هَذَا بَاب الْإِضَافَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن يزيد المبرد
- الكتاب
- المقتضب
- المؤلف
- محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
- المحقق
- محمد عبد الخالق عظيمة.
- الناشر
- عالم الكتب. - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَهِي فِي الْكَلَام على ضَرْبَيْنِ فَمن الْمُضَاف إِلَيْهِ مَا تضيف إِلَيْهِ بِحرف جر وَمِنْهَا مَا تضيف إِلَيْهِ اسْما مثله وَأما حُرُوف الْإِضَافَة الَّتِي تُضَاف بهَا الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال إِلَى مَا بعْدهَا فَمن وَإِلَى وَرب وَفِي وَالْكَاف الزَّائِدَة وَالْبَاء الزَّائِدَة وَاللَّام الزَّائِدَة فَهَذِهِ الْحُرُوف الصَّحِيحَة وَمَا كَانَ مثلهَا فَأَما مَا وَضعه النحويون نَحْو على وَعَن وَقبل وَبعد وَبَين وَمَا كَانَ مثل ذَلِك فَإِنَّمَا هِيَ أَسمَاء وسنخبر عَن ذَلِك بِمَا يُوضحهُ إِن شَاءَ الله أما من فمعناها ابْتِدَاء الْغَايَة وَتَكون للتَّبْعِيض وَتَكون زَائِدَة لتدل على أَن الَّذِي بعْدهَا وَاحِد فِي مَوضِع جَمِيع وَيكون دُخُولهَا كسقوطها فَأَما ابْتِدَاء الْغَايَة فقولك سرت من الْبَصْرَة إِلَى الْكُوفَة فقد أعلمته أَن ابْتِدَاء السّير كَانَ من الْبَصْرَة وَمثله مَا يجْرِي فِي الْكتب نَحْو من عبد الله إِلَى زيد إِنَّمَا الْمَعْنى أَن ابْتِدَاء الْكتاب من عبد الله
وَكَذَلِكَ أخذت مِنْهُ درهما وَسمعت مِنْهُ حَدِيثا أَي هُوَ أول الحَدِيث وَأول مخرج الدِّرْهَم وَأما الَّتِي تقع للتَّبْعِيض فنحو قَوْلك أخذت مَال زيد فَيَقَع هَذَا الْكَلَام على الْجَمِيع فَإِن قلت أخذت من مَاله وأكلت من طَعَامه أَو لبست من ثِيَابه دلّت من على الْبَعْض وَأما الزَّائِدَة الَّتِي دُخُولهَا فِي الْكَلَام كسقوطها فقولك مَا جَاءَنِي من أحد وَمَا كلمت من أحد وكقول الله عز وَجل ﴿أَن ينزل عَلَيْكُم من خير من ربكُم﴾ إِنَّمَا هُوَ خير وَلكنهَا توكيد وَمثل ذَلِك قَول الشَّاعِر (جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الوُدِّ لما اسْتَثبْتِهِ ... وَمَا إِنْ جزاكِ الضِّعْفَ مِنْ أَحَد قَبْلي) فَهَذَا مَوضِع زيادتها إِلَّا أَنَّك دللت فِيهِ على أَنه للنكرات دون المعارف
أَلا ترى أَنَّك تَقول مَا جَاءَنِي من رجل وَلَا تَقول مَا جَاءَنِي من زيد لِأَن رجلا فِي مَوضِع الْجَمِيع وَلَا يَقع الْمَعْرُوف هَذَا الْموقع لِأَنَّهُ شئ قد عَرفته بِعَيْنِه أَلا ترى أَنَّك تَقول عشرُون درهما وَلَا تَقول عشرُون الدِّرْهَم لِأَن درهما فِي مَوضِع جَمِيع إِنَّمَا تُرِيدُ بِهِ من الدَّرَاهِم وَكَذَلِكَ هَذَا أول رجل جَاءَنِي إِنَّمَا هُوَ أول الرِّجَال إِذا عدوا رجلا رجلا وكل رجل يَأْتِيك فَلهُ دِرْهَم فَهَذَا مَوضِع هَذَا وَأما قَوْلهم أهلك النَّاس الدِّينَار وَالدِّرْهَم وَذهب النَّاس بالشاء وَالْبَعِير فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب إِنَّمَا هُوَ تَعْرِيف الْجِنْس أَلا ترى أَن الرجل يعطيك دِينَارا وَاحِدًا فَتَقول أَنا لَا أقبل مِنْك الدَّنَانِير وَكَذَلِكَ لَو أَعْطَاك ثوبا قلت فلَان يبرني بالثياب إِنَّمَا تُرِيدُ الْوَاحِد من هَذَا الْجِنْس الْمَعْرُوف وَنَظِير قَوْلك أهلك النَّاس الدِّينَار وَالدِّرْهَم وَأَنت تُرِيدُ الْجَمِيع قَول الله عز وَجل
﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ وَالله أعلم النَّاس أَلا ترَاهُ قَالَ ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا﴾ وَلَا يسْتَثْنى من الشَّيْء إِلَّا بعضه وَأما إِلَى فَإِنَّمَا هِيَ للمنتهى أَلا ترى أَنَّك تَقول ذهبت إِلَى زيد وسرت إِلَى عبد الله ووكلتك إِلَى الله وَحَتَّى مثلهَا وَلَكِن تركنَا ذكرهَا هَا هُنَا لنفرد لَهَا بَابا وَأما فِي فَإِنَّمَا هِيَ للوعاء نَحْو زيد فِي الدَّار واللص فِي الْحَبْس فَهَذَا أَصله وَقد يَتَّسِع القَوْل فِي هَذِه الْحُرُوف وَإِن كَانَ مَا بدأنا بِهِ الأَصْل نَحْو قَوْلك زيد ينظر فِي الْعلم فصيرت الْعلم بِمَنْزِلَة المتضمن وَإِنَّمَا هَذَا كَقَوْلِك قد دخل عبد الله فِي الْعلم وَخرج مِمَّا يملك وَمثل ذَلِك فِي يَد زيد الضَّيْعَة النفيسة وَإِنَّمَا قيل ذَلِك لِأَن مَا كَانَ محيطا بِهِ ملكه بِمَنْزِلَة مَا أحيطت بِهِ يَده وَرب مَعْنَاهَا الشَّيْء يَقع قَلِيلا وَلَا يكون ذَلِك الشَّيْء إِلَّا منكورا لِأَنَّهُ وَاحِد يدل
على أَكثر مِنْهُ كَمَا وصفت لَك وَلَا تكون رب إِلَّا فِي أول الْكَلَام لدُخُول هَذَا الْمَعْنى فِيهَا وَذَلِكَ قَوْلك رب رجل قد جَاءَنِي وَرب إِنْسَان خير مِنْك وَأما الْكَاف الزَّائِدَة فمعناها التَّشْبِيه نَحْو عبد الله كزيد وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مثل زيد وَمَا أَنْت كخالد فَلذَلِك إِذا اضْطر الشَّاعِر جعلهَا بِمَنْزِلَة مثل وَأدْخل عَلَيْهَا الْحُرُوف كَمَا تدخل على الْأَسْمَاء فَمن ذَلِك قَوْله (وصالياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ ... ) فَدخلت الْكَاف على الْكَاف كَمَا تدخل على مثل فِي قَوْله عز وَجل ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَقَالَ الآخر
(فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ ... ) وَوَقعت فاعلة ومفعولة على هَذَا الْمَعْنى وَذَلِكَ قَوْله (أَتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَط ... كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ) فالكاف هَا هُنَا فِي معنى مثل إِنَّمَا أَرَادَ شَيْء مثل الطعْن
وَقَالَ الأخطل (قَلِيلُ غِرارِ النَّوْمِ حَتَّى تَقَلَّصُوا ... عَلى كالقَطَا الجُونِّى أَفْزَعَها الزَّجْرُ) أَرَادَ مثل القطا وَأما الْبَاء فَمَعْنَاه الإلصاق بالشَّيْء وَذَلِكَ قَوْلك مَرَرْت بزيد فالباء ألصقت مرورك بزيد وَكَذَلِكَ لصقت بِهِ وأشمت النَّاس بِهِ
ومنذ فِي الْأَيَّام والليالي لابتداء الغايات بِمَنْزِلَة من فِي سَائِر الْأَسْمَاء وَذَلِكَ قَوْلك لم أره مُنْذُ يَوْمَيْنِ فالغاية فِي الرُّؤْيَة مِمَّا يَلِي أول الْيَوْمَيْنِ وَاللَّام الزَّائِدَة مَعْنَاهَا الْملك وَالتَّحْقِيق وَأما الْأَسْمَاء المضافة إِلَى الْأَسْمَاء بأنفسها فَتدخل على معنى اللَّام وَذَلِكَ قَوْلك المَال لزيد كَقَوْلِك مَال زيد وكمل تَقول هَذَا أَخ لزيد وجار لزيد وَصَاحب لَهُ فَهَذَا بِمَنْزِلَة قَوْله جَاره وَصَاحبه فَلَا فصل بَينهمَا إِلَّا أَن اللَّام إِذا حَالَتْ بَين الاسمين لم يكن الأول معرفَة بِالثَّانِي من أجل الْحَائِل فَإِذا أضفت الِاسْم إِلَى الِاسْم بعده بِغَيْر حرف كَانَ الأول نكرَة وَمَعْرِفَة بِالَّذِي بعده فَإِذا أضفت اسْما مُفردا إِلَى اسْم مثله مُفْرد أَو مُضَاف صَار الثَّانِي من تَمام الأول وصارا جَمِيعًا اسْما وَاحِدًا وانجر الآخر بِإِضَافَة الأول إِلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلك هَذَا عبد الله وَهَذَا غُلَام زيد وَصَاحب عَمْرو وَلَا تدخل فِي الأول ألفا وَلَا لاما وتحذف مِنْهُ التَّنْوِين وَذَلِكَ أَن التَّنْوِين زَائِد فِي الِاسْم وَكَذَلِكَ الْإِضَافَة وَالْألف وَاللَّام فَلَا يحْتَمل الِاسْم زيادتين أَلا ترى أَنَّك تَقول هَذَا غُلَام فَاعْلَم فَإِن زَادَت الْألف وَاللَّام قلت هَذَا الْغُلَام يَا فَتى وَكَذَلِكَ إِن أدخلت الْإِضَافَة قلت هَذَا غُلَام زيد وَهَذِه ثَلَاثَة دَرَاهِم فَإِن أردْت تَعْرِيف الأول عرفت الثَّانِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون الأول معرفَة بِمَا أضفته إِلَيْهِ
أَلا ترى أَنَّك تَقول هَذَا غُلَام رجل فَيكون نكرَة فَإِذا أردْت تَعْرِيفه قلت هَذَا غُلَام الرجل وَهَذَا صَاحب المَال وَكَذَلِكَ هَذِه ثَلَاثَة الأثواب وَخَمْسَة الدَّرَاهِم وَمثل ذَلِك قَول الشَّاعِر (وهَلْ يَرْجِعُ التسلِيمَ أَوْ يَدْفَعُ البُكا ... ثَلاثُ الأَثَافي والديارُ البَلاقِعُ) ٍ فَإِذا ثنيت الْوَاحِد ثمَّ أردْت إِضَافَته حذفت النُّون من الِاثْنَيْنِ النُّون وَالْألف وَاللَّام فَقلت هَذَانِ غُلَاما زيد وصاحبا عَمْرو وحذفت الْألف وَاللَّام وَالنُّون كَمَا فعلت فِي الْوَاحِد وَكَذَلِكَ الْجمع نَحْو هَؤُلَاءِ مسلمو زيد وصالحو قَومهمْ فَإِن كَانَ الِاسْم الَّذِي تضيفه مشتقا من الْفِعْل عَاملا فِيمَا بعده فَإِن الثَّانِي يدْخل فِي صلَة الأول وَذَلِكَ قَوْلك هَذَا ضَارب زيد وَهَذَانِ ضَارِبًا زيد وَهَؤُلَاء ضاربو زيد فَإِن أدخلت الْألف وَاللَّام فِي الأول فَهُوَ الْجيد لِأَن مَعْنَاهَا معنى الَّذِي فَلذَلِك دخلتا فَإِذا قلت فِي الْوَاحِد هَذَا الضَّارِب زيدا وَهُوَ الْقَاتِل الرجل فَمَعْنَاه الَّذِي ضرب زيدا وَالَّذِي قتل الرجل فتنصب مَا بعده لِأَن فِيهِ معنى الْفِعْل وَلَا معنى للأسماء غير المشتقة فِي ذَلِك أَلا ترى أَنَّك لَو قلت هَذَا الْغُلَام زيدا كَانَ محالا فَإِن ثنيت الِاسْم الْمُشْتَقّ من الْفِعْل لم تعاقب الْإِضَافَة الْألف وَاللَّام كَمَا لَا تعاقبها النُّون وَلَكِن تكون الْإِضَافَة معاقبة للنون وَذَلِكَ قَوْلك هَذَانِ الضاربان فَتثبت النُّون مَعَ الْألف وَاللَّام لِأَنَّهَا أقوى من التَّنْوِين وَذَلِكَ أَنَّهَا بدل من التَّنْوِين وَالْحَرَكَة فِي الْوَاحِد كَمَا قلت هَذَانِ الغلامان
وَتقول هَذَانِ الضاربان زيدا والشاتمان عمرا والمكرمون أَخَاك والنازلون دَارك وَمن ذَلِك قَول الله عز وَجل ﴿والمقيمين الصَّلَاة والمؤتون الزَّكَاة﴾ وَقَالَ الْقطَامِي (الضَّارِبُونَ عُمَيْراً عَنْ دِيارِهِمُ ... بالتَّلِّ يَوْمَ عُمَيْرٌ ظَالِمٌ عادِي) فَإِذا أسقطت النُّون أضفت وجررت فَقلت هم الضاربو زيد وهما الشاتما عَمْرو كَمَا قَالَ الشَّاعِر (الفَارِجُو بَابِ الأَمَيرِ المُبْهَمِ ... ) وَقَالَ الْأنْصَارِيّ وَأنْشد هَذَا الْبَيْت مَنْصُوبًا عَنهُ وَهُوَ (الحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرَةِ لَا ... يَأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائِنا نطَفُ) فَهَذَا لم يرد الْإِضَافَة فَحذف النُّون بِغَيْر معنى فِيهِ وَلَو أَرَادَ غير ذَلِك لَكَانَ غير الْجَرّ خطأ وَلكنه حذف النُّون لطول الِاسْم إِذْ صَار مَا بعد الِاسْم صلَة لَهُ وَالدَّلِيل على ذَلِك
حذفهم النُّون مِمَّا لم يشتق من فعل وَلَا تجوز فِيهِ الْإِضَافَة فيحذفون لطول الصِّلَة فَمن ذَلِك قَول الأخطل (أَبَنِي كُلَيْبٍ إِنَّ عَمَّيَّ اللَّذَا ... قَتَلا المُلُوكَ وفكَّكَا الأَغْلالا) فَحذف النُّون من الَّذين وَقَالَ الْأَشْهب بن رميلة (إِنَّ الذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهُمْ ... هُمُ القومُ كلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ) فَإِن قَالَ قَائِل مَا بالك لَا تَقول فِي الِاسْم غير الْمُشْتَقّ إِذا ثنيته أَو جمعته بِالْإِضَافَة مَعَ الْألف وَاللَّام فَتَقول هما الغلاما زيد كَمَا تَقول هما الضاربا زيد؟
قيل لَهُ إِنَّمَا يَقع الْحَذف فِي الْمُشْتَقّ لِأَنَّهُ يجوز أَن تَقول هما الضاربان زيدا والضاربون عمرا وَلَا يكون هَذَا فِي الْغُلَام إِذا ثنيته فَلَمَّا كَفَفْت النُّون عاقبها مَا كَانَ مُسْتَعْملا بعْدهَا وَمَا لم يشتق من الْفِعْل لَا معنى للاسم الثَّانِي بعد النُّون فِيهِ أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول هَذَانِ الغلامان زيدا وَلَا هَؤُلَاءِ الصاحبون مُحَمَّدًا