هَذَا بَاب النداء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن يزيد المبرد
- الكتاب
- المقتضب
- المؤلف
- محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
- المحقق
- محمد عبد الخالق عظيمة.
- الناشر
- عالم الكتب. - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
اعْلَم أَنَّك إِذا دَعَوْت مُضَافا نصبته وانتصابه على الْفِعْل الْمَتْرُوك إِظْهَاره وَذَلِكَ قَوْلك يَا عبد الله لِأَن يَا بدل من قَوْلك أَدْعُو عبد الله وَأُرِيد لَا أَنَّك تخبر أَنَّك تفعل وَلَكِن بهَا وَقع أَنَّك قد أوقعت فعلا فَإِذا قلت يَا عبد الله فقد وَقع دعاؤك بِعَبْد الله فانتصب على أَنه مفعول تعدى إِلَيْهِ فعلك وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ نكرَة نَحْو يَا رجلا صَالحا وَيَا قوما منطلقين وَالْمعْنَى وَاحِد
وعَلى هَذَا ﴿يَا حسرة على الْعباد﴾ وَقَالَ الشَّاعِر (أَدَاراً بِحُزْوَى هِجْتِ لِلْعَيْنِ عَبْرةً ... فَماءُ الهَوَى يَرْفَضُّ أَوْ يَتَرَقْرَقْ) وَقَالَ الشَّاعِر (لعلَّكَ يَا تَيْسا نَزَا فِي مَرِيرَةٍ ... تُعَذِّبُ لَيْلى أنْ تَراني أَزُورُها)
وَقَالَ الآخر (فيا راكِبِّا إِمَا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نداماي مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لَا تَلاقِيا) وَأما الْمُضَاف فكقوله ﴿يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله﴾ وَمَا أشبهه فَإِن كَانَ المنادى وَاحِدًا مُفردا معرفَة بني على الضَّم وَلم يلْحقهُ تَنْوِين وَإِنَّمَا فعل ذَلِك بِهِ لِخُرُوجِهِ عَن الْبَاب ومضارعته مَا لَا يكون معربا وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت يَا زيد وَيَا عَمْرو فقد أخرجته من بَابه لِأَن حد الْأَسْمَاء الظَّاهِرَة أَن تخبر بهَا وَاحِد عَن وَاحِد غَائِب والمخبر عَنهُ غَيرهَا فَتَقول قَالَ زيد فزيد غَيْرك وَغير الْمُخَاطب وَلَا تَقول قَالَ زيد وَأَنت تعنيه أَعنِي الْمُخَاطب فَلَمَّا قلت يَا زيد خاطبته بِهَذَا الِاسْم فأدخلته فِي بَاب مَا لَا يكون إِلَّا
مَبْنِيا نَحْو أَنْت وَإِيَّاك وَالتَّاء فِي قُمْت وَالْكَاف فِي ضربتك ومررت بك فَلَمَّا أخرج من بَاب الْمعرفَة وَأدْخل فِي بَاب المبنية لزمَه مثل حكمهَا وبنيته على الضَّم لتخالف بِهِ جِهَة مَا كَانَ عَلَيْهِ معربا لِأَنَّهُ دخل فِي بَاب الغايات أَلا ترى أَنَّك تَقول جِئْت قبلك وَمن قبلك فَلَمَّا صَار غَايَة لما أذكرهُ فِي مَوْضِعه قلت جِئْت قبل يَا فَتى وَجئْت من قبل قَالَ الله عز وَجل ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ وَكَذَلِكَ تَقول جِئْت فِي أول النَّاس وَتقول ابدأ بِهَذَا أول يَا فَتى لما خرج من بَاب الْإِعْرَاب فَصَارَ غَايَة خُولِفَ بِهِ عَن جِهَته وَلِهَذَا مَوضِع يذكر فِيهِ مستقصى بحججه إِن شَاءَ الله فَإِن قَالَ قَائِل فالمضاف والنكرة مخاطبان كَمَا كَانَ فِي الْمُفْرد الْمعرفَة وَقد كَانَ حَقّهمَا أَن يخبر عَنْهُمَا وَلَا يخاطبا قيل لَهُ قد علمنَا أَن الْمُضَاف معرفَة بالمضاف إِلَيْهِ كَمَا كَانَ قبل النداء والنكرة فِي حَال النداء كَمَا كَانَ قبل ذَلِك وَزيد وَمَا أشبهه فِي حَال النداء معرفَة بِالْإِشَارَةِ منتقل عَنهُ مَا كَانَ قبل ذَلِك فِيهِ من التَّعْرِيف أَلا ترى أَنَّك تَقول إِذا أردْت الْمعرفَة يَا رجل أقبل فَإِنَّمَا تَقْدِيره يَا أَيهَا الرجل أقبل وَلَيْسَ على معنى مَعْهُود وَلَكِن حدثت فِيهِ إِشَارَة النداء فَلذَلِك لم تدخل فِيهِ الْألف وَاللَّام وَصَارَ معرفَة بِمَا صَارَت بِهِ المبهمة معارف
والمبهمة مثل هَذَا وَذَاكَ وَهَذِه وَتلك وَأُولَئِكَ وَذَاكَ وذاكن وذلكن إِلَّا أَنَّك إِذا ناديته فَهُوَ معرفَة بِالْإِشَارَةِ كَمَا كَانَت هَذِه الْأَسْمَاء غير أَنه مُخَاطب وَهِي مخبر عَنْهَا فَهَذَا يُوضح لَك أَمر الْوَاحِد الْمُفْرد وَمَعَ ذَلِك أَن الْمُضَاف تَمنعهُ الْإِضَافَة من الْبناء كَمَا كَانَ ذَلِك فِي قبل وَبعد وأمس وَمَا أشبههن تَقول ذهب أمس بِمَا فِيهِ وَقد ذهب أمسنا وَكَذَلِكَ تَقول جِئْت من قبل وَمن بعد يَا فَتى كَمَا قَالَ الله عز وَجل ﴿وَمن قبل مَا فرطتم فِي يُوسُف﴾ فَلَمَّا أضَاف قَالَ ﴿من بعد أَن أَظْفَرَكُم عَلَيْهِم﴾ و ﴿من بعد أَن نزع الشَّيْطَان بيني وَبَين إخوتي﴾ والفصل بَين قَوْلك يَا رجل أقبل إِن أردْت بِهِ الْمعرفَة وَبَين قَوْلك يَا رجلا أقبل إِذا أردْت النكرَة أَنَّك إِذا ضممت فَإِنَّمَا تُرِيدُ رجلا بِعَيْنِه تُشِير إِلَيْهِ دون سَائِر أمته وَإِذا نصبت ونونت فَإِنَّمَا تَقْدِيره يَا وَاحِدًا مِمَّن لَهُ هَذَا الِاسْم فَكل من أجابك من الرِّجَال فَهُوَ الَّذِي عنيت كَقَوْلِك لَأَضرِبَن رجلا فَمن كَانَ لَهُ هَذَا الِاسْم بر بِهِ قسمك وَلَو قلت لَأَضرِبَن الرجل لَك لم يكن إِلَّا وَاحِدًا مَعْلُوما بِعَيْنِه إِلَّا أَن هَذَا لَا يكون إِلَّا على مَعْهُود فأعربت النكرَة لِأَنَّهَا فِي بَابهَا لم تخرجها مِنْهُ وَمَعَ هَذَا أَن التَّنْوِين الَّذِي فِيهِ مَانع من الْبناء كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الْمُضَاف
وَمن جعل قبل وَبعد نكرتين نون وأجراهما على وُجُوه الْإِعْرَاب وَقد قَرَأَ بعض الْقُرَّاء ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ فَمن جَعلهمَا نكرتين فتقديره وَالله أعلم لله الْأَمر أَولا وآخرا وَمن جَعلهمَا معرفتين فتقدير ذَلِك قبل مَا نعلم وَبعده وَقبل كل شَيْء وَبعده تَقول يَا زيد وَعَمْرو أَقبلَا وَيَا هِنْد وَزيد أَقبلَا تجْرِي كل مُفْرد معرفَة وَإِن اخْتلفت أجناسه مجْرى وَاحِد لِأَن النداء يُخرجهُ إِلَى طَريقَة وَاحِدَة فَإِن نعت مُفردا بمفرد فَأَنت فِي النَّعْت بِالْخِيَارِ إِن شِئْت رفعته وَإِن شِئْت نصبته تَقول يَا زيد الْعَاقِل أقبل وَيَا عَمْرو الظريف هَلُمَّ وَإِن شِئْت قلت الْعَاقِل والظريف أما الرّفْع فلأنك أتبعته مَرْفُوعا فَإِن قَالَ فَهَذَا الْمَرْفُوع فِي مَوضِع مَنْصُوب فَلم لَا يكون بِمَنْزِلَة قَوْلك مَرَرْت بعثمان الظريف لم تتبعه لاسم لِأَن الِاسْم فِي مَوضِع مخفوض وَأَنه مَنعه أَنه لَا ينْصَرف فجرت صفته على مَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون عَلَيْهِ فالفصل بَينهمَا اطراد الْبناء فِي كل منادى مُفْرد حَتَّى يصير الْبناء عِلّة لرفعه وَإِن كَانَ ذَلِك الرّفْع غير إِعْرَاب وَلَيْسَ كل اسْم مَمْنُوعًا من الصّرْف
فَمن ذَلِك قَوْله (يَا حَكَمُ الوارِثُ عَنْ عَبْدِ الملِكْ ... ) فَهُوَ الْأَكْثَر فِي الْكَلَام وَأما النصب فعلى الْموضع لِأَن مَوضِع زيد مَنْصُوب فتقدير هَذَا إِذا رفعت تَقْدِير قَوْلك لَيْسَ زيد بقائم وَلَا قَاعد على اللَّفْظ وَإِن كَانَت الْبَاء زَائِدَة وَتَقْدِير الْمَنْصُوب تَقْدِير قَوْلك لَيْسَ زيد بقائم وَلَا قَاعِدا حملت قَاعِدا على الْموضع إِلَّا أَن هَذَا مُعرب فِي مَوْضِعه وَزيد مَبْنِيّ فِي النداء وَلَكِنِّي مثلت لَك بِمَا اخْتلف وجهاه كاختلاف نعت زيد الْمُفْرد وَمِمَّا جَاءَ من نعت المنادى الْمُفْرد مَنْصُوبًا قَول جرير (فَمَا كَعْبُ بْنُ مَامَةَ وابنُ سُعْدَى ... بأَجْوَدَ مِنْكَ يَا عُمرُ الجَوادَا)
وَإِذا نعت مُفردا بمضاف لم يكن الْمُضَاف إِلَّا مَنْصُوبًا تَقول يَا زيد ذَا الجمة وَيَا زيد غُلَام عَمْرو والفصل بَين هَذَا وَبَين الْمُفْرد أَنَّك إِذا نعت شَيْئا بِشَيْء فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ لَو كَانَ فِي مَوْضِعه فقولك مَرَرْت بزيد الظريف كَقَوْلِك مَرَرْت بالظريف وَكَذَلِكَ مَرَرْت بِعَمْرو الْعَاقِل فَأَنت إِذا قلت يَا زيد الظريف فتقديره يَا ظريف على مَا حددت لَك وقولك يَا زيد ذَا الجمة بِمَنْزِلَة يَا ذَا الجمة فَلذَلِك لم يكن الْمُضَاف إِذا كَانَ نعتا إِلَّا نصبا أما الْمُضَاف المنادى فنعته لَا يكون إِلَّا نصبا مُفردا كَانَ أَو مُضَافا وَذَلِكَ قَوْلك يَا عبد الله الْعَاقِل لِأَنَّك إِن حَملته على اللَّفْظ فَهُوَ مَنْصُوب والموضع مَوضِع نصب فَأَما قَوْله (إِنَّي وأَسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ... لقائِلٌ يَا نصرُ نصرٌ نَصْرا) فَإِن هَذَا الْبَيْت ينشد على ضروب فَمن قَالَ يَا نصر نصرا نصرا فَإِنَّهُ جعل المنصوبين تبيينا لمضموم وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه النحويون عطف الْبَيَان وَمَجْرَاهُ مجْرى الصّفة فأجراه على قَوْلك يَا زيد الظريف وَتَقْدِيره تَقْدِير قَوْلك يَا رجل زيدا أقبل جعلت زيدا بَيَانا للرجل على قَول من نصب الصّفة
وينشد يَا نصر نصر نصرا جَعلهمَا تبيانا فَأجرى أَحدهمَا على اللَّفْظ وَالْآخر على الْموضع كَمَا تَقول يَا زيد الظريف الْعَاقِل وَلَو حمل الْعَاقِل على أَعنِي كَانَ جيدا وَمِنْهُم من ينشد يَا نصر نصر نصرا يَجْعَل الثَّانِي بَدَلا من الأول وَينصب الثَّانِي على التَّبْيِين فَكَأَنَّهُ قَالَ يَا نصر نصرا وَأما الْأَصْمَعِي فَزعم أَن هَذَا الشّعْر يَا نصر نصرا نصرا وَأَنه إِنَّمَا يُرِيد الْمصدر أَي انصرني نصرا
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هَذَا تَصْحِيف إِنَّمَا قَالَه لنصر بن سيار يَا نصر نصرا نصرا إغراء أَي عَلَيْك نصرا يغريه بِهِ اعْلَم أَن الْبَدَل فِي جَمِيع الْعَرَبيَّة يحل مَحل الْمُبدل مِنْهُ وَذَلِكَ قَوْلك مَرَرْت بِرَجُل زيد وبأخيك أبي عبد الله فكأنك قلت مَرَرْت بزيد ومررت بِأبي عبد الله فعلى هَذَا تَقول يَا زيد أَبَا عبد الله فتنصب أَبَا عبد الله نعتا كَانَ أَو بَدَلا لِأَنَّك إِذا أبدلته مِنْهُ فكأنك قلت يَا أَبَا عبد الله وَتقول يَا أخانا زيدا أقبل لِأَن الْبَيَان يجْرِي مجْرى النَّعْت فكأنك قلت يَا أخانا الظريف أقبل لَا يكون فِي الظريف إِلَّا النصب وَلَا فِي زيد إِذا كَانَ تبيينا وَاعْلَم أَن الْمَعْطُوف على الشَّيْء يحل مَحَله لِأَنَّهُ شَرِيكه فِي الْعَامِل نَحْو مَرَرْت بزيد وَعَمْرو وَجَاءَنِي زيد وَعَمْرو فعلى هَذَا تَقول يَا زيد وَعَمْرو أَقبلَا وَيَا زيد وَعبد الله أَقبلَا لِأَن عبد الله إِذا حل مَحل زيد فِي النداء لم يكن إِلَّا نصبا تَقول مَرَرْت بِعَمْرو وَمُحَمّد يَا فَتى لِأَن مُحَمَّدًا إِذا حل هَذَا الْمحل لم يكن إِلَّا مخفوضا منونا وَتقول يَا عبد الله وَزيد أَقبلَا لَا يكون إِلَّا ذَلِك لما ذكرت لَك
فَإِن عطفت اسْما فِيهِ ألف وَلَام على مُضَاف أَو مُنْفَرد فَإِن فِيهِ اخْتِلَافا أما الْخَلِيل وسيبويه والمازني فيختارون الرّفْع فَيَقُولُونَ يَا زيد والْحَارث أَقبلَا وَقَرَأَ الْأَعْرَج ﴿يَا جبال أوبي مَعَه وَالطير﴾ وَأما أَبُو عَمْرو وَعِيسَى بن عمر وَيُونُس وَأَبُو عمر الْجرْمِي فيختارون النصب وَهِي قِرَاءَة الْعَامَّة وَحجَّة من اخْتَار الرّفْع أَن يَقُول إِذا قلت يَا زيد والْحَارث فَإِنَّمَا أُرِيد يَا زيد وَيَا حَارِث
فَيُقَال لَهُم فَقولُوا يَا الْحَارِث فَيَقُولُونَ هَذَا لَا يلْزمنَا لِأَن الْألف وَاللَّام لَا تقع إِلَى جَانب حرف النداء وَأَنْتُم إِذا نصبتموه لم توقعوه أَيْضا ذَلِك الْموقع فكلانا فِي هَذَا سَوَاء وَإِنَّمَا جوزت لمفارقتها حرف الْإِشَارَة كَمَا تَقول كل شاه وسخلتها بدرهم وَرب رجل وأخيه وَلَا تَقول كل سخلتها وَلَا رب أَخِيه حَتَّى تقدم النكرَة وَحجَّة الَّذين نصبوا أَنهم قَالُوا نرد الِاسْم بِالْألف وَاللَّام إِلَى الأَصْل كَمَا نرده بِالْإِضَافَة والتنوين إِلَى الأَصْل فيحتج عَلَيْهِم بالنعت الَّذِي فِيهِ الْألف وَاللَّام وكلا الْقَوْلَيْنِ حسن وَالنّصب عِنْدِي حسن على قِرَاءَة النَّاس مثل ذَلِك اخْتلَافهمْ فِي الِاسْم المنادى إِذا لحقه التَّنْوِين اضطرارا فِي الشّعْر فَإِن الْأَوَّلين يرَوْنَ رَفعه وَيَقُولُونَ هُوَ بِمَنْزِلَة مَرْفُوع لَا ينْصَرف فَلحقه التَّنْوِين على لَفظه وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَأَصْحَابه يلزمونه النصب وحجتهم فِي ذَلِك مَا ذكرت لَك وَيَقُولُونَ هُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك مَرَرْت بعثمان يَا فَتى فَمَتَى لحقه التَّنْوِين رَجَعَ إِلَى الْخَفْض
فمما جَاءَ على ذَلِك قَول مهلهل (رَفَعتْ رَأْسَهَا إِليَّ وقَالَتْ ... يَا عَدِيًّا لقَدْ وقَتْك الأَواقي) وَالْأَحْسَن عِنْدِي النصب وَأَن يردهُ التَّنْوِين إِلَى أَصله كَمَا كَانَ ذَلِك فِي النكرَة والمضاف وَكَذَلِكَ بَيت الْأَحْوَص (سلامُ اللهِ يَا مطَرُ عليْها ... وليسَ عليكَ يَا مَطَرُ السلامُ)
وَقَالَ الآخر (يَا عَدِيًّا لِقَلْبِكَ المُهْتَاجِ ... ) وَأما قَول الصلتان (أَيَا شَاعِرًا لَا شَاعِر اليَوْمَ مِثْلَهُ ... جَرِيرٌ ولكنْ فِي كُلَيْبٍ تَواضُعُ) فَكَانَ الْخَلِيل يزْعم أَن هَذَا لَيْسَ نِدَاء من أجل الْمَعْنى وَذَلِكَ أَنه لَو ناداه كَانَ قد نَادَى منكورا وَكَانَ كل من أَجَابَهُ مِمَّن لَهُ هَذَا الِاسْم فَهُوَ الَّذِي نَادَى كَقَوْلِك إِذا جَاءَ رجل فَأَعْلمنِي فَإِنَّمَا أخْبرته بِأَن يعلمك إِذا جَاءَ وَاحِد مِمَّن لَهُ هَذِه البنية قَالَ فَكيف يكون نكرَة وَهُوَ يقْصد إِلَى وَاحِد بِعَيْنِه فيفضله وَلَكِن مجازاه أَنه
قَالَ يَا فنبه ثمَّ قَالَ عَلَيْكُم شَاعِرًا لَا شَاعِر الْيَوْم مثله وَفِيه معنى التَّعَجُّب كَأَنَّهُ قَالَ حَسبك بِهِ شَاعِرًا لما فِيهِ من معنى وَاللَّفْظ على مَا شرحت لَك وَإِذا كَانَت الصّفة لَازِمَة تحل مَحل الصِّلَة فِي أَنه لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا لإبهام الْمَوْصُوف لم يكن إِلَّا رفعا لِأَنَّهَا وَمَا قبلهَا بِمَنْزِلَة الشَّيْء الْوَاحِد لِأَنَّك إِنَّمَا ذكرت مَا قبلهَا لتصل بِهِ إِلَى ندائها فَهِيَ الْمَدْعُو فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ قَوْلك يَا أَيهَا الرجل أقبل أَي مدعُو وَالرجل نعت لَهَا وَهَا للتّنْبِيه لِأَن الْأَسْمَاء الَّتِي فِيهَا الْألف وَاللَّام صِفَات للمبهمة مبينَة عَنْهَا ونفسر ذَلِك مستقصي ثمَّ نعود إِلَى مَوْضِعه من النداء إِن شَاءَ الله تَقول جَاءَنِي هَذَا الرجل فالرجل فِي غير هَذَا الْموضع لَا يذكر إِلَّا على مَعْهُود نَحْو قَوْلك جَاءَنِي الرجل فَمَعْنَاه الَّذِي عَرفته وَالَّذِي كَانَ بيني وَبَيْنك فِيهِ ذكر فَإِذا قلت جَاءَنِي هَذَا الرجل لم يكن على مَعْهُود وَلَكِن مَعْنَاهُ الَّذِي ترى فَإِنَّمَا هَذَا اسْم مُبْهَم يَقع على كل مَا أَوْمَأت إِلَيْهِ بقربك وَإِنَّمَا توضحه بِمَا تنعته بِهِ ونعته الْأَسْمَاء الَّتِي فِيهَا الْألف وَاللَّام وَيجوز أَن تنعته بِالصِّفَاتِ الَّتِي فِيهَا الْألف وَاللَّام إِذا أَقمت الصّفة مقَام الْمَوْصُوف فَتَقول مَرَرْت بِهَذَا الطَّوِيل إِذا أَشرت إِلَيْهِ فَعلم مَا تَعْنِي بالطويل وأصل النَّعْت بِهَذِهِ الْأَسْمَاء كَمَا وصفت لَك فَإِذا قلت يَا أَيهَا الرجل لم يصلح فِي الرجل إِلَّا الرّفْع لِأَنَّهُ المنادى فِي الْحَقِيقَة وَأي مُبْهَم متوصل بِهِ إِلَيْهِ
وَكَذَلِكَ يَا هَذَا الرجل إِذا جعلت هَذَا سَببا إِلَى نِدَاء الرجل فَإِذا أردْت أَن تقف على هَذَا كَمَا تقف على زيد فتنادي تَقول يَا هَذَا ثمَّ تنعته كنت فِي النَّعْت مُخَيّرا كَمَا كنت فِي نعت زيد والفصل بَيت أَي وَبَين هَذَا أَن هَذَا اسْم للْإِشَارَة فَهُوَ يَكْتَفِي بِمَا فِيهِ من الْإِيمَاء وَأي مجازها مجَاز مَا وَمن تكون اسْما فِي الْخَبَر بصلَة وَتَكون استفهاما ومجازاة فَتَقول أَيهمْ فِي الدَّار كَمَا تَقول من فِي الدَّار وَمَا عنْدك إِلَّا أَن أيا يسْأَل بهَا عَن شَيْء من شَيْء تَقول أَي الْقَوْم زيد؟ فزيد وَاحِد مِنْهُم وَأي بنيك أحب إِلَيْك وَمن لَا تكون إِلَّا لما يعقل تَقول من فِي الدَّار فَالْجَوَاب زيد أَو عَمْرو وَمَا أشبه ذَلِك وَلَيْسَ جَوَابه أَن تَقول فرس أَو حمَار أَو طَعَام أَو شراب وَلَو قلت أَي الالة عنْدك أَو أَي الظّهْر عنْدك؟ أجبْت عَن هَذَا على مِقْدَار الْمَسْأَلَة وَمَا تقع على كل شَيْء وحقيقتها أَن يسْأَل بهَا عَن ذَوَات غير الْآدَمِيّين وَعَن صِفَات الْآدَمِيّين تَقول مَا عنْدك فتجيب عَن كل شَيْء مَا خلا من يعقل
فَأَما وُقُوعهَا على صِفَات الْآدَمِيّين فَأن تَقول مَا زيد فَيَقُول لَك طَوِيل أَو شرِيف أَو نَحْو ذَلِك فَإِذا أَقمت الصّفة مقَام الْمَوْصُوف أوقعتها على من يعقل وَإِقَامَة الصّفة مقَام الْمَوْصُوف كَقَوْلِك مَرَرْت بظريف ومررت بعاقل فَإِنَّمَا حد هَذَا أَن يكون تَابعا للاسم وأقمته مقَامه فمما وَقع مَا فِيهِ على الْآدَمِيّين قَول الله ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين﴾ وَقَالَ قوم مَا وصلتها مصدر فَمَعْنَاه أَو ملك أَيْمَانهم وَهَذَا أَقيس فِي الْعَرَبيَّة وَقَالَ الله عز وَجل ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ فَقَالَ قوم إِنَّمَا هُوَ وَالسَّمَاء وبنائها وَقَالَ قوم مَعْنَاهُ وَمن بناها على مَا قيل فِيمَا قبله فَأَما وُقُوع هَذِه الْأَسْمَاء فِي الْجَزَاء وَفِي معنى الَّذِي فَبين وَاضح نَحْو من يأتني آته و ﴿وَمَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا﴾ و ﴿أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ فَلذَلِك أخرنا شَرحه حَتَّى نذكرهُ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله فَأَما قَوْله (يَا أَيُّها الجاهِلُ ذُو التَّنَزِّي ... )
وَيَا أَيهَا الرِّجَال ذُو المَال فَإِن الَّذِي يخْتَار الرّفْع وَذَلِكَ لِأَن الرجل مَرْفُوع غير مَبْنِيّ وَذُو التنزي نعت لَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك جَاءَنِي الرجل ذُو المَال وَالنّصب يجوز على أَن تَجْعَلهُ بَدَلا من أَي فكأنك قلت يَا أَيهَا الرجل يَا ذَا التنزي وَتقول يَا زيد الْعَاقِل ذُو المَال إِن جعلت ذَا المَال من نعت الْعَاقِل فَإِن جعلته من نعت زيد أَو بَدَلا من زيد فالنصب وَتَقْدِيره إِذا كَانَ نعتا يَا زيد ذَا المَال وَإِذا كَانَ بَدَلا فتقديره يَا ذَا المَال وَأما قَوْله يَا أَيهَا الرجل ذُو الجمة فَلَا يجوز أَن يكون ذُو الجمة من نعت أَي لَا تَقول يَا أَيهَا ذَا الجمة وَذَلِكَ لِأَن المبهمة معارف بأنفسها فَلَا تكون نعوتها معارف بغَيْرهَا لِأَن النَّعْت هُوَ المنعوت فِي الْحَقِيقَة لَا تَقول مَرَرْت بِهَذَا ذِي المَال على النَّعْت كَمَا تَقول بِهَذَا الرجل وَرَأَيْت غُلَام هَذَا الرجل وَنَظِير مَا ذكرت لَك قَوْله (أَلا أَيُهذا المنزلُ الدارِسُ الَّذِي ... كأَنَّكَ لَمْ يَعْهَدْ بِكَ الحيَّ عاهِدُ)
تجْعَل هَذَا نعتا لأي لِأَنَّهُ مُبْهَم مثله فَهَذَا مَا ذكرت لَك من أَن نعت الشَّيْء على منهاجه وَتقول يَا هَذَا الطَّوِيل أقبل فِي قَول من قَالَ يَا زيد الطَّوِيل وَمن قَالَ يَا زيد الطَّوِيل قَالَ يَا هَذَا الطَّوِيل وَلَيْسَ بنعت لهَذَا وَلكنه عطف عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي يُسمى عطف الْبَيَان أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت جَاءَنِي زيد فَخفت أَن يلتبس الزيدان على السَّامع أَو الزيود قلت الطَّوِيل وَمَا أشبهه لتفصل بَينه وَبَين غَيره وَلَا تذكر إِلَّا مَا يَخُصُّهُ مِمَّن لَهُ مثل اسْمه وَإِذا قلت جَاءَنِي هَذَا فقد أَوْمَأت لَهُ إِلَى وَاحِد بحضرتك وبحضرتك أَشْيَاء كَثِيرَة فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن تبين لَهُ عَن الْجِنْس الَّذِي أَوْمَأت إِلَيْهِ ليفصل ذَلِك من جَمِيع مَا بحضرتك مِمَّا يرَاهُ فَأَنت هُنَاكَ إِنَّمَا تخص لَهُ شَيْئا من شَيْء مِمَّا يعرفهُ بِقَلْبِه وَأَنت هَا هُنَا إِنَّمَا تبين لَهُ وَاحِد من جمَاعَة تلحقها عينه فَأَما الطَّوِيل وَمَا أشبهه فَإِنَّمَا حَده أم يكون تَابعا لما يلْحق المبهمة من الْجَوَاهِر تَقول جَاءَنِي هَذَا الرجل الطَّوِيل واشتريت هَذَا الْحمار الفاره يَا هَذَا وَاعْلَم أَن كل مَوضِع يَقع فِيهِ الْمُضَاف مَنْصُوبًا فِي النداء فَهُوَ الْموضع الَّذِي يَقع فِيهِ الْمُفْرد مضموما غير منون
وكل مَوضِع يرْتَفع فِيهِ الْمُضَاف فَهُوَ الْموضع الَّذِي يَقع فِيهِ الْمُفْرد منونا تَقول يَا أَيهَا الرجل زيد على قَوْلك يَا أَيهَا الرجل ذُو المَال لِأَن زيدا تَبْيِين للرجل كَمَا كَانَ ذُو المَال نعتا للرجل
وَإِنَّمَا منعنَا أَن نقُول زيد نعت لِأَن النَّعْت تحلية وَلَيْسَت الْأَسْمَاء الْأَعْلَام مِمَّا يحلى بهَا وَلكنه تَبْيِين لأي وَشرح وَتقول يَا أَيهَا الرجل زيد أقبل على الْبَدَل من أَي كَمَا تَقول يَا أَيهَا الرجل ذَا الجمة فالبدل من الشَّيْء يحل مَحَله فكأنك قلت يَا زيد وَيَا ذَا الجمة وَتقول يَا أَيهَا الرجل الضَّارِب زيدا كَمَا تَقول يَا أَيهَا الرجل الظريف وَكَذَلِكَ يَا أَيهَا الرجل الْحسن الْوَجْه وَيَا زيد الْحسن الْوَجْه ترفع لِأَنَّهُ مُفْرد وَإِن كنت قد خفضت الْوَجْه لِأَن تَقْدِيره يَا زيد الْحسن وَجهه وَيَا زيد الْحسن لِأَنَّك نَعته بالْحسنِ ثمَّ بلغت بِهِ موضعا مِنْهُ أَو بِسَبَبِهِ فَهُوَ يجْرِي فِي كل ذَلِك مجْرى الظريف فَإِن قَالَ قَائِل فَنحْن نجده فِي اللَّفْظ مُضَافا تَقول هَذَا الْحسن الْوَجْه كَمَا تَقول هَذَا صَاحب الدَّار يَا فَتى قيل لَهُ الْفَصْل بَين هَذَا وَذَاكَ أَنَّك تَقول هَذَا حسن وَجهه فَترفع الْوَجْه بِأَن الْفِعْل لَهُ فَإِذا أدخلت الْألف وَاللَّام قلت هَذَا الْحسن وَجهه فتقديره هَذَا الَّذِي حسن وَجهه كَمَا تَقول هَذَا الْقَائِم أَبوهُ فَلَا معنى للإضافة هَا هُنَا فَإِذا قلت هَذَا الْحسن الْوَجْه فَإِنَّمَا هُوَ مَنْقُول من هَذَا كَمَا ينْقل النصب من قَوْلك الْحسن وَجها فَلَيْسَ بِخَارِج من معنى الَّذِي
وعَلى هَذَا ينشد هَذَا الْبَيْت (يَا صاحِ يَا ذَا الضامِرُ العَنْسِ ... والرَّحْلِ والأَقْتَابِ والحِلْسِ) يُرِيد الَّذِي ضمرت عنسه وَسَنذكر حَال هَذِه الْأَسْمَاء إِذا كَانَت مناداة وَمَا يصلح أَن يعرف مِنْهَا وينكر إِن شَاءَ الله