(هَذَا بَاب الْأَمر وَالنَّهْي)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن يزيد المبرد
- الكتاب
- المقتضب
- المؤلف
- محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)
- المحقق
- محمد عبد الخالق عظيمة.
- الناشر
- عالم الكتب. - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَمَا كَانَ مِنْهُمَا مَجْزُومًا فَإِنَّمَا جزمه بعامل مدْخل عَلَيْهِ فاللازم لَهُ اللَّام وَذَلِكَ قَوْلك ليقمْ زيد ليذْهب عبد الله تَقول زرني ولأزرك فَتدخل اللَّام لِأَن الْأَمر لَك فَأَما إِذا كَانَ الْمَأْمُور مُخَاطبا فَفعله مَبْنِيّ غير مجزوم وَذَلِكَ قَوْلك اذْهَبْ انْطلق وَقد كَانَ قوم من النَّحْوِيين يَزْعمُونَ أَن هَذَا مجزوم وَذَلِكَ خطا فَاحش وَذَلِكَ لِأَن الْإِعْرَاب لَا يدْخل من الْأَفْعَال إِلَّا فِيمَا كَانَ مضارعا للأسماء وَالْأَفْعَال المضارعة هِيَ الَّتِي فِي أوائلها الزَّوَائِد الْأَرْبَع الْيَاء وَالتَّاء والهمزة وَالنُّون وَذَلِكَ قَوْلك أفعل أَنا وَتفعل أَنْت وَيفْعل هُوَ ونفعل نَحن فَإِنَّمَا تدخل عَلَيْهَا العوامل وَهِي على هَذَا اللَّفْظ وقولك اضْرِب وقم لَيْسَ فِيهِ شَيْء من حُرُوف المضارعة وَلَو كَانَت فِيهِ لم يجز جزمه إِلَّا بِحرف يدْخل عَلَيْهِ فيجزمه فَهَذَا بَين جدا ويروي عَن رَسُول الله أَنه قَرَأَ ﴿فَبِذَلِكّ فَلْتَفْرَحوا﴾ فَهَذَا مجزوم جزمته اللَّام وَجَاءَت هَذِه الْقِرَاءَة على أصل الْأَمر فَإِذا لم يكن الْأَمر للحاضر الْمُخَاطب فَلَا بُد من إِدْخَال اللَّام تَقول ليقمْ زيد وَتقول زرْ زيد وليزرْك إِذا كَانَ الْأَمر لَهما لِأَن زيدا غَائِب وَلَا يكون الْأَمر لَهُ إِلَّا بِإِدْخَال اللَّام وَكَذَلِكَ إِن قلت ضُرب زيد فَأَرَدْت الْأَمر من هَذَا ليُضرب زيد لِأَن الْمَأْمُور لَيْسَ بمواجه
وَاعْلَم أَن الدُّعَاء بِمَنْزِلَة الْأَمر وَالنَّهْي فِي الْجَزْم والحذف عِنْد المخاطبة وَإِنَّمَا وَإِنَّمَا قيل دُعَاء وَطلب للمعنى لِأَنَّك تَأمر من هُوَ دُونك وتطلب إِلَى من أَنْت دونه وَذَلِكَ قَوْلك ليغفر اللهُ لزيد وَتقول اللَّهُمَّ اغْفِر لي كَمَا تَقول اضْرِب عمرا فَأَما قَوْلك غفر الله لزيد ورحم الله زيدا وَنَحْو ذَلِك فَإِن لَفظه لفظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ الطّلب وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لعلم السَّامع أَنَّك لَا تخبر عَن الله عز وَجل وَإِنَّمَا تسأله كَمَا أَن قَوْلك علم الله لأقومنّ إِنَّمَا لَفظه لفظ رزق الله وَمَعْنَاهُ الْقسم لِأَنَّك فِي قَوْلك علم مستشهد وَتقول يَا زيد ليقمْ إِلَيْك عَمْرو وَيَا زيد لتدعْ بني عَمْرو النحويون يجيزون إِضْمَار هَذِه اللَّام للشاعر إِذا اضْطر ويستشهدون على ذَلِك بقول متمم بن نُوَيْرَة (على مِثلِ أصحابِ البعُوضةِ فاخمُشي ... لكِ الوَيلُ حُرَّ الوجهِ أَو يَبْكِ مَنْ بَكى) يُرِيد أَو ليبك من بَكَى وَقَول آخر (مُحَمْدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نَفْسٍ ... إِذا مَا خِفْتَ مِنْ شيءٍ تَبالا)
فَلَا أرى ذَلِك على مَا قَالُوا لِأَن عوامل الْأَفْعَال لَا تضمر وأضعفها الجازمة لِأَن الْجَزْم فِي الْأَفْعَال نَظِير الْخَفْض فِي الْأَسْمَاء وَلَكِن بَيت متمم حمل على الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِذا قَالَ فاخمشي فَهُوَ فِي مَوضِع فلتخمشي فعطف الثَّانِي على الْمَعْنى وَأما هَذَا الْبَيْت الْأَخير فَلَيْسَ بِمَعْرُوف على إِنَّه فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ على مَا ذكرت لَك وَتقول ليقمْ زيد وَيقْعد خَالِد وينطلق عبد الله لِأَنَّك عطفت على اللَّام وَلَو قلت قُم ويقد زيد لم يجز الْجَزْم فِي الْكَلَام وَلَكِن لَو اضْطر شَاعِر فَحَمله على مَوضِع الأول لِأَنَّهُ مِمَّا كَانَ حَقه اللَّام كَانَ على مَا وصفت لَك وَاعْلَم أَن هَذِه اللَّام مَكْسُورَة إِذا ابتدئت فَإِذا كَانَ قبلهَا فَاء أَو وَاو فَهِيَ على حَالهَا فِي الْكسر وَقد يجوز إسكانها وَهُوَ أَكثر على الألسن تَقول قمْ ولْيقمْ زيد ﴿فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك﴾ (ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ} وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الْوَاو وَالْفَاء لَا ينفصلان لِأَنَّهُ لَا بِحرف وَاحِد فصارتا بِمَنْزِلَة مَا هُوَ فِي الْكَلِمَة فأسكنت اللَّام هربا من الكسرة كَقَوْلِك فِي علم علْم وَفِي فَخذ فخْذ
وَأما قِرَاءَة من قَرَأَ ﴿ثمَّ ليقطع فَلْينْظر﴾ فَإِن الإسكان فِي لَام ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ جيد وَفِي لَام ﴿لْيَقْطَعْ﴾ لحن لِأَن ثمَّ مُنْفَصِلَة من الْكَلِمَة وَقد قَرَأَ بذلك يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ فَأَما حرف النَّهْي فَهُوَ لَا وَهُوَ يَقع على فعل الشَّاهِد وَالْغَائِب وَذَلِكَ قَوْلك لَا يقم زيد وَلَا تقم يَا رجل وَلَا تقومي يَا امْرَأَة فالفعل بعده مجزوم بِهِ وَتقول لَا يقمْ زيد وَلَا يقعدْ عبد الله إِن عطفت نهيا على نهي وَإِن شِئْت قلت لَا يقمْ زيد ويقعدْ عبد الله وَهُوَ بإعادتك لَا أوضح وَذَلِكَ لِأَنَّك إِذا قلت لَا يقم زيد وَلَا يقعدْ عبد الله تبين لَك أَنَّك قد نهيت كل وَاحِد مِنْهُمَا على حياله وَإِذا قلت وَيقْعد عبد الله بِغَيْر لَا فَهَذَا وَجه وَقد يجوز أَن يَقع عِنْد السَّامع أَنَّك أردْت لَا يجْتَمع هَذَانِ فَإِن قعد عبد الله وَلم يقم زيد لم يكن الْمَأْمُور مُخَالفا وَكَذَلِكَ إِن لم يقم زيد وَقعد عبد الله وَوجه الِاجْتِمَاع إِذا قصدته أَن تَقول لَا يقم زيد وَيقْعد عبد الله أَي لَا يجْتَمع قيام زيد وَأَن يقْعد عبد الله وَلَا الْمُؤَكّدَة تدخل فِي النَّفْي لِمَعْنى تَقول مَا جَاءَنِي زيد وَلَا عَمْرو إِذا أردْت أَنه لم يأتك
وَاحِد مِنْهُمَا على انْفِرَاد وَلَا مَعَ صَاحبه لِأَنَّك لَو قلت لم يأتني زيد وَعَمْرو وَقد أَتَاك أَحدهمَا لم تكن كَاذِبًا ف لَا فِي قَوْلك لَا يقمْ زيد وَلَا يقمْ عَمْرو يجوز أَن تكون الَّتِي للنَّهْي وَتَكون الْمُؤَكّدَة الَّتِي تقع لما ذكرت لَك فِي كل نفي وَاعْلَم أَن الطّلب من النَّهْي بِمَنْزِلَة من الْأَمر يجْرِي على لَفظه كَمَا جري على لفظ الْأَمر أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول نهيت من فَوقِي وَلَكِن طلبت إِلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلك لَا يقطع الله يَد فلَان وَلَا يصنع الله لعَمْرو فالمخرج وَاحِد وَالْمعْنَى مُخْتَلف وَاعْلَم أَن جَوَاب الْأَمر وَالنَّهْي ينجزم بِالْأَمر وَالنَّهْي كَمَا ينجزم جَوَاب الْجَزَاء بالجزاء وَذَلِكَ لِأَن جَوَاب الْأَمر وَالنَّهْي يرجع إِلَى أَن يكون جَزَاء صَحِيحا وَذَلِكَ قَوْلك ائْتِنِي أكرمك لِأَن الْمَعْنى فَإنَّك إِن تأتني أكرمك أَلا ترى إِن الْإِكْرَام إِنَّمَا يسْتَحق الْإِتْيَان وَكَذَلِكَ لاتأت زيدا يكن خيرا لَك لِأَن الْمَعْنى فَإنَّك إِلَّا تأته يكن خيرا لَك وَلَو قَالَ على هَذَا لَا تدنُ من الْأسد يَأْكُلك كَانَ محَال لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَا تدنْ فَإِنَّمَا هُوَ تبَاعد فتباعده مِنْهُ لَا يكون سَببا لأكله إِيَّاه وَلَكِن إِن رفع جَازَ فَيكون الْمَعْنى لَا تدنُ من الْأسد ثمَّ قَالَ إِنَّه مِمَّا يَأْكُلك وَإِنَّمَا انجزم جَوَاب الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ يرجع من الْجَزَاء إِلَى مَا يرجع إِلَيْهِ جَوَاب الْأَمر وَالنَّهْي وَذَلِكَ قَوْلك أَيْن بَيْتك أزرك لِأَن الْمَعْنى بإن أعرفهُ أزرْكَ وَكَذَلِكَ هَل تَأتِينِي أعطك وَأحسن إِلَيْك لِأَن الْمَعْنى فَإنَّك إِن تفعل أفعل فَأَما قَول الله عز وَجل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿تؤمنون بِاللَّه وَرَسُوله﴾ فَإِن هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب وَلكنه شرح مَا دعوا إِلَيْهِ وَالْجَوَاب ﴿يغْفر لكم ذنوبكم ويدخلكم﴾
فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا كَانَ الشَّرْح أَن تؤمنوا لِأَنَّهُ بدل من تِجَارَة فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن الْفِعْل يكون دَلِيلا على مصدره فَإِذا ذكرت مَا يدل على الشَّيْء فَهُوَ كذكرك إِيَّاه أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ من كذب كَانَ شرا يُرِيدُونَ كَانَ الْكَذِب وَقَالَ الله عز وَجل ﴿ولاَ يَحْسَبٍ نَّ الذِين يَبْخَلونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضلهِ هَوَ خَيراً لَهُمْ﴾ لِأَن الْمَعْنى الْبُخْل هُوَ خير لَهُم فَدلَّ عَلَيْهِ بقوله يَبْخلُونَ وَقَالَ الشَّاعِر (أَلا أيُهذا الزاجِري أخْضُرَ الوَغى ... وأنْ أشهدَ اللذاتِ هلْ انتَ مُخَلَدِي) فَالْمَعْنى عَن أَن أحضر الوغى كَقَوْلِك عَن حُضُور الوغى فَلَمَّا ذكر أحضر الوغى دلّ على الْحُضُور وَقد نَصبه قوم على إِضْمَار أَن وَقدمُوا الرّفْع وَسَنذكر ذَلِك باستقصاء الْعلَّة فِيهِ إِن شَاءَ الله فَأَما الرّفْع فَلِأَن الْأَفْعَال لَا تضمر عواملها فَإِذا حذفت رفع الْفِعْل وَكَانَ دَالا على مصدره بِمَنْزِلَة الْآيَة وَهِي ﴿هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿تُؤمِنونِ﴾ وَكَذَلِكَ لَو قَالَ قَائِل مَاذَا يصنع زيد فَقلت يَأْكُل أَو يُصَلِّي لأغناك عَن أَن تَقول الْأكل أَو الصَّلَاة الا ترى أَن الْفِعْل إِنَّمَا مَفْعُوله اللَّازِم لَهُ إِنَّمَا هُوَ الْمصدر لِأَن قَوْلك قد قَامَ زيد بِمَنْزِلَة قَوْلك قد كَانَ مِنْهُ قيام وَالْقِيَام هُوَ النَّوْع الَّذِي تعرفه وتفهمه وَلَو قلت ضرب زيد لعَلِمت أَنه قد فعل ضربا واصلا إِلَى مَضْرُوب إِلَّا أَنَّك لَا نَعْرِف الْمَضْرُوب بقوله ضرب وتعرف الْمصدر فَأَما الَّذين نصبوا فَلم يأبوا الرّفْع وَلَكنهُمْ أَجَازُوا مَعَه النصب لِأَن الْمَعْنى إِنَّمَا حَقه بِأَن وَقد ابان ذَلِك فِيمَا بعده بقوله وَأَن أشهد اللَّذَّات هِيَ أَنْت مخلدي فَجعله بِمَنْزِلَة الْأَسْمَاء الَّتِي يَجِيء بَعْضهَا محذوفا للدلالة عَلَيْهِ
وَفِي كتاب الله عز وَجل ﴿يسْأَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فَالْقَوْل عندنَا أَن من مُشْتَمِلَة على الْجَمِيع لِأَنَّهَا تقع للْجَمِيع على لفظ الْوَاحِد وَقد ذهب هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَى أَن الْمَعْنى وَمن فِي الأَرْض وَلَيْسَ الْمَعْنى عِنْدِي كَمَا قَالُوا وَقَالُوا فِي بَيت حسان (فَمَنْ يَهْجوا رسولَ اللهِ مِنْكُمْ ... ويَمْدحُه وَيَنْصُرُه سَواءُ) إِنَّمَا الْمَعْنى وَمن يمدحه وينصره وَلَيْسَ الْأَمر عِنْد أهل النّظر كَذَلِك وَلكنه جعل من نكرَة وَجعل الْفِعْل وَصفا لَهَا ثمَّ أَقَامَ فِي الثَّانِيَة الْوَصْف مقَام الْمَوْصُوف فَكَأَنَّهُ قَالَ وَوَاحِد يمدحه وينصره لِأَن الْوَصْف يَقع فِي مَوضِع الْمَوْصُوف إِذْ كَانَ دَالا عَلَيْهِ وعَلى هَذَا قَول الله عز وَجل ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ﴾
وَقَالَ الشَّاعِر (هَلْ الدَهْرُ إِلَّا تَرتَان فَتارةٌ ... أَمُوتُ وأُخْرَى أَبْتَغِي العيّشَ أَكْدحُ) يُرِيد وَتارَة أُخْرَى وَقَالَ (كَأَنَّكَ مِنْ جِمالِ بَني أُقَيشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيِهِ بِشَنِّ)
يُرِيد كَأَنَّك جمل وَكَذَلِكَ قَالَ يقعقع خلف رجلَيْهِ وَقَالَ آخر (وَمَا مِنْهُمَا إلاّ يُسْرُّ بِنسَةٍ ... تُقَرِبُهُ مِنِّي وَإِن كَانَ ذَا نّفّرْ) يُرِيد وَمَا مِنْهُمَا أحد وَقَالُوا فِي أَشد من ذَا (مَالك عِنْدِي غَيرُ سَهْمٍ وحَجَرْ ... وغَيرُ كَبْداءَ شَدِيدةِ الوَتَرْ)
(جادتْ بِكَفّى كانَ مِنْ أرمى البشرْ ... ) فَهَذَا مَا ذكرت لَك من اخْتلَافهمْ وَاخْتِيَار أحد الْقَوْلَيْنِ