المقتضبهَذَا بَاب الْمَفْعُول الَّذِي لَا يذكر فَاعله

هَذَا بَاب الْمَفْعُول الَّذِي لَا يذكر فَاعله

عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن يزيد المبرد
الكتاب
المقتضب
المؤلف
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
المحقق
محمد عبد الخالق عظيمة.
الناشر
عالم الكتب. - بيروت
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَهُوَ رفع نَحْو قَوْلك ضرب زيد وظلم عبد الله وَإِنَّمَا كَانَ رفعا وحد الْمَفْعُول أَن يكون نصبا لِأَنَّك حذفت الْفَاعِل وَلَا بُد لكل فعل من فَاعل لِأَنَّهُ لَا يكون فعل وَلَا فَاعل فقد صَار الْفِعْل وَالْفَاعِل بِمَنْزِلَة شَيْء وَاحِد إِذْ كَانَ لَا يَسْتَغْنِي كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه كالابتداء وَالْخَبَر وَالْفِعْل قد يَقع مستغنيا عَن الْمَفْعُول الْبَتَّةَ حَتَّى لَا يكون فِيهِ مضمرا وَلَا مظْهرا وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك تكلم زيد وَقعد عَمْرو وَجلسَ خَالِد وَمَا أشبهه من الْأَفْعَال غير المتعدية وَلَا يكون مثل هَذَا فِي الْفَاعِل فَلَمَّا لم يكن للْفِعْل من الْفَاعِل بُد وَكنت هَاهُنَا قد حذفته أَقمت الْمَفْعُول مقَامه ليَصِح الْفِعْل بِمَا قَامَ مقَام فَاعله فَإِن جِئْت بمفعول آخر بعد هَذَا الْمَفْعُول الَّذِي قَامَ مقَام الْفَاعِل فَهُوَ مَنْصُوب كَمَا يجب فِي الْمَفْعُول وَذَلِكَ قَوْلك أعطي زيد درهما وكسي أَخُوك ثوبا وَظن عبد الله أَخَاك وَتقول ظَنَنْت زيدا فالتاء هَاهُنَا فِي موضعهَا إِذا كَانَت فَاعله نَحْو ضربت زيدا وَكَذَلِكَ ظنني زيد إِذا كَانَ ضميرك مَفْعُولا كَقَوْلِك ضَرَبَنِي زيد وَتقول زيد ظن مُنْطَلقًا فضمير زيد فَاعل فِي ظن كَمَا تَقول زيد ضرب عمرا فتضمر زيدا فِي ضرب وَتقول رفع إِلَى زيد دِرْهَم فيرفع دِرْهَم لِأَنَّك جررت زيدا فَقَامَ الدِّرْهَم مقَام الْفَاعِل

فَإِن أظهرت زيدا غير مجرور قلت أعطي زيد درهما وكسي زيد ثوبا فَهَذَا الْكَلَام الْجيد وَقد يجوز أَن تَقول أعطي زيدا دِرْهَم وكسي زيدا ثوب لما كَانَ الدِّرْهَم وَالثَّوْب مفعولين كزيد جَازَ أَن تقيمهما مقَام الْفَاعِل وتنصب زيدا لِأَنَّهُ مفعول فَهَذَا مجَاز وَالْأول الْوَجْه وَمن قَالَ هَذَا قَالَ أَدخل الْقَبْر زيدا وألبست الْجُبَّة أَخَاك فَإِن قَالَ قَائِل هَل يجوز على هَذَا ضرب زيدا سَوط؟ قيل لَهُ لَا يجوز ذَلِك وَذَلِكَ أَن السَّوْط إِذا قلت ضربت زيدا سَوْطًا مصدر وَمَعْنَاهُ ضربت زيدا ضَرْبَة بِالسَّوْطِ ويدلك على ذَلِك قَوْلك ضربت زيدا مائَة سَوط لست تَعْنِي أَنَّك ضَربته بِمِائَة سَوط وَلَكِنَّك تَعْنِي أَنَّك ضَربته مائَة ضَرْبَة بِسَوْط أَو بِأَكْثَرَ من ذَلِك من هَذَا الْجِنْس وَأَنت إِذا قلت أَعْطَيْت زيدا مائَة دِرْهَم أَو كسوته ثَوْبَيْنِ فَإِنَّمَا أوصلت إِلَيْهِ هَذَا الْقدر بِعَيْنِه من الدَّرَاهِم وَالثيَاب فَلذَلِك لم يجز أَن تقيم الْمصدر مقَام الْفَاعِل إِذا كَانَ مَعَه مفعول على الْحَقِيقَة وَلكنه قد يجوز أَن تقيم المصادر والظروف من الْأَمْكِنَة والأزمنة مقَام الْفَاعِل إِذا دخل الْمَفْعُول من حرف الْجَرّ مَا يمنعهُ أَن يقوم مقَام الْفَاعِل وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك سير بزيد سير شَدِيد وَضرب بزيد عشرُون سَوْطًا الْمَعْنى بِسَبَب زيد وَمن أَجله وسير بزيد يَوْم الْجُمُعَة وَاخْتلف بِهِ شَهْرَان ومضي بِهِ فرسخان ومشي بِهِ ميلان أَقمت هَذِه الْأَشْيَاء مقَام الْفَاعِل وَقد يجوز نصبها فِي هَذَا الْموضع وَإِن كَانَ الْمَفْعُول مجرورا على مَا أصف لَك فَمن ذَلِك أَنَّك إِذا قلت سير بزيد فرسخا أضمرت السّير لِأَن سير يدل على السّير فَلم تحتج إِلَى ذكره مَعَه كَمَا تَقول من كذب كَانَ شرا لَهُ تُرِيدُ كَانَ الْكَذِب شرا لَهُ فَلم تذكر الْكَذِب لِأَن كذب قد دلّ عَلَيْهِ

وَنَظِيره قَول الله عز وَجل ﴿وَلَا يَحسبن اللَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيرا﴾ فَلم يذكر الْبُخْل لذكره يَبْخلُونَ وَجَاز أَن يكون الْمُضمر الطَّرِيق فَكَأَنَّهُ قَالَ سير عَلَيْهِ الطَّرِيق فرسخا فَحذف لعلم الْمُخَاطب بِمَا يَعْنِي وَجَائِز أَن تقيم الْمَجْرُور مَعَ الْمصدر والظروف مقَام الْفَاعِل فَتَقول سير بزبد فرسخا فَلَا يمنعهُ حرف الْجَرّ من أَن يكون فَاعِلا كَمَا قَالَ مَا من أحد فأحد فَاعل وَإِن كَانَ مجرور بِمن وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿أَن ينزل عَلَيْكُم من خير من ربكُم﴾ إِنَّمَا هُوَ خير من ربكُم فَمن لم تغير الْمَعْنى وَإِن غيرت اللَّفْظ فَهَذَا الَّذِي ذكرته مشبه بذلك فِي هَذَا الْموضع إِذا نصبت المصادر والظروف على موَاضعهَا فَلم تجعلها مفعولات على السعَة فَإِن جَعلتهَا مفعولات على السعَة فَالْوَجْه فِيهَا الرّفْع لشغلك الْأَسْمَاء بحروف الْجَرّ

وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت سير بزيد سيرا فَالْوَجْه النصب لِأَنَّك لم تفد بِقَوْلِك سيرا شَيْئا لم يكن فِي سير أَكثر من التوكيد فَإِن وَصفته فَقلت سيرا شَدِيدا أَو هينا فَالْوَجْه الرّفْع لِأَنَّك لما نَعته قربته من الْأَسْمَاء وَحدثت بِهِ فَائِدَة لم تكن فِي سير والظروف بِهَذِهِ الْمنزلَة لَو قلت سير بزيد مَكَانا أَو يَوْمًا لَكَانَ الْوَجْه النصب فَإِن قلت يَوْم كَذَا أَو يَوْمًا طيبا أَو مَكَانا بَعيدا اختير الرّفْع لما ذكرت لَك وَاعْلَم أَن التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير والإظهار والإضمار فِي هَذَا الْبَاب مثله فِي الْفَاعِل يجوز فِيهِ مَا جَازَ فِي ذَلِك تَقول أعطي زيد درهما وَأعْطِي درهما زيد ودرهما أعطي زيد وَزيد أعطي درهما تجريه مجْرى ذَلِك الْبَاب وَتقول سير بالمعطى دِرْهَمَيْنِ فرسخان أَقمت الضَّمِير الَّذِي فِي الْمُعْطِي مقَام الْفَاعِل ونصبت الدرهمين وجررت الْمُعْطِي بِالْبَاء فارتفع الفرسخان وَتقول أعطي الْمسير بِهِ فرسخان دِرْهَمَيْنِ رفعت الفرسخين لِقَوْلِك بِهِ وَتقول أعطي الْمسير فرسخين دِرْهَمَيْنِ قَامَ الضَّمِير فِي الْمسير مقَام الْفَاعِل فَنصبت الفرسخين وَتقول دفع الْمسير بِهِ فرسخان دِرْهَمَانِ لِأَنَّك أدخلت على كل وَاحِد مِنْهُمَا حرف الْجَرّ

وَتقول ظن الْمُعْطِي دِرْهَمَيْنِ قَائِما وَتقول أَخذ من الْمُعْطِي أَخُوهُ درهما دِينَار لِأَنَّك أدخلت من على الْمُعْطِي فَقَامَ الدِّينَار مقَام الْفَاعِل وَتقول ذهب بالمسلوب ثَوْبه مرَّتَيْنِ يَوْمَانِ إِذا أَقمت الثَّوْب مقَام الْفَاعِل فَإِن جعلت فِي المسلوب ضميرا يقوم مقَام الْفَاعِل نصبت الثَّوْب وَسَائِر الْكَلَام على حَاله فَإِن ثنيت على الْمَسْأَلَة الأولى قلت ذهب بالمسلوب ثوباهما مرَّتَيْنِ يَوْمَانِ وعَلى الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة تَقول ذهب بالمسلوبين ثوبيهما وبالمسلوبين ثِيَابهمْ وبالمسلوبة ثوبها والمسلوبات ثيابهن وعَلى القَوْل الأول بالمسلوب ثوبها فَفِي هَذَا دَلِيل على مَا يرد عَلَيْك إِن شَاءَ الله وَيجوز مِنْهُ وَجه ثَالِث وَهُوَ أَن تضمر فِي المسلوب اسْما وَتجْعَل الثَّوْب بَدَلا مِنْهُ فَتَقول

صفحة فارغة

صفحة فارغة

صفحة فارغة

مَرَرْت بالمسلوب ثَوْبه وبالمسلوبين ثوباهما وبالمسلوبين أثوابهم لِأَنَّك لَو قلت سلب زيد ثَوْبه جَازَ رفع الثَّوْب على الْبَدَل من زيد وَجَاز نَصبه على أَنه مفعول ثَان وَتقول أَدخل الْمدْخل الدَّار السجْن تقديرها الَّذِي أَدخل الدَّار أَدخل السجْن فَإِن أردْت أَن تدخل حرف الْجَرّ لم تقل أَدخل وَلَكِن تَقول دخل بالمدخول بِهِ الدَّار السجْن وَدخل بالمدخول الدَّار السجْن وَأدْخل الْمَدْخُول بِهِ الدَّار السجْن لِأَن الْمَدْخُول قَامَ مقَام الْفَاعِل وَتقول دخل بالمدخول الدَّار السجْن فَهَذَا على غير ذَلِك الْمَعْنى وَلَكِن هَذَا مَوْضِعه وَلَكِن ذكرنَا مِنْهُ شَيْئا لنصله بِمَا قبله ثمَّ نذكرهُ فِي مَوْضِعه مُبينًا إِن شَاءَ الله فَمَعْنَى الْمَدْخُول الدَّار الَّذِي دخلت دَاره كَمَا تَقول الْمَضْرُوب الْوَجْه أَي الَّذِي ضرب وَجهه وَيجوز نصب الدَّار فِي قَول من قَالَ الْحسن الْوَجْه وَتَفْسِيره فِي ذَلِك الْموضع وَتقول قيل فِي زيد خير وَعلم من زيد خير وسير بزيد فرسخان وسير بِهِ يَوْمَانِ

وسير بِهِ سير شَدِيد على مَا فسرت لَك من تصيير المصادر والظروف مفعولات وَيجوز نصب هَذَا إِذا جعلت المصادر والظروف فِي موَاضعهَا وَلم تحمل شَيْئا مِنْهَا على الْمَفْعُول بِهِ وَقد بَينا تَفْسِير هَذَا فِيمَا مضى وَلَو قلت ضرب هِنْد وشم جاريتك لم يصلح حَتَّى تَقول ضربت هِنْد وشتمت جاريتك لِأَن هندا وَالْجَارِيَة مؤنثات على الْحَقِيقَة فَلَا بُد من عَلامَة التَّأْنِيث وَلَو كَانَ مؤنث الِاسْم لَا معنى لتأنيث وَلَا تذكير تَحْتَهُ كَالدَّارِ وَالنَّار وَمَا كَانَ غير ذَلِك مِمَّا لَيست لَهُ حَقِيقَة التَّأْنِيث لجَاز أَن تذكر الْفِعْل إِن شِئْت فَتَقول أطفئ نارك وَجِيء نساؤك لِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ تَأْنِيث الْجمع كَمَا قَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَقَالَ نسْوَة فِي الْمَدِينَة﴾ وَقَالَ ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه﴾ ﴿وَأخذ الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ وَتقول فِي قَول من قَالَ أَدخل الْقَبْر زيدا وَأعْطِي دِرْهَم عمرا وَمَا أشبهه أَدخل المدخلة السجْن الدَّار تقيم الدَّار والسجن مقَام الْفَاعِل وَكَذَلِكَ تَقول ظن المعطاه دِرْهَم زيدا وَحسب المكسوته جُبَّة أَخَاك

جارٍ التحميل