(هَذَا بَاب كم)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن يزيد المبرد
- الكتاب
- المقتضب
- المؤلف
- محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
- المحقق
- محمد عبد الخالق عظيمة.
- الناشر
- عالم الكتب. - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
اعْلَم أَن (كم) اسْم يَقع على الْعدَد، وَلها موضعان: تكون خَبرا، وَتَكون استفهاما فمجراها مجْرى عدد منون وَذَلِكَ قَوْلك: كم رجلا عنْدك؟ وَكم غُلَاما لَك؟ تُرِيدُ: أعشرون غُلَاما أم ثَلَاثُونَ، وَمَا أشبه ذَلِك؛ كَمَا أَنَّك إِذا قلت: أَيْن عبد الله؟ فَمَعْنَاه: أفى مَوضِع كَذَا أَو فى مَوضِع كَذَا؟ وَإِذا قلت: مَتى تخرج؟ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أوقت كَذَا أم وَقت كَذَا؟ إِلَّا أَنه يجوز لَك فى (كم) أَن تفصل بَينهَا وَبَين مَا علمت فِيهِ بالظرف فَتَقول: كم لَك غُلَاما؟ وَكم عنْدك جَارِيَة؟ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِيهَا؛ لِأَنَّهُ جعل عوضا لما منعته من التَّمَكُّن وَأما (عشرُون) وَنَحْوهَا فَلَا يجوز أَن تَقول فِيهَا: عشرُون لَك جَارِيَة، وَلَا خَمْسَة عسر لَك فلاما إِلَّا أَن يضْطَر شَاعِر؛ كَمَا قَالَ حِين اضْطر: (على أننى بعد مَا قد مضى ... ثَلَاثُونَ للهجر حولا كميلا)
وَقَالَ الآخر: (فى خمس عشرَة من جُمَادَى لَيْلَة ... لَا أَسْتَطِيع على الْفراش رقادى) وَتقول: كم دِرْهَم لَك؟ لِأَن التَّمْيِيز على غَيره فَكَأَن التَّقْدِير: كم دانقا دِرْهَم لَك، وَكم قيراطا، وَمَا أشبه ذَلِك؟ كَمَا أَنَّك إِذا قلت: كم غلمانك؟ فَإِنَّمَا الْمَعْنى: كم غُلَاما غلمانك؟ وَلَا يكون فى قَوْلك: كم غلمانك؟ إِلَّا الرّفْع؛ لِأَنَّهُ معرفَة، وَلَا يكون التَّمْيِيز بالمعرفة فَإِذا قلت: كم غلمانك؟ فتقديره من الْعدَد الْوَاضِح: أعشرون غُلَاما غلمانك؟ فَإِن قلت: أعشرون غلمانك؟ فَذَلِك مَعْنَاهُ، لِأَن مَا أظهرت دَلِيل على مَا حذفت وَتقول: بكم ثَوْبك مصبوغ؟ ؛ لِأَن التَّقْدِير: بكم منا ثَوْبك مصبوغ؟ أَو بكم درهما؟ وَتقول: على كم جذعا بَيْتك مبْنى؟ إِذا جعلت (على كم) ظرفا لمبنى رفعت الْبَيْت بِالِابْتِدَاءِ، وَجعلت (المبنى) خَبرا عَنهُ، وَجعلت (على كم) ظرفا لمبنى فَهَذَا على قَول من قَالَ: فى الدَّار زيد قَائِم، وَمن قَالَ: فى الدَّار زيد قَائِما، فَجعل (فى الدَّار) خَبرا - قَالَ: على كم جذعا بَيْتك مَبْنِيا؟ / إِذا نصب مَبْنِيا جعل (على كم) ظرفا للبيت؛ لِأَنَّهُ لَو قَالَ لَك على الْمَذْهَب: على كم جذعا بَيْتك؟ لاكتفى؛ كَمَا أَنه لَو قَالَ: فى الدَّار لاكتفى وَلَو قَالَ: بكم رجل زيد مَأْخُوذ؟ لم يجز إِلَّا الرّفْع فى مَأْخُوذ؛ كَمَا تَقول: بِعَبْد الله زيد مَأْخُوذ؛ لِأَن الظّرْف هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ مُعَلّق بالْخبر والبصريون يجيرون على قبح: على كم جذع، وبكم رجل؟ يجْعَلُونَ مَا دخل على (كم) من حُرُوف الْخَفْض دَلِيلا على (من) ، ويحذفونها، ويريدون: على كم من جذع، وبكم من
رجل؟ فَإِذا لم يدخلهَا حرف الْخَفْض فَلَا اخْتِلَاف فى أَنه لَا يجوز الْإِضْمَار وَلَيْسَ إِضْمَار (من) مَعَ حُرُوف الْخَفْض بِحسن وَلَا قوى، وَإِنَّمَا إِجَازَته على بعد وَمَا ذكرت لَك حجَّة من أجَازه فَهَذِهِ (كم) الَّتِى تكون للاستفهام فَأَما (كم) الَّتِى تقع خَبرا فمعناها: معنى (رب) إِلَّا أَنَّهَا اسْم، و (رب) حرف وَذَلِكَ قَوْلك: كم رجل قد رَأَيْته أفضل من زيد إِن جعلت (قد رَأَيْته) الْخَبَر، وَإِن جعلت (قد رَأَيْته) من نعت الرجل قلت: أفضل من زيد / رفعت (أفضل) ؛ لِأَنَّك جعلت (أفضل) خَبرا عَن (كم) ؛ لِأَن (كم) اسْم مُبْتَدأ فَأَما (رب) إِذا قلت: رب رجل أفضل مِنْك فَلَا يكون لَهُ الْخَبَر؛ لِأَنَّهَا حرف خفض و (كم) لَا تكون إِلَّا اسْما أَلا ترى أَن حُرُوف الْخَفْض تدخل عَلَيْهَا، وَأَنَّهَا تكون فاعلة ومفعولة تَقول: كم رجل ضربك - فهى هَاهُنَا فاعلة فَإِذا قلت: كم رجل قد رَأَيْت - فهى مفعولة، وَكَذَلِكَ لَو قلت: كم رجل قد رَأَيْته لكَانَتْ مَرْفُوعَة؛ لِأَنَّهَا ابْتِدَاء؛ لشغلك الْفِعْل عَنْهَا، وَكَذَلِكَ تَقول: إِلَى كم رجل قد ذهبت فَلم أره
وَاعْلَم أَن هَذَا الْبَيْت ينشد على ثَلَاثَة أوجه، وَهُوَ: (كم عمَّة لَك يَا جرير وَخَالَة ... فدعاء قد حابت على عشارى) فَإِذا قلت: كم عمَّة فعلى معنى: رب عمَّة وَإِذا قلت: كم عمَّة؟ فعلى الِاسْتِفْهَام وَإِن قلت: كم عمَّة أوقعت (كم) على الزَّمَان فَقلت: كم يَوْمًا عمَّة لَك وخاله قد حلبت على عشارى، وَكم مرّة، وَنَحْو ذَلِك فَإِذا قلت: كم عمَّة فلست تقصد إِلَى وَاحِدَة / وَكَذَلِكَ إِذا نصبت، وَإِن رفعت لم تكن إِلَّا وَاحِدَة؛ لِأَن التَّمْيِيز يَقع وَاحِدَة فى مَوضِع الْجَمِيع، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فى معنى (رب) ؛ لِأَنَّك
إِذا قلت: رب رجل رَأَيْته لم تعن وَاحِدًا، وَإِذا قلت: كم رجلا عنْدك؟ فَإِنَّمَا تسْأَل: أعشرون أم ثَلَاثُونَ أَو نَحْو ذَلِك؟ فَإِذا قلت: كم دِرْهَم عنْدك؟ فَإِنَّمَا تعنى: كم دانقا هَذَا الدِّرْهَم الذى أَسأَلك عَنهُ؟ فالدرهم وَاحِد مَقْصُود قَصده بِعَيْنِه؛ لِأَنَّهُ خبر، وَلَيْسَ بتمييز، وَكَذَلِكَ: كم جاءنى صَاحبك؟ إِنَّمَا تُرِيدُ: كم مرّة جاءنى صَاحبك فَإِن قلت: مَا بَال المستفهم بهَا ينْتَصب مَا بعْدهَا والتى فى معنى (رب) ينخفض بهَا مَا بعْدهَا وَكِلَاهُمَا للعدد؟ فَإِن فى هَذَا قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الَّتِى للْخَبَر لما ضارعت (ب) فى مَعْنَاهَا اختير فِيهَا ترك التَّنْوِين؛ ليَكُون مَا بعْدهَا بمنزلتها بعد (رب) ، وَتَكون تشبه من الْعدَد ثَلَاثَة أَثوَاب، وَمِائَة دِرْهَم، فَتكون غير
خَارِجَة من الْعدَد، وَقد أصبت بهَا مَا ضارعته؛ كَمَا أَن الْمُضَاف إِلَيْهِ إِنَّمَا خص بالخفض؛ لِأَنَّهُ على / معنى اللَّام أَلا ترى أَن قَوْلك: هَذَا غُلَام زيد إِنَّمَا مَعْنَاهُ: هَذَا غُلَام لزيد، وَقد يجوز أَن تكون منونة فى الْخَبَر، فينتصب مَا بعْدهَا فَتَقول: كم رجلا قد أتانى إِلَّا أَن الأجود مَا ذكرنَا؛ ليَكُون بَينهَا وَبَين المستفهم بهَا فصل فَإِن فصلت بَينهَا وَبَين مَا تعْمل فِيهِ بشئ اختير التَّنْوِين؛ لِأَن الْخَافِض لَا يعْمل فِيمَا فصل مِنْهُ، والناصب والرافع يعملان فى ذَلِك الْموضع وَذَلِكَ قَوْلك: كم يَوْم الْجُمُعَة رجلا قد أتانى، وَكم عنْدك رجلا قد لَقيته، ويختار النصب فى قَوْله: (كم نالنى مِنْهُم فضلا على عدم ... إِذْ لَا أكاد من الإقتار أحتمل)
وَقد زعم قوم أَنَّهَا على كل حَال منونة، وَأَن مَا انخفض بعْدهَا ينخفض على إِضْمَار (من) وَهَذَا بعيد؛ لِأَن الْخَافِض لَا يضمر؛ إِذْ كَانَ وَمَا بعده بمنزل شئ وَاحِد، وَقد ذَكرْنَاهُ بحججه موكدا وَمن فصل للضَّرُورَة بَين الْخَافِض والمخفوض فعل مثل ذَلِك فى (كم) فى الْخَبَر وَذَلِكَ قَوْله: (كم بحود مقرف نَالَ الْعلَا ... وشريف بخله قد وَضعه)
/ وَقَالَ الآخر: (كم فى بنى سعد بن بكر سيد ... ضخم الدسيعة ماجد نفاع) والقوافى مجرورة وَقَالَ الاخر: (كم قد فاتنى بَطل كمى ... وياسر فتية سمح هضوم) وَلَا يجوز أَن تفصل بَين الْخَافِض والمخفوض فى الضَّرُورَة إِلَّا بحشو كالظروف وَمَا أشبههَا مِمَّا لَا يعْمل فِيهِ الْخَافِض؛ كَمَا تَقول: إِن الْيَوْم زيدا منطلق وَلَو كَانَ مَكَان (الْيَوْم) مَا تعْمل فِيهِ (إِن) لم يَقع إِلَى جَانبهَا إِلَّا مَعْمُولا فِيهِ وَلَوْلَا أَن هَذِه القوافى مخفوض لاختير فى هذَيْن الْبَيْتَيْنِ الرّفْع، وتوقع (كم) على مرار من الدَّهْر، فَتكون (كم) ظرفا مَنْصُوبًا؛ لِأَن (كم) اسْم الْعدَد، فهى واقعه على كل مَعْدُود وَتقول: كم رجلا جَاءَك؟ فَإِنَّمَا تسْأَل بهَا عَن عدد الرِّجَال وَتقول: كم يَوْمًا لقِيت زيدا؟ فتنصبها؛ لِأَنَّهَا وَاقعَة على عدد الْأَيَّام واللقاء الْعَامِل فِيهَا، فَكَذَا كل مُبْهَم وَلَو قلت: كم يَوْمًا لقِيت فِيهِ زيدا؟ لكَانَتْ (كم) فى مَوضِع رفع، كَأَنَّك قلت: أعشرون يَوْمًا لقِيت فِيهَا زيدا؟ إِلَّا أَن (كم) فى هَذَا الْموضع اسْتِفْهَام / فهى فى أَنَّهَا اسْم وَأَنَّهَا الْحَرْف
المستفهم بِهِ بِمَنْزِلَة (من) ، و (مَا) ، و (أَيْن) ، و (مَتى) ، و (كَيفَ) وَإِن كَانَت الْمعَانى مُخْتَلفَة؛ لِأَن (من) إِنَّمَا هى لما يعقل خَاصَّة حَيْثُ وَقعت: من الْخَبَر، أَو اسْتِفْهَام، أَو جَزَاء، أَو نكرَة و (مَا) لذات غير الْآدَمِيّين، ولصفات الْآدَمِيّين و (أَيْن) للمكان، و (مَتى) للزمان، و (كَيفَ) للْحَال، و (كم) للعدد، فهى دَاخِلَة على جَمِيع هَذَا إِذا سَأَلت عَن عدد نوع مِنْهَا؛ نَحْو: كم مَكَانا قُمْت؟ وَكم يَوْمًا صمت؟ وَكم حَالا تصرفت عَلَيْهَا؟ وَنَحْو ذَلِك