روضة الطالبين وعمدة المفتينكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يُطْلَقُ الْكُسُوفُ وَالْخُسُوفُ عَلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ جَمِيعًا.
وَصَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَتُسَنُّ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَقَلُّهَا أَنْ يُحْرِمَ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ، وَيَرْكَعَ ثُمَّ يَرْفَعَ، فَيَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ يَرْكَعَ ثَانِيًا، ثُمَّ يَرْفَعَ وَيَطْمَئِنَ، ثُمَّ يَسْجُدَ، فَهَذِهِ رَكْعَةٌ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً ثَانِيَةً كَذَلِكَ، فَهِيَ رَكْعَتَانِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ وَرُكُوعَانِ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ قِيَامٍ.
فَلَوْ تَمَادَى الْكُسُوفُ، فَهَلْ يَزِيدُ رُكُوعًا ثَالِثًا؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَزِيدُ ثَالِثًا وَرَابِعًا وَخَامِسًا، حَتَّى يَنْجَلِيَ الْكُسُوفُ، قَالَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْخَطَّابِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الضُّبَعِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ، وَرُوِيَ خَمْسَ رُكُوعَاتٍ، وَلَا مَحْمَلَ لَهُ إِلَّا التَّمَادِي، وَأَصَحُّهُمَا: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
رِوَايَاتُ الرُّكُوعَيْنِ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ، فَيُؤْخَذُ بِهَا، كَذَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ، وَلَوْ كَانَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، فَانْجَلَى الْكُسُوفُ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَرُكُوعٍ وَاحِدٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الزِّيَادَةِ عِنْدَ التَّمَادِي، إِنْ جَوَّزْنَا الزِّيَادَةَ، جَازَ النُّقْصَانُ بِحَسْبِ مُدَّةِ الْكُسُوفِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْكُسُوفُ بَاقٍ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِحَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ مَرَّةً أُخْرَى؟ وَجْهَانِ خَرَّجُوهُمَا عَلَى جَوَازِ زِيَادَةِ عَدَدِ الرُّكُوعِ، وَالْمَذْهَبُ الْمُتَّبَعُ وَأَكْمَلُهَا أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَسَوَابِقِهَا سُورَةَ (الْبَقَرَةِ) أَوْ مِقْدَارَهَا إِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا، وَفِي

الثَّانِي: (آلَ عِمْرَانَ) أَوْ مِقْدَارَهَا.
وَفِي الثَّالِثِ: (النِّسَاءَ) أَوْ قَدْرَهَا.
وَفِي الرَّابِعِ: (الْمَائِدَةَ) أَوْ قَدْرَهَا.
وَكُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ.
هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُوَيْطِيِّ، وَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ فِي (الْمُخْتَصَرِ) : أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْأَوَّلِ (الْبَقَرَةَ) أَوْ قَدْرَهَا إِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا.
وَفِي الثَّانِي قَدْرَ مِائَتَيْ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) . وَفِي الثَّالِثِ: قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ وَخَمْسِينَ آيَةً مِنْهَا، وَفِي الرَّابِعِ: قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ مِنْهَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الَّتِي قَطَعَ بِهَا الْأَكْثَرُونَ، وَلَيْسَتَا عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمُحَقَّقِ، بَلِ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى التَّقْرِيبِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَتَانِ.
قُلْتُ: وَفِي اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ فِي ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ فِي الْقَوْمَةِ الثَّانِيَةِ، وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي (الْحَاوِي) ، وَهُمَا الْوَجْهَانِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَأَمَّا قَدْرُ مُكْثِهِ فِي الرُّكُوعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَبِّحَ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ مِنَ (الْبَقَرَةِ) وَفِي الثَّانِي: قَدْرَ ثَمَانِينَ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ: قَدْرَ سَبْعِينَ.
وَفِي الرَّابِعِ: قَدْرَ خَمْسِينَ، وَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى التَّقْرِيبِ.
وَيَقُولُ فِي الِاعْتِدَالِ مِنْ كُلِّ رُكُوعٍ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَ (رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) وَهَلْ يُطَوِّلُ السُّجُودَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا يُطَوِّلُهُ كَمَا لَا يُطَوِّلُ التَّشَهُّدَ، وَلَا الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: يُطَوِّلُ.
نَقَلَهُ الْبُوَيْطِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْمُزَنِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، أَنَّهُ يُطَوِّلُ السُّجُودَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي إِطَالَتِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَلَوْ قِيلَ: إِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْجَزْمُ بِهِ، لَكَانَ قَوْلًا صَحِيحًا، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: مَا صَحَّ فِيهِ الْحَدِيثُ، فَهُوَ قَوْلِي وَمَذْهَبِي.
فَإِذَا قُلْنَا بِإِطَالَتِهِ، فَالْمُخْتَارُ فِيهَا مَا قَالَهُ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) أَنَّ السُّجُودَ الْأَوَّلَ كَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، وَالسُّجُودَ الثَّانِي، كَالرُّكُوعِ الثَّانِي.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْبُوَيْطِيِّ: إِنَّهُ نَحْوُ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَأَمَّا الْجَلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَقَدْ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُطَوِّلُهَا.
وَنَقَلَ الْغَزَّالِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُطَوِّلُهَا.
وَقَدْ صَحَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ

النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الِاعْتِدَالُ بَعْدَ الرُّكُوعِ الثَّانِي، فَلَا يُطَوِّلُ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا التَّشَهُّدُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

يُسْتَحَبُّ الْجَمَاعَةُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ.
وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهَا شَرْطٌ، وَوَجْهٌ: أَنَّهَا لَا تُقَامُ إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْجُمُعَةِ، وَهُمَا شَاذَّانِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَادِيَ لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.
وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي الْجَامِعِ، وَأَنْ يَخْطُبَ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ فِي الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ، سَوَاءٌ صَلَّوْهَا جَمَاعَةً فِي مِصْرٍ، أَوْ صَلَّاهَا الْمُسَافِرُونَ فِي الصَّحْرَاءِ.
وَيَحُثُّ الْإِمَامُ النَّاسَ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ عَلَى التَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي وَعَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ.
قُلْتُ: وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَالصَّدَقَةِ، وَيُحَذِّرُهُمُ الْغَفْلَةَ وَالِاغْتِرَارَ.
فَفِي (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) عَنْ أَسْمَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا، لَمْ يَخْطُبْ.
وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ، وَالْإِسْرَارُ فِي الشَّمْسِ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الَّذِي يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّهُ يَجْهَرُ فِي الشَّمْسِ.

فَرْعٌ: الْمَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً بِرُكُوعَيْنِ.
وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، فَالْمَذْهَبُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَصْحِيحِهِ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِشَيْءٍ مِنَ الرَّكْعَةِ.
وَحَكَى صَاحِبُ (التَّقْرِيبِ) قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ الثَّانِي يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْقَوْمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ الثَّانِي مِنَ الْأَوَّلِ، وَسَلَّمَ الْإِمَامُ، قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ، وَلَا يَسْجُدُ، لِأَنَّ إِدْرَاكَ الرُّكُوعِ إِذَا حَصَلَ الْقِيَامُ الَّذِي قَبْلَهُ، كَانَ السُّجُودُ بَعْدَهُ مَحْسُوبًا لَا مَحَالَةَ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِشَيْءٍ مِنَ الرَّكْعَةِ أَيْضًا.

فَصْلٌ

تَفُوتُ صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِأَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: انْجِلَاءُ جَمِيعِهَا، فَإِنِ انْجَلَى الْبَعْضُ فَلَهُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ لِلْبَاقِي، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْكَسِفْ إِلَّا ذَلِكَ الْقَدْرُ.
وَلَوْ حَالَ سَحَابٌ وَشَكَّ فِي الِانْجِلَاءِ، صَلَّى.
وَلَوْ كَانَتِ الشَّمْسُ تَحْتَ غَمَامٍ، فَظَنَّ الْكُسُوفَ، لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ.
قُلْتُ: قَالَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَا يَعْمَلُ فِي كُسُوفِهَا بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الثَّانِي: أَنْ تَغْرُبَ كَاسِفَةً، فَلَا يُصَلِّي.
وَتَفُوتُ صَلَاةُ خُسُوفِ الْقَمَرِ بِأَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: الِانْجِلَاءُ كَمَا سَبَقَ.
وَالثَّانِي: طُلُوعُ الشَّمْسِ.
فَإِذَا طَلَعَتْ وَهُوَ بَعْدُ خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ.
وَلَوْ غَابَ فِي اللَّيْلِ خَاسِفًا، صَلَّى كَمَا لَوِ اسْتُتِرَ بِغَمَامٍ.
وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ خَاسِفٌ، أَوْ خُسِفَ بَعْدَ الْفَجْرِ، صَلَّى عَلَى الْجَدِيدِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ فِي أَثْنَائِهَا، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوِ انْجَلَى الْكُسُوفُ فِي الْأَثْنَاءِ.
وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ: هَذَانِ الْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا غَابَ خَاسِفًا بَيْنَ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَغِبْ وَبَقِيَ خَاسِفًا، فَيَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ بِلَا خِلَافٍ.
قُلْتُ: صَرَّحَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ بِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ.
قَالَ صَاحِبُ (الْبَحْرِ) : وَلَوِ ابْتَدَأَ الْخُسُوفَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لَمْ يُصَلِّ قَطْعًا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

إِذَا اجْتَمَعَتْ صَلَاتَانِ فِي وَقْتٍ، قُدِّمَ مَا يُخَافُ فَوْتُهُ، ثُمَّ الْأَوْكَدُ.
فَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ، أَوْ جُمُعَةٌ وَكُسُوفٌ، وَخِيفَ فَوْتُ الْعِيدِ أَوِ الْجُمُعَةِ لِضِيقِ وَقْتِهَا، قُدِّمَتْ، وَإِنْ لَمْ يُخَفْ، فَالْأَظْهَرُ: يُقَدَّمُ الْكُسُوفُ.
وَالثَّانِي: الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، لِتَأَكُّدِهِمَا، وَبَاقِي الْفَرَائِضِ كَالْجُمُعَةِ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَوِتْرٌ أَوْ تَرَاوِيحُ، قُدِّمَ الْكُسُوفُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا أَفْضَلُ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ جِنَازَةٌ وَكُسُوفٌ أَوْ عِيدٌ، قَدَّمَ الْجِنَازَةَ، وَيَشْتَغِلُ الْإِمَامُ بَعْدَهَا بِغَيْرِهَا، وَلَا يُشَيِّعُهَا، فَلَوْ لَمْ تَحْضُرِ الْجِنَازَةُ، أَوْ حَضَرَتْ وَلَمْ يَحْضُرِ الْوَلِيُّ، أَفْرَدَ الْإِمَامُ جَمَاعَةً يَنْتَظِرُونَ الْجِنَازَةَ وَاشْتَغَلَ هُوَ بِغَيْرِهَا.
وَلَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَجُمُعَةٌ وَلَمْ يَضِقِ الْوَقْتُ، قُدِّمَتِ الْجِنَازَةُ.
وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، قُدِّمَتِ الْجُمُعَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: تُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ، لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَهَا بَدَلٌ.

فَرْعٌ إِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْكُسُوفُ، خَطَبَ لَهُمَا بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَذْكُرُ فِيهِمَا الْعِيدَ وَالْكُسُوفَ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ جُمُعَةٌ وَكُسُوفٌ، وَاقْتَضَى الْحَالُ تَقْدِيمَ الْجُمُعَةِ، خَطَبَ لَهَا، ثُمَّ صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثُمَّ الْكُسُوفَ، ثُمَّ خَطَبَ لَهَا.
وَإِنِ اقْتَضَى تَقْدِيمَ الْكُسُوفِ، بَدَأَ بِهَا، ثُمَّ خَطَبَ لِلْجُمُعَةِ خُطْبَتَيْنِ يَذْكُرُ فِيهِمَا شَأْنَ الْكُسُوفِ، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى أَرْبَعِ خُطَبٍ، وَيَقْصِدُ بِالْخُطْبَتَيْنِ الْجُمُعَةَ خَاصَّةً.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ الْجُمُعَةَ وَالْكُسُوفَ، لِأَنَّهُ تَشْرِيكٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ، بِخِلَافِ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ، فَإِنَّهُ يَقْصِدُهُمَا جَمِيعًا بِالْخُطْبَتَيْنِ، لِأَنَّهُمَا سُنَّتَانِ.
فَرْعٌ اعْتَرَضَتْ طَائِفَةٌ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ، وَقَالَتْ: هَذَا مُحَالٌ، فَإِنَّ الْكُسُوفَ لَا يَقَعُ إِلَّا فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ، أَوِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ فَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَجْوِبَةٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْمُنَجِّمِينَ، وَأَمَّا نَحْنُ، فَنُجَوِّزُ الْكُسُوفَ فِي غَيْرِهِمَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَقَدْ نُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الشَّمْسَ كُسِفَتْ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي (الْأَنْسَابِ) : أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِثْلَهُ عَنِ الْوَاقِدِيِّ.
وَكَذَا اشْتُهِرَ أَنَّ قَتْلَ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي قُبَيْلٍ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ، كُسِفَتِ الشَّمْسُ.

الثَّانِي: أَنَّ وُقُوعَ الْعِيدِ فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى نُقْصَانِ رَجَبٍ، وَآخَرَانِ عَلَى نُقْصَانِ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَكَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ كَامِلَةً، فَيَقَعُ الْعِيدُ فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ.
الثَّالِثُ: لَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ، لَكَانَ تَصْوِيرُ الْفَقِيهِ لَهُ حَسَنًا، لِيَتَدَرَّبَ بِاسْتِخْرَاجِ الْفُرُوعِ الدَّقِيقَةِ.

فَصْلٌ

مَا سِوَى الْكُسُوفَيْنِ مِنَ الْآيَاتِ، كَالزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ وَالرِّيَاحِ الشَّدِيدَةِ، لَا يُصَلَّى لَهَا جَمَاعَةً، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ.
وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا لِئَلَّا يَكُونَ غَافِلًا.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ: أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ جَمَاعَةً، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ صَحَّ قُلْتُ بِهِ، فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: هَذَا قَوْلٌ آخَرُ لَهُ، فِي الزَّلْزَلَةِ وَحْدَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّمَهُ فِي جَمِيعِ الْآيَاتِ.
قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ غَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ صَلَاةُ الْكُسُوفِ مَعَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا ذَوَاتُ الْهَيْئَاتِ، فَيُصَلِّينَ فِي الْبُيُوتِ مُنْفَرِدَاتٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنِ اجْتَمَعْنَ، فَلَا بَأْسَ، إِلَّا أَنَّهُنَّ لَا يَخْطُبْنَ، فَإِنْ قَامَتْ وَاحِدَةٌ وَعَظَتْهُنَّ وَذَكَّرَتْهُنَّ، فَلَا بَأْسَ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل