(هَذَا بَاب التَّبْيِين والتمييز)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن يزيد المبرد
- الكتاب
- المقتضب
- المؤلف
- محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
- المحقق
- محمد عبد الخالق عظيمة.
- الناشر
- عالم الكتب. - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
اعْلَم أَن التَّمْيِيز يعْمل فِيهِ الْفِعْل وَمَا يُشبههُ فى تَقْدِيره؛ وَمَعْنَاهُ فى الانتصاب وَاحِد وَإِن اخْتلف عوامله فَمَعْنَاه: أَن يأتى مَبْنِيا عَن نَوعه، وَذَلِكَ قَوْلك: عندى عشرُون درهما، وَثَلَاثُونَ ثوبا لما قلت: عندى عشرُون، وَثَلَاثُونَ - ذكرت عددا مُبْهما يَقع على كل مَعْدُود، فَلَمَّا قلت درهما عرفت الشئ الذى إِلَيْهِ قصدت بِأَن ذكرت وَاحِدًا مِنْهُ يدل على / سائره، وَلم يجز أَن تذكر جمعا؛ لِأَن الذى قبله قد تبين أَنه جمع، وَأَنه مِقْدَار مِنْهُ مَعْلُوم وَلم يجز أَن يكون الْوَاحِد الدَّال على النَّوْع معرفَة؛ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مَعْرُوفا كَانَ مَخْصُوصًا، وَإِذا كَانَ منكورا كَانَ شَائِعا فى نَوعه فَأَما النصب فَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ؛ لِأَن النُّون منعت الْإِضَافَة، كَمَا تمنعها إِذا قلت: هَؤُلَاءِ ضاربون زيدا وَلَوْلَا النُّون لأضفت فَقلت: هَؤُلَاءِ ضاربو زيد؛ كَمَا تَقول: هَذِه عشرو زيد، إِلَّا أَن الضاربين وَمَا أشبهه أَسمَاء مَأْخُوذَة من الْفِعْل تُضَاف كَمَا تُضَاف الْأَسْمَاء، فَإِذا منعت النُّون
الْإِضَافَة عملت هَذِه الْأَسْمَاء فِيمَا بعْدهَا بِمَا فِيهَا من معنى الْفِعْل وَكَانَ الْمَنْصُوب مَفْعُولا صَحِيحا؛ لِأَنَّهَا أَسمَاء الفاعلين فى الْحَقِيقَة وفيهَا كنايتهم فَإِذا قلت: عشرُون رجلا فَإِنَّمَا انتصب بإدخالك النُّون مَا بعْدهَا تَشْبِيها بذلك؛ كَمَا أَن قَوْلك: إِن زيدا منطلق وَلَعَلَّ زيدا أَخُوك مشبه بِالْفِعْلِ فى اللَّفْظ، وَلَا يكون مِنْهُ (فعل) ، وَلَا (يفعل) وَلَا شئ من أَمْثِلَة الْفِعْل؛ وكما أَن (كَانَ) فى وزن الْفِعْل / وتصرفه، وَلَيْسَت فعلا على الْحَقِيقَة تَقول: ضرب زيدا عمرا، فتخبر بِأَن فعلا وصل من زيد إِلَى عَمْرو فَإِذا قلت: كَانَ زيد أَخَاك لم تخبر أَن زيدا أوصل إِلَى الْأَخ شَيْئا، وَلَكِن زعمت أَن زيدا أخوة فِيمَا خلا من الدَّهْر والتشبيه يكون للفظ، وللتصرف، وَالْمعْنَى فَأَما الْمَعْنى فتشبيهك (مَا) بليس و (لَيْسَ) فعل و (مَا) حرف، وَالْمعْنَى وَاحِد فَهَذَا سَبِيل كل مَا كَانَت النُّون فِيهِ عاملة من التَّبْيِين فَإِن قلت: هَل يجوز عندى عشرو رجل؟ فَإِن ذَلِك غير جَائِز؛ لِأَن الْإِضَافَة تكون على جِهَة الْملك إِذا قلت: عشرو زيد، فَلَو أدخلت التَّمْيِيز على هَذَا الْمُضَاف لالتبس على السَّامع قصدك إِلَى تَعْرِيف النَّوْع بتعرفك إِيَّاه صَاحب الْعشْرين، وَلم يكن إِلَى النصب سَبِيل؛ لِأَنَّهُ فى بَاب الْإِضَافَة كَقَوْلِك: ثوب زيد، وَدِرْهَم عبد الله والتبيين فى بَابه من النصب وَإِثْبَات النُّون؛ فَامْتنعَ من إِدْخَاله فى غير بَابه مَخَافَة اللّبْس وَمِمَّا ينصب قَوْلك: هَذَا أفضلهم رجلا، وأفره النَّاس عبدا / وَذَلِكَ أَنَّك كنت تَقول فى المصادر: أعجبنى ضرب زيد عمرا، فتضيف إِلَى زيد الْمصدر؛ لِأَنَّهُ فعله، فتشغل الْإِضَافَة بِالْفِعْلِ، فتنصب عمرا؛ لِأَنَّهُ مفعول وَلَوْلَا أَنَّك أضفت إِلَى زيد لَكَانَ (عَمْرو) مخفوضا بِوُقُوع الْمُضَاف عَلَيْهِ؛ كَمَا أَنَّك لَو لم تنون فى قَوْلك: ضاربون زيدا لحل (زيد) مَحل التَّنْوِين، وانخفض بِالْإِضَافَة
فَلَمَّا كَانَ عشرُون رجلا بِمَنْزِلَة ضاربين زيدا - كَانَ قَوْلك: لى مثله رجلا، وَأَنت أفرههم عبدا بِمَنْزِلَة: أعجبنى ضرب زيد عمرا، وشتمك خَالِدا وكما امْتنعت من أَن تَقول: عشرو دِرْهَم للفصل بَين التَّفْسِير وَالْملك إِذا قلت: عشرو زيد - امْتنعت فى قَوْلك: أَنْت أفرههم عبدا من الْإِضَافَة؛ لِأَنَّك إِذا قلت: أَنْت أفرههم عبدا فَإِنَّمَا عنيت مَالك العَبْد وَإِذا قلت: أَنْت أفره عبد فى النَّاس فَإِنَّمَا عنيت العَبْد نَفسه، إِلَّا انك إِذا قلت: أَنْت أفره العبيد فقد قَدمته عَلَيْهِم فى الْجُمْلَة وَإِذا قلت: أفره عبد فى النَّاس، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنْت أفره من كل عبد إِذا أفردوا عبدا عبدا؛ كَمَا تَقول: هَذَا خير اثْنَيْنِ / فى النَّاس، إِذا كَانَ النَّاس اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَيجوز أَن تَقول - وَهُوَ حسن جدا -: أَنْت افره النَّاس عبيدا، وأجود النَّاس دورا، وَلَا يجوز عندى عشرُون دَرَاهِم يَا فَتى والفصل بَينهمَا: أَنَّك إِذا قلت: (عشرُون) ، فقد أتيت على الْعدَد، فَلم يحْتَج إِلَّا إِلَى ذكر مَا يدل على الْجِنْس، فَإِذا قلت: هُوَ أفره النَّاس عبدا - جَازَ أَن تعنى عبدا وَاحِدًا، فَمن ثمَّ حسن، واختير - إِذا أردْت الْجَمَاعَة - أَن تَقول: عبيدا قَالَ الله عز وَجل: ﴿قُلْ هلْ أُنَبَّئُكُم بِالأَخْسَرِين أَعْمالاً﴾ ، وَقد يجوز أَن تَقول: أفره النَّاس عبدا فتعنى جمَاعَة العبيد نَحْو التَّمْيِيز، وَالْجمع أبين إِذا كَانَ الأول غير مخطور الْعدَد
وَمن التَّمْيِيز ويحه رجلا، وَالله دره فَارِسًا، وحسبك بِهِ شجاعا، إِلَّا أَنه إِذا كَانَ فى الأول ذكر مِنْهُ حسن أَن تدخل (من) توكيدا لذَلِك الذّكر، فَتَقول: ويحه من رجل، وَللَّه دره من فَارس، وحسبك بِهِ من شُجَاع، وَلَا يجوز: عشرُون من / دِرْهَم، وَلَا هُوَ أفرههم من عبد؛ لِأَنَّهُ لم يذكرهُ فى الأول وَأَنا أرى قَوْله عز وَجل: ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ على هَذَا؛ كَمَا تَقول: من جاءنى من طَوِيل أَعْطيته، وَمن جاءنى من قصير منعته؛ لِأَنَّك قدمت ذكره بِقَوْلِك: (من)
وَاعْلَم أَن التَّبْيِين إِذا كَانَ الْعَامِل فِيهِ فعلا جَازَ تَقْدِيمه؛ لتصرف الْفِعْل، فَقلت: تفقأت شحما، وتصببت عرقا، فَإِن شِئْت قدمت، فَقلت: شحما تفقأت، وعرقا تصببت وَهَذَا لَا يُجِيزهُ سِيبَوَيْهٍ؛ لِأَنَّهُ يرَاهُ كَقَوْلِك: عشرُون درهما، وَهَذَا أفرههم عبدا، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَة ذَلِك؛ لِأَن (عشْرين درهما) إِنَّمَا عمل فِي الدِّرْهَم مَا لم يُؤْخَذ من الْفِعْل أَلا ترى أَنه يَقُول: هَذَا زيد قَائِما، وَلَا يُجِيز: قَائِما هَذَا زيد؛ لِأَن الْعَامِل غير فعل وَتقول: رَاكِبًا جَاءَ زيد؛ لِأَن الْعَامِل فعل؛ فَلذَلِك أجزنا تَقْدِيم التَّمْيِيز إِذا كَانَ الْعَامِل فعلا وَهَذَا رأى أبي عُثْمَان المازنى
وَقَالَ الشَّاعِر، فَقدم التَّمْيِيز لما كَانَ الْعَامِل فعلا: (أتهجر ليلى للفراق حبيبها ... وَمَا كَانَ نفسا بالفراق تطيب) وَاعْلَم أَن من التَّمْيِيز مَا يكون خفضا وَلَكِن يكون على معنى أذكرهُ لَك: وَذَلِكَ قَوْلك:
كل رجل جاءنى فَلهُ دِرْهَم، فَهَذَا شَائِع فى الرِّجَال وَلَكِن مَعْنَاهُ: كل الرِّجَال إِذا كَانُوا رجلا رجلا، كَقَوْلِك: كل اثْنَيْنِ أتيانى فَلَهُمَا دِرْهَمَانِ وَمن ذَلِك قَوْله: مائَة دِرْهَم، وَألف دِرْهَم وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ معنى عشْرين درهما، وَلَكِنَّك أضفت إِلَى الْمُمَيز؛ لِأَن التَّنْوِين غير لَازم، وَالنُّون فى عشْرين لَازِمَة؛ لِأَنَّهَا تثبت فى الْوَقْف، وَتثبت مَعَ الْألف وللام، وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فى بَاب الْعدَد فَأَما قَوْلك: زيد الْحسن وَجها، والكريم أَبَا - فَإِنَّهُ خَارج فى التَّقْدِير من بَاب الضَّارِب زيدا؛ لِأَنَّك تَقول: هُوَ الْحسن الْوَجْه يَا فَتى، وَإِن كَانَ الْخَفْض أحسن، وَكَذَلِكَ: هُوَ حسن الْوَجْه فَهَذَا لَا يكون فِيهِ إِلَّا النصب، لِأَن التَّنْوِين مَانع، وَقد ذكرنَا هَذَا فى بَابه؛ فَلذَلِك لم / نذْكر استقصاءه فى هَذَا الْموضع فَأَما قَوْلك: أَنْت أفره عبد فى النَّاس - فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنْت أحد هَؤُلَاءِ الَّذين فضلتهم وَلَا يُضَاف (أفعل) إِلَى شئ إِلَّا وَهُوَ بعضه؛ كَقَوْلِك: الْخَلِيفَة أفضل بنى هَاشم وَلَو قلت: الْخَلِيفَة أفضل بنى تَمِيم كَانَ محالا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُم، وَكَذَلِكَ: هَذَا خير ثوب فى الثِّيَاب إِذا عنيت ثوبا، وَهَذَا خير مِنْك ثوبا إِذا عنيت رجلا، وَكَذَلِكَ تَقول: الْخَلِيفَة أفضل من بنى تَمِيم؛ لِأَن (من) دخلت للتفضيل، وأخرجتهم من الْإِضَافَة فَهَذَا وَجه ذَا وَلَو قلت: مَا أَنْت بِأَحْسَن وَجها منى، وَلَا أفره عبدا - كَانَ جيدا فَإِن قصدت قصد الْوَجْه بِعَيْنِه قلت: هَذَا أحسن وَجه رَأَيْته إِنَّمَا تعنى الْوُجُوه إِذا ميزت وَجها وَجها فعلى هَذِه الْأُصُول فقس مَا ورد عَلَيْك من هَذَا إِن شَاءَ الله