المقتضب(هَذَا بَاب الظروف من الْأَمْكِنَة والأزمنة وَمَعْرِفَة قسمهَا وتمكنها وَامْتِنَاع مَا يمْتَنع مِنْهَا من التَّصَرُّف وَيُقَال من الصّرْف)

(هَذَا بَاب الظروف من الْأَمْكِنَة والأزمنة وَمَعْرِفَة قسمهَا وتمكنها وَامْتِنَاع مَا يمْتَنع مِنْهَا من التَّصَرُّف وَيُقَال من الصّرْف)

عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن يزيد المبرد
الكتاب
المقتضب
المؤلف
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
المحقق
محمد عبد الخالق عظيمة.
الناشر
عالم الكتب. - بيروت
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَاعْلَم أَن الظروف متضمنة للأشياء فَمَا كَانَ مِنْهَا مَعَه فعل أَو شَيْء فِي معنى الْفِعْل فمجراه مجْرى الْمَفْعُول فَإِن أطلقت الْفِعْل عَلَيْهِ نصبته وَإِن جعلته لَهُ أَو شغلته عَنهُ رفعته ونصبه إِذا انتصب على أَنه مفعول فِيهِ وَذَلِكَ قَوْلك سرت يَوْم الْجُمُعَة وَجَلَست خلف زيد وَدون عبد الله وَقُدَّام أَخِيك فَهَذِهِ كلهَا مفعول فِيهَا بأنك جَلَست فِي هَذِه الْمَوَاضِع وسرت فِي هَذَا الْحِين فَإِن شغلت الْفِعْل قلت يَوْم الْجُمُعَة سرت فِيهِ ومكانكم قُمْت فِيهِ كَمَا تَقول عبد الله تَكَلَّمت فِيهِ وَزيد شفعت فِيهِ وأخوك مَرَرْت بِهِ من رأى نصب هَذَا نصب الظروف بِمَا سَنذكرُهُ بعد هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله وَذَلِكَ أَن قَوْلك زيد مَرَرْت بِهِ ابْتِدَاء وَخبر ومررت بِهِ فِي مَوضِع قَوْلك منطلق إِذا قلت زيد منطلٌ وَكَذَلِكَ مَكَانكُمْ قُمْت فِيهِ وَيَوْم الْجُمُعَة سرت فِيهِ بِمَنْزِلَة قَوْلك يَوْم الْجُمُعَة مبارك ومكانكم حسن وَإِذا كَانَ الْفِعْل لَهُ فَكَذَلِك تَقول مضى يَوْم الْجُمُعَة وَحسن مَكَانكُمْ لِأَنَّهَا أَسمَاء كزيد وَعَمْرو وَإِن كَانَت مَوَاضِع للأشياء فَأَما مَا تكون فِي معنى الْفِعْل فينتصب بِهِ فنحو قَوْلك المَال لَك يَوْم الْجُمُعَة لِأَن

مَعْنَاهُ تملك وَزيد فِي الدَّار يَوْمنَا هَذَا لِأَن مَعْنَاهُ الِاسْتِقْرَار وَزيد صديق عبد الله الْيَوْم لِأَن مَعْنَاهُ أَنه يؤاخيه فِي هَذَا الْيَوْم وَاعْلَم أَن الظروف من الْمَكَان تقع للأسماء وَالْأَفْعَال فَأَما وُقُوعهَا للأسماء فَلِأَن فِيهَا معنى الِاسْتِقْرَار تَقول زيد خَلفك وَزيد أمامك وَعبد الله عنْدكُمْ لِأَن فِيهِ معنى اسْتَقر عبد الله عنْدك فَأَما الظروف من الزَّمَان فَإِنَّهَا لَا تَتَضَمَّن الجثث لِأَن الِاسْتِقْرَار فِيهَا لَا معنى لَهُ أَلا ترى أَنَّك تَقول زيد عنْدك يَوْم الْجُمُعَة لِأَن مَعْنَاهُ زيد اسْتَقر عنْدك فِي هَذَا الْيَوْم وَلَو قلت زيد يَوْم الْجُمُعَة لم يستقم لِأَن يَوْم الْجُمُعَة لَا يخاو مِنْهُ زيد وَلَا غَيره فَلَا فَائِدَة فِيهِ وَلَكِن الْقِتَال يَوْم الْجُمُعَة واجتماعكم يَوْم الْجُمُعَة واجتماعكم يَوْم

كَذَا وموعدكم الْيَوْم يَا فَتى لِأَنَّهَا أَشْيَاء تكون فِي هَذِه الْأَوْقَات وَقد كَانَ يجوز أَن تَخْلُو مِنْهَا وَلَو قلت زيد أَخُوك يَوْم الْجُمُعَة وَأَنت تُرِيدُ النّسَب لم يجز لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ معنى فعل فَلَا يكون لَهُ وَجه فَائِدَة وَلَكِن إِن قلت زيد أَخُوك يَوْم الْجُمُعَة تُرِيدُ بِهِ الصداقة كَانَ جيدا لِأَنَّك قلت يؤاخيك فِي هَذَا الْيَوْم فعلى هَذَا تجْرِي هَذِه الْأَشْيَاء وَاعْلَم أَن هَذِه الظروف المتمكنة يجوز أَن تجعلها أَسمَاء فَتَقول يَوْم الْجُمُعَة قمته فِي مَوضِع قُمْت فِيهِ والفرسخ سرته ومكانكم جلسته وَإِنَّمَا هَذَا اتساع وَالْأَصْل مَا بدأنا بِهِ لِأَنَّهَا مفعول فِيهَا وَلَيْسَت مَفْعُولا بهَا وَإِنَّمَا هَذَا على حذف حرف الْإِضَافَة أَلا ترى أَن قَوْلك مَرَرْت بزيد لَو حذفت الْبَاء قلت مَرَرْت زيدا إِلَّا أَنه فعل لَا يصل إِلَّا بِحرف إِضَافَة وعَلى هَذَا قَول الله عز وَجل ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا﴾ إِنَّمَا هُوَ وَالله أعلم من قومه فَلَمَّا حذف حرف الْإِضَافَة وصل الْفِعْل فَعمل وَقَالَ الشَّاعِر (مِنَّا الَّذِي اخْتِيرَ الرجالَ سَماحةً ... وَجُوداً إِذا هَبَّ الرِياحُ الزعازِعُ)

يُرِيد من الرِّجَال وَقَالَ الآخر (أَمَرْتُكَ الخيْرَ فافْعَل مَا أُمِرْتَ بِه ... فقدْ تركتك ذَا مَال وَذَا نَشَب) يُرِيد بِالْخَيرِ وَقَالَ (أَستَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لستُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العِبادِ إِليه الوَجْهُ والعَمَلُ) يُرِيد من ذَنْب فَهَذَا على هَذَا فمما جَاءَ مثل مَا وصفت لَك فِي الظروف قَوْله (ويومٍ شِهدْناه سُلَيْماً وعامِراً ... قَلِيلا سِوَى الطَّعْنِ النِّهالِ نَوافِلُهْ) يُرِيد شَهِدنَا فِيهِ فَأَما قَول الله عز وَجل (بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار فَإِن تَأْوِيله وَالله أعلم بل مكركم فِي اللَّيْل وَالنَّهَار فأضيف الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول كَمَا تَقول رَأَيْت بِنَاء دَارك جيدا فأضفت الْبناء إِلَى الدَّار وَإِنَّمَا الْبناء فعل الْبَانِي وَكَذَلِكَ مَا أحسن خياطَة ثَوْبك وَالْفِعْل إِنَّمَا هُوَ الْفَاعِل وَجَازَت إِضَافَته إِلَى الْمَفْعُول لِأَنَّهُ فِيهِ يحل وَالْمَفْعُول فِيهِ كالمفعول بِهِ قَالَ الشَّاعِر (لقَدْ لُمْتِني يَا أُمَّ غَيْلانَ فِي السُّرَى ... ونِمْتِ وَمَا لَيْلُ المطيِّ بنائِمِ) وَالْمعْنَى بنائم الْمطِي فِيهِ وَمثله (فنامَ لَيْلى وتَقَضَّى هَمِّي ... ) ويروى وتجلى وَقَالَ (أَمَّا النَّهارُ فَفِي قَيْدٍ وسِلْسِلَةٍ ... واللَّيلُ فِي جَوْفِ مَنْحُوتٍ مِنَ السَّاج)

فَهَذِهِ الظروف من الزَّمَان وَالْمَكَان مَا كَانَ يَقع مِنْهَا معرفَة ونكرة ويتصرف فَهُوَ كزيد وَعَمْرو يجوز أَن تَجْعَلهُ فَاعِلا ومفعولا مصححا وعَلى السعَة فَأَما الْمُصَحح فنحو قَوْلك شهِدت يَوْم الْجُمُعَة ووافيت يَوْم السبت وَيَوْم الْأَحَد وقاسيت يَوْمًا طَويلا وَأما على السعَة فقولك يَوْم الْجُمُعَة ضَربته زيدا تُرِيدُ ضربت فِيهِ زيدا فأوصلت الْفِعْل إِلَيْهِ فَإِن أجريته إِذا جعلته مَفْعُولا مجْرى مالم يسم فَاعله قلت سير بزيد يَوْمَانِ وسير على فرسك ليلتان أَقمت ذَلِك مقَام الْفَاعِل كَمَا تَقول دخل بزيد الدَّار وَمَا أجريته من هَذِه الْأَسْمَاء ظرفا انتصب فِي هَذَا الْموضع بِأَنَّهُ مفعول فِيهِ فَقلت سير بزيد يَوْمَيْنِ لِأَنَّك أردْت أَن السّير وَقع فِي يَوْمَيْنِ وأقمت بزيد مقَام الْفَاعِل وَإِن كَانَ مَعَه حرف خفض لِأَن قَوْلك سير بزيد بِمَنْزِلَة قَوْلك ضرب زيد وَلِهَذَا مَوضِع نذكرهُ فِيهِ سوى هَذَا إِن شَاءَ الله مَا كَانَ من هَذَا من أَسمَاء الْمَكَان فَذَلِك مجْرَاه تَقول سير بزيد فرسخان وسير زيد خَلفك وسير بزيد أمامك وسير بزيد الْمَكَان الَّذِي تعلم وَاعْلَم أَن من هَذِه الظروف ظروفاً لَا يجوز أَن يكون الْعَمَل إِلَّا فِي جَمِيعهَا وَإِنَّمَا ذَلِك على مِقْدَار الْقَصْد إِلَيْهِ فمما لَا يكون الْعَمَل فِي بعضه دون بعض قَوْلك صمت يَوْمًا لَا يكون الصَّوْم إِلَّا منتظما لليوم لِأَنَّهُ حكم الصَّوْم وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَمْسَكت عَن الطَّعَام وَالشرَاب يَوْمًا

وَكَذَلِكَ سرت فرسخا وميلا لِأَنَّك موقت وَإِنَّمَا تُرِيدُ أَن تخبر بمبلغ سيرك وَتقول لقِيت زيدا يَوْم الْجُمُعَة فَيكون اللِّقَاء فِي بعض الْيَوْم لِأَنَّك لست بموقت إِنَّمَا أَنْت مؤرخ وَلَو قيل لَك كم يَوْمًا لقِيت زيدا فَقلت شهرا لجرى جَوَابا ل (كم) لِأَن مَعْنَاهُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَإِنَّمَا كم سُؤال عَن عدد وَإِن قيل مَتى لقِيت زيدا فَقلت شهرا لم يجز لِأَن اللِّقَاء لَا يكون إِلَّا فِي بعض شهر وَإِنَّمَا قَالَ لَك مَتى لتوفت لَهُ فتعرفه فَإِنَّمَا جَوَاب ذَلِك يَوْم الْجُمُعَة أَو شهر رَمَضَان أَو مَا أشبه ذَلِك وَأَيْنَ فِي الْمَكَان بِمَنْزِلَة مَتى فِي الزَّمَان وَكم دَاخِلَة على كل عدد كَمَا أَن كَيفَ مَسْأَلَة عَن كل حَال فَأَما الظروف الَّتِي لَا تتمكن فنحو ذَات مرّة وبعيدات بَين وسحر إِذا

أردْت سحر يَوْمك وبكرا وَكَذَلِكَ عَشِيَّة وعتمة وَذَا صباح وكل مَا كَانَ من معنى عَشِيَّة وضحوة وَكَذَلِكَ أمس وَمن الْمَكَان نَحْو عِنْد وَحَيْثُ وكل مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا لَا يخص موضعا وَهَذِه جمل يُؤْتى على تفصيلها إِن شَاءَ الله

فَمثل خلف وأمام وَقُدَّام يجوز أَن تقع أَسمَاء غير ظروف وَذَلِكَ فِيهَا قَلِيل لما أذكرهُ وَمثل الْيَوْم وَاللَّيْلَة والفرسخ والميل والنحو والناحية وَمَا كَانَ اسْما ليَوْم نَحْو الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء فَأكْثر تَصرفا فِي الْأَسْمَاء لما أذكرهُ لَك إِن شَاءَ الله علم أَن كل فعل تعدى أَو لم يَتَعَدَّ فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ إِلَى ثَلَاثَة أَشْيَاء إِلَى الْمصدر لِأَنَّهُ مِنْهُ مُشْتَقّ وَعَلِيهِ يدل وَذَلِكَ قَوْلك قُمْت قيَاما وَقَعَدت قعُودا لِأَنَّك إِذا قلت قُمْت قيَاما فَإِنَّمَا ذكرت أَنَّك قد فعلت الْقيام فَهُوَ لَازم للْفِعْل وَإِذا قلت قُمْت لم تدل على مفعول فَلذَلِك لم يَتَعَدَّ أَلا ترى أَنَّك تَقول ضربت فتدل على أَن لفعلك من قد وَقع بِهِ فَلذَلِك تعدى إِلَى مفعول فالفعل لَا يتَعَدَّى إِلَّا بِمَا فِيهِ من الدّلَالَة عَلَيْهِ فَكل فعل لَا يَخْلُو من مصدره ويلي الْمصدر الزَّمَان فَكل فعل يتَعَدَّى إِلَى الزَّمَان وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت قُمْت دللت على أَن فعلك فِيمَا مضى من الدَّهْر وَإِذا قلت أقوم وسأقوم دللت على أَنَّك ستفعل فِيمَا يسْتَقْبل من الدَّهْر فالفعل

إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيّ للدهر بأمثلته ف (فعل) لما مضى مِنْهُ وَيفْعل يكون لما أَنْت فِيهِ وَلما لم يَقع من الدَّهْر فَلذَلِك تَقول سرت يَوْمًا وسأسير يَوْم الْجُمُعَة لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكّ مِنْهُ وَالْمَكَان لَا يَخْلُو فعل مِنْهُ وَهُوَ أبعد الثَّلَاثَة لِأَن الْفِعْل لَيْسَ بمبني من لَفظه وَلَا للمكان مَاض ومستقبل فَيكون الْفِعْل لما مضى مِنْهُ وَلما لم يمض وَلَكِنَّك إِذا قلت فعلت أَو أفعل علم أَن للْحَدَث مَكَانا كَمَا علم أَنه فِي زمَان فَإِن كَانَ الْمَكَان مِمَّا لَا يَخْلُو الْحَدث مِنْهُ حصره حصر الزَّمَان وتعدى الْفِعْل إِلَيْهِ وَإِن كَانَ الْمَكَان مَخْصُوصًا لم يَتَعَدَّ إِلَيْهِ إِلَّا كَمَا يتَعَدَّى إِلَى زيد وَعمر فَأَما الْمَكَان الَّذِي لَا يَنْفَكّ الْحَدث مِنْهُ فنحو جَلَست مَجْلِسا وَقمت مَكَان صَالحا لِأَنَّهُ لَا يقوم إِلَّا فِي مَكَان وَإِنَّمَا نَعته بعد أَن أعمل فِيهِ الْفِعْل وَلَا يجلس إِلَّا فِي مجْلِس وَكَذَلِكَ سرت فرسخا لِأَن السّير لَا يَخْلُو من أَن يكون فرسخا أَو بعضه وَجَلَست خَلفك لَا يَنْفَكّ مِنْهُ شَيْء أَن يكون خلف وَاحِد وَإِنَّمَا أَضَافَهُ بعد أَن كَانَ مُطلقًا وَكَذَلِكَ قُمْت أمامك وَنَحْوه فَإِن قَالَ جَلَست الدَّار يَا فَتى أَو قُمْت الْمَسْجِد أَو قُمْت الْبَيْت لم يجز لِأَن هَذِه مَوَاضِع مَخْصُوصَة لَيْسَ فِي الْفِعْل عَلَيْهَا دَلِيل

فكا مَا كَانَ فِي الْجُمْلَة مِمَّا يدل عَلَيْهِ الْفِعْل فَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَيْهِ وَمَا امْتنع من ذَلِك فَهُوَ مُمْتَنع مِنْهُ فَأَما دخلت الْبَيْت فَإِن الْبَيْت مفعول تَقول الْبَيْت دَخلته فَإِن قلت

فقد أَقُول دخلت فِيهِ قيل هَذَا كَقَوْلِك عبد الله نصحت لَهُ ونصحته وخشنت صَدره وخشنت بصدره فتعديه إِن شِئْت بِحرف وَإِن شِئْت أوصلت الْفِعْل كَمَا تَقول نبأت زيدا يَقُول ذَاك ونبأت عَن زيد فَيكون نبأت زيدا مثل أعلمت زيدا ونبأت عَن زيد مثل خبرت عَن زيد

أَلا ترى أَن دخلت إِنَّمَا هُوَ عمل فعلته وأوصلته إِلَى الدَّار لَا يمْتَنع مِنْهُ مَا كَانَ مثل الدَّار تَقول دخلت الْمَسْجِد وَدخلت الْبَيْت قَالَ الله عز وَجل ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله﴾ فَهُوَ فِي التَّعَدِّي كَقَوْلِك عمرت الدَّار وهدمت الدَّار وأصلحت الدَّار لِأَنَّهُ فعل وصل مِنْك إِلَيْهَا مثل ضربت زيدا فعلى هَذَا تجْرِي هَذِه الْأَفْعَال فِي الْمَخْصُوص والمبهم فَأَما مَا لَا يتَمَكَّن من ظروف الْمَكَان وَالزَّمَان فسأصف لَك حروفا تدل على الْعلَّة فِيمَا جرى مجْراهَا لتتناول الْقيَاس من قرب إِن شَاءَ الله فَأَما عِنْد فَالَّذِي منعهَا من التَّمَكُّن أَنَّهَا لَا تخص موضعا وَلَا تكون إِلَّا مُضَافَة فَإِذا قلت جَلَست عِنْد زيد فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْموضع الَّذِي فِيهِ زيد فَحَيْثُ انْتقل زيد فَذَلِك الْموضع يُقَال لَهُ عِنْد زيد فَهِيَ بِمَنْزِلَة حَيْثُ فِي أَنَّهَا لَا تخص موضعا إِلَّا أَن حَيْثُ توضح بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر وبالفعل وَالْفَاعِل لعِلَّة نذكرها إِن شَاءَ الله

وَهَذِه تُضَاف إِلَى مَا بعْدهَا وَلَا يجوز أَن تدخل عَلَيْهَا من حُرُوف الْإِضَافَة إِلَّا من تَقول جِئْت من عِنْد زيد وَلَا يجوز أَن تَقول ذهبت إِلَى عِنْد زيد لِأَن الْمُنْتَهى غَايَة مَعْرُوفَة وَلَيْسَ عِنْد موضعا مَعْرُوفا وَمن للابتداء وَلَيْسَت للمستقر فَهَذَا أصل عِنْد وَإِن اتسعت واتساعها نَحْو قَوْلك أَنْت عِنْدِي منطلق لِأَن عِنْد للحضرة وَإِنَّمَا أَرَادَ فِيمَا يحضرني فِي نَفسِي وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَة قَوْلك على زيد ثوب فَإِنَّمَا يُرِيد أَنه قد علاهُ ثمَّ تَقول عَلَيْهِ دين تُرِيدُ أَنه قد علاهُ وقهره وكقولك زيد فِي الدَّار أَي يحل فِيهَا ثمَّ تَقول فِي زيد خصْلَة حَسَنَة فَجَعَلته كالوعاء لَهَا فلقلة تمكن عِنْد لَا يجوز أَن تجْرِي مجْرى الْأَسْمَاء غير الظروف لَو قلت سير بزيد عنْدك كَمَا تَقول سير بزيد أمامك لم يجز وَلَا تَقول إِن عنْدك حسن كَمَا تَقول إِن مَكَانك حسن وَكَذَلِكَ لدن لِأَن مَعْنَاهَا معنى عِنْد فَكل مَا كَانَ غير مُتَمَكن فِي بَابه فَغير مخرج مِنْهُ على جِهَة الاتساع إِلَى بَاب آخر

أَلا ترى أَن خلف وأمام وَقُدَّام وَنَحْو ذَلِك يتصرفن لِأَن الْأَشْيَاء لَا تَخْلُو مِنْهَا وَلَيْسَ الْوَجْه مَعَ ذَلِك رَفعهَا حَتَّى تضيفها فَتَقول خلف كَذَا وأمام كَذَا حَتَّى تعرف الشَّيْء بِالْإِضَافَة وَلَو قلت سير بزيد خلف للدَّار أَو أَمَام للدَّار جَازَ على بعد لِأَنَّهُ نكرَة وَإِن كَانَت اللَّام توجب معنى الْإِضَافَة وَلَكِنَّك إِذا قلت خلف لَهَا جعلته مُبْهما ثمَّ علقته بهَا كَقَوْلِك هَذَا غُلَام لزيد فقد علمنَا أَنه فِي ملك زيد وَلَيْسَ الْمَعْرُوف بِهِ فَإِذا قلت غُلَام زيد فَهُوَ مثل أَخُو زيد أَي الْمَعْرُوف بِهِ كَمَا قَالَ لبيد بن ربيعَة (فَغَدَتْ كِلا الفَرْجيْنِ تَحَسبُ أَنَّه ... مَوْلَى المَخَافَة خَلْفُهَا وأَمَامُها) والأجود فِي هَذَا أَلا يجْرِي إِلَّا ظرفا لإبهامه وَإِن كَانَ مُضَافا فَإِذا قلت خَلفك وَاسع فالرفع لَا غير لِأَنَّهُ لَيْسَ بظرف وَإِنَّمَا خبرت عَن الْخلف كَمَا تَقول زيد منطلق وَكَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة يَوْم مبارك وَإِنَّمَا الظروف أَسمَاء الْأَمْكِنَة والأزمنة فَإِن وَقع فِيهَا فعل نصبها كَمَا ينصب زيدا إِذا وَقع بِهِ إِلَّا أَن زيدا مفعول بِهِ وَهَذِه مفعول فِيهَا وَتقول وسط رَأسك دهن يَا فَتى لِأَنَّك خبرت أَنه اسْتَقر فِي ذَلِك الْموضع فأسكنت السِّين ونصبت لِأَنَّهُ ظرف

وَتقول وسط رَأسك صلب لِأَنَّهُ اسْم غير ظرف وَتقول ضربت وَسطه لِأَنَّهُ الْمَفْعُول بِهِ بِعَيْنِه وَتقول حفرت وسط الدَّار بِئْرا إِذا جعلت الْوسط كُله بِئْرا كَقَوْلِك خرب وسط الدَّار وكل مَا كَانَ مَعَه حرف خفض فقد خرج من معنى الظّرْف وَصَارَ اسْما صَحَّ كَقَوْلِك سرت فِي وسط الدَّار لِأَن التضمن ل فِي.
وَتقول قُمْت فِي وسط الدَّار كَمَا تَقول قُمْت فِي حَاجَة زيد فَتحَرك السِّين من وسط لِأَنَّهَا هُنَا لَيست بظرف وَتقول فِيمَا كَانَ من الْأَمَاكِن مُرْسلا أَنْت مني عدوة الْفرس وَأَنت مني دَعْوَة الرجل لِأَنَّهُ أَرَادَ بيني وَبَيْنك وَلم يرد أَنْت فِي هَذَا الْمَكَان فَإِنَّمَا يُنبئ عَن هَذَا مَعْنَاهُ وَتقول موعدك بَاب الْأَمِير إِذا جعلته هُوَ الْموعد وتنصب إِذا أردْت أَن تَجْعَلهُ ظرفا كَأَنَّك قلت موعدك حَضْرَة بَاب الْأَمِير أَي فِي ذَلِك الْموضع لِأَنَّك إِذا أردْت حَضْرَة كَانَت شَيْئا عَاما

وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من المصادر حينا فَإِن تَقْدِيره حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلك موعدك مقدم الْحَاج وخفوق النَّجْم وَكَانَ ذَلِك خلَافَة فلَان فَالْمَعْنى فِي كل ذَلِك وَقت خفوق النَّجْم وزمن مقدم الْحَاج وزمن خلَافَة فلَان وعَلى هَذَا قَالَ الشَّاعِر (وَمَا هِي إِلَّا فِي إِزارٍ وَعِلْقَةٍ ... مُعارَ ابْنِ هَمَّامٍ عَلى حَيِّ خَثْعما) أَي فِي هَذَا الْوَقْت فَأَما قَوْلهم هُوَ مني مقْعد الْقَابِلَة ومنزلة الْوَلَد فَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يقرب مَا بَينهمَا وَإِذا قَالَ هُوَ مني منَاط الثريا فَإِنَّمَا معنى هَذَا أبعد الْبعد قَالَ الشَّاعِر (وإِنَّ بَني حَرْبٍ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمُ ... مَناطَ الثُريَّا قَدْ تَعَلَّتْ نُجُومُها)

فجملة هَذَا الْبَاب أَنه كل مَا تصرف جَازَ أَن يَجْعَل اسْما وَيكون فَاعِلا ومفعولا وكل مَا امْتنع من ذَلِك لم يزِيدُوا بِهِ على الظّرْف وَأما قَوْله (فَوَرَدْنَ والعيُّوقُ مَقْعَدَ رَابيءِ الضُّرَباءِ خَلْفَ النَّجْمِ لَا يتَتَلَّعُ) فَإِنَّمَا أَرَادَ التَّقْرِيب وَأَرَادَ مقْعد رابيء الضرباء من الضرباء

وَأما قَوْله (عَزْمْتُ عَلى إقامةِ ذِي صباح ... لِشيءٍ مَا يُسَوَّدُ مَنْ يسودُ) فَإِنَّمَا اضْطر فأجراه اسْما وَلَو جَازَ مثله فِي الضَّرُورَة لجَاز سير بِهِ ذُو صباح

وَأما قَوْلنَا فِي حَيْثُ إِنَّهَا لَا تتمكن فَإِنَّهَا تحْتَاج إِلَى تَفْسِير على حيالها فَذَلِك لِأَن حَيْثُ فِي الْأَمْكِنَة بِمَنْزِلَة حِين فِي الْأَزْمِنَة تجْرِي مجْراهَا وتحتاج إِلَى مَا يوضحها كَمَا يكون ذَلِك فِي الْحِين إِلَّا أَن حِين فِي بَابهَا وَهَذِه مدخلة عَلَيْهَا فَلذَلِك بنيت وَذَلِكَ قَوْلك قُمْت حَيْثُ زيد قَائِم وَقمت حَيْثُ قَامَ زيد وَلَا يجوز قُمْت حَيْثُ زيد كَمَا تَقول قُمْت فِي مَكَان زيد وَإِنَّمَا يوضحها مَا يُوضح الْأَزْمِنَة أَلا ترى أَنَّك تَقول آتِيك إِذا قَامَ زيد وجئتك إِذا قَامَ زيد وَحين قَامَ زيد وجئتك حِين زيد أَمِير وَيَوْم عبد الله منطلق فَهَذَا تَأْوِيل بنائها

جارٍ التحميل