضى القَوْل فِي هَذَا - _ وَاعْلَم أَنَّك إِذا ذكرت الْوَاحِد فَقلت رجل أَو فرس أَو نَحْو ذَلِك فقد اجْتمع لَك فِيهِ معرفَة الْعدَد وَمَعْرِفَة النَّوْع إِذا ثنيت فَقلت رجلَانِ أَو فرسَان فقد جمعت الْعدَد النَّوْع وَإِذا قلت ثَلَاثَة أَفْرَاس لم يجْتَمع لَك فِي ثَلَاثَة الْعدَد وَالنَّوْع وَلَكِنَّك ذكرت الْعدة ثمَّ أضفتها إِلَى مَا تُرِيدُ من الْأَنْوَاع وَكَانَ قِيَاس هَذَا أَن تَقول وَاحِد رجل وَاثنا رجال وَلَكِنَّك أمكنك أَن تذكر الرجل باسمه فيجتمع لَك فِيهِ الْأَمْرَانِ وَلما كَانَت التَّثْنِيَة الَّتِي هِيَ لضرب وَاحِد من الْعدَد أمكنك ذَلِك من لفظ الْوَاحِد فَقلت رجلَانِ وغلامان وَلم يحسن ذَلِك فِي الْجمع لِأَنَّهُ غير مَحْظُور وَلَا مَوْقُوف على عدَّة وَلَا يفصل بعضه من بعض
وَلَو أَرَادَ مُرِيد فِي التَّثْنِيَة مَا يُريدهُ فِي الْجمع لجَاز ذَلِك فِي الشّعْر لِأَنَّهُ كَانَ الأَصْل لِأَن التَّثْنِيَة جمع وَإِنَّمَا معنى قَوْلك جمع أَنه ضم شَيْء إِلَى شَيْء فَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر (كأَنَّ خُصْيَبْهِ مِنَ التَّدّلْدُلِ ... ظَرْفُ جِرَابٍ فِيهِ ثِنتْا حَنْظَلِ) فَإِذا جمعت الْوَاحِد وَكَانَ مذكرا ذكرت الْعدة ثمَّ أضفتها إِلَى الْجمع لِتُخْبِرَ أَن هَذَا الْعدة مقتطعة لما أردْت من الْجِنْس الَّذِي ذكرت فَإِن كَانَ الْمُذكر من ذَوَات الثَّلَاثَة كَانَت لَهُ أبنية تدل على أقل الْعدَد فَمن ذَلِك مَا كَانَ على أفعل نَحْو أكلب وأفرخ وأكبش وَمَا كَانَ على أَفعَال نَحْو أجمال وأقتاب أَمْثَال وَمَا كَانَ على أفعلة نَحْو أحمرة واقفزة وأجربة وَمَا كَانَ على فعلة نَحْو صبية وغلمة وفتية وَمَا كَانَ من الْمُذكر مجموعا بِالْوَاو وَالنُّون نَحْو مُسلمُونَ وصالحون فَهُوَ أدنى الْعدَد لِأَنَّهُ على منهاج التَّثْنِيَة وَنَظِير ذَلِك من الْمُؤَنَّث مَا كَانَ بِالْألف وَالتَّاء نَحْو مسلمات وصالحات وكريمات
وَمَا كَانَ بعد مَا وَصفنَا فَهُوَ لأكْثر الْعدَد وسنفسر هَذَا أجمع حَتَّى يعلم على حَقِيقَته إِن شَاءَ الله أعلم إِنَّك إِذا صغرت بِنَاء من الْعدَد يَقع فِي ذَلِك الْبناء أدنى الْعدَد فَإنَّك ترده إِلَى أدنى الْعدَد فتصغره وَذَلِكَ انك إِذا صغرت كلابا قلت أكليب لِأَنَّك إِنَّمَا تخبر أَن الْعدَد قَلِيل فَإِنَّمَا ترده إِلَى مَا هُوَ للقليل فَلَو صغرت مَا هُوَ للعدد الْأَكْثَر كنت قد أخْبرت أَنه قَلِيل كثير فِي حَال وَهَذَا هُوَ الْمحَال وَنَذْكُر هَذَا فِي بَاب التصغير وَلَكنَّا ذكرنَا مِنْهُ هَا هُنَا شَيْئا لما يجْرِي فِي الْبَاب فَإِذا أردْت أَن تجمع الْمُذكر ألحقته اسْما من الْعدة فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث وَذَلِكَ نَحْو ثَلَاثَة أَثوَاب وَأَرْبَعَة رجال فَدخلت هَذِه الْهَاء على غير مَا دخلت عَلَيْهِ فِي ضاربة وقائمة وَلَكِن كدخولها فِي عَلامَة ونسابة وَرجل ربعَة وَغُلَام يفعة فَإِذا أوقعت الْعدة على مؤنث أوقعته بِغَيْر هَاء فَقلت ثَلَاث نسْوَة أَربع جوَار وَخمْس بغلات وَكَانَت هَذِه الْأَسْمَاء مُؤَنّثَة بالبنية كتأنيث عقرب وعناق وشمس وَقدر وَإِن سميت رجل بِثَلَاث الَّتِي تقع على عدَّة الْمُؤَنَّث لم تصرفه لِأَنَّهُ اسْم مؤنث بِمَنْزِلَة عنَاق وَإِن سميته ب ثَلَاث من قَوْلك ثَلَاثَة الَّتِي تقع على الْمُذكر صرفته فَكَذَلِك يجْرِي الْعدَد فِي الْمُؤَنَّث والمذكر بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة فِي الْمُذكر وَفِيمَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة فِي الْمُؤَنَّث قَالَ الله عز وَجل ﴿سَخَرَها عَلْيهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمَانِيةَ أيامٍ﴾ وَقَالَ
﴿فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء للسائلين﴾ وَقَالَ على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك لِأَن الْوَاحِدَة حجَّة وَقَالَ ﴿فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رجعتم تِلْكَ عشرَة كَامِلَة﴾ فَإِذا كَانَ فِي الشَّيْء مَا يَقع لأدنى الْعدَد اضفت هَذِه الْأَسْمَاء إِلَيْهِ فَقلت ثَلَاثَة أغلمة وَأَرْبَعَة أحمرة وَثَلَاثَة أفلس وَخَمْسَة أعداد فَإِن قلت ثَلَاثَة حمير وَخَمْسَة كلاب جَازَ ذَلِك على أَنَّك أردْت ثَلَاثَة من الْكلاب
خَمْسَة من الْحمير كَمَا قَالَ الله عز وَجل ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ وَقَالَ الشَّاعِر (قدْ جعلتْ ميَّ على الظِّرارِ ... خَمْسَ ثنان قانيء الأظفَارِ}
يُرِيد خمْسا من الْبَنَات وَاعْلَم أَنه مَا لم يكن فِيهِ ادنى الْعدَد فالعدد الَّذِي يكون للكثير جَار عَلَيْهِ مَا يكون للقليل كَمَا أَنه إِذا كَانَ مجموعا على بعض أبنية الْعدَد وَلم يكن لَهُ جمع غَيره دخل مَعَه الْكثير وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك يَد وأيد وَرجل وأرجل فَهَذَا من أبنية أدنى الْعدَد وَلم يكن لَهُ جمع غَيره فالكثير من الْعدَد يلقب أَيْضا بِهَذَا وَكَذَلِكَ ثَلَاثَة أرسان وَتقول ذَلِك للكثير لِأَنَّهُ لَا جمع لَهُ إِلَّا ذَلِك وَأما مَا يَقع للكثير وَلَا يجمع على أدنى الْعدَد فنحو قَوْلك شسوع فَتَقول ثَلَاثَة شسوع فيشترك فِيهِ الْأَقَل وَالْأَكْثَر فَإِذا جَاوَزت ذَوَات الثَّلَاثَة اسْتَوَى البناءان وَذَلِكَ قَوْلك عِنْدِي ثَلَاثَة دَرَاهِم وَرَأَيْت ثَلَاثَة مَسَاجِد فَإِن حقرت الدَّرَاهِم قلت دريهمات ترده فِي التحقير إِلَى بِنَاء يكون لأدنى الْعدَد وجمعت بِالْألف وَالتَّاء لِأَن كل جمَاعَة من غير الْآدَمِيّين ترجع إِلَى التَّأْنِيث وَهَذَا يبين لَك فِي بَاب الْجمع إِن شَاءَ الله
وَتقول عِنْدِي ثَلَاثَة محمدين وَخَمْسَة جعفرين لِأَن هَذَا مِمَّا يجمع بِالْوَاو وَالنُّون فَإِن قلت محامد وجعافر على أَنَّك أردْت ثَلَاثَة من الجعافر وَثَلَاثَة من المحامد كَانَ جيدا على مَا فسرت لَك فَإِذا خرجت عَن العقد الأول ضممت إِلَيْهِ اسْما مِمَّا كَانَ فِي أصل الْعدَد إِلَى أَن تتسعه وَذَلِكَ قَوْلك عِنْدِي أحد عشر رجلا وَخَمْسَة عشر رجلا بنيت أحد مَعَ عشر وغيرت اللَّفْظ للْبِنَاء وَذَلِكَ أَنَّك جعلتهما اسْما وَاحِدًا وَكَانَ الأَصْل أحدا وَعشرَة وَخَمْسَة وَعشرَة فَلَمَّا كَانَ أصل الْعدَد أَن يكون اسْما وَاحِد يدل على جَمِيع نَحْو ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة بنوا هذَيْن الاسمين فجعلوهما اسْما وَاحِد ألزموهما الْفَتْح لِأَنَّهُ أخف الحركات كَمَا قَالُوا هُوَ جاري بَيت بَيت ولقيته كفة كفة يَا فَتى الْقَوْم فِيهَا شغر بغر
فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا أعربوه كَمَا قَالُوا حَضرمَوْت وبعلبك وَمَا أشبههَا قيل أَن حَضرمَوْت بَنو الاسمين فَجعلَا اسْما وَاحِدًا كَمَا فعلوا بِمَا فِيهِ هَاء التَّأْنِيث وَجعلُوا ذَلِك علما وَلم يكن لَهُ حد صرف عَنهُ وَالْعدَد الَّذِي ذكرت كَانَ لَهُ حد صرف عَنهُ كَمَا ذكرت لَك فَلَمَّا عدل عَن وَجهه عدل عَن الْإِعْرَاب وَأما اثْنَا عشر فَلَيْسَتْ هَذِه سَبيله لِأَنَّهُ مِمَّا فِيهِ دَلِيل الْإِعْرَاب تَقول جَاءَنِي اثْنَا عشر وَرَأَيْت اثْنَي عشر فَلَمَّا كَانَ إعرابه كإعراب رجلَيْنِ ومسلمين لم يجز أَن يَجْعَل مَعَ غَيره اسْما وَاحِدًا وَلَا تَجِد ذَلِك فِي بِنَاء حَضرمَوْت وَلَا فِي شَيْء مِمَّا ذكرت لَك من لَقيته كفة كفة وَنَحْوه وَلَكنهُمْ جعلُوا عشرَة بِمَنْزِلَة النُّون من اثْنَيْنِ إِلَّا أَن لَهَا الْمَعْنى الَّذِي أبانت عَنهُ من الْعدَد وَلَو سميت رجلا اثْنَي عشر ثمَّ رخمته لَقلت يَا اثن أقبل تحذف الْألف مَعَ عشر كَمَا كنت فَاعِلا بالنُّون لَو كَانَت مَكَان عشر فَأَما تغييرهم عشر عَن قَوْلك عشرَة فَإِنَّمَا ذَلِك لصرفها عَن وَجههَا وَلَكِنَّك أثبت الهاءات للمذكر كَمَا كنت مثبتها فِي ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة فَتَقول ثَلَاثَة عشر رجلا وَأَرْبَعَة عشر رجلا وَخَمْسَة عشر إنْسَانا وَلم تثبت فِي عشر هَاء وَهِي للمذكر لِأَنَّك قد أثبت الْهَاء فِي
الِاسْم الأول وهما اسْم وَاحِد فَلَا تدخل تأنيثا على تَأْنِيث كَمَا لَا تَقول حمراءة وَلَا صفراءة فَأَما الِاسْم الْمَنْصُوب الَّذِي يبين بِهِ الْعدَد فَنحْن ذاكروه فِي مَوْضِعه مشروحا إِن شَاءَ الله فَإِذا أردْت الْمُؤَنَّث أثبت الْهَاء فِي آخر الِاسْم لِأَن عشرا مُذَكّر فِي هَذَا الْموضع فأثنته لما قصدت إِلَى مؤنث فَقلت ثَلَاث عشرَة امْرَأَة وَخمْس عشرَة جَارِيَة لِأَنَّك بنيته بِنَاء على حِدة كَمَا فَقلت ذَلِك بالمذكر فَسلمت الْأَسْمَاء الأولى كَمَا سلمت أَسمَاء الْمُذكر واثبت الْهَاء فِي آخِره وبنيت الْعشْرَة على غير بنائها فِي قَوْلك عشر نسْوَة فَقلت إِحْدَى عشرَة واثنتا عشرَة وَإِن شِئْت قلت عشرَة على غير منهاج عشرَة وَلَكِنَّك أسكنت الشين كَمَا تسكن فخذا فَتَقول فخْذ وَعلم فَتَقول علْم وتنصب الِاسْم الَّذِي تبين بِهِ الْعدَد كَمَا فعلت ذَلِك مَعَ الْمُذكر فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا بالك قلت إِحْدَى عشرَة وَإِحْدَى مُؤَنّثَة وَعشرَة فِيهَا هَاء التَّأْنِيث وَكَذَلِكَ اثْنَتَا عشرَة فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن تَأْنِيث إِحْدَى بِالْألف وَلَيْسَ بالتأنيث الَّذِي على وَجه التَّذْكِير نَحْو قَائِم وقائمة وَجَمِيل وجميلة فهما اسمان كَانَا بائنين فوصلا وَلكُل وَاحِد مِنْهَا لفظ من التَّأْنِيث سوى لفظ الآخر وَلَو كَانَ على لَفظه لم يجز فَأَما اثْنَان وَاثْنَتَانِ فَإِنَّمَا أنث اثْنَان على اثْنَتَيْنِ وَلكنه تَأْنِيث لَا يفرد لَهُ وَاحِد فالتاء فِيهِ ثَابِتَة وَإِن كَانَ أَصْلهَا أَن تكون مِمَّا وَقفه بِالْهَاءِ أَلا ترى أَنهم قَالُوا مذروان لِأَنَّهُ لَا يفرد لَهُ وَاحِد وَلَو كَانَ مِمَّا ينْفَرد لَهُ وَاحِد لم يكن إِلَّا
مذريان وَكَقَوْلِه عقلته بثنايين وَلَو كَانَ ينْفَرد مِنْهُ الْوَاحِد لم يكن إِلَّا بثنائين فَأَما نصب الِاسْم الَّذِي بعد خَمْسَة عشرَ وَأحد عشر وَبعد إِحْدَى عشرَة إِلَى تسع عشرَة فَلِأَنَّهُ عدد فِيهِ نِيَّة التَّنْوِين وَلكنه لَا ينْصَرف كَمَا تَقول هَؤُلَاءِ ضوارب زيدا غَدا إِذا أردْت التَّنْوِين وَلم يحز أَن يكون هَذَا مُضَافا لِأَن الْإِضَافَة إِنَّمَا تكون لما وَقع فِيهِ اقل الْعدَد وَذَلِكَ مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة فَإِذا خرجت عَن ذَلِك خرجت إِلَى مَا تحْتَاج إِلَى تبين نَوعه فَإِن كَانَ منونا انتصب مَا بعده عَن ذكر النَّوْع وَإِن كَانَ غير منون أضيف إِلَى الْوَاحِد الْمُفْرد الَّذِي يدل على النَّوْع فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا كَانَ هَذَا مِمَّا تجْرِي عَلَيْهِ الْإِضَافَة كَمَا تَقول مائَة دِرْهَم وَألف دِرْهَم قيل لَهُ لما كَانَ هَذَا اسْمَيْنِ ضم أَحدهمَا إِلَى الآخر وَلم يكن فِي الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ من اسْمَيْنِ ضم أَحدهمَا إِلَى الآخر إِضَافَة كَانَ هَذَا لاحتياجه إِلَى النَّوْع بِمَنْزِلَة مَا قد لفظ بتنوينه فَإِن قَالَ قَائِل فَأَنت قد تَقول هَذَا حَضرمَوْت زيد إِذا سميت رجلا حَضرمَوْت ثمَّ أضفته كَمَا تَقول هَذَا زيد عَمْرو
قيل إِن إِضَافَته لَيست لَهُ لَازِمَة وَإِنَّمَا يكون إِذا نكرته ثمَّ عَرفته بِمَا تضيف إِلَيْهِ وَخَمْسَة عشر عدد مُبْهَم لَازم لَهُ التَّفْسِير فَكَانَت تكون الْإِضَافَة لَازِمَة فَيكون كَأَن أَصله ثَلَاثَة أَسمَاء قد جعلت اسْما وَاحِدًا وَمثل هَذَا لَا يُوجد فَإِن قَالَ فَهَلا جعل مَا تبين بِهِ النَّوْع جمعا فَتَقول خَمْسَة عشر رجلا كَمَا تَقول زيدا أفره النَّاس عبدا وأفره النَّاس عبيدا قيل الْفَصْل بَينهمَا أَنَّك إِذا قلت زيد أفره النَّاس عبدا جَازَ أَن تكون تَعْنِي عبدا وَاحِدًا وَأَن تكون تَعْنِي جمَاعَة فَإِذا قلت عبيدا بنيت الْجَمَاعَة وَأَنت إِذا قلت خَمْسَة عشرَة وَنَحْوه فقد بيّنت الْعدَد فَلم تحتج إِلَى النَّوْع فَجئْت بِوَاحِد منكور يدل على جنسه لِأَنَّك قد اسْتَغْنَيْت عَن ذكر الْجَمَاعَة فَإِذا ثنيت أدنى الْعُقُود اشتققت لَهُ من اسْمه مَا فِيهِ دَلِيل على أَنَّك قد خرجت عَنهُ إِلَى تَضْعِيفه وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا يلْحقهُ من الزِّيَادَة وَهِي الْوَاو وَالنُّون فِي الرّفْع وَالْيَاء وَالنُّون فِي الْخَفْض وَالنّصب وَيجْرِي مجْرى مُسلمين وَذَلِكَ قَوْلك عِنْدِي عشرُون رجلا وَعِشْرُونَ جَارِيَة فيستوي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مُبْهَم وَلَيْسَ من الْعدَد الَّذِي هُوَ أصل وَالْأَصْل مَا بَين الْوَاحِد إِلَى الْعشْرَة فَكل عدد فَمن هَذَا مُشْتَقّ فِي لفظ أَو معنى فَأَما قَوْلهم عشرُون وَلم يفتحوا لعشر الْعين فقد قيل فِيهِ أقاويل قَالَ قوم إِنَّمَا كسرت ليدلوا على الكسرة الَّتِي فِي أول اثْنَيْنِ لِأَنَّهَا تَثْنِيَة عشرَة وَلَيْسَت بِجمع وَلَيْسَ هَذَا القَوْل بِشَيْء
وَلَكِن نقُول فِي هَذَا إِنَّه اسْم قد صرف على وُجُوه فَمِنْهَا أَنَّك تَقول فِي الْمُذكر عشرَة وللمؤنث عشر بالإسكان وَلَيْسَ على منهاج التَّذْكِير وَلَو كَانَ على منهاجه لَكَانَ حذف الْهَاء لَازِما للمذكر وإثباتها لَازِما للمؤنث كَسَائِر الْأَسْمَاء نَحْو ظريف وظريفة ومتكلم ومتكلمة وعَلى هَذَا قَالُوا خَمْسَة عشر فغيروه وَقَالُوا خمس عشرَة فبنوه على خلاف بِنَاء التَّذْكِير فَلَمَّا كَانَ هَذَا الِاسْم مغيرا فِي جَمِيع حالاته وَلم يكن فِي الْعشْرين على منهاج سَائِر الْعُقُود وَغَيره كَانَ دَلِيلا على مَجِيئه على غير وَجهه الا ترى أَنهم لما جمعُوا مَنْقُوص الْمُؤَنَّث بِالْوَاو وَالنُّون غيروا أَوَائِله ليَكُون التَّغْيِير دَلِيلا على خُرُوجه من بَابه وَذَلِكَ قَوْلك سنة ثمَّ تَقول سنُون فتكسر السِّين وَكَذَلِكَ قلَّة وقلون وَأما قَوْلنَا أَنه على خلاف الْعُقُود فَإِنَّمَا هُوَ لِأَنَّك اشتققت للثلاثين من الثَّلَاثَة لِأَنَّهَا ثَلَاثَة عُقُود وَكَذَلِكَ فعلت بالأربعين وَالْخمسين وَمَا بعده إِلَى التسعين فَكَانَ الْوَاجِب إِذْ اشتققت للثلاثين من الثَّلَاثَة أَن تشتق للعشرين من الِاثْنَيْنِ فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا فعلوا ذَلِك فَالْجَوَاب إِن الِاثْنَيْنِ مِمَّا إعرابه فِي وَسطه فَلَو فعل بِهِ مَا فعل بِالثَّلَاثَةِ حَيْثُ صيرت إِلَى الثَّلَاثِينَ لبطل مَعْنَاهُ وصير إِلَى الْإِفْرَاد وَلم يَقع مُفردا قطّ فالامتناع مِنْهُ كالضرورة فَإِذا زِدْت على الْعشْرين وَاحِد فَمَا فَوق إِلَى العقد الثَّانِي أَو وَاحِدَة فَمَا فَوْقهَا قلت فِي الْمُذكر أحد وَعِشْرُونَ رجلا وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ رجلا وَوَاحِد وَعِشْرُونَ كَمَا كنت قَائِلا قبل أَن تصله بالعشرين
فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا بني الْأَحَد مَعَ الْعشْرين وَمَا بعد الْأَحَد من الْأَعْدَاد كَمَا فعل ذَلِك بِخَمْسَة عشر وَنَحْوه فيجعلان اسْما وَاحِدًا كَمَا كَانَ ذَلِك فِي كل عدد قبله قيل لَهُ لم يكن لهَذَا نَظِير فِيمَا فرط من الْأَسْمَاء كحضرموت وبعلبك لَا تَجِد اسْمَيْنِ جعلا اسْما وَاحِدًا مِمَّا أَحدهمَا إعرابه كإعراب مُسلمين وَقد تقدم قَوْلنَا فِي هَذَا حَيْثُ ذكرنَا اثْنَي عشر فَإِذا صرت إِلَى العقد الَّذِي بعد الْعشْرين كَانَ حَاله فِيمَا يجمع مَعَه من الْعدَد كَحال عشْرين وَكَذَلِكَ إعرابه إِلَّا أَن اشتقاقه من الثَّلَاثَة لِأَن التَّثْلِيث أدنى الْعُقُود وَكَذَلِكَ لما بعده إِلَى التسعين إِذا صرت إِلَى العقد الَّذِي بعْدهَا كَانَ لَهُ اسْم خَارج من هَذِه الْأَسْمَاء لِأَن مَحَله مَحل الثَّلَاثِينَ مِمَّا قبلهَا وَالْأَرْبَعِينَ مِمَّا قبلهَا وَنَحْو ذَلِك وَلم يشتق لَهُ من الْعشْرَة اسْم لِئَلَّا يلتبس بالعشرين وَلِأَن العقد حَقه أَن يكون فِيمَا فرط من الْأَعْدَاد خَارِجا من اسْم قبله واضفته لما بعده معرفَة كَانَ أَو نكرَة كَمَا كنت فَاعِلا ذَلِك بِالْعقدِ الأول وَذَلِكَ قَوْلك مائَة دِرْهَم وَمِائَة الدِّرْهَم الَّتِي قد عرفت
وَلم يجز أَن تَقول عشرُون الدِّرْهَم لِأَن درهما بعد عشْرين تَمْيِيز مُنْفَصِل من الْعشْرين وَالْمِائَة مُضَافَة والمضاف يكون معرفَة بِمَا يُضَاف إِلَيْهِ فَإِذا أردْت تَعْرِيف عشْرين وَمَا كَانَ مثلهَا قلت الْعشْرُونَ رجلا وَالثَّلَاثُونَ جَارِيَة كَمَا تَقول الضاربون زيدا لِأَن مَا بعد التَّنْوِين مُنْفَصِل مِمَّا قبله وَالْمِائَة اسْم لَيْسَ التَّنْوِين لَهُ لَازِما لِأَن حَال التَّنْوِين لَيست حَال النُّون لِأَنَّك تقف على النُّون وَلَا تقف على التَّنْوِين وَلِأَن النُّون تثبت مَعَ الْألف وَاللَّام وَلَا يثبت التَّنْوِين مَعَهُمَا تَقول الْمُسلمُونَ والصالحون وَلَا تَقول المسلمٌ والصالحٌ فتقف على التَّنْوِين فَكَانَت مائَة فِي بَابهَا كثلاثة فِي بَابهَا إِلَّا أَن الَّذِي تُضَاف إِلَيْهِ مائَة وَاحِدَة فِي معنى جمع وَالَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ ثَلَاثَة وَمَا أشبههَا جمع تَقول ثَلَاثَة دَرَاهِم وَمِائَة دِرْهَم والفصل بَينهمَا مَا يَقع فِي الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة من أدنى الْعدَد وَأَن الْمِائَة كالعشرين وَنَحْوهَا وَإِن كَانَت مُضَافَة وَكَذَلِكَ صَار لَفظهَا للمذكر والمؤنث على هَيْئَة وَاحِدَة تَقول مائَة دِرْهَم وَمِائَة جَارِيَة كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الْعشْرين وَنَحْوهَا وَلم يكن هَذَا فِي خَمْسَة عشر وَخمْس عشرَة لِأَنَّهُمَا مجموعان مِمَّا كَانَ وَاقعا لأدنى الْعدَد فَإِن اضْطر شَاعِر فنون وَنصب مَا بعده لم يجز أَن يَقع إِلَّا نكرَة لِأَنَّهُ تَمْيِيز كَمَا أَنه إِذا اضْطر قَالَ ثَلَاثَة أثوابا فَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر
(إِذا عاشَ الْفَتى مائتينِ عَاما ... فقدْ ذَهبَ اللذاذةُ والفَتاءُ) فَإِنَّمَا حسن هَذَا فِي الْمِائَتَيْنِ وَإِن كَانَ تَثْنِيَة الْمِائَة لِأَنَّهُ مِمَّا يلْزمهَا النُّون فقد رَجَعَ فِي اللَّفْظ إِلَى حَال الْعشْرين وَمَا أشبههَا وَلَكِن الْمَعْنى يُوجب فِيهِ الْإِضَافَة فَأَما قَوْلهم ثلثمِائة وَأَرْبَعمِائَة واختيارهم إِيَّاه على مِائَتَيْنِ ومئات فَإِنَّمَا ذَلِك قِيَاس على مَا مضى لِأَن الْمَاضِي من الْعدَد هُوَ الأَصْل وَمَا بعده فرع فَقِيَاس هَذَا قِيَاس قَوْلك عشرُون درهما وَأحد وَعِشْرُونَ درهما إِلَى قَوْلك تِسْعَة وَعِشْرُونَ درهما فالدرهم مُفْرد لِأَنَّك إِذا قلت ثَلَاثُونَ وَمَا بعْدهَا إِلَى تسعين ثمَّ جاوزته صرت إِلَى عقد لَيْسَ لَفظه من لفظ مَا قبله فَكَذَلِك تَقول ثلثمِائة وَأَرْبَعمِائَة لِأَنَّك إِذا جَاوَزت تِسْعمائَة صرت إِلَى عقد يُخَالف لَفظه لفظ مَا قبله وَهُوَ قَوْلك ألف ثمَّ تَقول ثَلَاثَة آلَاف لِأَن الْعدَد الَّذِي بعده غير خَارج مِنْهُ تَقول عشرَة آلَاف كَمَا تَقول عشرَة أَثوَاب وَأحد عشر ألفا كَمَا تَقول أحد
عشر ثوبا إِلَى العقد الآخر فَلَو كنت تَقول عشر مئين وَإِحْدَى عشرَة مائَة لوَجَبَ جمعهَا فِي التَّثْلِيث وَمَا بعده وَإِنَّمَا جَازَ أَن تَقول ثَلَاث مئين وَثَلَاث مئات من أجل أَنه مُضَاف فشبهته من جِهَة الْإِضَافَة لَا غير بقَوْلهمْ ثَلَاثَة أَثوَاب وَثَلَاث جوَار قَالَ الشَّاعِر (ثلاثُ مِئينٍ للمُلوكِ وَفِي بِها ... رِدائي وجَلّتْ عنْ وُجوهِ الأهاتِمِ) وَقَالَ الآخر (ثلاثُ مِئينٍ قدْ مَرَرْنَ كَواملاً ... وَهَا أنذا أرتجي مَرَّ ارْبَعِ) فَأَما قَوْلك مائَة دِرْهَم وَمِائَة جاريةٍ وألفُ غلامٍ وَألف جاريةٍ فَلَا يكون فِيهِ إِلَّا
هَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَة ثَلَاثَة وَمَا بعْدهَا إِلَى عشرَة وَلَا ثَلَاث إِلَى عشر لِأَن الثَّلَاث وَالثَّلَاثَة على مئين وَقع أَو على أُلُوف أَو غير ذَلِك ففيهن أقل الْعدَد مِمَّا وقعن عَلَيْهِ ومجاز مائَة وَألف فِي أَنه لَا يكون لأدنى الْعدَد مجَاز أحد عشر درهما فَمَا فَوق فَأَما قَوْله عز وَجل ﴿وَلَبِثوا فِي كَهْفِهِمْ ثلثَمائَةٍ سِنِينَ﴾ فَإِنَّهُ على الْبَدَل لِأَنَّهُ لما قَالَ ثلثمِائة ثمَّ ذكر السنين ليعلم مَا ذَلِك الْعدَد وَلَو قَالَ قَائِل أَقَامُوا سِنِين يَا فَتى ثمَّ قَالَ مئين أَو ثلثمِائة لَكَانَ على الْبَدَل ليبين كم مِقْدَار تِلْكَ السنين وَقد قَرَأَ بعض الْقُرَّاء بِالْإِضَافَة فَقَالَ ﴿ثَلثَمِائِةِ سِنِيْنِ﴾ وَهَذَا خطأ فِي الْكَلَام غير جَائِز وَإِنَّمَا يجوز مثله فِي الشّعْر للضَّرُورَة وجوازه فِي الشّعْر أَبَا نحمله على الْمَعْنى لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى جمَاعَة وَقد جَازَ فِي الشّعْر أَن تفرد وَأَنت تُرِيدُ الْجَمَاعَة إِذا كَانَ فِي الْكَلَام دَلِيل على الْجمع فَمن وَذَلِكَ قَوْله
(كُلوا فِي نِصْفِ بَطْنِكُمُ تَعيشوا ... فإنَّ زّمّانكّمْ زمنٌ خَميصُ) وَقَالَ آخر (إنْ تُقتَلوا اليومَ فقدْ سُبينا ... فِي حَلْقِكُمْ عظمٌ وقّدْ شُجينا)
وينشد شربنا وَقَالَ عَلْقَمَة بن عَبدة (بهَا جِيِفُ الحَسْرى فأمّا عِظامُها ... فَبيضٌ وأمّا جِلدُها فَصَلِيبُ) وَأما قَوْله عز وَجل ﴿خَتَمَ اللهُ على قلوبِهِمْ وَعَلى سَمعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ﴾ فَلَيْسَ من هَذَا لِأَن السّمع مصدر والمصدر يَقع للْوَاحِد وَالْجمع وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر وَهُوَ جرير (إنَّ العُيونَ الَّتِي فِي طَرَفها مرضٌ ... قَتَلْنَنا ثُمَّ لَم يُحْيِيْنَ قَتْلانا) لِأَن الطّرف مصدر وَأما قَوْله الله عز وَجل ﴿ثُم يُخْرِجُكُمْ طِفلا﴾ ﴿وَقَوله﴾ (فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شيءٍ منَّة نَفْسَاً} فَإِنَّهُ أفرد هَذَا لِأَن مخرجهما مخرج التَّمْيِيز كَمَا تَقول
زيد أحسن النَّاس ثوبا وأفره النَّاس مركبا وَأَنه ليحسن ثوبا وَيكثر أمة وعبدا وَقد قَالُوا فِي قَول الْعَبَّاس بن مرداس قَوْلَيْنِ وَهُوَ (فَقُلْنَا أسْلِمُوا إنّا أخوكُمْ ... فّقّدْ بَرِئّتْ مِنَ الإحَنِ الصُدورُ) فَقَالَ بَعضهم أَرَادَ إِنَّا إخوتكم فَوضع الْوَاحِد مَوضِع الْجَمِيع كَمَا قَالَ فِي حلقكم أَي فِي حلوقكم وَقَالَ آخَرُونَ لَفظه لفظ الْجمع من قَوْلك أَخ وأخون ثمَّ حذف النُّون وأضاف كَمَا تَقول مسلموكم وصالحوكم وَتقول على ذَلِك أَب وأبون وَأَخ أخون كَمَا قَالَ الشَّاعِر (فَلَمَا تَبَيَنَّ أصواتَنا ... بَكَيْنَ وّفَدَّيْنَنا بالأبينا) وَقَالَ آخر (وَكَانَ لنا فَزارةُ عَمَّ سَوءٍ ... وكنتُ لَهُ كشرِّ بني الأخينا)